الخثلان
الخثلان
من الفائدة 10 إلى الفائدة 15
20 محرم 1439 عدد الزيارات 475

التعليق على كتاب لطائف الفوائد 3

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فنبدأ على بركة الله هذا الدرس لهذا اليوم الثاني عشر من شهر الله المحرم من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة، ونبدأ أولا بتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وصلنا إلى الفائدة العاشرة.

فائدة: في سعة علم الله تعالى (قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا أي: ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات؟! ولاسيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم) هذا يدل على سعة علم الله عز وجل، والله تعالى يوصف بالعلم، ومن أسمائه: العليم، وقد أحاط بكل شيء علما، أحاط الله عز وجل بكل شيء علما، كما جاء في سورة الطلاق: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وفي الآية الأخرى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ويقول سبحانه: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِوَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُحتى ما كان أصغر من الذرة أو أكبر منها لا يعزب ولا يغيب عن الله عز وجل، فعلمه محيط بكل شيء، علم ما كان وما يكون وما هو كائن كيف يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، يعلم السر وأخفى، السر: هو ما يسر به الإنسان لغيره، وأخفى: قال بعض المفسرين: الذي أخفى من السر ما توسوس به النفس قبل أن توسوس يعلمه الله سبحانه، فأحاط علمه بكل شيء، وفي هذه الآية: يقول ربنا عز وجل: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَاقال ابن كثير: «أي ويعلم الحركات حتى من الجمادات؛ لأن النباتات ليست من نسل الحيوان، فهي ليست من قسم الحيوان، وذوات العقول، بل هي معدودة من الجمادات بمعناها الواسع»، فالله تعالى إذا كان حركة الجمادات يعلمها فما بالك بحركة الإنسان؟! من باب أولى، إذا كان يعلم الورقة إذا سقطت وهي ليس فيها عقل ولا روح فما بالك بحركة ما له عقل وروح؟! يعلمه الله عز وجل من باب أولى، فلا يخفى على الله خافية، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فعلمه أحاط بكل شيء، عالم بكل شيء جل وعلا.

 ومن ثمرات معرفة العبد بأن الله تعالى علمه محيط بكل شيء:أن يراقب الله ويستحضر أن الله مطلع عليه عالم بحركاته، وسكناته، وأقواله، وأفعاله، فهو محيط علمه بكل شيء جل وعلا.

 فائدة: إثبات صفات الكمال لله تعالى (لله سبحانه كل صفة كمال، وهو موصوف بتلك الصفات كلها، ونذكر من ذلك صفة واحدة تعتبر بها سائر الصفات: وهو أنك لو فرطت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخص واحد منهم، ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص، لكان نسبته إلى جمال الرب تبارك وتعالى دون نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس، وكذلك قوته سبحانه، وعلمه، وسمعه، وبصره، وكلامه، وقدرته، ورحمته، وحكمته، وجوده، وسائر صفاته) لله عز وجل صفات كمال، صفات الكمال كلها لله سبحانه، وكل وصف كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه بأي وجه من الوجه فالخالق أولى به، وهنا ابن القيم – رحمه الله – يذكر صفة واحدة من باب التمثيل: «يعتبر بها على بقية الصفات يقول: لو أنك أخذت صفات الجمال، الله تعالى جميل يحب الجمال، فلو أخذت صفة الجمال، فرضت جمال الخلق كلهم اجتمع لشخص واحد، افترض افتراضا أن جمال البشر من آدم إلى قيام الساعة، كل جمال الذي تتخيله في البشر كله اجتمع في شخص واحد، يقول: ثم كان الخلق كلهم  على جمال ذلك الشخص، يعني: جمال الخلق اجتمع في شخص واحد، ثم الخلق كلهم كانوا على جماله، لكان نسبة ذلك الجمال إلى جمال الرب سبحانه أقل من نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس»، سراج أو مصباح مضيء ما نسبته إلى إضاءة الشمس؟ لا شيء، أرأيت مصباحا أشغلته أو أضاءت هذا المصباح في النهار ما نسبته إلى ضوء الشمس؟ هكذا نسبة جمال الخلق كلهم بالنسبة لجمال الله عز وجل أقل من نسبة مصباح إلى ضوء الشمس، وكذلك أيضا بقية صفاته، كذلك علمه، لو اجتمع علم البشر كلهم نسبته إلى علم الله عز وجل أقل بالنسبة المصباح أو السراج إلى ضوء الشمس، ولذلك كان موسى مع الخضر فأتى عصفور فنقر البحر، فقال الخضر لموسى: يا موسى ما علمي وعلمك بالنسبة لعلم الله إلا كنقرة هذا العصفور بالنسبة للبحر، وهكذا بالنسبة لسمع الله، الله تعالى سميع بصير، يسمع كل شيء، لو افترضت سمع البشر كلهم اجتمع في شخص واحد، ثم البشر كلهم على سمع ذلك الشخص، لكانت نسبته إلى سمع الله أدنى بالنسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس، كذلك بصر الله عز وجل، كلامه، قدرته، رحمته، حكمة الله سبحانه، لو افترضنا أن البشر منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة اجتمعت حكمته، حكماء البشر كلهم اجتمعت حكمتهم في شخص، ثم كان البشر كلهم على حكمة هذا الشخص، لكان نسبة حكمتهم إلى حكمة الله عز وجل أدنى بالنسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس، سبحان الله، الله تعالى أحكم الحاكمين، وما يحدث في هذا الكون بتقدير الحكيم العليم، لله تعالى فيه الحكمة البالغة، فالله تعالى هو الحكيم جل وعلا، فالنظر إلى صفات الله عز وجل بهذا الاعتبار يقوي الإيمان لدى المسلم، يرفع مستوى الإيمان والتعظيم لله عز وجل.   

  فائدة: اسم الله الأعظم (اسم الله الأعظم إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، مع انتفاء موانع الإجابة، وقد اختلف في تعينه، وجزم الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – بأنه الحي القيوم؛ لكونه ترجع إليه جميع الأسماء الحسنى، قال: - رحمه الله -: «من أسمائه تعالى الحي القيوم وهو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، فهو الحي الكامل في حياته، حياة لم يسبقها عدم، ولا يلحقها زوال، أما القيوم: فهو الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع خلقه، وللقيوم معنى آخر: وهو القائم على غيره فكل ما في السماوات والأرض فإنه مضطر إلى الله، لا قيام له، ولا ثبات، ولا وجود إلا بالله») اسم الله الأعظم هو الاسم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وهو الذي قد دعا به الذي عنده علم من الكتاب، فإن سليمان – عليه الصلاة والسلام – لما علم بأن بلقيس وقومها يسجدون للشمس من دون الله قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قال عفريت من الجن: يقال إنه كالجبل في حجمه وضخامته ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وكان سليمان يجلس في مقامه بضع ساعات، فكان هذا العفريت يريد أن يحمله فيأتي به قبل أن يقوم من مقامه، ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ* قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ يعني: في لمحة بصر، هذا الذي عنده علم من الكتاب هو: رجل صالح من الإنس كان يعرف اسم الله الأعظم، فدعا الله باسمه الأعظم فحملته الملائكة، وهذا يدل على أن الملائكة أقوى من الجن، حملته الملائكة في لحظة وأتت به، وهذا أصح ما قيل في تفسير هذه الآية، فهذا الرجل كان يعرف اسم الله الأعظم وكان محتفظا به، فدعا الله باسمه الأعظم.

 ما هو اسم الله الأعظم؟

اختلف في ذلك اختلافا كثيرا: الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – فيما نقل عنه في هذه الفائدة جزم بأنه هو الحي القيوم، وهو أيضا رأي الإمام بن تيمية وابن القيم – رحمهم الله تعالى جميعا – كلهم يرون أن اسم الله الأعظم هو الحي القيوم، ومستندهم في ذلك: أن هذين الاسمين ترجع إليهما جميع الأسماء، فالحي: هو الحي الكامل في حياته، حياة لم يسبقها عدم، ولا يلحقها زوال، وترجع إليه جميع الصفات الذاتية، والقيوم: الذي قام بنفسه فاستغنى عن غيره، والقائم أيضا على غيره، فكل شيء سواه مفتقر إليه، وترجع إلى هذا الاسم جميع الصفات الفعلية، قالوا: فجميع الصفات الذاتية، والفعلية، ترجع إلى هذين الاسمين، هذا أحد أقوال أهل العلم في هذه المسألة.

القول الثاني: أن اسم الله الأعظم هو الوارد في حديث بريدة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب» وهذا الحديث أخرجه أبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وسنده صحيح على شرط الشيخين، وهو أقوى ما ورد في اسم الله الأعظم.

القول الثالث: أن اسم الله الأعظم هو ما ورد في حديث أنس – رضي الله عنه – قال: دخل النبي – صلى الله عليه وسلم – المسجد، ورجل قد صلى وهو يدعو ويقول: اللهم لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : «لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» هذا الحديث أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، فسنده عند الترمذي ضعيف، لكن أخرجه النسائي، وأحمد، بسند حسن، فيبقى هذا الحديث أيضا محفوظا.

القول الرابع: أن اسم الله الأعظم هو كلمة التوحيد، واستدلوا بأن هذا هو القاسم المشترك بين الأحاديث الواردة في اسم الله الأعظم، ومنها الحديثان السابقان، وأيضا حديث أسماء بنت يزيد – رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و ﴿آلماللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لكن هذا الحديث ضعيف، أخرجه أحمد، والترمذي، وهو حديث ضعيف.

والذي يظهر أن هذه الأقوال متقاربة، وأن اسم الله الأعظم أرجى ما يكون إما الحي القيوم، أو اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أو اللهم أنت الله لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام، فيظهر أنه منحصر بين هذه الثلاثة، ويأتي بها المسلم كلها، ويكون قد أتى باسم الله الأعظم، وكثير من المفسرين لما ذكروا آية ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾ قالوا: دعا الله باسمه الأعظم فقال: اللهم أنت إلهي وإله كل شيء، إلها واحدا لا إله إلا أنت أأتني بعرشها، يعني: دعا الله بكلمة التوحيد، فاسم الله الأعظم دائر بين كلمة التوحيد لا إله إلا أنت، والحي القيوم، وذو الجلال والإكرام، لاحظ أن كل الأحاديث والوارد فيها يدور حول هذه، فإذا جمع الإنسان بينها يرجى أن يكون قد أتى باسم الله الأعظم، يقول: اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، المنان بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، الحي القيوم، ثم يسأل الله تعالى، يكون بهذا قد أتى بأرجى ما يكون لاسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.

والأقرب من حيث الصناعة الحديثية هو: حديث بريدة سنده صحيح، على شرط الشيخين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، والقول بأن اسم الله الأعظم كلمة التوحيد قول قوي؛ لأنها هي القاسم المشترك بين جميع ما روي، وأما من جهة المعنى: فالقول: بأنه الحي القيوم أيضا قوي من جهة أن جميع الأسماء والصفات ترجع إلى هذين الاسمين، هذا هو التحقيق في اسم الله الأعظم.

فائدة: الفرق بين معنى العفو والغفور(من أسماء الله الحسنى العفو: وهو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من الستر) العفو والغفور كلاهما من أسماء الله الحسنى، الله من أسمائه العفو، ومن أسمائه الغفور، وقد ورد الجمع بينهما بين العفو والمغفرة في آخر سورة البقرة في قول الله عز وجل: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فجمع الله بين العفو والمغفرة مما يدل على اختلاف معناهما، وللعلماء مسلكان في الفرق بين العفو والمغفرة:

المسلك الأول هو المذكور في هذه الفائدة وهو: الذي ذهب إليه الغزالي في المقصد الأسمى وقال: إن العفُ والعفو: أبلغ من الغفور؛ لأن الغفران ينبئ عن الستر مع عدم المؤاخذة على الذنب، بينما العفو ينبئ عن المحو مع عدم المؤاخذة على الذنب، فالمغفرة والعفو كلاهما فيه عدم المؤاخذة على الذنب، لكن العفو فيه محو، والمغفرة فيها ستر، والمحو أبلغ من الستر.

وعلى هذا يكون أيهما أفضل العفو أو المغفرة؟ العفو.

المسلك الثاني: مسلك الرازي ومن وافقه قالوا: إن المغفرة أبلغ من العفو؛ لأن العفو معناه: سقوط العقاب، وترك المؤاخذة على الذنب، وأما المغفرة فمعناه: سقوط العقاب، وعدم المؤاخذة به مع الستر عليه، فالمغفرة تتضمن معنى زائدا على العفو وهو الستر وعدم الفضيحة، إذا هذا هو المسلك الثاني: أن المغفرة أبلغ من العفو.

أي المسلكين أرجح؟

نرجع للقرآن الكريم أيهما أكثر ورودا في القرآن العفو أو المغفرة؟

لا شك أن المغفرة أكثر، ووصف الله تعالى بالمغفرة أكثر من وصفه بالعفو، ما أكثر الآيات أن الله غفور رحيم، وغافر الذنب، واسع المغفرة، غفور غفار، بينما العفو ورد في القرآن لكنه بصورة أقل من المغفرة.

وعلى هذا فالأظهر والله أعلم هو المسلك الثاني وهو أن المغفرة أنها أبلغ من العفو.

والأحسن أن يجمع الإنسان بينهما؛ لأن الله تعالى ذكر هذا عن عباده المؤمنين قال: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا فالأحسن الجمع بينهما، هذا أبلغ في الدعاء، ولكن عند التحقيق المغفرة أبلغ، هذا هو الذي يظهر، لكن هذه فوائد منقولة عن بعض أهل العلم، وهذه نقلت عن الغزالي لكن باعتبار هذا المسلك، وهناك المسلك الآخر أن المغفرة أبلغ، وهو الأظهر والله أعلم من جهة الدليل؛ لأن ورود المغفرة في القرآن والسنة أكثر، ووصف الله تعالى بالمغفرة أكثر، بل إن الله وصف نفسه بالغفور، والغفار، وغافر الذنب، وواسع المغفرة، ولم يرد في مثل هذا في العفو، وهذا يدل على أن الاحتفاء والاهتمام بالمغفرة أكثر من العفو، فالأقرب والله أعلم أن المغفرة أبلغ، وأن المسلك الذي ذكره الرازي أقرب للصواب من المسلك الذي ذكره الغزالي، هذا من جهة التحقيق في هذه المسألة.

فائدة: الله الصمد (الصمد: السيد الذي كمل في سؤدده، وتصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة؛ وذلك لكثرة خصال الخير فيه، وكثرة الأوصاف الحميدة له، ولهذا قال جمهور السلف منهم عبد الله بن عباس الصمد: السيد الذي كمل سؤددهفهو العالم الذي كمل علمه، القادر الذي كملت قدرته، الحكيم الذي كملت حكمته، الرحيم الذي كملت رحمته، الجواد الذي كمل جوده، ومن قال من العلماء إنه الذي لا جوف له فقوله: لا يناقض فهو الذي اجتمعت فيه صفات الكمال، ولا جوف له) من أسماء الله تعالى: الصمد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ والصمد معناه: ذكر له ثلاثة معاني كلها صحيحة في معنى الصمد:

المعنى الأول: السيد الذي كمل في سؤدده، فهو العالم الذي كمل في علمه، الحكيم الذي كمل في حكمته، القادر الذي كمل في قدرته، الرحيم الذي كملت رحمته، الجواد الذي كمل جوده، وهكذا..

والمعنى الثاني: الذي تصمد إليه القلوب بالرغبة، والرهبة، والرجاء، والخوف.

والمعنى الثالث: الذي لا جوف له؛ لأن من له جوف هذا نقص، ولهذا لما خلق آدم أتى إبليس ورأى أنه أجوف فعلم أنه لا يتمالك كما في صحيح مسلم عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فالله تعالى لا جوف له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لكن ذكر من صفاته أنه لا جوف له على الوجه اللائق به جل وعلا.

فهذه المعاني الثلاثة هي معنى الصمد.

فائدة: الرضا بالقضاء والقدر (ذُكر في مناقب الفضيل بن عياض – رحمه الله – أنه لما مات ابنه ضحك، فسئل عن ذلك فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما مات ابنه إبراهيم بكى ودمعت عيناه، وهدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أكمل وأفضل؛ فإنه جمع بين الرضا بقضاء ربه تعالى، وبين رحمة الطفل، فإنه لما قيل له: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، والفضيل ضاق عن الجمع بين الأمرين فلم يتسع للرضا بقضاء الرب، وبكاء الرحمة للولد، نقله ابن القيم عن شيخه ابن تيمية – رحمهما الله -) مرتبة الرضا بالقضاء والقدر هذه مرتبة علية، مرتبة رفيعة، لا يوفق لها إلا أولياء الله عز وجل.

 ما معنى الرضا بالقضاء والقدر؟

 الرضا بالقضاء والقدر معناه: أن تكون حال الإنسان بعد المصيبة كحاله قبل المصيبة، من جهة الرضا، والتسليم، والاستسلام لقضاء الله وقدره.

واختلف العلماء في حكم الرضا بالمصيبة؟

والقول الراجح الذي عليه كثير من المحققين من أهل العلم: أن الرضا مستحب وليس واجبا؛ لأن أكثر الناس لا يستطيع أن يصل إلى هذه المرتبة، إنسان يصاب بمصيبة عظيمة، ثم يرضى بقضاء الله وقدره لا يستطيع أن يصل لها إلا قوي الإيمان، أكثر الناس ما يستطيعون الوصول إلى هذه المرتبة، فالقول الراجح أن الرضا مستحب وليس واجبا، اختار هذا ابن تيمية، وابن القيم وجمع من المحققين من أهل العلم.

وحال الإنسان عندما تقع له مصيبة لا يخلو من أربع حالات:

الحال الأولى: التسخط والجزع بقلبه، أو بلسانه، أو بأفعاله.

 أما بقلبه: أن يعترض على قضاء الله وقدره بقلبه ويظن بالله ظن السوء ونحو ذلك..

وأما بلسانه: بأن يتكلم بعبارات فيها تسخط واعتراض كقول بعض الناس: ما لي أصاب بهذه المصيبة من بين الناس كلهم، يا رب ماذا أذنبت حتى أصاب بهذه المصيبة، ونحو ذلك من العبارات التي فيها تسخط..

 بفعله: كأن يلطم وجهه، أو يشق ثوبه، أو يقص شعره، هذا كله داخل في مرتبة الجزع والتسخط.

 حكمها: محرمة، ومن كبائر الذنوب؛ ويدل لهذا قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». فقوله: «ليس منا» فيه إشارة: إلى أن هذا العمل كبيرة، فالجزع والتسخط إذا من الكبائر.

الحالة الثانية: الصبر.

 ومعنى الصبر: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن الأفعال المحرمة من لطم الخدود، وشق الجيوب، ونحو ذلك..

فهو يحبس نفسه، وقد يكون غير راضي بالمصيبة، ولكنه قابض على نفسه، حابس لها على أن تجزع، أو أن يتكلم بكلام فيه تسخط، أو أن يفعل أفعالا محرمة.

 فهذه الحالة حكمها الوجوب، يجب على الإنسان أن يصبر على المصيبة.

الحالة الثالثة: الرضا، والرضا هي مرتبة فوق الصبر، تقع المصيبة يصبر عليها حابس نفسه عن الجزع وعن التسخط لكنه مع ذلك راضي بها، وهذه المرتبة كما قلنا مستحبة ليست واجبة على القول الراجح.

الحالة الرابعة: الشكر، تقع المصيبة فيحمد الله ويشكره عليها، وهذه إذا كانت مرتبة الرضا مستحبة هذه من باب أولى أن تكون مستحبة؛ لأنه يقول: إن هذه الدنيا متاع الغرور، والله تعالى يقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ويحمد الله ويشكره على ما قضى وقدر، وأنه سينال بصبره ورضاه ينال صلوات، ورحمة، وهداية، فيقول: ما أقل الدنيا في عيني، ويحمد الله ويشكره، وأصبحت المراتب أربع.

الرضا كما قلنا مرتبة مستحبة، الفضيل بن عياض عالم من العلماء، وإمام من الأئمة، لما مات ابنه وجعل في المقبرة يضحك، فقالوا: كيف تضحك ومات ابنك؟ قال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه، فأراد بهذا الضحك أن يعبر عن رضائه بالقضاء والقدر، هو الآن حقق مرتبة الرضا، النبي – صلى الله عليه وسلم – لما مات ابنه دمعت عيناه، فقيل يا رسول الله: ما هذا؟ قال: هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وفي رواية أخرى: «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون».

أيهما أفضل مقام النبي – عليه الصلاة والسلام – الذي دمعت عيناه، أو مقام الفضيل بن عياض الذي ضحك؟ النبي – عليه الصلاة والسلام – مات ابنه، ودمعت عيناه، وأخبر عن حزنه «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون»، الفضيل بن عياض لما مات ابنه ضحك؟

 هنا يقولون مقام النبي – عليه الصلاة والسلام – أكمل؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – جمع بين الرحمة للولد والرضا بالقضاء والقدر، بينما الفضيل بن عياض لم يستطع الجمع بينهما، وأتى فقط بمرتبة الرضا بالقضاء والقدر، ولم يستطع أن يجمع معها الرحمة بابنه، فكان مقام النبي – صلى الله عليه وسلم – أعظم من مقام الفضيل بن عياض، لاحظ دقة المسألة، النبي – عليه الصلاة والسلام – لاشك أنه قد رضي بالقضاء والقدر قطعا، لكن جمع معها الرحمة، ولهذا قال: إنما هي رحمة، حينما قالوا: ما هذا يا رسول الله؟ كيف تدمع عينك على ابنك؟ قال: هذه رحمة بالولد، فجمع بين الرحمة بالولد وبين الرضا بالقضاء والقدر، فكان مقامه أعظم من مقام الفضيل الذي لم يتسع قلبه للجمع بين الرحمة وبين الرضا، هذه من دقائق المسائل فكلاهما الرحمة والرضا من الصفات العليلة، لكن الجمع بينهما هو الأكمل، والأفضل وهو المقام الذي فعله النبي – صلى الله عليه وسلم -.

هذا إنسان أصيب بمصيبة لم يتكلم بكلمة، لكنه متألم من المصيبة وغير راضي عنها، والثاني: أصابته مصيبة وهو أيضا لم يتكلم بكلمة، لكنه راضي، فالفرق بينهما في الرضا، الفرق بينهما في الشعور النفسي، لاحظ أن هذا لم يتكلم بكلمة محرمة، ولم يفعل فعلا محرما، الثاني: أيضا لم يتكلم بكلمة محرمة، ولم يفعل فعلا محرما، إذا ما الفرق بينهما؟

الفرق بينهما بالشعور النفسي في الرضا، هذا ممتلئ قلبه بالرضا، وهذا غير راضي على المصيبة، مقام الرضا أكمل لكنه ليس واجبا؛ لأنه أكثر الناس لا يستطيعون الوصول إلى مرتبة الرضا، خاصة العامة لا يستطيعون الوصول لمرتبة الرضا؛ لأنها مرتبة عظيمة ورفيعة، لكن يوفق لها الصالحون، يوفق لها أولياء الله عز وجل يوفقون لهذه المرتبة العظيمة، وأبلغ منها مرتبة الرضا والشكر؛ لأن الشكر تتضمن الرضا والزيادة، وعند المصائب مثل: فقد الأحباب الأفضل الجمع بين الرحمة والرضا، لا يضحك الإنسان مثلا: عند فقد حبيب ويقول: حتى أعبر عن رضا كما فعل الفضيل، بل يفعل كما فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – يرحم هذا الميت، ولو عبر عن رحمته بحزن، أو بدمع، فلا بأس، مع رضاه بقضاء الله وقدره، حتى البكاء من غير رفع الصوت لا بأس، لما توفي سعد بن معاذ، تقول عائشة: لم أعرف صوت النبي – صلى الله عليه وسلم – من صوت أبي بكر، وعمر، من بكاء، فالبكاء من غير رفع الصوت لا بأس به، وإنما الممنوع رفع الصوت بالبكاء هذا هو النياح، أما البكاء من غير رفع الصوت، ودمع العين، وحزن القلب هذه كلها لا بأس بها، ولا تنافي الرضا بالقضاء والقدر. 

    

لعلنا نكتفي بهذا القدر في لطائف الفوائد.

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1439/1/12