الخثلان
الخثلان
من الفائدة 16 إلى الفائدة 22
25 محرم 1439 عدد الزيارات 422

لطائف الفوائد 4

هذا هو الدرس الرابع لهذا العام الذي يوافق التاريخ التاسع عشر من شهر الله المحرم من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

 نبدأ أولا بالتعليق على لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة السادسة عشرة.

فائدة: في مدافعة الوساوس دليل على قوة الإيمان (ما يجده المسلم من وساوس متعلقة بذات الله، أو غير ذلك.. لا تضر المسلم إذا أعرض عنها، وجاهد نفسه في مدافعتها، وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: جاء ناس من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، فقال – صلى الله عليه وسلم – : «وقد وجدتموه، قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان» قال النووي – رحمه الله – معناه: «استعظامكم الكلام به وهو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا، وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا، والتفت عنه الريبة والشكوك») يعرض لبعض الصالحين وساوس متعلقة بذات الله – عز وجل – ويجدون كرها لها، وحرجا كبيرا، ويدافعونها أشد المدافعة، كوساوس متعلقة بالذات الإلهية، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله» متفق عليه.

وهذه الوساوس وساوس متنوعة، ويتعاظم المسلم الصادق أن يتحدث بها، لا يستطيع أن يتحدث بها من شناعتها، ولذلك ورد عن بعض الصحابة أنه يقول: «والله لئن أخِر من السماء إلى الأرض ما تكلمت بها»، وقال آخر: «لئن أكون حُمَما ما تكلمت بها».

 هذه الوساوس تعرض لبعض الصالحين لأن الشيطان لما رأى منهم الصلاح والاستقامة أراد أن يشوش عليهم بهذه الوساوس، وعرضت لبعض الصحابة فأتوا النبي – صلى الله عليه وسلم – يذكرون له ذلك، فقال – عليه الصلاة والسلام -: «أوجدتموه، قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان» يعني أن هذا دليل على قوة الإيمان، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيح.

 هل المقصود أن وجود الوساوس صريح الإيمان، أو أن مدافعة الوساوس صريح الإيمان؟ مدافعة الوساوس وليس وجودها، فلا بد أن نفهم الحديث الفهم الصحيح، فقوله: - عليه الصلاة والسلام – ذاك صريح الإيمان، أي: أن مدافعة الوساوس دليل على قوة الإيمان، وليس المعنى أن وجود الوساوس دليل على قوة الإيمان؛ لأن مدافعتها لا تكون إلا من إنسان قوي الإيمان، صادقا مع ربه – عز وجل – فإذا الذي أثني عليهم به مدافعة الوساوس وليس وجود الوساوس.

إذا أتت هذه الوساوس ما موقف المسلم منها؟

أولا: إنكارها والإعراض عنها، ولهذا جاء في بعض الروايات: «فليستعذ بالله ولينتهي»، ينتهي يعني: يعرض عنها، فإذا أتت هذه الوساوس ينكرها ويعرض عنها، يفكر في موضوع آخر غير موضوع هذه الوساوس، فلا يسترسل مع هذه الوساوس.

ثانيا: يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان هو مصدر هذه الوساوس، فلهذا جاء في بعض الروايات: «فليستعذ بالله ولينتهي»، والله تعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾.

ثالثا: يقول: آمنت بالله ورسوله، وهذا قد جاء في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – السابق، الذي يقول فيه النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله فمن خلق الله؟ فمن وجد شيئا من ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله» وفي رواية: «حتى يقال: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد شيئا من ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله» الحديث في الصحيحين، فهنا أرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – فمن وجد شيئا من هذه الوساوس أن يقول: آمنت بالله ورسوله.

رابعا: جاء أيضا في رواية أنه يقرأ سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وبذلك لا تضره هذه الوساوس؛ لأن بعض الناس ينزعج منها انزعاجا شديدا، لكن إذا فهم ما ورد فيها، وفي فضل مدافعتها، وفي الموقف الشرعي منها يزول هذا الانزعاج، فنقول: هذه أتت من هو خير منا الصحابة، والمطلوب: أن تعرض عنها وتنتهي، وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتقول: آمنت بالله ورسوله ونحو ذلك.. وبذلك لا تضرك هذه الوساوس، وإذا تكررت تقول هذا، فإذا علم الشيطان أنك لا تنزعج منها سيعرض عنك الشيطان؛ لأن الشيطان يريد أن يزعجك ويريد أن يحزنك، ويحب إدخال الحزن على المسلم، ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا مدافعة هذه الوساوس لما اشتهرت بين الصحابة وقال لهم النبي – صلى الله عليه وسلم – ما قال، أتت اليهود إلى ابن عباس وقالوا: نحن خير منكم أنتم أيها المسلمون، أنتم تجدون وساوس، ونحن لا نجد وساوس، فقال ابن عباس: «وماذا يفعل الشيطان بالبيت الخرب؟» الشيطان استراح منكم، لا حاجة لأن يأتي لكم بوساوس، لكن يأتي بالوساوس لقلوب عامرة بالإيمان.   

 فائدة: حكم قول: قابلته صدفة (لا حرج في أن تقول: قابلت فلانا صدفة؛ لأن المراد منها: قابلته دون سابق وعد أو اتفاق على اللقاء، وليس في هذا المعنى حرج) عندما تقول: قابلت فلانا صدفة، أو حصل هذا مني صدفة، أو من فلان صدفة، أو صادفتك كذا، فلا بأس بهذا؛ لأن هذه النسبة إنما هي لفعل الإنسان، وليست لفعل الله – عز وجل – فالصدفة والمصادفة كما ذكر الشيخ هنا معناها: حصل هذا الشيء دون سابق وعد أو اتفاق، فهي بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع؛ لأنه لا يعلم الغيب، فقد يصادف غيره، أما بالنسبة لفعل الله تعالى فلا يقع أبدا، لا مجال للمصادفة في فعل الله – عز وجل – أبدا؛ لأن كل شيء معلوم عنده، ولأن كل شيء عنده بمقدار – جل وعلا – والأشياء لا تقع بالنسبة لله صدفة أبدا، لكن بالنسبة لفعل الإنسان يصح أن يقول: قابلت فلانا صدفة، أو حصل هذا الشيء مني صدفة، أو من فلان صدفة، يعني من غير ترتيب مسبق، ولا موعد مسبق، الإنسان لا يعلم الغيب فهو أمر واقع، وهو صادق في هذا.

 وقد جاء أيضا استعمال هذا المصطلح عن بعض الصحابة صدفة، أو صادفته، فقد جاء في صحيح مسلم عن أنس – رضي الله عنه – قال: «انطلقت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فصادفته ومعه ميسم – ميسم يعني: أداة تستخدم في الكي –» فأنس يقول: صادفته يعني صادفت النبي – صلى الله عليه وسلم – فكان الصحابة يستخدمون هذا المصطلح، فبالنسبة لفعل الإنسان لا بأس به، من جهة المعنى هو أمر واقع، إنما الممنوع أن ينسب إلى فعل الله – عز وجل – هذا هو الممنوع، أما بالنسبة لفعل الإنسان فهو لا بأس به. 

  فائدة: حكم التسمي بعبد الناصر ونحوه (الصحيح أنما دل من الأسماء بإطلاق على الله تعالى جازت التعبيد به، ولا يلزم تغييره مثل: عبد الناصر، وعبد المغني، وعبد الهادي، وعبد المنعم، وعبد الستار) هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، قبل ذلك نشير إلى أن أسماء الله تعالى توقيفية، وليست مجالا للاجتهاد، وكذلك صفات الله – عز وجل – فلا يجوز أن نسمي الله تعالى إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله – صلى الله عليه وسلم – وكذلك لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله – صلى الله عليه وسلم –.

 التعبيد لله – عز وجل – بأسمائه أمر مشروع، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، لكن وقع الخلاف في التعبيد لله – عز وجل – بأسماء تدل على الله تعالى بإطلاق، هي ليست من أسماء الله لكنها تدل على الله تعالى بإطلاق، عندما تطلق تدل على الله – عز وجل – تنصرف إليه، مثل: الناصر، ليس من أسماء الله لكنه يدل على الله بإطلاق، والهادي، والمغني، والمنعم، والستار، ونحو ذلك..

هذه محل خلاف بين العلماء هل يجوز التعبيد لله تعالى بها أم لا؟

وهنا رجح الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – أنه يجوز، وهذا هو الأظهر؛ لأنه لا يقصد في التعبيد بها إلا الله تعالى، فعندما يقال: عبد الناصر لا ينصرف الذهن إلا التعبيد لله، عبد الهادي لا ينصرف الذهن إلا التعبيد لله تعالى، عبد الستار لا ينصرف الذهن إلا التعبيد لله – عز وجل – لا ينصرف لغير الله سبحانه، بخلاف مثلا: لو قال: عبد الحسين، أو عبد كذا .. هنا ينصرف لغير الله تعالى، هذا لا يجوز، هذا محرم، وعبد الرسول، أو نحو ذلك.. هنا ينصرف التعبيد لغير الله تعالى وهذا لا يجوز بالإجماع، لكن هذه الأسماء المذكورة وإن لم تكن أسماء لله تعالى إلا أنها تدل على الله – عز وجل – عند الإطلاق، ولا ينصرف الذهن عندما يطلق التعبيد بها إلا لله تعالى، فالقول الراجح أنه لا بأس بالتعبيد لله تعالى بها، وأن من سُمي بذلك لا يلزمه تغير اسمه.  

فائدة: حكم الإقسام على الله تعالى(الإقسام على الله أن يقول الإنسان: والله لا يكون كذا وكذا، أو والله لا يفعل الله كذا وكذا، وهو على نوعين:

أحدهما أن يكون الحامل عليه قوة ثقة المقسم بالله – عز وجل – وقوة إيمانه به مع اعترافه بضعفه، وعدم إلزامه الله بشيء، فهذا جائز، ودليله قوله – صلى الله عليه وسلم – : «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره».

 النوع الثاني: ما كان الحامل عليه الغرور والإعجاب بالنفس، وأنه يستحق على الله كذا وكذا، فهذا محرم، وقد يكون محبطا للعمل، ودليل ذلك: أن رجلا كان عابدا قال: «والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله - عز وجل - : من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ قد غفرت له، وأحبطت عملك») الإقسام على الله – عز وجل – معناه: أن يقول الإنسان والله لا يكون كذا، والله لا يحصل كذا، أو حتى يقول: أقسمت عليك يا رب أن يكون كذا، هذا معنى الإقسام على الله تعالى، ما حكمه؟

أحسن ما قيل في ذلك هو التفصيل الذي ذكره الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – في هذا؛ لأنه هو الذي تجتمع به الأدلة، فيقال: إن الإقسام على الله على نوعين:

الأول: أن يكون الحامل عليه قوة ثقة المقسم بالله – عز وجل – وقوة يقينه، وصدقه مع الله، وثقته بربه، مع اعترافه بضعفه، وعدم الغرور، وعدم العجب، وعدم الإلزام لله تعالى بشيء، فهذا لا بأس به، وهذا له عدة أدلة منها: الدليل الذي ذكره المؤلف «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» ما معنى هذا الحديث؟ هذا الحديث رواه مسلم، رب إنسان أشعث أغبر يعني عليه الشعث والغبرة وربما تكون ملابسه رثة، مدفوع بالأبواب لفقره فهو إنسان ليس له كبير أهمية لدى الناس، ويغلب على كثير من النفوس احتقار الفقير، والمسكين، هذا إنسان مدفوع بالأبواب لو أراد أن يدخل مكان أغلق الباب في وجهه، ليس له كبير أهمية واحترام، وأشعث أغبر ربما يكون رث الهيئة، لكنه إنسان تقي صالح، لو أقسم على الله لأبره، لقال: والله لا يحصل كذا أبر الله قسمه، فلا يحصل كذا، ومعنى لا أبره: لصدقه، وحقق رغبته؛ لما يعلم من صدقه وإخلاصه، فقال: والله ما يحصل كذا فحقق الله رغبته أنه ما يحصل كذا، أو قال: والله ليحصلن كذا فحقق الله رغبته فيحصل كذا؛ لصدقه وإخلاصه، والأمور عند الله – عز وجل – والموازين عند الله تعالى إنما تكون بالتقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وليست بالمظاهر، ليست بالحسب، ولا بالنسب، ولا بالمال، ولا بالجاه، إنما هي بالتقوى، هذا فرعون يقول عن موسى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ[الزخرف: 52] ما معنى مهين: حقير، ولا يكاد يبين: ليس فصيحا بكلامه، والله تعالى يقول عن موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي[طه: 41] انظر إلى اختلاف الموازين، الله تعالى يقول عن موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي وفرعون يقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فالموازين عند الله تختلف عن موازين البشر، فقد يكون هذا الأشعث الأغبر المدفوع بالأبواب من أولياء الله تعالى، والولاية لله تعالى لا تختص بصنف من البشر، قد يكون مزارعا وليا لله، قد يكون فلاحا، قد يكون طبيبا، قد يكون صانعا، قد يكون عاملا، قد يكون عامل نظافة، قد يكون من أي صنف من المجتمع، إذا العبرة بالتقوى والصلاح.

 أيضا جاء هذا اللفظ إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره في قصة الربيع بنت النضر وهي في الصحيحين، «وذلك أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، فطالب أهلها بالقصاص، فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالقصاص، وذلك بأن تكسر ثنية الربيع، فقال أخوها: أنس بن النضر أتكسر ثنية الربيع؟ قالوا: نعم، قال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع، - يعني حلف بالله أنها لا تكسر – فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : يا أنس كتاب الله القصاص، وفي رواية: سبحان الله! القصاص كتاب الله، ثم إنه بعد ذلك رضي القوم وعفوا، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» يقصد بذلك: أنس بن النضر؛ لأن أنس قال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع، حلف بالله أنها ما تكسر فأبر الله قسمه، فلم تكسر، وألف قلوب أهل الجارية للرضا بالصلح، فحقق الله رغبة أنس، وأبر الله قسمه، وهذا إنما يكون لأهل الصلاح والتقوى، والولاية لله – عز وجل – إذا حلفوا بشيء أبر الله قسمهم، هذا لا بأس أن يفعله الإنسان أحيانا لكن بشرط: أن يكون الباعث له الثقة بالله – عز وجل – والصدق مع الله مع البعد عن العجب والغرور، أو إلزام الله تعالى بشيء، فإذا فعل ذلك فلا بأس به.

النوع الثاني: أن يكون الحامل عليه الغرور، والإعجاب بالنفس، وأنه يستحق على الله كذا، وأنه من الصالحين، وأنه يرى أنه عمل أعمال كثيرة وعظيمة، فهذا محرم، وقد يحبط العمل، كما في قصة الرجل العابد الذي قال: «والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله - عز وجل - : من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ قد غفرت له، وأحبطت عملك».

 فالإقسام على الله تعالى إذا يكون على هذين النوعين، وهذا التفصيل هو الذي تجتمع به الأدلة الواردة في المسألة.    

فائدة لا يقال: إسرائيليون ومسيحيون، وإنما يهود ونصارى: (لا يقال: مسيحيون ولا إسرائيليون وإنما يسمون بما ورد في الكتاب والسنة، نصارى، ويهود، قال الشيخ: عبد الله بن زيد المحمود – رحمه الله – في رسائله: «لم يثبت في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، ولا من قول الصحابة تسمية النصارى بالمسيحيين، وإنما سماهم الله نصارى، فتسميتهم بالمسيحيين إنما حدثت من عهد قريب كحدوث تسمية اليهود بإسرائيل») لا يقال: إسرائيليون ولا مسيحيون.

 أقول أولا: ينبغي لطالب العلم أن يحرص على استخدام الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، لأنك إذا استخدمت اللفظ الوارد للكتاب والسنة فإنه ليس لأحد عليك مدخل، استخدمت مصطلحا شرعيا، ليس فيه ثغرة، وليس فيه أي ملحظ، بخلاف ما إذا استخدمت ألفاظا غير شرعية، قد يكون فيها إشكالات، قد يكون عليها ملحظ، اللفظ الشرعي الوارد في الكتاب والسنة أن يقال: اليهود والنصارى، هذا هو اللفظ الوارد في القرآن وفي السنة اليهود والنصارى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ تجد أن اللفظ الوارد هو: اليهود والنصارى، لكن بعض الناس في الوقت الحاضر يطلق على اليهود الإسرائيليين، إسرائيل من هو إسرائيل: إسرائيل هو نبي الله يعقوب، ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ فمن أسماء يعقوب: إسرائيل، وكان اليهود إلى زمن موسى يسمون بني إسرائيل، لكنهم بعد ذلك أصبح يطلق عليهم اليهود، ولذلك فينبغي أن يستخدم اللفظ الشرعي فيقال: اليهود، ولا يقال: الإسرائيليون، بل إن بعض الناس يقول: لعنت الله على إسرائيل، وهو بهذا يكون قد سب نبيا؛ لأنك إذا قلت إسرائيل، إسرائيل يعقوب، وهذا فيه خطورة، وهكذا أيضا بالنسبة للنصارى، الله تعالى سماهم في القرآن النصارى، النبي – صلى الله عليه وسلم – سماهم نصارى، فأصبح بعض الناس في الوقت الحاضر يسمونهم بالمسيحيين، نسبة للمسيح، مع أنهم كفروا بما جاء به المسيح، المسيح – عليه الصلاة والسلام – كان مبشرا بمحمد ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وهم يكفرون بمحمد، جميع النصارى يكفرون بمحمد، لا يؤمنون به، فهم مكذبون للمسيح، ولذلك المسيح عيسى بن مريم عندما ينزل آخر الزمان، قبيل قيام الساعة، يحكم بالإسلام، لو كان يحكم بغير الإسلام لكان هو آخر الأنبياء، لكن يحكم بالإسلام، فهو مجدد لشريعة محمد – صلى الله عليه وسلم – وهذا المصطلح المسيحيون مصطلح حادث، ولهذا هنا فيما نقل عن الشيخ عبد الله المحمود – رحمه الله – قال: إنما تسميتهم بالمسيحيين إنما حدثت من عهد قريب، يقولون: إن هذا المصطلح تسمية حادثة لا وجود لها في التاريخ، ولا في استعمال العلماء، وإنما هي تسمية حادثة، ولذلك ينبغي أن يقال: النصارى، فيقال: اليهود والنصارى، هذا هو اللفظ الوارد في الكتاب، والسنة.       

فائدة: أنواع الإنجيل الذي بيد النصارى اليوم (الأناجيل التي بأيدي النصارى أربعة أناجيل: إنجيل متى، ويوحنا، ولوقا، ومرقس، وهم متفقون على أن لوقا، ومرقس لم يريا المسيح، وإنما رأه متى، ويوحنا، وأن هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله، ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كلما سمعوه منه، ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث، والسير، والمغازي عن النبي من أقواله، وأفعاله التي ليست قرآنا) الإيمان بالكتب هو من أركان الإيمان عند المسلمين، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه يجب الإيمان بما سمى الله تعالى التوراة، والإنجيل، والزبور، وإن كان هذا الإنجيل قد حرف، قد دخله التحريف، وهكذا أيضا التوراة، دخلها التحريف بينما القرآن لم يدخله التحريف.

 لماذا القرآن لم يدخله التحريف، بينما التوراة والإنجيل دخلها التحريف، مع أنها كتب سماوية؟

نقول: لأن الله تعالى بالنسبة للتوراة والإنجيل لم يتكفل بحفظهما، وإنما أوكل حفظهما إلى البشر فلم يحفظوها، والدليل لهذا قول الله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ أما القرآن فلم يوكل الله حفظه للبشر وإنما تكفل بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[الحجر: 9] فلا بد أن يكون قرآنا محفوظا عندما يقول رب العالمين، خالق الكون ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ في كتاب يتلى، لابد أن يحفظ، لابد قطعا، لا يمكن أن يدخله التحريف، لا يمكن، هذه قضية كبيرة يذكرها ربنا في القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ لابد أن يحفظ قطعا، وهذا هو الواقع، نحن نقرأ القرآن في القرن الخامس عشر الهجري غضا طريا كما كان يقرأه النبي – صلى الله عليه وسلم – والصحابة، لم يتغير منه حرف واحد فقط.

هنا كلام الإمام ابن تيمية – رحمه الله – عن الأناجيل، يقول: إن الأناجيل التي بأيدي النصارى أربعة: إنجيل متى، ويوحنا، ولوقا، ومرقس، ولوقا، ومرقس لم يريا المسيح أصلا، وإنما رأه متى، ويوحنا، وهذه الأناجيل الأربعة كتبت بعد أن رفع المسيح، ولم يذكر فيها أنها كلام الله وإنما هي أشياء نقلوها من كلام المسيح، ومن أفعاله، ومن معجزاته، فيها من جنس السير عند المسلمين، من جنس السير، والمغازي عند المسلمين، وما يذكر عن النبي – عليه الصلاة والسلام – من أقواله وأفعاله التي ليست من جنس القرآن، هي من جنس ما ينقل عن النبي – عليه الصلاة والسلام – من أقواله وأفعاله، ومن جنس السير، ومن جنس المغازي، ونحو ذلك.. لكنها ليست من جنس القرآن؛ لأنها لم تنقل على أنها من كلام الله – عز وجل – لأنه دخلها التحريف، دخل الإنجيل التحريف، كما دخل التوراة التحريف، وإن كانت هي كتب سماوية، هي في الأصل كتب سماوية نزلت من عند الله – عز وجل – لكنها دخلها التحريف.     

فائدة: حكم التهنئة بقدوم العام الجديد (التهنئة بقدوم العام الجديد لا بأس بها، ولكنها ليست مشروعة، بمعنى أننا لا نقول للناس إنه يسن لكم أن يهنأ بعضكم بعضا، لكن لو فعلوه فلا بأس، وينبغي له إذا هنأه بالعام الجديد أن يسأل الله له أن يكون عام خير وبركة، ومن هنأ فيرد التهنئة وهي من الأمور العادية، وليست من الأمور التعبدية) التهنئة من باب العادات، والعادات الأصل فيها الحل والإباحة، فإذا كانت التهنئة بأمر مباح كان ذلك جائزا، فالتهنئة بالعام الهجري الجديد، أو التهنئة برمضان، أو التهنئة بالعيد كل هذا لا بأس به، فلو هنأ إنسان آخر بقدوم العام الهجري لا بأس به، لكن ينبغي كما قال الشيخ: أن يقيد أن يكون عام خير وبركة، وازدياد من الأعمال الصالحة، ونحو ذلك..

لكن هل يقال أن هذه التهنئة مشروعة؟ هنا الشيخ يقول: إنها ليست مشروعة؛ لأنها لم تنقل عن السلف، لكنها هي جائزة وليست مشروعة، الأصل أنها جائزة، قد تكون مشروعة إذا ارتبط بها مصلحة، إذا ارتبط بها مصلحة شرعية كإدخال مثلا: السرور على الوالدين، أو على الأرحام، أو نحو ذلك.. هنا قد تكون مشروعة، وإلا أن الأصل أنها مباحة، من ذلك مثلا: التهنئة بقدوم رمضان هي جائزة، وقد تكون مشروعة إلا إذا ارتبط بها مصلحة شرعية من صلة الرحم، أو بر الوالدين، أو تقوية العلاقة بالجيران، أو الأقارب، أو نحو ذلك.. هذا من حيث ابتدأ التهنئة، أما ردها فيجب ردها، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إذا هنأك أحد برمضان يجب عليك أن ترد التهنئة، أو هنأك بالعيد، أو هنأك بقدوم العام، أو نحو ذلك.. يجب عليك أن ترد عليك التهنئة لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَافالتحية يشمل السلام، ويشمل غيره، ويدخل في ذلك التهنئة بهذه الأمور، لكن إذا كانت التهنئة بأمر محرم هذه لا تجوز، كالتهنئة ببدع من البدع فهذه لا تجوز، أما التهنئة بأمر مباح الأصل فيها الجواز.

    

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى