الخثلان
الخثلان
من قول المصنف رحمه الله (باب الخيار)
25 محرم 1439 عدد الزيارات 2428

شرح التسهيل 51

قال المصنف – رحمه الله -: (باب الخيار) الحقيقة أن المؤلف لم يوفق في ترتيب هذا الباب؛ لأنه ذكر خمسة أنواع من الخيار، ثم أدخل بينها الشروط في البيع، ثم رجع وأتى بقسمين آخرين، وترك قسما من الأقسام، ولذلك نحن سنسير عليها بالترتيب، لو أن المؤلف جمع أقسام الخيار كلها، ثم تكلم عن الشروط في البيع لكان هذا أحسن من هذا الذي فعله.

 قال المؤلف – رحمه الله -: (باب الخيار) الخيار اسم مصدر من اختار أي: طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ.

إذا قلنا اسم مصدر ما الفرق بين المصدر واسم المصدر؟

المصدر: ما تضمن معنى الفعل بحروفه، مثل: توضأ توضوءا، تطهر تطهرا، تسحر تسحرا، اختار اختيارا.

واسم المصدر: ما تضمن معنى الفعل دون حروفه، يعني يكون الحروف فيها نقص، مثل: توضأ وضوءا، تسحر سحورا، تطهر طهورا، اختار خيارا.

وله عدة أقسام، أقسامه التي يذكرها الفقهاء ثمانية.

القسم الأول: خيار المجلس، وعبر عنه المؤلف بقوله: (يَثْبُتُ لَهُمَا فِي المجْلِسِ) يسميه الفقهاء خيار المجلس، والمجلس هو: موضع الجلوس، والمراد به هنا: مكان التبايع، فيثبت لكل من البائع والمشتري الخيار في إمضاء البيع أو فسخه ما دام باقيين في مكان التبايع، سواء أكان مكان التبايع مجلسا معدا للضيوف، أو كان دكانا، أو طائرة، أو سيارة، أو سفينة، أو غير ذلك.. فلكل من البائع والمشتري الخيار إلا أن يتفرقا بالأبدان من هذا المكان.

 والحكمة من ذلك: كما قال ابن القيم وجماعة: «قالوا لأن العقد يقع بغتة من غير تروي ولا نظر؛ ولأن الإنسان إذا ملك الشيء قلت رغبته فيه»، دائما الشيء الذي ليس في يدك تتعلق نفسك به، إذا ملكته قلت رغبتك فيه، فحتى يحصل تمام الرضا بالعقد جعل له فرصة لكي يتأمل ويتروى وينظر ما دام في مكان التبايع، سواء أكان بائعا أو مشتريا، فيقال: لك الآن فرصة يقال: بعتك يقال: اشتريت، أو قال: نصيبك قال: اشتريت، هنا للبائع والمشتري فرصة في أن يتراجع ما دام في مكان التبايع؛ لأنه ربما لما قال: بعتك قال: اشتريت قالها من غير تروي ومن غير تأمل ربما تكون الصفقة كبيرة، وأيضا الإنسان إذا ملك الشيء قلت رغبته فيه، جعل له هذه الفرصة لكي يتأمل، ويفكر، وينظر ما دام في مكان التبايع، حتى يحصل تمام الرضا بالبيع؛ لأن من شروط صحة البيع الرضا، فحتى يحصل تمام الرضا جُعل خيار المجلس للمتبايعين، هذه هي الحكمة، والدليل لخيار المجلس قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن مالك عن نافع عن ابن عمر، هذه تسمى بالسلسلة الذهبية: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما».

 وقد أثبت خيار المجلس الحنابلة، والشافعية، وذهب الحنفية، والمالكية إلى عدم ثبوت خيار المجلس، وقالوا: إن المقصود بالتفرق في الحديث التفرق بالكلام، والعجيب أن حديث «البيعان بالخيار» رواه مالك فكيف خالف مدلول هذا الحديث؟! ولهذا عاب كثير من أهل العلم على الإمام مالك مخالفته لهذا الحديث مع روايته له وثبوته عنده، يعني: لم يضعفه.

 ولهذا قال الإمام الشافعي: «لا أدري هل اتهم مالك نفسه؟! أو اتهم نافعا، وأعظم أن أقول اتهم ابن عمر» لأن هذا الحديث رواه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، فالشافعي يتعجب من مالك كيف لم يأخذ بهذا الحديث، بل إن ابن أبي ذئب وهو من أقران مالك اشتد عليه، وقال: «يستتاب مالك في هذا»، لكن هذا قالوا أنه من كلام الأقران الذي لا يُعبأ به؛ لأن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعتبر، حتى وإن كانوا علماء، ويقولون: إنه يطوى ولا يروى.

 الإمام مالك لم يتعمد مخالفة الحديث لكنه تأوله فرأى أن التفرق هو التفرق بالكلام، وهذا يدل على أن الإنسان مهما كان عليه من العلم قد تفوته بعض الأشياء، يرد عليه ما يرد على البشر، ولهذا الإمام مالك نفسه قال: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القول – أي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكل يؤخذ من قوله ويرد فالعصمة للأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – أما من عداهم فليس معصوم، هذا الإمام مالك على جلالة علمه وقدره هو الذي روى الحديث، ومع ذلك لم يأخذ به وتأوله.

 والصواب: لا شك هو ثبوت خيار المجلس لدلالة الحديث الصحيح الصريح له، وينقضي زمن خيار المجلس بالتفرق بالأبدان لقوله: حتى يتفرقا.

 وحقيقة التفرق بالأبدان الذي يلزم به البيع، وينقضي به زمن خيار المجلس راجع إلى عرف الناس، فما عده الناس تفرقا فهو تفرق، وما لا فلا، وهذا يختلف باختلاف الأزمان، وباختلاف البلدان، وباختلاف الأحوال، ومن ذلك: أنهما إذا كانا في غرفة خروج أحدهما من الغرفة يعتبر تفرقا بالأبدان، وإذا كان في دار كبيرة فالتفرق يحصل بالمفارقة من غرفة إلى غرفة، وإذا كانا في مكان واسع في صحراء مثلا: فأن يمشي أحدهما مستدبرا الآخر خطوات.

إذا كان التعاقد عبر وسائل الاتصال الحديثة.

 إذا كان عن طريق الهاتف فكيف يكون التفرق؟ بإغلاق سماعة الهاتف.

 إذا كان عن طريق الانترنت؟  الخروج من الصفحة وليس بالضرورة انقطاع النت، هذا يعتبر تفرقا، وهكذا.. إذا التفرق يرجع إلى العرف.

لو كان في طائرة، وهذه الطائرة رحلتها طويلة مثلا: من الرياض إلى أمريكا ثمانية عشر ساعة، لو أنه لما ركبا الطائرة تبايعا، متى ينقضي زمن خيار المجلس؟

بعد هبوط الطائرة، وتفرقهما، معنى ذلك سيستمر خيار المجلس ثمانية عشر ساعة، وقد تطول زمن خيار المجلس.

لو أنه أعجبه البيع أو الشراء وفارق صاحبه لكي يلزمه بالبيع هل هذا يجوز؟

هذا لا يجوز الفرقة من مكان التبايع بقصد الإلزام بالبيع، وخشية الفسخ، ويدل لهذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله» رواه أبو داوود والترمذي.

 لكن جاء عن ابن عمر راوي حديث «البيعان بالخيار» أنه كان إذا اشترى شيئا أعجبه فارق صاحبه، قلنا: أن هذا لا يجوز، كيف نجيب عن فعل ابن عمر هذا؟

  هذا اجتهاد من ابن عمر، ولم يبلغه النهي، وإلا لا شك أن ابن عمر من أحرص الناس على إتباع السنة، لكنه هو الذي روى حديث «البيعان بالخيار» ولم يبلغه نهي النبي – صلى الله عليه وسلم – عن المفارقة، فهو اجتهاد منه لم يوافق عليه، هذا ما يتعلق بخيار المجلس.

النوع الثاني قال: (وَمُدَّةً مَعْلُومَةً شَرَطَاهَا) هذا هو خيار الشرط، هذا هو القسم الثاني من أقسام الخيار: خيار الشرط، هو من باب إضافة الشيء لسببه، أي لخيار سببه الشرط، ومعناه: أن يشترط المتعاقدان أو أحدهما الخيار مدة معلومة، ولو طويلة، ويدل له قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «المسلمون على شروطهم».

مثال ذلك: بعت سيارة، بمبلغ قدره كذا، واشترط على المشتري أن لك الخيار لمدة أسبوع، فلا بأس، لو أنك ترددت في شراء السيارة، ثم اشتريتها، واشترطت أن لك الخيار لمدة أسبوع، فلا بأس، لو أن البائع والمشتري كلاهما اشترطا الخيار لا بأس، إذا يصح خيار الشرط من البائع وحده، ومن المشتري وحده، ومن البائع والمشتري جميعا، ولو طالت المدة، لكن لو أطلق الخيار من غير تحديد مدة، كأن يقول البائع: بعت بشرط أن لي الخيار، أو يقول المشتري: اشتريت بشرط أن لي الخيار، لكن لم يحدد زمن الخيار، لم يحدده بيوم، ولا يومين، ولا بعشرة أيام، ولا شهر، فما الحكم؟

كثير من الفقهاء قالوا: إن هذا الخيار يبطل.

والقول الثاني في المسألة: أنهما إذا أطلقا الخيار ولم يحددا مدته، يثبت بثلاثة أيام فقط، وقد اختار هذا القول الإمام ابن تيمية – رحمه الله – وهو القول الراجح، ويدل لذلك حديث حبان بن منقذ، وكان بلسانه لوثه، وكان يغبن في البيوع، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فأردد» هذا الحديث أخرجه ابن ماجه، وأصله في الصحيحين، جاء في رواية مسلم قال: كان إذا بايع قال: لا خيابة، ومعنى لا خلابة: يعني: لا خديعة، والشاهد من هذه القصة: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – جعل له الخيار ثلاثة أيام مع كل سلعة يشتريها، وهذا نص في المسألة، وعلى هذا القول الراجح أنهما إذا أطلقا الخيار، ولم يحدداه، تحدد بثلاثة أيام؛ لحديث حبان بن منقذ وفيه التحديد بثلاثة أيام، إذا هذا هو القسم الثاني وهو: خيار الشرط.

وهنا قال المؤلف: (مُدَّةً مَعْلُومَةً شَرَطَاهَا) قلنا إذا كانت المدة معلومة فيصح، إذا كانت المدة مطلقة فيتأقت بثلاثة أيام، إذا كانت مجهولة كأن يكون إلى أن يقدم زيد، وزيد لا ندري متى يقدم فإنه لا يصح هذا الخيار، لابد أن تكون معلومة، أو تكون مطلقة فتحدد بثلاثة أيام.

القسم الثالث قال: (وَخِيَارُ الغَبْنِ) هذا هو القسم الثالث من أقسام الخيار، وخيار الغبن من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي الخيار الذي سببه الغبن.

 والغبن في اللغة معناه: النقص.

وفي الاصطلاح: هو النقص في أحد العوضين، يعني في الثمن أو المثمن.

والذي يثبت به الخيار هو: الغبن الفاحش، أما الغبن اليسير فلا يثبت به الخيار.

والغبن قد ذكره الله تعالى في القرآن، هناك سورة في القرآن اسمها سورة التغابن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ يوم القيامة عندما يحشر الناس، ويأتي أناس معهم حسنات عظيمة كأمثال الجبال، ويأتي آخرون وقد ضاعت أعمارهم في لهو، ولعب، وغفلة، ويرون هؤلاء الذين معهم حسنات عظيمة أمثال الجبال يصيبهم غبن، يغبنون غبنا حقيقيا، هذا هو الغبن الحقيقي، ليس الغبن الحقيقي في بيع ولا في شراء، الغبن الحقيقي عندما يرى الإنسان الناس وقد جمعوا حسنات عظيمة من صلوات، وصيام، وصدقات، وأعمال بر، وأعمال صالحة، وهو قد ضاع عمره في لهو، وغفلة، وفي تجارة، فيغبن الإنسان هذا هو الغبن الحقيقي، لكن الغبن الذي يذكره في القرآن هنا هو غبن نسبي، لكن نحن قلنا إذا كان الغبن يسيرا هذا يتسامح فيه، أما إذا كان الغبن كبيرا هذا هو الذي يثبت به الخيار.

 اختلف العلماء في حد الغبن الذي يثبت به الخيار:

فمنهم من حده بالثلث وهم: المالكية، واستدلوا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم –: «الثلث والثلث كثير» قالوا: كونه كثير يدل على أن من غبن فيه كان غبنا يثبت به الخيار.

والقول الثاني: قول الجمهور وهو: أن المرجع لحد الغبن إلى العرف، فما عده الناس في عرفهم غبنا فهو غبن وما لا فلا، وإلى هذا ذهب الجمهور، وهذا هو القول الراجح؛ لأن التحديد بالثلث لا دليل عليه، وكونه كثيرا لا يدل على التحديد، وثبوت الخيار به.

 ومما يدل على أن الثلث لا يثبت به خيار الغبن قصة عروة بن جعد «لما أعطاه النبي – صلى الله عليه وسلم – دينارا يشتري به شاة فاشترى بهذا الدينار شاتين – يعني نسبة الربح – مائة بالمائة – ثم باع إحدى الشاتين بدينار، - أيضا النسبة مائة بالمائة ربح في البيع أو في الشراء - فأقره النبي – صلى الله عليه وسلم – على ذلك، بل دعا له بالبركة، فكان لو اشترى ترابا لربح فيه» وهذا في صحيح البخاري، هذا فيه رد على المالكية الذين حددوا بالثلث، الثلث يعني ثلاثة وثلاثين في المائة، الآن نسبة الربح ليس ثلاثة وثلاثين في المائة نسبة الربح مائة بالمائة في البيع وفي الشراء، ولم يعتبره النبي – عليه الصلاة والسلام – غبنا، وهذا يظهر أنه في وقتهم وعرفهم ليس غبنا، وعلى هذا فالقول الراجح أن المرجع في تحديد الغبن العرف.

والأصل في ثبوت هذا الخيار: عموم الأدلة الدالة على أن مال المسلم لا يحل إلا بطيبة من نفسه، في قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» والمغبون لم تطب نفسه بهذا البيع، أو بهذا الشراء.

لكن الزيادة اليسيرة لا تعتبر غبنا، يعني مثلا السيارة قيمتها في عرف الناس عشرة آلاف لكن اشتراها بأحد عشر ألفا هل هذا غبن؟ ليس غبنا، أو قيمتها عشرة آلاف وباعها بتسعة آلاف.

لكن لو كانت السيارة قيمتها عشرة آلاف واشتراها بعشرين ألفا، هذا يعتبر غبنا.

أو قيمتها عشرون ألفا واشتراها بعشرة آلاف، يعتبر غبن.

فالمرجع في ذلك إذا إلى عرف الناس.

ذكر الفقهاء أن من أبرز صور الغبن النجش.

 ومعنى النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، فإذا حصل النجش فإن كان معه غبن فيثبت الخيار للمغبون، وإن لم يكن معه غبن فإنه لا يثبت.

ومن صور أيضا الغبن: تلقي الركبان، وقد تكلمنا عن هذا في الدرس السابق وبينا معناه، ويثبت الخيار لهؤلاء الركبان إذا غبنوا، أما إذا لم يغبنوا فإنه لا يثبت لهم الخيار.

أيضا من صور الغبن التي ذكرها الفقهاء المسترسل.

ومعنى المسترسل: الذي لا يحسن المماكسة، إذا كانت السلعة تقبل المماكسة والمزايدة، وإنسان عنده غفلة، قالوا: مائة اشتراها بمائة مباشرة من غير مماكسة، أو أنه يبيع إذا قالوا بكذا يبيع مباشرة فلا يحسن المماكسة عنده شيء من السذاجة والغفلة، فهذا إذا غبن يثبت له الخيار.

فهذه الصور وغيرها ترجع إلى الضابط الذي ذكرنا وهو: أن الإنسان إذا غبن في البيع، أو في الشراء، غبنا عده الناس في عرفهم غبنا، فيثبت له الخيار سواء في هذه الصور الثلاثة، أو في غيرها، فذكر الفقهاء لهذه الصور الثلاث من باب التمثيل فقط، وإلا هي ترجع لضابط الذي ذكرنا. 

القسم الرابع من أقسام الخيار قال: (والتَّدْلِيسِ) الذي هو خيار التدليس، والتدليس مأخوذ من الدلسة، وهي: الظلمة، فكأن البائع بتدليسه قد صير المشتري في ظلمة معنوية، بالنسبة لحقيقة الحال.

 وضابط التدليس الذي يثبت به الخيار: أن يظهر البائع السلعة بمظهر مرغوب فيه، وهي خالية منه بما يزيد به الثمن.

 ويدل لذلك حديث أبو هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – مر على صُبرة من طعام، فأدخل يده فأصابت يده بللا، قال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس منا» رواه مسلم.

 فوضع الطعام السليم فوق والطعام غير السليم تحت هذا نوع من التدليس، ويثبت للمشتري الخيار، من يذكر لنا أيضا أمثلة من واقعنا المعاصر للتدليس: بالنسبة للسيارات مثلا: سيارة مصدومة ومسمكرة، ثم يأتي ويبيعها من غير أن يذكر ذلك، فيكتشف المشتري أنها مسمكرة فهنا يثبت له الخيار؛ لأنه قد غشه دلس عليه بهذا.

يغير تاريخ الصلاحية مثلا: تاريخ انتهاء الصلاحية ألفين وستة عشر، يجعلها ألفين وسبعة عشر مثلا، هذا أيضا نوع من التدليس، ويثبت للمشتري الخيار.

كذلك تقليد الماركات: يأتي بماركة مرغوب فيها، ويجعلها مكان الماركة الغير مرغوب فيها، والأمثلة كثيرة.

مما يذكره الفقهاء هنا في هذا: مسألة تصرية البهائم، التصرية: وذلك بأن يحبس اللبن في ضرعها مدة؛ لأجل أن يجتمع في ضرعها لبن كثير، فيظن المشتري أن هذا من عادتها لما يرى من كثرة اللبن، فهنا يثبت الخيار للمشتري بين الإمساك أو الرد، لكن إن كان قد حلبها وشرب اللبن فيردها مع صاع من تمر لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ، فمن ابتاعَها بعد ذلك فهو بخير النظَرَينِ بعد أن يحلبَها، إن رضيَها أمسكَها، وإن سخطَها ردَّها، وصواعًا من تمر» لكن الصاع من تمر إذا حلبها وشرب اللبن، إذا لم يحلبها لا حاجة لصاع من التمر، إذا حلبها ولم يشرب اللبن، واللبن على حاله يردها مع اللبن، لكن إذا شرب اللبن يرد بدل اللبن صاعا من تمر، مع أن الصاع من تمر قد يكون أكثر من اللبن، وقد يكون أقل، لكن النبي – صلى الله عليه وسلم – حدد بذلك بصاع من تمر حسما للنزاع في هذه المسألة.

التدليس الآن منتشر في وقتنا الحاضر، بصفة كبيرة، ومن ذلك: استخدام المبيدات في الفواكه وفي الخضار، وسمعنا قريبا عن من يستخدم المبيدات في التمور، وفي الفواكه، ويبيعها مباشرة، وهذا لا يجوز مثل هذا العمل، ويثبت للمشتري الخيار، لو أحدا اشترى خضروات أو فواكه وقد رشت بمبيدات، ويلحق الضرر المستهلك، فيثبت للمشتري الخيار، وترد على البائع، مع تعزيره أيضا من قبل ولي الأمر.

هنا المصراة أشار إليها المؤلف قال: (والتَّدْلِيسِ، وَيُرَدُّ مَعَ المُصَرَّاةِ عِوَضَ اللبَنِ صَاعُ تَمْرٍ).

القسم الخامس قال: (ويُخَيَّرُ فِي المَعِيبِ) القسم الخامس هو: خيار العيب، وخيار العيب من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي الخيار الذي سببه العيب، ويثبت بسبب العيب، والضابط فيه: نقصان قيمة المبيع به في عرف التجار، فما عده التجار في عرفهم منقصا لقيمة المبيع، ثبت به الخيار للمشتري.

مثال ذلك: رجل اشترى سيارة، وجد بها عيبا، وهذا العيب منقص لقيمتها، فيثبت له الخيار، فله أن يردها بمقتضى هذا العيب، وهنا اشترط المؤلف شرطا قال: (إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَقْتَ العَقْدِ) يعني إن لم يكن عالما بالعيب، أما لو كان عالما بالعيب وقت العقد فلا يثبت له الخيار، لو أن البائع أتى المشتري وقال: هذه السيارة فيها هذا العيب انتبه، وأشهد عليه الشاهدين، ثم إن المشتري قَبِلَ، لكن لما ذهب بها إلى البيت أراد أن يردها فليس له الحق إلا أن يرضى البائع؛ لأنه كان عالما بالعيب وقت العقد.

إذا يثبت خيار العيب إذا لم يكن عالما بالعيب وقت العقد.

قال: (بَينَ الرَّدِّ والإمْسَاكِ مَعَ الأَرْشِ) يعني له الخيار بين أن يرد هذه السلعة، وله الخيار بين أن يمسكها، لكن إذا أمسكها فيعطي البائع المشتري الأرْش.

 ما هو الأرْش؟ الأرْش هو: قسط ما بين قيمة المبيع صحيحا وقيمته معيبا.

فيقال إذا لهذا المشتري إما أن ترد السلعة، وإما أن تمسكها ويعطيك تعويض عن هذا البيع، وهو ما يسمى بالأرْش، وذهب بعض العلماء إلى أن المشتري مخير بين الإمساك أو الرد، ولا أرْش له عند الإمساك، بل يقال: إما أن تمسك هذه السلعة أو تردها، إلا أن يتعذر رد المبيع فيصار الأرْش، وهذا القول هو رواية عند الحنابلة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختاره الإمام ابن تيمية – رحمه الله – وجمع من المحققين من أهل العلم وقالوا: لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – جعل للمشتري المصَرّاة الخيار بين الإمساك من غير أرْش والرد، ولأن المشتري يملك الرد، فلم يملك أخذ جزء من الثمن، والبائع يقول: رد السلعة إذا كنت لا ترضى بها ردها، أما أنك تمسكها عندك وتلزمني بدفع الأرْش أنا ما أقبل بهذا، وهذا هو القول الراجح، أنه ليس له الأرْش عندما يمسك السلعة إلا إذا تعذر الرد، فيقال: للمشتري أنت مخير بين أمرين إما أن ترد السلعة، وإما أن تمسكها بعيبها، وأما القول بأنه له أن يمسكها ونلزم البائع بأن يدفع له الأرْش فما الدليل لهذا؟ لا دليل يدل على الأرْش، بل الدليل على خلافها في حديث المصَرّاة، النبي – صلى الله عليه وسلم – ذكر الإمساك أو الرد وصاع من تمر، ولم يذكر الأرْش، أما إلزام البائع بالأرْش هذا قد يكون فيه إضرار بالبائع، إلا إذا رضي البائع من تلقاء نفسه.  

لكن قد نصير الأرْش في حالة واحدة وهي أشار إليها المؤلف قال: (وَلَو تَعَذَّرَ الرّدُّ فَلَهُ الأَرْشُ) إذا تعذر الرد هنا يمكن أن يصار الأرْش.

مثال ذلك: اشترى سيارة، واكتشف أن فيها عيبا، وأشهد على هذا البيع، أشهد شاهدين، ثم لما أراد أن يردها في الطريق احترقت السيارة، تلفت، هنا ماذا نقول في هذه المسألة؟

نقول: للمشتري له الأرْش؛ لأن الرد هنا متعذر، السيارة تلفت، ما يمكن أن يرد السيارة، له فقط الأرْش.

اشترى شاة، ووجد بها عيبا، لما أراد أن يردها ماتت الشاة، هنا له الأرْش، فلا يصار للأرْش إلا عند تعذر الرد، هذا هو القول الراجح في المسألة، وقد اختاره ابن تيمية – وابن عثيمين – وجمع من المحققين من أهل العلم، أنه لا يصار للأرْش إلا عند تعذر الرد، أما إذا لم يتعذر الرد نقول للمشتري: إما أن تمسكها بعيبها وإما أن تردها، لكن لو تعذر الرد فنصير حينئذ إلى الأرْش.

القسم السادس من أقسام الخيار، هذا القسم لم يذكره المؤلف، وهو ما يسميه الفقهاء بخيار الخُلف في الصفة، وهذا القسم يثبت عند البيع بالصفة، ونحن ذكرنا أنه يصح البيع بالصفة، ذكرنا في درس سابق أنه يصح البيع بالصفة، إذا اشترى شيئا موصوفا، فيكون للمشتري الخيار بعد رؤيته فإذا تبين له تخلف صفة فأكثر مؤثرة في الثمن فيثبت له الخيار.

مثال ذلك: اشترى سيارة بمواصفات معينة على أنها موديل ألفين وسبعة عشر، اشتراها بالصفة لم يرها، لما أحضرت السيارة تبين أنها موديل ألفين وستة عشر، فيثبت له الخيار، ويسمى خيار الخُلف في الصفة، هذا القسم لم يذكره المؤلف، وذكره غيره كصاحب الزاد، فإذا هذا يسميه الفقهاء خيار الخُلف في الصفة، وهذا إنما يكون عند البيع بالصفة، أما عند البيع بالرؤية لا ترد هذه المسألة، لكن عند البيع بالصفة يثبت هذا الخيار عند وجود خُلف في الصفة، لكن خُلف في صفة مؤثرة، يختلف فيها الثمن، لكن لو أن وجد خُلفا في الصفة لكن غير مؤثرة، يعني مثلا: خط، غير مؤثر في ثمن السلعة، هنا لا يثبت له الخيار، لكن إذا كانت الصفة مؤثرة مثل: موديل مثلا، مثل لون السيارة، هذه مؤثرة فيثبت للمشتري خيار الخُلف في الصفة، هذا هو القسم السادس.

القسم السابع ذكره المؤلف لكن ذكره في آخر الباب، بعد الشروط في البيع، فيحسن أن نتكلم عنه الآن، حتى يكون كلامنا متسلسلا وننتهي من الكلام عن أقسام الخيار، وكان ينبغي للمؤلف ألا يفعل هذا، ألا يفرق، يدخل الشروط في البيع بين أقسام الخيار.

القسم السابع خيار اختلاف المتبايعين، ذكره المؤلف في آخر الباب، وأشار إليه بقوله: (وَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا) إذا خيار اختلاف المتبايعين، إذا اختلفا المتبايعان في قدر الثمن، أو اختلاف المتبايعين في الجملة، لكن من أشهر صور الاختلاف بين المتبايعين الاختلاف في قدر الثمن، بأن يقول البائع بعتك بعشرة، يقول المشتري لا بل بعتني بتسعة، فإن وجدت بينة فالقول قول صاحب البينة، وإن لم توجد بينة يقول المؤلف: (وَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا، وتَفَاسَخَا) يحلف البائع ثم يحلف المشتري ثم يفسخان العقد، (وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ البَائِعِ) في هذه الحال؛ لأن جانب البائع أقوى، فيبدأ به، فيقول البائع: يحلف البائع أنه ما باع بكذا وإنما باع بكذا، ويحلف المشتري ما اشترى بكذا وإنما اشترى بكذا، فإذا حلف أحدهما ونكل الآخر فالقول قول الحالف، إذا حلف كل منهما يقول المؤلف: (وَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا، وتَفَاسَخَا) يفسخ العقد، إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر، إذا فسخ العقد السلعة ترجع للبائع، والثمن يرد للمشتري.

القول الثاني في المسألة: أنه إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن فالقول قول البائع، لحديث ابن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا اختلفا البيعان وليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع أو يترادان» وهذا الحديث أخرجه أبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وهو حديث صحيح، وهو نص في المسألة، لكن إذا قلنا القول قول البائع هل فيه فرق بين هذا القول وبين القول الأول، القول الأول: يتحالفان ويتفاسخان، الثاني: القول قول البائع، ما الفرق بين القول الأول والثاني؟

بعض أهل العلم يرى أنه لا فرق بين القولين؛ لأنهم قالوا إن القول بالتحالف، ثم فسخ العقد يرجع إلى أن القول قول البائع، لأنه إذا تحالفا وتفاسخا فإن البائع سيرجع على المبيع فيقول البائع للمشتري: إما أن تأخذ السلعة بهذا الثمن الذي عينته لك، وإلا تتركها، هما اختلفا في قدر الثمن، هذا يقول بعتني بتسعة وهذا بعشرة، فالبائع يقول خذها بعشرة أو اتركها، فالحقيقة أن القول الثاني يرجع للقول الأول.

 ولهذا قال الموفق بن قدامه: «ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدا، وأن القول قول البائع مع يمينه، فإذا حلفا فرضي المشتري بذلك أخذ به وإن أبى حلف أيضا وفسخ البيع» لأن محصلة القول بالتفاسخ أن البائع يقول: هذه السلعة سلعتي، تريدها بعشرة وإلا اتركها، إذاً أصبح القول بقول البائع، ما فيه فرق في الحقيقية بين القول الأول والقول الثاني، فانتبه لهذه الفائدة النفيسة.

قال: (تَحَالَفَا، وتَفَاسَخَا، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ البَائِعِ، وَإنْ أَخْبَرَ بِثَمَن المبيعِ) هذا يسميه الفقهاء الخيار بتخبير الثمن، وهذا هو القسم الثامن من أقسام الخيار، هذا القسم يقول المؤلف: (إنْ أَخْبَرَ بِثَمَن المبيعِ فَزَادَ رَجَعَ عَلَيهِ بالزِّيَادَةِ) هذا الخيار هو الخيار الذي يثبت فيما إذا أخبره بثمن فتبين أن الواقع بخلافه، إذا أخبر البائع المشتري بثمن فتبين أن الواقع بخلافه، يعني كذب عليه، هنا قال: (رَجَعَ عَلَيهِ بالزِّيَادَةِ، وحَطِّهَا مِنَ الرِّبحِ) وفي نسخه: وحظها من الربح، رجع البائع على المشتري بالزيادة وأيضا بقسطها من الربح، ويذكر الفقهاء في هذه المسألة أربع صور:

الصورة الأولى: أن يبيعه برأس المال، ويسمونه بالتولية، يقول: أبيعك هذه السلعة برأس مالي، ورأس مالي هو: خمسة آلاف، ثم يتبين أن البائع كاذب، وأن رأس ماله ليس خمسة آلاف وإنما هو أربعة آلاف، هنا يرجع المشتري على البائع.

الصورة الثانية: الشركة، يقول: أشركتك معي في هذه السلعة برأس مالي، ورأس مالي مئة ألف، ثم يتبين أنه كاذب، وأن رأس ماله تسعون، فللمشتري الخيار.

الصورة الثالثة: المرابحة، يقول: أبيعك هذه السلعة برأس مالي وربح كذا، ثم يتبين له أنه كاذب، وأن هذا ليس رأس ماله، قال مثلا: برأس مالي خمسة آلاف وربح كذا، فللمشتري الخيار.

الصورة الرابعة: الوضيعة، ويسميه بعض المواضعة، المؤلف سماها المواضعة، يقول: أبيعك هذه السلعة برأس مالي وخسارة كذا، أو نقص كذا، ثم يتبين للمشتري أن البائع كاذب.

فلاحظ أنها كلها فيها كذب الصور الأربع، يخبره بأمر والواقع بخلافه، فيقولون هنا المشتري له الخيار، المؤلف يقول: (رَجَعَ عَلَيهِ بالزِّيَادَةِ، وحَطِّهَا مِنَ الرِّبحِ، أو النَّقْصِ فِي الموَاضَعةِ) هنا المؤلف يقول: يرجع عليه في الزيادة، وبعض الفقهاء يقول: إن له الخيار بين الإمساك أو الرد بسبب كذبه عليه، والمؤلف ذهب إلى أنه يحط عنه فقط القدر الزائد، وأنه لا خيار للمشتري، فتكون المسألة هذه فيها قولان:

القول الأول: أن المشتري له الخيار، فيما إن كذب البائع على المشتري في قدر الثمن، فالمشتري له الخيار بين الإمساك والرد، وهذا هو المشهور عليه في مذهب الحنابلة، وهذا الذي نص عليه صاحب الزاد، ودليل الطالب، وغيرهم..

القول الثاني في المسألة: وهو رواية عند الحنابلة، وهو التي اعتمدها عليه المؤلف، أنه لا خيار للمشتري في هذه الحال، وإنما يجري الحكم على الثمن الحقيقي، ويحط عنه الزائد، فإذا قال: بعتك هذه السلعة برأس مالي، ورأس ماله خمسة آلاف، ثم تبين أن رأس ماله أربعة آلاف فيرد عليه الألف، وهكذا في بقية الصور..

وهذا القول الثاني هو القول الراجح، أنه لا خيار، وأن البائع يرجع للمشتري الزيادة التي كذب عليه فيها، وأن الحكم يجري على الثمن الحقيقي، ويحط عنه الزائد؛ وذلك لأن الأصل لزوم البيع، وعدم ثبوت الخيار بعد التفرق، ولا نخرج عن هذا الأصل إلا بأمر واضح، وأما تضرر المشتري بكذب البائع عليه فيمكن أن يزال الضرر بأن يجعل له الحق في مطالبة البائع بقدر الزائد، ويلزم البائع بأن يرد عليه القدر الزائد الذي كذبه عليه فيه.

فإذا القول الراجح عدم ثبوت هذا القسم وهو الخيار بتخير الثمن، فأصبحت إذا أقسام الخيار ثمانية، ورجحنا أن القسم الأخير لا يثبت، فأصبحت إذا على القول الراجح سبعة أقسام.   

في المسألة التي بعدها لها صلة بالمسألة السابقة قال: (وَإنْ غَلِطَ عَلَى نَفْسِهِ خُيِّرَ المشْتَرِي بَينَ الرّدِّ وإعْطَائِهِ مَا غَلِطَهُ) غلط البائع على نفسه قال: رأس مالي في هذه السيارة خمسة آلاف، ثم قال: غلطت، رأس مالي ليس خمسة آلاف بل هو ستة آلاف، فيخير المشتري ويقال: إما أن تعطيه الألف، وإما أن ترد السلعة، يخير المشتري بين الرد وإعطاءه ما غلطه في هذه الحال، هل يلزم المشتري بأن يرد عليه الألف؟ ما يلزم؛ لأنه قد يكون لا يرضى، يقول أنا أرضى بهذه السلعة بخمسة آلاف، ما أرضى بستة آلاف فلا يثبت له الخيار، وإنما نقول المشتري لك الخيار بين إما أن تقبلها بالسعر الجديد الذي ذكره لك البائع، أو تردها إذا ادعى غلطا، لكن لابد أيضا أن تقوم البينة على ادعاء هذا الغلط، أما إذا ادعى دعوى من غير بينة فهذا لا يقبل الكلام، لكن قام ببينة وأتى بقرائن أنه بالفعل قد غلط، وأن رأس ماله ستة آلاف ليس خمسة آلاف فيقال: للمشتري أنت بالخيار بين أن ترد السلعة، أو أن تمسكها وترجع عليه القدر الزائد الذي غلط فيه.

قال: (وَمَتَى اشْتَرَاهُ مُؤَجَّلاً) متى اشترى البائع المبيع بثمن مؤجل، ولم يبين ذلك للمشتري، يعني اشترى هذه السلعة بعشرة آلاف مؤجلة إلى سنة، ثم أتى للسوق وقال: هذا المشتري كم اشتريتها؟ قال: اشتريتها بعشرة آلاف، لكن لم يقل أني اشتريتها مؤجلة، معلوم أن ثمن الشيء المؤجل غير ثمنه الحال، فهنا يكون قد غره، قد دلس عليه، فالمشتري له الخيار يقال للمشتري: لك الخيار بين الإمساك أو الرد.

القول الثاني: أن المشتري يأخذه مؤجلا ولا خيار له في هذا، وإنما يأخذه مؤجلا إن قبل، فإن لم يقبل له الخيار بين الإمساك أو الرد.

قال: (أو مِمَّنْ تُردُّ شَهَادَتُهُ لَهُ) اشترى البائع ممن ترد شهادته له كابنه، أو أبيه، أو زوجته، قال: هذه السلعة رأس مالها علي خمسون ألفا، فاشترى هذا الرجل على أن رأس ماله خمسون ألفا، وهذا الرجل صادق في أنه قد اشترى بخمسين ألف لكن اشتراها مِن مَن؟ اشتراها من ابنه، أو من أبيه، ممن يحابيه، مثلا: أب أراد أن يكسبه، قيمتها الحقيقية أربعين ألف لكن أبيه باعها بخمسين ألفا، حتى يبيعها بسعر أكثر، فاشترى ممن ترد له شهادته، فقال: كم رأس مالها عليك؟ قال رأس مالها عليه خمسون ألفا، لكن في الحقيقة أن رأس مالها أقل، فيقول المشتري في هذه الحال: له الخيار في هذه الحال؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يستقصي الثمن مع من لا تقبل شهادته له، فربما أن يكون رأس مالها أصلا أربعون ألفا، لكن باعتبار أنها باعها على أبيه، أراد أن يزيد في السعر مثلا، وأبوه تسامح معه، وأبوه يعرف أصلا أن رأس مالها أربعين مثلا، لكن أراد أن يتسامح معه، فيكون الإنسان في الغالب لا يستقصي الثمن مع من لا تقبل شهادته له، فشراؤه ممن لا تقبل شهادته له لا يمثل السعر الحقيقي للسلعة؛ لأن الإنسان لا يستقصي في السعر مع هؤلاء، لا يستقصي في السعر مع أبيه، ولا مع ابنه، ولا مع زوجته، ولا ممن لا تقبل شهادته له، فإذا لابد أن يخبره، إذا قال رأس ماله علي خمسون ألف يقول: من أبي، من ابني، من زوجتي، فإذا لم يفعل ذلك فيقولون للمشتري له الخيار؛ لأنه قد دلس عليه وغره بذلك.

(أو بَاعَهُ بَعْضَ صَفْقَةٍ لا يَنْقَسِمُ ثَمَنُهَا عَلَيهَا بِالأجْزَاءِ) هذا اشترى شاتين إحداهما كبيرة، والأخرى صغيرة بألف، ثم أتى قال: هذه الشاة لما أراد أن يبيع إحدى هاتين الشاتين قال: أبيعها عليك بخمسمائة، أنا رأس مالها علي خمسمائة، والواقع أن رأس مالها ليس خمسمائة ربما يكون أكثر، ربما أن يكون رأس مالها أقل، وأن الشاة الثانية هي الأكثر منها، فيكون قد غره بذلك، وهذا معنى قوله: (صَفْقَةٍ لا يَنْقَسِمُ ثَمَنُهَا عَلَيهَا بِالأجْزَاءِ، ولَمْ يُبَيِّنْه وَقْتَ تَخْبِيرِه بِالثَّمَنِ) كتم ذلك عليه، المقصود أنه قد غشه بذلك، فاشترى هو شاتين إحداهما مثلا: سبعمائة، والأخرى بثلاثمائة، ثم لما أراد أن يبيع الشاة التي بثلاثمائة قال: رأس مالها علي خمسمائة فهو قد غره بذلك، لكن لو كان ينقسم ثمنها بالأجزاء، كما لو اشترى مثلا: صاعين من الأرز متساويين بمائة، وباع أحد الصاعين بخمسين، هذا لا بأس لأنهما متساويين، أما إذا كان غير متساويين هنا لابد أن يخبره بالواقع، ولذلك قال: (لا يَنْقَسِمُ ثَمَنُهَا عَلَيهَا بِالأجْزَاءِ، ولَمْ يُبَيِّنْه) هذه الصور كلها يجمعها أن البائع إذا غر المشتري وغشه يثبت للمشتري الخيار في هذه الصور كلها.

هذا حاصل كلام الفقهاء في أقسام الخيار، ونحن ذكرنا ثمانية أقسام، وعلى القول الراجح سبعة أقسام، وأن الخيار بتخبير الثمن أنه لا يثبت على القول الراجح، وأن البائع يلزمه أن يعيد القدر الزائد على المشتري، ولا خيار في هذه الصورة.

هذا حاصل كلام أهل العلم في الخيار.

نكتفي بهذا القدر في أقسام الخيار، ونسأل الله عز وجل للجميع الفقه في الدين والعلم النافع.

والآن نجيب عن ما تيسر من الأسئلة.

* * *

هذا السائل يقول: أليس دعاء عائشة – رضي الله عنها – في العشر الأواخر: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا» يجعلنا نقول إن العفو أبلغ من المغفرة؟

رواه الترمذي، لكنه حديث ضعيف، ولو كان صحيحا فيرد هذا الإشكال الذي ذكره الأخ السائل لكن إذا قلنا أنه ضعيف لا نحتاج للإجابة عن هذا الإشكال.  

 

* * *

هذا السائل يقول: ما نجده الآن من ربح التجار بعشر أضعاف قيمة السلعة هل هو من الغبن؟

إذا كان بعشر أضعاف يعتبر غبنا، إذا كان في عرف الناس أنه غبن، يعتبر غبنا، وإذا كان بعشر أضعاف لا شك أن العرف يقتضي أنه غبن، فإذا كانت قيمتها مئة ويبيعها ألف، هذا غبن ظاهر، فيثبت للمشتري الخيار إذا طالب به.  

* * *

هذا السائل يقول: ما حكم بيع تقليد الماركات مع إخبار المشتري أنه مقلدة؟

إذا أخبر المشتري بأنها مقلدة فلم يغشه بذلك، لكن المشكل أنه إذا لم يخبره.

* * *

هذا السائل يقول: هل يشرع الدعاء بأن يرزقني الله بالصبر والرضا قبل وقوع المصيبة كقول: اللهم ارزقني صبرا عند المصائب ورضا بها؟

نعم، هذا دعاء مشروع، فالمسلم يسأل الله تعالى أن يرزقه الصبر وأن يجعله من الصابرين، والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: «ما أعطي أحدا عطاء خيرا ولا أوسع من الصبر» رواه مسلم، أعظم عطاء يعطاه الإنسان الصبر؛ لأنك إذا أعطيت الصبر سعدت، وتزول عنك الأحزان، والهموم، والغموم، وتصبر على ما يقدره الله عليك، فهو عطاء عظيم، فكون الإنسان يسأل الله أن يعطيه الصبر، ويجعله من الصابرين، هذا دعاء عظيم، كذلك الرضا يسأل الله أن يجعله ممن يتصف بالرضا، هذا لا بأس من الأدعية الطيبة

* * *

هذا السائل يقول: حكم الأكل من البوفية المفتوح؟

هذه المسألة تثار من حين لآخر لا بأس به مطلقا، وذلك لأن الغرر غرر يسير يغتفر، والغرر الممنوع شرعا هو الغرر الكثير الذي يكون مظنة للخصومة والمنازعة، هل سمعتم يوما من الأيام بأنه حصل في أي بلد من بلدان العالم حصل خصومة بين صاحب المطعم وبين  الزبون على مقدار الأكل من البوفية؟ لم نسمع بهذا، فالخصومة بعيدة جدا، والمنازعة بعيدة جدا، فالغرر هنا غرر يسير مغتفر، ليس كل غرر ممنوعا شرعا – انتبه لهذا – السلم فيه غرر، بيع معدوم ومع ذلك أجازته الشريعة للمصلحة، الجعالة الغرر فيها كبير لهذا تجد الحنفية منعوا منها أصلا قالوا لأنه الغرر فيها غرر، فليس كل غرر ممنوع شرعا، إذا كان غرر ليس كبيرا، أو أنه محتمل وفيه مصلحة راجحة فيعفى عنه، فالغرر الذي بالبوفية غرر يسير، وليس مظنة للخصومة ولا المنازعة بين الطرفين، ولو من وجه بعيد، ولم نسمع يوما من الأيام ولا نسبة واحد من مليون أنه حصل خصومة بين صاحب المطعم وبين الزبون بسبب الأكل بالبوفية، هذا بعيد جدا، فلذلك لا حرج في الأكل من البوفية مطلقا، والقول بأن فيه غرر قول مرجوح. 

* * *

هذا السائل يقول: إذا شرط المشتري للبائع مدة أسبوع بمبلغ معين، ثم أتى مشتري آخر فطلب السلعة بمبلغ أعلى، فهل للبائع ترك المشتري الأول؟

إذا كان الشرط للمشتري فقط دون البائع فهنا قد لزم العقد بالنسبة للبائع، وليس له أن يبيع على طرف آخر، أما إذا كان الخيار للبائع دون المشتري فله أن يبيع على مشتر آخر
؛ لأن بيعه على مشتر آخر بمثابة إنهاء وقت الخيار.

مثال ذلك: شخص باع على آخر سيارة، المشتري شرط الخيار مدة أسبوع، البائع وجد له زبون آخر ليس له البيع.

 لو كانت المسألة بالعكس لو أن البائع هو الذي شرط الخيار مدة أسبوع، ثم وجد زبون آخر له أنه يبيعها، ومن غير الرجوع للمشتري الأول؛ لأنه ببيعها على زبون آخر قد أبطل الخيار بالنسبة له.

* * *

هذا السائل يقول: هل يجوز أن أذهب إلى مركز تجاري وأقول اسحب لي من البطاقة مبلغ ثم أعطني نقدا؟

إذا كان لن يأخذ عليك زيادة فلا بأس، الإشكال إذا كان سيأخذ عليك زيادة، فإذا كان سيأخذ عليك زيادة فمعنى ذلك: أنك أخذت نقدا، وستدفع أكثر منه، فيئول إلى نقد بنقد مع التفاضل وهذا لا يجوز. 

* * *

هذا السائل يقول: ما نصيحتك لنا في زمن الفتن؟

هذا الزمن الذي نعيش فيه الآن كثرت فيه الفتن، وسبحان الله فتن يرقق بعضها بعضا، قد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم –: «بأن من أشراط الساعة أن تظهر الفتن» كما في الصحيحين، قد يقع بعض الناس في الفتنة، وبعض الناس قد يستشرف الفتنة ويقع فيها من حيث لا يشعر، المطلوب من الإنسان عند زمن الفتن إذا لم يتضح له الحق من الباطل أن يمسك وأن يعتزل الفتنة، ولا يخوض فيها، يعرض عنها ولا يخوض فيها، فإن هذا أسلم لدينه.

* * *

هذا السائل يقول: إذا كان هناك رجل موكل من شخص ببيع سيارته، موكل من رجل آخر بشراء سيارة من نفس المواصفات، قد وكل ببيعها، هل يصح أن يتم العقد، ويصبح هو البائع والمشتري، فإن كان يصح متى ينتهي الخيار؟

نعم يصح، ويكون يتولى طرفي العقد، وينتهي خيار المجلس في نفس اللحظة. 

* * *

هذا سائل يقول: كيف يكون الرضا بالقضاء والقدر، ويصل فيه إلى درجة الشكر ممن كانت المصيبة في دينه؟

إذا أصيب الإنسان في دينه فعليه أن يستدرك أولا بالتوبة إلى الله عز وجل، المصاب في الدين معنى ذلك أنه حصل عنده معاصي، أو ترك واجبات، فعليه التوبة إلى الله عز وجل، فكلامنا فيما سبق المصائب التي في غير أمور الدين، أما المصائب التي في الدين فلا بد من التوبة إلى سبحانه وتعالى.

* * *

هذا سائل يقول: كيف يعرف الإنسان أنه وصل إلى درجة الرضا والشكر عند المصيبة؟

الرضا معناه يقول السلف: أن تكون حاله بعد المصيبة وقبلها سواء، بحيث لا يظهر عليه الجزع ولا التسخط، لكن لو ظهر عليه الحزن ودمع العين لا بأس، لكن من غير أن يظهر عليه اعتراض على القضاء والقدر، ولا تسخط، وإنما يحمد الله ويشكره على قضائه وقدره، ويتقبل هذه المصيبة بنفس مطمئنة راضية، هذا هو معنى الرضا، يقابله عدم الرضا أن يكون متألما متسخطا غير راضي بالمصيبة، القول الراجح أنه لا يأثم بهذا لكن إذا رضي هذا أكمل درجة.

* * *

هذا سائل يقول: في أي أنواع الخيار يثبت الأرْش؟

نحن ذكرنا هذا في الدرس وقلنا أنه في خيار العين، لكن ذكرنا أن الراجح أنه إنما يثبت عند تعذر الرد.

* * *

هذا سائل يقول: وكلني صديقي على بضاعة، ثم ذهب، وأتى مشتري فرفعت قيمة السلعة، وأخذت الزيادة؟

لابد أن تخبر صديقك بواقع الحال، أما إذا لم تخبره فلا يجوز؛ لأنك لو كنت مكانه لما رضيت.

قال: وصورة أخرى رفعت القيمة؛ لأني أعلم أن المشتري يكاسر، ويخفض القيمة، ثم أبيعها بنفس السعر؟

الصورة الثانية لا بأس.

* * *

هذا سائل يقول: أخي الصغير باع أرض قيمتها مائتين ألف بمائة ألف، قال له صاحب مكتب العقار أنها تساوي مائة ألف، وهي في الواقع تساوي مائتين ألف، هل أستطيع أن أشتكي عليه لأنه غشنا؟

نعم لكم خيار الغبن، أولا تخبره أن قيمتها الحقيقية هي كذا، فإن أبى، فترفع قضية في المحكمة، والقاضي يثبت، يحيلها على هيئة النظر، أو الخبراء، فإذا رأوا أنها بالفعل أن قيمتها مائتين ألف وباعها بمائة ألف يثبت لكم خيار الغبن.

* * *

هذا سائل يقول: ما حكم وقف المال؟ ربما يقصد وقف النقد

لا بأس به على القول الراجح، القول الراجح أن وقف النقود أنه صحيح، هذا هو الذي عليه جمع من المحققين من أهل العلم أنه يجوز وقف النقود.

عندك مثلا مائة ألف تقول أوقفها لكذا، فتستثمر هذه المائة ألف، رأسها مالها يبقى مائة ألف، ريعها هو: الذي يصرف مثلا في وجوه البر، مثلا في كذا .. فهذا لا بأس به، وهذا يفعله بعض الناس، يجعل له مثلا مائة ألف، أو مليون تستثمر، والأرباح والنماء تصرف في وجوه البر، ورأس المال ثابت، وعلى القول الراجح أنه يصح وقف النقود.

* * *

هذا سائل يقول: كيف يكون الخيار في الشراء عن طريق المواقع الالكترونية حيث يكثر فيها التدليس؟

أولا: جميع أنواع الخيار تثبت فيها، خيار المجلس قلنا ما دمت الصفحة قائمة فيثبت الخيار، فإذا أغلقت الصفحة لزم البيع وانتهى زمن خيار المجلس، لك في الشراء عن طريق المواقع الالكترونية أن تشترط خيار المجلس تقول أشتريها بشرط أن لي الخيار لمدة كذا، فلك ذلك، لكن أحيانا قد لا تقبله الشركة تبيع، لكن من الناحية الشرعية لك جميع أنواع الخيارات التي ذكرناها.

* * *

هذا سائل يقول: ألا يمكن أن يكون انقضاء خيار المجلس في الطائرة، والباخرة، ونحوها ..من انتقال إلى غرفة أو دور آخر إن وجد كالدار الكبيرة؟

الطائرة لا يوجد إلا دور واحد، بعض الطائرات ممكن فيها دور ثاني، ممكن من دور إلى دور ينقضي زمن خيار المجلس، لكن لو كانت كلها دور واحدة فيبقى، الكرسي ما يحصل به التفرق.

السفينة ممكن، السفن أنواع، لكن بعض أنواع السفن يكون فيها غرف، فإذا كان فيها غرف يكون الانتقال من غرفة إلى غرفة يعتبر تفرقا بالأبدان، لكن لو كانت السفينة ليس فيها غرف فهي مثل الطائرة.

* * *

هذا سائل يقول: إذا زاد دم الحيض عن خمسة عشر يوما، وهو دم حيض فماذا تفعل مع العلم أنه يصل إلى  اثنين وعشرين يوما؟

هذه المسألة أكثر مدة للحيض، كنت فيما سبق أرجح رأي ابن تيمية – رحمه الله – وبعض أهل العلم أنه لا حد لأكثره، لكن حصلت وقائع عن نساء ومنهم الأخت السائلة تقول إن الدم الآن استمر معي اثنين وعشرين يوم، يعني كون المرأة يستمر الحيض معها ثلثي حياتها لا تصلي، ولا تصوم، وتمنع من المعاشرة  الزوجية، هذا مشكل، هذا في الحقيقة مشكل، والأصل أن المرأة يأتيها دم وطهر، هذا هو الأصل، أكثر ما يأتيها نصف الشهر دم، ونصفه طهر، ولذلك رجعت عن هذا القول، وأخذت بقول الجمهور وهو أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، ويؤيد هذا الرأي الطبي، الأطباء أيضا يقولون: إن دم الحيض الطبيعي المعتاد لا يمكن أن يزيد على خمسة عشر يوما، بل يقولون لا يزيد عن عشرة أيام إلا في أحوال نادرة، فالأحوال النادرة هذه نوصلها إلى خمسة عشر يوما، لكن إذا زاد على خمسة عشر يوما، حتى عند الأطباء يعتبرونه دم غير طبيعي دم فساد، وعلى هذا فالقول الراجح أنه إذا زاد على خمسة عشر يوما فهو ليس بدم حيض، تغتسل المرأة، تصلي، وتصوم، ويعاشرها زوجها، وليس عليها شيء، هذا هو القول الراجح وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأن القول بإطلاق المدة خاصة في وقتنا الحاضر، يمكن الفقهاء السابقون ما كان عندهم تطويل المدة عشرين يوم، واثنين وعشرين يوم، ما كان عندهم هذا؛ لأن سبب تطويل المدة هذه الموانع الحديثة من لولب، وغيرها.. هذه هي التي تطول المدة، كون المرأة اثنين وعشرين يوم لا تصلي، ولا تصوم، ما تصلي فقط إلا ثمانية أيام من الشهر، أو سبعة أيام، مثل هذه لا تأتي بها الشريعة، صعب أن نقول بهذا القول تبقى اثنين وعشرين يوم لا تصلي، صعب تقطع صلتها بربها اثنين وعشرين يوما، فهذا ما تأتي بها الشريعة، فقول الجمهور يظهر أنه هو الأقرب أنها أقصى حد خمسة عشر يوما، وهو أيضا يؤيده الرأي الطبي، أن أقصى ما يمكن إليه الحيض خمسة عشر يوما، فإذا زاد على ذلك لا يعتبر دم حيض، هذا الذي ظهر لي وأخرني في هذه المسألة.

* * *

هذا سائل يقول: لو اشترى إنسان سلعة من شخص، وبعد فترة قال: البائع أنه غلط في قيمة البيع، هل المشتري ملزم بدفع الفرق أو إرجاع السلعة؟

هذه المسألة الأخيرة التي ذكرناها، وقلنا لابد أولا أن يثبت البائع أنه غلط، أما مجرد الدعوى هذه لا تقبل، لكن لو اثبت بالبينة أتى مثلا بأوراق، بشيكات، بقرائن تدل على أنه بالفعل غلط، فيقال للمشتري في هذه الحال الخيار إما أن تقبل دفع الفرق والزيادة للبائع وإما أن تفسخ العقد، إذا فسخت العقد ترد السلعة على البائع، أو أنك تدفع الفرق، هذا إذا أثبت البائع أنه بالفعل قد غلط، أما إذا لم يثبت فهي مجرد دعوى.

* * *

والله أعلم،، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى 1439/1/12