الخثلان
الخثلان
من الفائدة 4 إلى الفائدة 9
8 محرم 1439 عدد الزيارات 443

التعليق على كتاب لطائف الفوائد 2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:

هذا هو الدرس الثاني، يوم الاثنين الخامس من شهر الله المحرم، لعام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة، نبدأ أولا بالتعليق على لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة الرابعة.

فائدة:(العقل السليم لا يناقض النقل الصحيح، قيل لأحد الأعراب: وقد أسلم، لما عرف دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – ما الذي دلك على أنه رسول الله؟ قال: ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به، ولا أحل شيئا فقال العقل ليته حرمه، ولا حرم شيئا فقال العقل ليته أباحه) ما جاء في النقل الصحيح لا يمكن أن يتعارض مع العقل الصريح أبدا، ما جاء في نصوص الكتاب والسنة لا يمكن أن يتعارض مع الفطرة المستقيمة، ولا يخالف العقل الصريح، وهذا أمر مقطوع به، فإذا رأينا مخالفة فإما أن هذا لم يدل عليه العقل الصريح وإنما توهمه الإنسان، وإما أن النقل غير صحيح كأن يكون حديثا ضعيفا أو موضوعا، ولذلك لا تجد مثال واحد فقط لتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، هذا مستحيل، أعطني مثالا واحدا يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، لا يمكن مستحيل.

 وقد صنف في هذا أبو العباس بن تيمية – رحمه الله – كتابا عظيما سماه: «درء تعارض العقل والنقل» الذي قال عنه تلميذه ابن القيم: «ما في الوجود بعده كتاب ثاني»، بعده يقصد الكتاب والسنة، فهو كتاب قيم، وقد ذكر الأدلة والشواهد الكثيرة على عدم تعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح.

إذا لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح ولهذا أحد الأعراب لما عرف دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – قيل له: ما الذي دلك على أنه رسول الله: قال: بفطرته السليمة، قال: ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به، ولا أحل شيئا فقال العقل ليته حرمه، ولا حرم شيئا فقال العقل ليته أباحه، أي أنه متوافق مع العقل الصريح، ومع الفطرة السليمة، ومع الفطرة المستقيمة؛ لأن هذه الشريعة من لدن عزيز حكيم، من رب العالمين، خالق كل شيء، وهو أعلم بكل شيء، وإذا أشكل عليك شيء فاتهم فهمك، واتهم عقلك، واتهم رأيك.

وهذه الشريعة جعلها الله تعالى كاملة وشاملة لكل ما يحتاج إليه الإنسان،﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

 وكما قال أبو ذر – رضي الله عنه – : «ما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطائر يطير بجناحيه إلا وذكر لنا منه علما».

 فائدة: (دليل واحد يكفي، قيل لأحد السلف: إن فلانا أقام ألف دليل على وجود الله، فضحك وقال: «دليل واحد يكفي، قيل: ما هو؟ قال: لو كنت ماشيا وحدك في الصحراء، وزلت قدمك فسقطت في بئر، لم تستطع الخروج منها، فماذا تقول؟ قال أقول: يا الله، قال: هذا هو الدليل»، فالإيمان بوجود الإله شيء كامل في فطرة الإنسان، لكن تغطيها الشهوات، والرغبات، والمطامع، فإذا هزتها الشدائد ألغت عنها غطائها فظهرت) وجود الله عز وجل هذا أمر مركوز في الفطر، ولم يتنازع فيه بنو آدم، ولذلك لما بعث الله الرسل إلى أقوامهم هل الرسل أرسلت لتعلم الناس بوجود الله؟ أبدا، الناس كانوا يعرفون أن الله موجود، قوم نوح، وقوم عاد، وثمود، وقوم صالح، وأصحاب الأيكة، قوم موسى، وعيسى، وكفار قريش، والأنبياء كلهم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق، الرازق، المدبر لهذا الكون، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ إذا ما هو الانحراف عندهم؟ الانحراف عندهم انحراف العقيدة، اتخذوا أصناما قالوا: هذه أصنام أناس صالحين نريد أن تشفع لنا عند الله، هذا هو شرك الأولين والآخرين، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ اتخذوا وسائط بينهم وبين الله بزعمهم بأنهم تقربهم إلى الله زلفى، وإلا ما كانوا ينكرون وجود الله عز وجل، ولذلك فوجود الله تعالى مركوز في الفطر.

 وهناك كتاب عظيم أنصح بقراءته والإفادة منه وهو الحقيقة يزيد الإيمان لدى الإنسان اسمه: «دلائل التوحيد» لجمال الدين القاسمي، المتوفى سنة: ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين للهجرة، يعني قبل أكثر من مئة وستة أعوام، وهو صاحب التفسير المشهور«محاسن التأويل» ذكر القاسمي في كتابه هذا خمسة وعشرين دليلا على وجود الله عز وجل، ذكر أول دليل: دليل الفطرة وهو الذي تشير إليه هذه الفائدة، فمعرفة الله تعالى مركوزة في فطر العباد، ما الدليل على أن معرفة الله عز وجل مركوزة في فطر العباد؟ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ فأخذ الله تعالى بني آدم وهم في صلب أبيهم آدم، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ فإن قال قائل: أنا لا أذكر هذا العهد وهذه الشهادة؟ هل تذكر وقت ولادتك؟ إذا كنت لا تذكر وقت ولادتك، كيف تريد أن تذكر وقت هذا العهد، كونك لا تذكر ليس دليل على أنه لم يقع، أخبر به ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا وهذا يدل على أن معرفة الله مركوزة في الفطر؛ لأن الله تعالى أشهدهم على أنفسهم وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ لكن هذه المعرفة قد تغطيها الرغبات، والأطماع، والشهوات، وعندما تأتي الشدة تزول هذه كلها، تزول الرغبات، والأطماع، والشهوات كلها، ويرجع الإنسان للفطرة، فيلجأ إلى الله عز وجل، ولهذا قيل لأحد السلف: : إن فلانا أقام ألف دليل على وجود الله، فضحك وقال: «دليل واحد يكفي، قيل: ما هو؟ قال: لو كنت ماشيا وحدك في الصحراء، وزلت قدمك فسقطت في بئر لم تستطع الخروج منها، فماذا تقول؟ قال أقول: يا الله»حتى لو كان هذا ملحدا وقت الشدة يلجأ إلى الله عز وجل، ولهذا كان كفار قريش ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ عند الشدة يتركون الشرك، ويدعون الله مخلصين له الدين،﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ فهذا الدليل دليل الفطرة، يسميه العلم دليل الفطرة، وهو من أعظم وأقوى الأدلة؛ لأنه شيء فطري، أن الإنسان يتجه إلى رب عظيم خالق، لكن متى يتجه؟ يتجه إليه وقت الشدة، عند الرخاء قد الشهوات والمطامع تغطيه، لكن عندما تأتي الشدة يلجأ إلى ربه وخالقه جل وعلا.

 يقولون حتى الحيوانات والبهائم عندما تفقد الماء والكلأ ترفع رؤوسها إلى السماء، سبحان الله، وهذا شيء يعرفه أرباب المواشي، ذكره أهل العلم، يعني تعرف ربها عز وجل، الهدهد لما توعده سليمان ماذا قال؟ ﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يعرف الله تعالى، ويعرف أن المطلوب هو تحقيق توحيد الله عز وجل مع أنه حيوان طير هدهد، فمعرفة الله عز وجل مركوزة في فطر العباد هذا في الحقيقة من أقوى الأدلة، ولذلك أي إنسان حتى الملحد، حتى الكافر عندما يقع في كربة وفي شدة تجد أنه يلجأ إلى الله عز وجل.

وهناك أدلة أخرى ذكر القاسمي أدلة أخرى دليل طريق العناية مثلا ستأتي في الفائدة التي بعدها.

لو رأى الإنسان حجرا على هيئة كرسي، قد صمم على هيئة كرسي لأجل أن يجلس فيه أحد، هذا لابد له من أحد صممه، لا يمكن أن يأتي هكذا، فما بالك بهذا الكون الفسيح، وهناك دليل الاختراع، وأدلة كثيرة..  

  فائدة: (دلائل التوحيد، لو نظرت إلا كلمة واحدة كتبها كاتب لاستدللت بها على كون الكاتب عالم، قادر، سميعا، بصيرا، واستفدت منه بيقين بوجود هذه الصفات، وكما تشهد هذه الكلمة شهادة قاطعة بصفات الكاتب، فما من ذرة في السماوات والأرض من فلك، وكوكب، وشمس، وقمر، وحيوان، ونبات إلا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة إلى مدبر دبرها وقدرها، بل لو ينظر الإنسان إلى عضو من أعضاء نفسه، بل إلى صفة من صفاته، وحالة من حالاته التي تجري عليه قهر بغير اختياره إلا ويراها ناطقة بالشهادة إلى خالقها ومدبرها جل وعل) هذا دليل من أدلة التوحيد، وهو دليل الاختراع، لو نظرت إلى كلمة واحدة كتبها كاتب، أو مقال، أو كتاب، وقال مثلا: الكاتب الفلاني هو الذي كتب هذه، أو كتاب ألفه فلان بن فلان، أو صورة حتى رأيت في الجوال، أنت استدللت بهذا الدليل إما كتابة، أو المؤلف، أو الصورة دليل واحد استدللت بها على أن هناك شخص اسمه فلان، وأنه سميع، بصير، حي، قادر يتكلم ما الدليل على وجود فلان؟ هذا الدليل دليل واحد، كلمة، أو صورة، هذا الكون الفسيح كل شيء دليل على وجود الله، كل شيء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، عندما ترى الذي أمامك من الذي خلقه؟ من الذي أوجده؟ هل أوجد نفسه؟ ما يمكن أن يكون أوجد نفسه، من الذي أوجده؟ أنت من الذي أوجدك؟ هل خلقت نفسك؟ لم تخلق نفسك؛ لأنك لو خلقت نفسك لاخترت وجها غير هذا الوجه، واخترت عينين غير هاتين العينين، واخترت أنفا غير هذا الأنف، واخترت شكلا غير هذا الشكل، إذا أنت لم تخلق نفسك، فمن الذي خلقك؟ تلتفت يمينا ويسارا تجد بشرا مثلك، ما خلقوا أنفسهم كيف يخلقوك، تجد حيوانات لا عقل فيها، وتجد جبالا، وأشجارا، وجمادات لا عقل فيها، فكيف يمنح العقل من لا عقل فيه، لابد إذا أن يكون خالق عظيم مقدر هو الذي خلقك، وخلق كل شيء، ولابد لهذا الخالق أن يعبر عن نفسه، ويقول: أنا خلقتك، وخلقت البشر، وخلقت كل شيء، هل هناك أحد غير الله عز وجل قال: أنا الخالق؟ أبدا، لا أحد يتجرأ قال: أنا الخالق للكون، وأنا الخالق للسماوات والأرض، وأنا الخالق كل شيء، إلا الله وحده، لأنه من السهل تسفيهه، لو قال أنا الخالق؟ يقال له أخلق الآن، ما يستطيع أن يخلق ولو ذبابة، ما فيه أحد ادعى خلق السماوات والأرض غير الله عز وجل، الله سبحانه تعالى هو الخالق للسماوات والأرض، هذا دليل الاختراع، ويرد به على الملاحدة.

 ثم أيضا هذا الدليل يدل أيضا ليس فقط على وجود الله، بل يدل على وحدانية الله؛ لأن الله عندما ينزل كتابا، ينزل القرآن ويقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لو كان هناك إله غير الله أين هو؟ وهو يسمع أن الله يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا لو كان هناك إله غير الله أين هو؟ إن كان لا يعلم بأن الله يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا لا يستحق أن يكون إلها، إن كان يعلم وهو عاجز لا يستحق أن يكون إلها، فتعين أن لا إله إلا الله، هذا أيضا دليل على الوحدانية، ليس فقط على الوجود بل على الوحدانية.

فمثل هذه الأدلة أيها الأخوة تقوي مستوى الإيمان لدى المسلم، تزيد من مستوى الإيمان، لذلك أنصح بالقراءة فيها، وهذه قد أيضا تجد فيها إشارات في آيات القرآن كثيرة، فمثلا دليل الاختراع من أدلته قول الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ هل أنت خُلقت من غير شيء؟ ما يمكن، هل أنت خلقت نفسك، أم خلقت غيرك؟ لا، إذا لابد لك من خالق، أيضا من أدلة دليل الاختراع ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًاوَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ هذه كلها أدلة يسميها العلماء بدليل الاختراع، ترجع إلى دليل الاختراع، والدليل السابق دليل الفطرة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾.             

  (ومن دلائل توحيده عن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مذكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينة في البحر مملوءة فيها أنواع من المتاجر، وليس أحد يحرسها، ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد، فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسلفي، وما اشتملت عليه بالأشياء المحكمة ليس لها صانع، فبهت القوم، ورجعوا إلى الحق، وأسلموا على يديه) هذه القصة ذكرها الحافظ بن كثير في تفسيره، في مناظرة الإمام أبي حنيفة لبعض الزنادقة، والإمام أبو حنيفة معروف بقوة الحجة، لما ناظروه في وجود الله عز وجل قال: دعوني فإني مفكر بأمر قد أخبرت عنه، قالوا: ماذا؟ قال: ذكروا لي أن سفينة في البحر مملوءة فيها من أنواع الأرزاق والمتاجر، وليس أحد يحرسها ولا يسوقها، وإنما تذهب بنفسها، وتجيء وتسير، وتتنقل من بلد إلى بلد، وتخترق الأمواج من غير أن يسوقها أحد، قالوا: هذا غير ممكن، كيف سفينة جماد تفعل هذا بنفسها؟ هذا لا يقوله عاقل، قال: وهذا العالم العلوي والسلفي بهذا التقدير البديع، العجيب، المتقن هل يمكن أن يكون هكذا بدون صانع؟ فبهتوا، وأسلموا، وهذا يسميه العلماء بدليل العناية، عندما ترى هذا الكون كيف أن الله عز وجل قد قدر كل ما في هذا الكون تقديرا، وهيئه لعيش الإنسان فيه، هيأ الله تعالى هذه الأرض قبل إنزال أبينا آدم، هيأها لعيش الإنسان تهيئة تامة، فجعلها مناسبة لكي يعيش الإنسان عليها سواء من جهة التربة، أو من جهة الطقس، أو من جهة المناخ، أو من جهة الجغرافي، من جميع النواحي.. بينما الكواكب القريبة منا غير مهيأة، المريخ غير مهيأ لأن يعيش عليها الإنسان، الزهرة غير مهيأة، الكواكب هذه كلها غير مهيأة إما أنها شديدة الحرارة، أو شديدة البرودة، فهي غير مهيأة للإنسان، لكن هذه الأرض هيأها الله تعالى، وأتقن هذا الكون الفسيح في غاية الإبداع، وغاية الإتقان، هل رأيتم يوما من الأيام أن الشمس تأخر شروقها عن وقتها المحدد، أو تأخر غروبها؟ أبدا، أو القمر تأخر شروقه أو غروبه؟ أو النجوم؟ أو حصل خلل في هذا الكون؟ أبدا، يسير في غاية الإتقان والإبداع، ثم إن الله عز وجل أيضا لما هيأ العيش لهذا الإنسان هيأه بطريقة عجيبة متقنة، فتجد أن عدد الرجال مقارب لعدد النساء في الغالب، هذا يدل على أن هناك إله عظيم، اختار هذا فقدر هذا، لا تجد مثلا في بلد من البلدان كله ذكور هل يمكن؟ كل هذا البلد كله ذكور؟ وهذا البلد كله إناث؟ ما يمكن، بل لابد أن تجد ذكورا وإناث، هذا يدل على وجود خالق عظيم مدبر لهذا الكون جل وعلا، وهذا الدليل هو دليل العناية، ذكر الله تعالى فيه آيات من القرآن منها: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا هذه كلها دليل على رب عظيم قادر مدبر لهذا الكون، وهيأ هذه الأرض للإنسان لكي يعيش عليها، فعندما ترى هذا الكون الفسيح، وترى هذا الإبداع والإتقان تعرف بأن هناك ربا عظيما، قادرا، حكيما جل وعلا مدبرا لهذا الكون.

لو أنك تسير في الصحراء ثم فجأة وجدت واحة مهيأة فيها بيت، وفيها أماكن للجلوس، وفيها كراسي، وفيها أشياء مهيأة ومعدة، تجزم بأن هناك إنسان وأتى وهيأ هذه الواحة، هل يمكن أن تكون مصادفة؟ ما يمكن، من الذي بنى هذا البيت؟ هل يمكن أن يوجد هذا البيت مصادفة؟ ما يمكن، لابد أن أحدا أتى وبنا هذا البيت، هيأ هذه الكراسي، هيأ هذه الواحة، أيضا هذا الكون الفسيح هيأه الرب عز وجل؛ لكي يعيش عليه بنو آدم، وأتقنه وجعله في غاية الإبداع، وفي غاية الإتقان.

 لو تأملت فقط في خلقك، خلقك أنت أيها الإنسان، انظر مثلا إلى الجهاز الهضمي كيف يعمل؟ حينما تدخل لقمة إلى فيك؟ كيف يعمل هذا الجهاز؟ من الذي ألهمه؟ أجهزة الجهاز الهضمي لكي تهضم هذا الأكل ويستفيد منه الجسم ويخرج الفضلات من الذي ألهم أجزاء هذا الجهاز الهضمي؟ الجهاز العصبي، الجهاز التناسلي، جميع أجهزة الإنسان، من الذي ألهمها لكي تعمل بهذه الطريقة؟ البصر، السمع، فهناك إله عظيم قادر، هو الذي خلق الإنسان، وأعطاه هذه الإدراكات جل وعلا ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ هذا دليل يسمى بدليل العناية.

 ونكتفي بهذا القدر في دلائل التوحيد، وأحيلكم إلى الكتاب الذي أشرت إليه وهو كتاب: «دلائل التوحيد» للقاسمي، ذكر خمسة وعشرين دليلا كلها من جنس هذه الثلاثة التي ذكرت، قد تكون لغته فيها صعوبة إلى حد ما لكن تفهم الجملة، وربما إذا أشكل على الإنسان شيء يسأل ما يشكل عليه من العبارة، لكنه كتاب قيم عظيم.

هل معرفة الله عز وجل ضرورية أو مكتسبة؟ معرفة الله ضرورية ولذلك ما فيه أحد أنكر وجود الله، حتى الذين أنكروا وجود الله وهو فرعون لكن جحدوا بها واستقينتها أنفسها ظلما وعلوا، بعض الأشياء تكون بدهية يدركها الإنسان من غير حاجة إلى دليل.

 لو قلت لك مثلا: ماهذا؟ قلت: قلم، أثبت لي أنه قلم؟ ما يحتاج أن أثبته لك، قلم بدهيا.

لو قلت لك فيه رجل عظيم اسمه عمر بن الخطاب عاش في القرن الأول الهجري، تقول: أثبت لي ما الدليل؟ ربما يكون هذا غير صحيح، ما الدليل على أن هناك رجل اسمه عمر بن الخطاب؟ تقول استفاض هذا حتى أصبح كالعلم الضروري.

لو قلت لك إن فيه بلاد اسمها الهند، تقول أنا: ما ذهبت إلى الهند ولا أعلم عنها، أثبتي لي أن هناك بلد اسمها الهند؟ استفاض هذا حتى أصبح كالعلم الضروري.

لو قال أحد ما فيه بلد اسمها الهند، ما فيه أحد اسمه عمر بن الخطاب ماذا يقول عنه الناس؟ يستخفون بعقله، لماذا؟ لأنه ينكر أشياء أصبحت كالعلم الضروري، هكذا أيضا وجود الله عز وجل هو الآن من العلم الضروري البدهي، ولهذا قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فهو من العلم الضروري.   

فائدة: (من أنواع الشرك الأصغر إن كل من اعتقد في شيء أنه سبب، ولم يثبت أنه سبب لا كونا، ولا شرعا، فشركه شرك أصغر؛ لأنه ليس لنا أن نثبت أن هذا سبب إلا إذا كان الله قد جعله سببا كونيا، أو شرعيا، فالشرعي: كالقراءة والدعاء، والكوني: كالأدوية التي جر منافعه) هذه القاعدة ذكرها الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – وهي: قاعدة مفيدة لطالب العلم، كل من اعتقد في شيء أنه سبب، ولم يثبت أنه سبب لا كونا، ولا شرعا فيدخل في الشرك الأصغر، يكون اتخاذه من الشرك الأصغر؛ لأنه ليس لنا أن نثبت أن هذا سبب إلا إذا كان الله قد جعله سببا شرعيا أو كونيا، شرعيا كما مثل قال: كالقراءة والدعاء، والكوني: كالأدوية، أما أن الإنسان يأتي بأشياء لم يثبت أنها من الأسباب الشرعية، ولا من الأسباب الكونية فهذا يدخل في الشرك الأصغر.

 من أمثلة ذلك مثلا: ما يفعله بعض الناس من وضع الحروز في اليدين، يضع حرز في اليد، أو يعلق على الرقبة قلادة أو حرز في زعمه أنها تدفع العين، وتدفع السحر، وتدفع الجن، هذا لا يجوز؛ لأن هذا ليس سبب شرعي، ولا سبب كوني، هذا مجرد حرز كيف يدفع عنك السحر، والمس، والجن، والحسد، مجرد قلادة تضعها على رقبتك، أو سوار تضعه على يدك هذا لا يدفع السحر، ولا المس، ولا العين، وليس سببا شرعيا، وليس سببا كونيا، فيكون اتخاذه من الشرك الأصغر.

هناك أسورة لدى بعض الصيدليات توضع في اليد ويقولون لها فوائد صحية، يسمونها أسورة مغناطيسية فما حكم لبسها؟

إذا قرر الأطباء بأن فيها فوائد صحية وثبت هذا علميا يجوز لبسها؛ لأن الآن ثبت أن فيها سبب كوني، وهو ما قرره أهل الاختصاص، فإذا قال أهل الاختصاص أن هذا السوار المغناطيسي له فائدة طبية، وأنه  كذا، وكذا، وكذا وأن هذا مثبت علميا، إذاً يجوز لبس هذا السوار للفائدة الصحية.

 أما بالنسبة مثلا للحروز: يضع خيط في يده، هذا ليس فيه فائدة صحية، وليس سببا شرعيا، ولا سببا كوني، أو يضع قلادة على رقبته هذا أيضا ليس سببا كونيا، وليس سببا شرعيا، فاتخاذه من الشرك الأصغر.

بعض الناس يضع شيئا من شعر الذئب، أو جلد الذئب في البيت يقول: أنه يدفع الجن هل هذا من السبب من الشرعي، لكن هل هو سبب كوني؟

   ليس سببا شرعيا قطعا، هم يزعمون أن الجن تخاف من الذئب فإذا وضع شعرات من جلد الذئب أن الجن لا تدخل هذا البيت، هذا موجود عند أهل البادية، والقرى، والذي يظهر أنه ليس سبب كونيا لم يثبت هذا، الجن لا تخاف من الذئب نفسه أما مجرد شعر أو جلد فالذي يظهر أن هذا ليس سببا كونيا، ولا شرعيا.

فإذا لابد أن يثبت أن هذا سبب كوني أو شرعي فإذا لم يكن سبب كونيا ولا شرعيا فلا يجوز اتخاذه.

 (حكم وصف الله بالعارف، سئل الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – هل يوصف الله بالعارف؟ وما توجيه الحديث تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة؟ فأجاب: لا يوصف الله بالعارف؛ لأن المعرفة لا تكون إلا بعد جهل، وأما الحديث فالمراد: بمعرفة الله بالعبد اللطف به ) المعرفة لا تكون إلا بعد جهل، فإذا قلت: عرفتُ هذا، يعني عرفته بعد أن كنتَ جاهلا به، والله منزه عن الجهل، الله تعالى يُوصف بالعلم، والعليم، ومن أسمائه: العليم، أحاط بكل شيء علما، ولهذا لا يوصف الله بالعارف، ولا يسمى الله العارف، إنما يوصف الله بالعلم، ويسمى بالعليم.

فهذا قد يأتي على ألسنة بعض الناس، فيصف الله العارف بكل شيء، أو العارف بأحوال العباد، فنقول: هذا الوصف غير صحيح؛ لأن المعرفة لا تكون إلا بعد جهل، فلا تقول: العارف بأحوال العباد، إنما قل: العالم بأحوال العباد، العالم بكل شيء.

وبعض العامة عندما يقول: إن الله هو العارف بكل شيء، العارف بأحوال العباد، مقصوده: العالم، لكنه أخطأ في اللفظ فينكر عليه، ويبين له أن الله لا يوصف بالمعرفة، ولا يوصف بأنه العارف؛ لأن هذا يقتضي أن المعرفة تكون بعد جهل، والله منزه عن ذلك، لكن يوصف الله تعالى بالعلم، ومن أسمائه جل وعلا: العلي.

فهذه فائدة في باب العقيدة، أن الله يوصف بالعلم ولا يوصف بالمعرفة، وعرفنا السبب في هذا.

ونكتفي بهذا القدر في لطائف الفوائد.

 

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بحي الخزامى - 1/5/1439 هـ