الخثلان
الخثلان
من الفائدة 1 إلى الفائدة 3
29 ذو الحجة 1438 عدد الزيارات 1073

التعليق على كتاب لطائف الفوائد

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:

نستأنف هذا الدرس وهذا هو الدرس الأول في هذا اليوم الاثنين السابع والعشرين من شهر ذي الحجة من عام 1438هـ، وجرت العادة بأنه عند استئناف الدرس نذكر مقدمة يسيرة في بيان فضل العلم وآداب طالب العلم

فالعلم لا يعدله شيء لمن صحة نيته كما قال الإمام أحمد، والإنسان مهما كان عليه من القوة في العبادة لا يمكن أن يعبد الله كما يحب الله إلا عن طريق العلم، ولهذا فإن العالم أفضل بكثير من العابد؛ لأن العالم يعرف محال محاب الله ومرضاته فيسعى إليها، ويعرف محال سخط الله تعالى وغضبه فيجتنبها، ويعرف أيضا الأفضل من أمور الخير فيحرص عليها، وقد استشهد الله عز وجل في كتابه الكريم على أعظم مشهود وهو التوحيد، استشهد عليه بثلاث شهادات فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ فهي شهادة على التوحيد أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، وهو أعظم الأمور، وهو الذي لأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وذكر الله تعالى ثلاث شهادات:

 الشهادة الأولى: شهادة الرب عز وجل وهي شهادة الذات للذات.

الشهادة الثانية: شهادة الملائكة.

الشهادة الثالثة: شهادة طائفة من البشر من هم: أولو العلم، اختصهم الله تعالى بأن استشهد بهم، ومن المعلوم أن الشهادة لا تصح إلا من العدول، وهذا يدل على تعديل أولي العلم، وهذه الآية من أعظم ما يكون من التزكية للعلماء وأولي العلم، وأخبر سبحانه برفعة أولي العلم فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.

وجاء في الصحيحين عن معاوية – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» وتأملوا أيها الأخوة هذا الحديث فإذا رأيت من نفسك إقبالا على التفقه في الدين وعلى طلب العلم هذه أمارة على أنه أريد بك الخير إن شاء الله تعالى، وفي المقابل فإن مفهوم هذا الحديث أنه من لم يرد به الخير لا يوفق للفقه في الدين.

 ويقول علي – رضي الله عنه -: «يكفي العلم شرفا أن يدعيه من ليس من أهله، ويفرح به إذا نسب إليه، وأن ينفر من ضده من هو من أهل الجهل» أي إنسان يفرح بأن يوصف بالعلم، يقال له: عالم، أو عنده علم، وينفر من أن يقال هو جاهل، فيكفي العلم شرفا ذلك.

 وقد عقد ابن القيم – رحمه الله – مقارنة بين العلم والمال، في كتابه: «مفتاح دار السعادة» وذكر أن العلم أفضل من المال من أكثر من مائة وخمسين وجها، ومما ذكر قال: «العلم يحرسك والمال تحرسه، العلم يزيد بالإنفاق والمال ينقص بالإنفاق».

عندما نتذكر السابقين وتراجم الماضين، من الذين تذكر تراجمهم وسيرهم هم العلماء، لكن هل تذكر تراجم التجار وأرباب الدنيا ما تذكر إلا قليلا، ومن عجائب ما ذكر: «حتى الكلاب تشرف بالعلم» فإن الكلاب المعلمه صيدها حلال، والكلاب الغير معلمه صيدها حرام، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ.

ومن أبرز آداب طالب العلم: إخلاص النية لله عز وجل، قيل للإمام أحمد: كيف إخلاص النية؟ قال: «أن ينوي رفع الجهل عن نفسه ويتواضع» فعندما تطلب العلم تريد بذلك أن ترفع الجهل عن نفسك، وأن تعبد الله على بصيرة، وأيضا تنوي رفع الجهل عن غيرك بنشر العلم، والدعوة إلى الله عز وجل، ومن كان سيء النية في طلب العلم فقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنه يكون من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، قال: «أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: وذكر منهم رجلا تعلم العلم، وعلمه الناس، وقرأ القرآن، فيؤتى به فيعرفه نعمه فيعرفها، فيقال ماذا عملت فيها؟ فيقول: يا ربي تعلمت فيك العلم وعلمته الناس وقرأت فيك القرآن فيقال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه وألقي في النار» رواه مسلم، كان معاوية بن أبي سفيان إذا سمع بهذا الحديث بكى، وهذا يدل على خطورة سوء النية في طلب العلم، وهذه المسألة تختلف عن مسألة التشريك في النية، فإن التشريك في النية بأن يريد مثلا: طلب العلم ويريد شهادة هذا لا يضر، بخلاف من أراد بعمله الرياء والسمعة هذا هو الذي ورد فيه الوعيد، لكن لو أراد أن يطلب العلم وجه الله عز وجل وأراد بذلك أن ينال شهادة فهذا لا بأس به، وهذا له أدلة كثيرة تدل على جواز التشريك في النية منها: قول الله عز وجل في الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ نزلت في أناس أرادوا أن يتاجروا في الحج، فتحرجوا، فأنزل الله هذه الآية، أنه لا بأس أن تجمع بين التجارة والحج.

أيضا: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ثم ذكر منافع دنيوية ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ.

أيضا: قول النبي – عليه الصلاة والسلام-: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» إلى غير ذلك من الأدلة.

أيضا من آداب طالب العلم: أن يعمل بما يعلم، وأن يكون لهذا العلم أثر عليه في عبادته، وفي أخلاقه، وفي سمته، وفي تعامله مع الآخرين، وإلا إذا كان الإنسان لا يعمل بعلمه فما الفائدة إذا من هذا العلم، إذا كان مثلا طالب علم ولا يصلي صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد إذا ما الفائدة من هذا العلم، فلا بد أن يظهر أثر العلم على الإنسان، وأن يعمل بما يعلم، وأما علم بلا عمل يكون حجة على الإنسان يوم القيامة.

أيضا من آداب طالب العلم: أن يظهر أثر العلم عليه في الدعوة إلى الله عز وجل، وأن يكون له أثر في المجتمع بدعوة الناس إلى دين الله سبحانه، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

أيضا من آداب طالب العلم: أن يكون حسن الأخلاق، وأن يتعامل مع الناس تعاملا حسنا، وهذه ربما تفوت بعض طلاب العلم يتعامل مع الناس بجفاء، بغلظة فينفر الناس منه، فلا بد أن يكون طالب العلم حسن الأخلاق، كريم التعامل، متواضعا، هينا لينا، سمحا، وأن يظهر عليه حسن الخلق، والله تعالى يقول لنبيه – صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ حتى لو كان ما تقوله حقا، بل حتى لو كان ما يقال وحيا، فلو كان خطابك مقنعا، وكلامك حقا ولكن كان ذلك مصحوبا بفضاضة وغلظة لم يقبل الناس ذلك منك، ولما أرسل الله تعالى موسى وهارون إلى أكبر طاغية في التاريخ فرعون الذي ادعى مقام الربوبية ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ قال الله لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ.

أيضا من آداب طالب العلم ولعلي أختم بها: الصبر، أن يكون طالب العلم لديه صبر وتحمل، «فإن العلم لا يستطاع براحة الجسد» كما قال يحيى ابن أبي كثير، لابد من الصبر في طلب العلم، والسعي إليه وتحصيله، العلم لا يحصل للإنسان دفعة واحدة وإنما يأتي شيئا فشيئا، ولهذا كان السلف الصالح يرتحلون في سبيل طلب العلم، وصنف في الرحلة في طلب العلم مصنفات، وكانوا إذا ارتحلوا ينقطعون عن أهليهم ليس هناك تلفونات ولا هواتف ينقطعون انقطاعا تاما عن أهلهم، يكون له والدان ويكون له زوجة وأولاد وينقطع ليس شهرا، أو شهرين، بالسنين، كل ذلك في سبيل طلب العلم وتحصيله، جابر بن عبدالله الأنصاري ارتحل من المدينة إلى الشام من أجل سماع حديث واحد فقط، ومكث في هذه الرحلة شهرين، شهرا في الذهاب، وشهرا في الإياب، وأشار إلى هذه القصة البخاري في صحيحه معلقا لها، أبو أيوب الأنصاري ارتحل من المدينة إلى مصر من أجل سماع حديث واحد فقط، وبعض طلبة العلم تجد أنه إذا قيل هناك درس في المكان الفلاني يقول: المسجد بعيد، سبحان الله! السلف يرتحلون في طلب العلم، وأنت عندما تأتي أيضا تأتي بالسيارة ما تأتي ماشيا، فلا يستكثر الإنسان أن يذهب إلى درس أو يطلب العلم في مكان بعيد.

 وبعد ذكر هذه الآداب أنبه إلى قضية مهمة هنا أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون عنده آلية لضبط العلم؛ لأن بعض الأخوة يحضر دروسا كثيرة سنين طويلة، لكنه المحصلة لديه ضعيفة، السبب في هذا: أنه لا يضبط العلم، ما وضع آلية صحيحة لطلب العلم، يحضر الدرس لكن يستمع، وبعد أسبوع، أسبوعين، شهر، شهرين ينسى كل شيء، والذاكرة الآن قد ضعفت عند كثير من الناس؛ وذلك لأن الناس أصبحوا لا يعتمدوا على الذاكرة في كثير من أمورهم بسبب وسائل التقنية الحديثة، والذاكرة كما يقال: تقوى بالتمرين، وتضعف بالإهمال، فبعض الناس أصبح ما يحفظ حتى رقم جواله، أو حتى رقم جوال أقاربه، فأصبح يعتمد على التخزين وعلى التقنية الحديثة، وهذا سبب ضعفا في الذاكرة، ولذلك لابد من التعويض عن هذا بكثرة المراجعة للعلم، وقبل ذلك بضبط آلية التحصيل، ويكون ضبط آلية التحصيل بوسائل، أبرزها وسيلتان:

الكتابة تلخص أبرز ما تسمع في الدرس، ثم تراجع ما لخصته، ولابد أيضا أن تكون سريعا في الكتابة.

والطريقة الثانية: التسجيل، تسجل الدرس وتستمع إليه أكثر من مرة.

والإنسان يختار الطريقة المناسبة؛ لأنهم يقولون بعض الناس سمعي، وبعض الناس بصري، وبعض الناس يحفظ بالسمع عندما يسمع أكثر مما قرأ، وبعض الناس العكس، فالإنسان ينظر الطريقة الأنسب له ويختار إما التسجيل، وإما بالكتابة، لكن لابد من ضبط آلية التحصيل، أما الإنسان ما يضبط آلية التحصيل هو يستفيد الأجر هو مأجور إن شاء الله، ومجلس العلم مجلس من مجالس الذكر، وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – : «بأن مجالس الذكر تحفها الملائكة، وأن الملائكة تجتمع على المجتمعين في مجالس الذكر، ويأتي معهم شخص ليس منهم وإنما أتى لحاجة فلما وجدهم مجتمعين جلس معهم، فيقول الله للملائكة: أشهدكم أني قد غفرت لهم، تقول الملائكة: إن معهم فلانا ليس منهم وإنما أتى لحاجة فجلس، فيقول الله: هم القوم لا يشقى بهم جليس» فمن يحضر مجالس العلم هو مستفيد بكل حال يؤجر ويثاب ويرجى له المغفرة لكن إذا أراد أن يحصل علما لابد من ضبط آلية التحصيل.

 لعلي أكتفي بهذا القدر في هذه المقدمة.

هذا الدرس كانت بدايته عام ألف وأربعمائة واثني عشرة للهجرة أي: أن هذا هو العام السادس والعشرون لهذا الدرس، تجاوز ربع قرن الحمد لله تعالى، فنسأل الله تعالى أن يبارك في هذا الدرس، وأن يبارك في الأخوة الحضور، وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.

هذا الدرس شرحت فيه كتب ومتن كثيرة، عندنا متن سابق وهو التسهيل في الفقه للبعلي ووصلنا إلى كتاب البيوع.

 ولكن جرت العادة أن يكون فيه كتابان:

الكتاب الأول: اقترح بعض الأخوة أن يكون في لطائف الفوائد، وهو كتابي الذي صدر هذا العام، وهو عدة فوائد متنوعة: عقائدية، وفقهية، وحديثيه، وأيضا في السير، وفي التراجم، حتى أيضا طبية، وفلكية، وتاريخية متنوعة، وهذا منهج من مناهج التأليف، جمع الفوائد في مؤلف منهج من مناهج التأليف، ونستمع لمناهج التأليف في المقدمة، أشرت إلى أبرز مناهج التأليف في هذا الفن.

نبدأ الآن في بيان مناهج المؤلفين في هذا الفن وهو جمع الفوائد من المقدمة.

قال المؤلف – وفقه الله تعالى- والحاضرين والسامعين أما بعد:

 (فإن من مناهج التأليف عند العلماء، جمع ما يتم تقييده مما يمر بهم في مطالعاتهم، ومدارساتهم العلمية، وما تمليه الخواطر، وما يكون من العبر من تجارب، وخبرات مرت بهم في الحياة، واختلفت تسميتهم لها) إذا هذا من مناهج التأليف جمع ما يمر بطالب العلم في مطالعته، ومباحثاته، ومدارساته، وقراءته يجمعها، فمن قديم الزمان والعلماء يجمعون ما يمر بهم ويقيدونه ويخرجونه في كتب، ولهم في هذا مناهج وطرق، وأيضا مسميات.

 (واختلفت تسميتهم لها، فمنهم من يسميها الفنون، كما فعل أبو الفاء علي بن عقيل الحنبلي، المتوفى سنة: خمسمائة وثلاثة عشر للهجرة في كتابه: الفنون) نعم فمنهم من يسميها الفنون، وهذا فعله أبو الفاء ابن عقيل الحنبلي المتوفى سنة: خمسمائة وثلاثة عشر للهجرة في كتابه الكبير: الفنون، كتاب عظيم قيم ضخم قيل: إنه في ثمانمائة مجلد، ولا يزال مخطوطا، طبع منه مجلدان، وسمعت أن المخطوط عثر عليه مؤخرا، فلعله يطبع ويستفيد منه الناس، فابن عقيل الحنبلي جمع فوائد في هذا الكتاب الفنون.

  (ومنهم من يسميها صيد الخاطر، كما فعل أبو الفرج عبدالرحمن بن علي الجوزي، المتوفى سنة:خمسمائة وسبعوتسعون للهجرة في كتابه: صيد الخاطر) ابن الجوزي المتوفى سنة: خمسمائة وسبع وتسعين للهجرة له كتاب قيم اسمه: صيد الخاطر، وهو في الحقيقة أشبه بالحكم، والتجارب، والخبرات التي عرضت له، وهو كتاب قيم نافع، أوصي بقراءته والإفادة منه.

  (ومنهم من يسميها المخلات، كما فعل بهاء الدين محمد بن الحسن الحارثي العاملي الهمذاني، المتوفى سنة: ألف وواحد وعشرون للهجرة في كتابه: المخلات) بعضهم يسميها إذا جمع الفوائد بالمخلات، كما فعل بهاء الدين الحارثي، وهو متأخر، توفي سنة: ألف وإحدى وعشرين للهجرة جمع في هذا الكتاب عدة فوائد.

(ومنهم من يسميها التذكرة، كما فعل أبو المعالي محمد بن الحسن بن حمدون، المتوفى سنة: خمسمائة واثنان وستون للهجرة في كتابه: التذكرة الحمدونية) منهم من يسمي جمع الفوائد بالتذكرة، يجمع على عدة فوائد، ويسمي كتابه: بالتذكرة، ومن أمثلة ذلك: ما فعل ابن حمدون، المتوفى سنة: خمسمائة واثنتين وستين للهجرة في كتابه: التذكرة الحمدونية.

 (ومنهم من يسميها كناشة، كما فعل عبدالسلام هارون، المتوفى سنة: ألف وأربعمائة وثمانية للهجرة في كتابه: كناشة النوادر) بعض العلماء يسمي جمع الفوائد بالكناشة، ومن أمثلة ذلك: عبدالسلام هارون، اللغوي، النحوي المعروف، المتوفى قريبا سنة: ألف وأربعمائة وثمانية للهجرة، وله كتاب قيم اسمه: كناشة النوادر.

 (ومنهم من يسميها الكشكول، كما فعل بهاء الدين محمد بن الحسن الحارثي العاملي الهمذاني، المتوفى سنة: ألف وواحد وعشرون للهجرة في كتابه: الكشكول) منهم من يسمى جمع هذه الفوائد المتنوعة بالكشكول، كشكول فوائد مجتمعة، مختلفة، متنوعة، ومن أمثلة ذلك: ما فعله بهاء الدين الحارثي، في كتابه: الكشكول، وهو المتوفى سنة: ألف وإحدى وعشرين للهجرة.

 (ومنهم من يسميها الفوائد، كما فعل شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم الجوزية، في كتابه: الفوائد، وكتابه: بدائع الفوائد) منهم من يسمي الفوائد، ومن أمثلة ذلك: ابن القيم، له كتابه اسمه: الفوائد، وله كتاب آخر اسمه: بدائع الفوائد، وقيل أنه: لابن الجوزي، والصحيح أنه لابن القيم، فله كتابان: الفوائد، وبدائع الفوائد، وهي فوائد متنوعة.

  (والشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي، المتوفى سنة: ألف وثلاثمائة وست وسبعون للهجرة، في كتابه: مجموع الفوائد واقتناص الأوابد) كذلك الشيخ ابن السعدي له كتاب أيضا بهذا الاسم: مجموع الفوائد واقتناص الأوابد، جمع فيه عددا من الفوائد المتنوعة.

(والشيخ محمد بن صالح العثيمين، المتوفى سنة: ألف وأربعمائة وواحد وعشرون للهجرة، في كتابه: المنتقى من فرائد الفوائد) كذلك الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – المتوفى قريبا، له كتاب اسمه: المنتقى من فرائد الفوائد، وذكر فيها فوائد متنوعة، فوائد فقهية، فوائد لغوية، حتى ذكر فوائد متعلقة بالكهرباء والكيمياء.

(إلى غير ذلك من التسميات، ويجمعها أنها كتب مصنفة في فوائد متنوعة، وغير مرتبة) إذا هذا لون من ألوان التصنيف، جمع فوائد متنوعة، وغير مرتبة، تارة تكون فقهية، تارة حديثيه، لكن في هذا الكتاب جعلناها مرتبة، لكن أكثر الكتب التي أشرنا لها الفوائد غير مرتبة.

(وقد بدأت في مرحلة مبكرة من العمر في تقييد ما يمر بي، من فوائد، ونوادر، سواء من الكتب، أو المجلات، أو الصحف، أو غير ذلك، فاجتمع عندي منها مذكرات كثيرة، ويأتي إصدار هذا الكتاب باكورة لما يراد إخراجه مما قيد في هذه المذكرات) بدأت في تقييد الفوائد من قديم، من مرحلة مبكرة، وأنصح الأخوة جميعا بذلك، كل ما تقرأ لخصه في مذكرات، قيد ما تقرأه؛ لأنك إذا لم تقييده تنساه، ويضيع، تستفيد من هذا التقييد فوائد منها:

أولا: أنه يرسخ في الذهن.

الفائدة الثانية: أنك ربما تطوره وتخرجه في مثلا: كتاب ينفع المسلمين.

(وقد جاءت فوائد هذا الكتاب متنوعة مابين فوائد في العلوم الشرعية من العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، وفي كتب اللغة العربية، والفلك، والطب، والتاريخ، والشعر، والأدب، وفي الحكم، والتجارب، والخبرات في الحياة، مع توثيق الفوائد المنقولة من الكتب إلى مراجعها) جعلت الفوائد متنوعة، لا تقتصر فقط على فوائد في علوم الشريعة، بل تشمل حتى العلوم الأخرى، مع توثيق مصدر كل فائدة، وهذا أيضا فعله بعض أهل العلم ابن القيم مثلا: في زاد المعاد، المجلد الرابع كله في الطب، ذكره في الفوائد الطبية فيما يتعلق بالطب، سيأتي فوائد أيضا فوائد طبية، فوائد فلكية، فوائد تاريخية، فهي فوائد متنوعة.

نكتفي بهذا القدر في المقدمة، ننتقل للفائدة الأولى.

(الفائدة الأولى: شرط النية شديد، قال الإمام أحمد – رحمه الله -: «شرط النية شديد لكنه حبب إلي فجمعته») بدأت الكتاب بهذه المقولة للإمام أحمد، اقتداء بالعلماء الذين يبدءون مصنفاتهم بالإشارة إلى النية، وأهمية الإخلاص، فالإمام البخاري افتتح كتابه الصحيح بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، كذلك كثير من أهل العلم يفتتحون كتبهم بحديث «إنما الأعمال بالنيات»، أو يشيرون إلى اشتراط الإخلاص وأهمية العناية بالنية، هذه المقولة من الإمام أحمد: «شرط النية شديد لكنه حبب إلي فجمعته» أولا: هي وثقة من الشرح الممتع، لكن نقلها هذه المقولة عنه ابن مفلح في الفروع، شمس الدين ابن مفلح المتوفى سنة: سبعمائة وثلاثة وستين للهجرة، وهو من تلاميذ ابن تيمية، وكان يقول له: أنت لست ابن مفلح أنت مفلح، يقول عنه ابن القيم: أنه من أعلم تلاميذ ابن تيمية باختياراته، فنقل هذه المقولة عن الإمام أحمد، وأن الذي سأله أبو داوود، لما قال الإمام أحمد لأبي داوود شرط النية شديد، وأيضا نقلها البهوتي في كشاف القناع المتوفى سنة: ألف وإحدى وخمسين للهجرة، ونقلها أيضا الشيخ محمد بن عثيمين في الشرح الممتع، ما معنى هذه العبارة: «شرط النية شديد» أي أن الإخلاص صعب وشاق على النفس؛ وذلك لأن الإخلاص ليس للنفس فيه حظ، بعض الأمور التي يعملها الإنسان قد يجد التشجيع من الناس، فيشجعونه على فعل هذا الخير، يريد أن يتصدق مثلا: يجد من يشجعه، لكن كونه يخلص العمل لله عز وجل هذا ليس للنفس فيه حظ، فيحتاج إلى مجاهدة عظيمة، ولهذا قال سهل بن عبدالله: «ليس على النفس شيء أشق عليها من الإخلاص؛ لأنه ليس له فيها نصيب» فالإخلاص شديد على النفس، وتحقيقه صعب، لكن الإمام أحمد هو أشار إلى صعوبة تحقيق الإخلاص لكنه قال: لكنه حبب إلي، يعني حبب إلي الحرص على تحقيق الإخلاص لله عز وجل فجمعته، فأعانني ربي عز وجل على تحقيق الإخلاص، هذا معنى كلام الإمام أحمد، فهو يقول: إن شرط الإخلاص صعب وشديد، لكنه حبب إلي، لكن حرصت عليه وحبب إلي أن أحرص عليه، فوفقني الله تعالى فجمعته، يعني فيسر الله لي تحقيق شرط الإخلاص، إخلاص العمل لله عز وجل هو من أشق الأشياء على النفوس، لكن الأجر المترتب عليه عظيم جدا، إذا اقترن الإخلاص بأي عمل رفع صاحبه درجات، ورب رجلين يصليان صلاة واحدة بينهما في الأجر والثواب كما بين المشرق والمغرب، هذا مخلص خاشع في صلاته، وذلك ليس كذلك، كذلك الإخلاص إذا قرن الصدقة، رب صدقة مبلغ يسير لكن يكتب الله تعالى بسببها أجرا عظيما، كما قال – عليه الصلاة والسلام – في حديث السبعة الذي يظلهم الله تعالى تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها، يعني أخلص لله فيها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، من شدة إخلاصه لو أن اليد الشمال تبصر ما استطاعت أن ترى اليد اليمين، أخفاها لا يريد جزاء ولا شكور من أحد من البشر، بل بلغ ببعض الصالحين في إخلاصهم في الصدقة أنهم لا يريدون من الفقير أن يدعو له، بل إذا دعا لهم الفقير دعوا لهم بمثله حتى يكون أجرهم تاما، كانت عائشة – رضي الله عنها – : «تبعث غلامها بالصدقة وتقول: انظر إلى ما يدعون لنا به فادعوا لهم بمثله، فإذا قالوا بارك الله فيكم فقل: وفيكم بارك» حتى يكون الأجر تاما من شدة الإخلاص؛ لأنهم لا يريدون جزاء ولا شكورا من أي أحد، لا يريد شكر، ولا ثناء، ولا حتى دعاء من أحد، يريد الأجر تاما من الله، فهذا الإخلاص يرفع صاحبه درجات عظيمة، بل حتى ربما لو اقترن الإخلاص بكلمة، كلمة يقولها الإنسان مخلصا ربما تكون سببا لأن يكتب الله تعالى له رضوانه إلى يوم يلقاه، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في صحيحه يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات» ماهي هذه الكلمة؟ قيل: هي الكلمة التي يخلص فيها لله، وقال بعض الشراح: هي الكلمة التي يدفع بها عن مسلم مظلمة، إنسان ظلم، وتأتي وتدافع عنه، وتقول: كلمة في مجلس، فهذه يقولون هي الكلمة التي يكتب الله تعالى للإنسان بها رضوانه إلى يوم يلقاه، أو يفرج عنه بها كربة، إنسان فيه كربة تأتي وتشفع له، ويفرج الله تعالى بسبب كلمتك كربة عنه قال: بعض الشراح إنها هي الكلمة التي يكتب الله للإنسان بها رضوانه إلى يوم يلقاه، والصحيح أن هذه أمثلة، وأن هذا يشمل كل ما أخلص فيه العبد لله عز وجل، فرب كلمة يخلص الإنسان فيها لله تعالى يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، فالإخلاص أمره عجيب، ما قارن عملا إلا وكتب الله للإنسان به أجرا عظيما، وبارك في هذا العمل، انظر مثلا: للعلماء السابقين مثلا: المذاهب المشهورة أربعة: المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، هل ما في الأمة مذاهب إلا هذه الأربعة؟ لا، فيه مذاهب كثيرة لكنها انقرضت، قالوا: إنها بقية هذه المذاهب الأربعة لعل ذلك والله أعلم للإخلاص العظيم لهؤلاء الأئمة الأربعة، أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وكذلك بعض الكتب يبارك الله فيها مثل مثلا: كتاب رياض الصالحين للنووي، لا يكاد مسجد إلا قرأ فيه، قالوا: لعل هذا لإخلاص مؤلفه، فالإخلاص ما قارن عمل إلا جعل الله فيه البركة، سعد بن معاذ – رضي الله عنه – أسلم وعمره واحد وثلاثون، ومات وعمره سبع وثلاثون، أو ثمان وثلاثون، يعني بقي في الإسلام ست أو سبع سنوات، ومع ذلك لما مات اهتز لموته عرش الرحمن، ما بقي في الإسلام إلا ست أو سبع سنين لكن بماذا ملأ هذه السنيات؟ ملأها بأعمال عظيمة أخلص لله فيها فرفعته إلى هذه المنزلة العلية، أعطته هذه المكانة أن عرش الرحمن يهتز لموته.

 على المسلم وعلى طالب العلم على وجه الخصوص أن يحرص على تحقيق الإخلاص في جميع أعماله، يخلص لله تعالى في عباداته، يخلص لله تعالى في طلب العلم، يخلص لله تعالى في كل شيء، وهذا معنى مقولة الإمام أحمد.

  (أقسام الهداية: الهداية تنقسم إلى قسمين:

 الأولى: هداية إلهام وتوفيق، وهي: المرادة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَوهي مختصة بالله تعالى، فكما لا يخلق، ولا يرزق، ولا يحيى، ويميت إلا الله، فلا يهدي إلا الله.

الثانية: هداية دلالة وإرشاد، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ فيملكها الأنبياء، وكل من له تعليم وإرشاد للخلق ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ولهذا فعندما نتعامل مع أولادنا أو غيرهم، ينبغي أن نبذل لهم أسباب هداية الدلالة والإرشاد، ونسأل الله تعالى لهم هداية الإلهام والتوفيق) الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية إلهام وتوفيق، وهداية دلالة وإرشاد.

 هداية الإلهام والتوفيق: هذه لا يملكها إلا الله وحده، لا يملكها لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وإذا لم يرد الله هداية الإنسان مهما بُذل معه من النصح، ومن التوجيه، ومن الإرشاد فإنه لن يهتدِ، ولذلك ذكر الله تعالى لنا أمثلة في القرآن الكريم في أقارب أنبياء، حرص الأنبياء على هدايتهم فلم يهتدوا، أولا: نوح مع ابنه قال: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قال الله بعد ذلك: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ما استطاع نوح أن يهدي ابنه مع أنه نبي لكنه ما استطاع؛ لأن الله لم يرد هدايته.

أيضا: إبراهيم مع أبيه، بذل معه جميع أسباب الهداية، دعاه ووعظه ونصحه وأرشده لكن الله لم يرد هدايته.

أيضا محمد – عليه الصلاة والسلام – مع عمه أبي طالب، عمه أبو طالب قدم تضحيات عظيمة جدا للإسلام وللنبي – صلى الله عليه وسلم – حتى إنه يجعل ابنه في فراش النبي – عليه الصلاة والسلام – حتى إذا أصابه مكروه يقع في ابنه ولا يقع في النبي – عليه الصلاة والسلام – لهذه الدرجة، وكان معه في شعب أبي طالب، وبقوا ثلاث سنين حتى أكلوا ورق الشجر من شدة الجوع، قدم تضحيات عظيمة، حاول معه النبي – عليه الصلاة والسلام – في أن يسلم بذل معه جهودا عظيما إلى آخر لحظة من حياته على فراش الموت، أتاه النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال: يا عم قل كلمة أحاج لك بها عند الله، يا عم قل: لا إله إلا الله، أراد أن يقولها لكن كان عنده أصدقاء السوء، عنده أبو جهل، وأحد كفار قريش، قال له: أترغب عن ملة عبدالمطلب، فمات على ملة عبدالمطلب فهو في النار.

هل هؤلاء الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – هل هناك شك في إخلاصهم في الدعوة؟ أبدا، كلا وحاشا، هل هناك شك في حسن تعليمهم؟ أبدا، هل هناك شك في حسن التربية، التوجيه، الإرشاد، التعليم؟ هم أحسن الناس تعليما، وتوجيها، وإرشادا، وأسلوبا لكن الله لم يرد هداية هؤلاء، فإذا لم يرد الله هداية إنسان مهما بذل معه من الجهود فلن يهتد، فهؤلاء الأنبياء ما استطاعوا أن يهدوا أقاربهم، نوح لم يستطع أن يهدي ابنه، إبراهيم لم يستطع أن يهدي أباه، ومحمد لم يستطع أن يهدي عمه  - عليهم الصلاة والسلام جميعا – لأن هداية الإلهام والتوفيق هذه بيد الله وحده ولهذا أنزل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَوَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ هذا النوع من الهداية لا يملكه إلا الله وحده.

القسم الثاني: هداية دلالة وإرشاد: يعني توجيه، ونصح، وإرشاد، وتعليم، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍأي: تدل وترشد.

 ولذلك إذا قيل: كيف نجمع بين قول الله تعال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وقوله ﴿َإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾؟

 نقول: إن الهداية في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هداية الإلهام والتوفيق.

والهداية في قوله: ﴿َوَإِنَّكَ لَتَهْدِي هي هداية الدلالة والإرشاد.

وهذه يملكها الأنبياء، وأتباع الأنبياء، يملكها الآباء مع أولادهم، يملكها المعلمون، يملكها الدعاة، يملكها المرشدون، يملكها كل من كان له تعليم، ونصح، وإرشاد للناس.

المطلوب من الإنسان في تربيته لأولادهم أن يبذل معهم هداية الدلالة والإرشاد، وأن يسأل الله لهم هداية الإلهام والتوفيق، هداية الدلالة والإرشاد هذه يقوم بها، لكن يسأل الله لهم هداية الإلهام والتوفيق؛ لأنه قد يقوم بهداية الدلالة والإرشاد ولا يرد الله هدايتهم.

 أحد الآباء يقول لي: إني فعلت جميع الأسباب ولم أستطع، يقول: فتوجهت إلى الله تعالى أدعو لابني.

 المطلوب هو أن يبذل هداية الدلالة والإرشاد لا يقصر في ذلك، ويسأل الله تعالى هداية الإلهام والتوفيق، سواء للأبناء أو لأي قريب، بعض الناس يشتكي من والديه يبذل معهم أسباب هداية الدلالة والإرشاد، ويسأل الله لهم هداية الإلهام والتوفيق.

بعض الناس تجد أنه يقصر في أحد النوعين إما أنه يجتهد في هداية الدلالة والإرشاد لكن يغفل عن الدعاء بهداية الإلهام والتوفيق، وهذا نوع قصور، وبعض الناس على العكس تجد أنه فقط يجتهد في الدعاء لكن لم يبذل أسباب هداية الدلالة والإرشاد، وهذا أيضا نوع قصور، المطلوب أن تجمع بين الأمرين جميعا، تبذل هداية الدلالة والإرشاد، وتسأل الله هداية الإلهام والتوفيق.

(أول شبهة وقعت بسبب تقديم الرأي على النص، أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس – لعنه الله – ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الأهواء في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم – عليه السلام – وهي الطين، وان شعبت من هذه الشبهة شبهات، وسارت في الخليقة، وسرت في أذهان الناس، حتى صارت مذاهب بدعة، وضلالة) أول شبهة وقعت في الخلق هي شبهة إبليس؛ وذلك لما أمره الله بالسجود لآدم، اعترض على أمر الله، قال: كيف أسجد وأنا خلقت من النار، وآدم خلق من الطين، وفي زعمه أن النار أشرف وأفضل من الطين، فكيف يسجد الفاضل للمفضول، هذه شبهة إبليس، فعصى الله تعالى بسبب هذه الشبهة، وسبب هذه الشبهة: هو استبداده بالرأي في مقابلة النص، قدم رأيه على النص، الله أمرك بالسجود يجب عليك أن تسجد، لا تحكم عقلك، لا تحكم رأيك، لذلك لعنه الله وطرده، فالذي يقدم الرأي على النص هذا فيه شبه من إبليس، كل أصحاب الفرق المنحرفة، وأهل البدع، قدموا الرأي على النص، إذا أتى النص إما من القرآن، أو كان من السنة وكان صحيح الإسناد فليس للمسلم خيار، سواء عرف الحكمة أو لم يعرف الحكمة ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ يجب على المسلم أن يعظم النصوص من كتاب الله، ومن سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أما أن الإنسان لا يقبل من النصوص إلا ما كان موافقا لعقله، وما كان موافقا لهواه هذا ليس عبدا لله هذا عبد لهواه ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ بعض الناس عبد لهواه، والمطلوب من الإنسان أن يقدم النص على العقل وعلى الرأي، على أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل الصريح، لا يمكن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح أبدا، وقد ألف ابن تيمية – رحمه الله –  في هذا كتابا عظيما وهو: درأ تعارض العقل والنقل، فلا يمكن تعارض النقل مع العقل أبدا، لكن بعض الناس يؤتى من جهة فساد رأيه وعقله، وبعض أهل البدع يقول: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل وهذا قول فاسد، وسماه ابن القيم: بالطاغوت.

 أولا: لا يمكن تعارض العقل والنقل، لكن لو تعارض في فهمه، وفي رأيه فواجب تقديم النقل على العقل؛ لأن هذا هو مقتضى العبودية لله تعالى، الله حكيم عليم، وأنت عبد لله عز وجل، مقتضى العبودية: الاستسلام لله سبحانه، سواء عرفت الحكمة أو لم تعرفها، إن عرفت الحكمة فهذا خير، ونور على نور، إن لم تعرف الحكمة فأنت على يقين بأن الله حكيم عليم، ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ انظر إلى فقه عائشة – رضي الله عنها – الصلاة تتكرر ويشق قضائها، والصوم لا يشق قضائها، لكن عائشة لم تجب بهذا قالت: «كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» ردت على هذه السائلة أن هذا هو مقتضى الوحي، وأمر النبي – عليه الصلاة والسلام – مقتضى العبودية لله تعالى أنك تعمل بما أمر الله به ورسوله ولا ترد ذلك إلى عقلك؛ لأن الله حكيم عليم، والله تعالى هو أحكم الحاكمين جل وعلا.

 فمن أسباب نشأت البدع تقديم الرأي على النص، وتقديم العقل على النقل هذه من أعظم أسباب نشأت البدع والانحراف.

 إذا وجدت شخصا يعترض برأيه وعقله على نصوص، وعلى أمور محكمة ومعلومة من الدين بالضرورة فهذا مؤشر على أنه عنده انحراف، وعلى أنه قد يكون من أهل الزيغ وأهل الضلالة، الواجب على المسلم أن يقدم النقل على العقل، يقدم النص على الرأي ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.

ونكتفي بهذا القدر في الدرس الأول من لطائف الفوائد.

       

 

* * *