الخثلان
الخثلان
سيرة الانبياء
9 شعبان 1438 عدد الزيارات 268

سير الأنبياء

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا مجلس من مجالس الذكر، نتحدث فيه عن سير لصفوة البشر، وأفضل البشر، وخير البشر، وقدوات البشر، وهم: الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – فإن الله سبحانه اقتضت حكمته أن يرسل رسلا إلى البشر يعلمونهم كيف يعبدون الله عز وجل، كما يحب ربنا سبحانه، واقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون رسل الله من البشر أنفسهم، وأن حكمة الله تأبى أن يكون النبي أو الرسول من غير البشر، كما قال سبحانه : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ[الأنعام: 9].

وقد جعل الله تعالى هؤلاء الأنبياء والرسل جعلهم أرجح أقوامهم عقولا، وأعظمهم حكمة، وأسداهم رأيا، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة؛ ولذلك فقد كانوا قبل بعثتهم ورسالتهم كانوا مرضين عند أقوامهم، بل كانوا يضعون الودائع لديهم، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: يلقبه قومه قبل البعثة بالصادق الأمين، رسل الله وأنبيائه هم أفضل البشر إيمانا، وعلما، وعملا، وتعبدا، وأخلاقا، وتواضعا، وهم أطهر البشر قلوبا، وأصدقهم إيمانا، وأقواهم عبادة، وأحسنهم أخلاقا، وأكملهم دينا، وأقوامهم صبرا، وأعظمهم رحمة.

قد وصف الله تعالى أفضلهم وسيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله – عليه الصلاة والسلام – وصفه بالرحمة، قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ[الأنبياء: 107].

هؤلاء الأنبياء والرسل جعلهم الله تعالى قدوات للبشر، وقد نوع الله تعالى بينهم، فجعل منهم الغني الشاكر، كسليمان، وجعل منهم الفقير الصابر، كأيوب، وذكر الله تعالى قصص بعضهم، وأنبياء آخرون لم يذكروا في القرآن، كما ذكر ذلك ربنا عز وجل: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وقصص الأنبياء التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا طرفا منها، فيها تنبيه للغافلين، وعبرة للمعتبرين، وقدوة صالحة للمؤمنين، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[يوسف: 111] قصص الأنبياء مع أقوامهم فيها العبرة، وفيها العظة، وفيها الهداية.

 وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقص على أمته هذه القصص، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ والقصص لها سلطان على النفوس.

 ومن غاية القصص أيضا تثبيت القلوب على الحق، كما قال سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ[هود: 120] قال بعض أهل العلم: القصص جند من جنود الله، يثبت الله تعالى بها من شاء من عباده.

 ونحن بهذا الزمن الذي نعيشه، والذي انفتح العالم بعضه على بعض، وكثرة فيه الفتن، فتن الشبهات، وفتن الشهوات، نحن بحاجة إلى أن نتذكر هذه القصص، وأن نستحضرها، ونستحضر ما فيها من العبر، والمواعظ، والفوائد.

 فدراسة قصص الأنبياء، ومعرفة أخبارهم وأحوالهم سبب لصلاح القلوب، والثبات على دين الله عز وجل.

وبعد هذه المقدمة أذكر نماذج من سير بعض الأنبياء، والكلام يطول أيها الأخوة، ولا يتسع له المقال.

 فأبدأ أولا: أبينا آدم فأبونا آدم خلقه الله عز وجل من تراب، فانظر إلى حكمة الله كيف أن الله تعالى خلقه من تراب، وأهبطه إلى الأرض التي فيها التراب، وجعل بنيه يعيشون على هذه الأرض، لما خلقه الله تعالى أراد أن يظهر شرفه، للملائكة، فأمرهم بالسجود له، ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وحسد آدم، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا  ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ فلعنه الله تعالى وطرده، ثم أراد الله تعالى أن يظهر شرف آدم بأمر آخر، فعلمه أسماء كل شيء،﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فأظهر الله تعالى شرف آدم بالعلم، ولذلك أعظم خصلة في الإنسان يشرف بها هي: العلم، ثم إن الله تعالى أسكن آدم وزوجه حواء الجنة وقال ﴿كُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ* وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ[طه: 118، 119] لكن نهاه الله تعالى عن شجرة واحدة، ومع ذلك حذره من الشيطان، ﴿إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ وأتاهما إبليس، ولبس لباس الناصح، ولم يكتفي بهذا بل حلف بالله وأقسم، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ[الأعراف: 21] أقسم لهما بالله، ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ كان بإمكان آدم أن يقول: مادمت عرفت هذا السر فلماذا لا تأكل منها وتكون أنت أيضا ملكا وتكون من الخالدين؟ لكنه غر آدم، وحلف له بالله، فصدقه آدم، فلما أكل آدم وحواء من الشجرة، سبحان الله! انظر إلى شؤم المعصية، طار عنهما لباس الجنة، فأصبح عاريين، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ أي يأخذان من ورق الجنة ويلصقانه على عورتهما، وهذا يدل على أن الحياء من انكشاف العورة أنه أمر فطري، فالذين يرون أن انكشاف العورات تحضرا هؤلاء قوم انتكست فطرهم، بعد ذلك ندِما ندَما عظيما وجعلا يبكيان، ولا يعرفان كيف يتوبا إلى الله، ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ وهذه الكلمات هي: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وهذه الكلمات هي: أفضل ما يقولها التائب إلى الله، فتاب الله عليه وعلى زوجه حواء، ولكن اقتضت حكمة الله أن يقول لهما ولإبليس ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ فاختار الله تعالى لنا نحن البشر هذا الكوكب من بين بلايين الأجرام السماوية، وهيأه للعيش، فالكواكب مثلا القريبة من الأرض لا تصلح للعيش، إما أنها شديدة الحرارة، أو شديدة البرودة، ولكن الأرض هيأها الله تعالى ليعيش عليها الإنسان، وبقي آدم بعد ذلك وبنوه من بعده عشرة قرون على التوحيد، إلى أن أتى قوم نوح.

 قال ابن عباس: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الشريعة من الحق فاختلفوا ووقعت عبادة الأصنام فبعث الله نوحا» وعبادة الأصنام أول ما وقعت كان هناك قوم صالحون، وماتوا في وقت واحد، أو وقت متقارب، فحزن عليهم أقوامهم حزنا شديدا، فأتاهم الشيطان وقال: صورهم وانصبوا لهم نصبا؛ حتى إذا رأيتم صورهم، ورأيتم هذه النصب نشطتم في طاعة الله، انظر إلى أسلوب الشيطان الخبيث الماكر، ما قال اعبدوا الأصنام أتاهم بهذا الطريق الماكر، فصورهم ووضعوا لهم نصبا، ثم انقرض ذلك الجيل، فلما أتى الجيل الذي بعده قالوا: إن آبائنا ما وضعوا هذه النصب إلا ليعبدوها، فعبدوها من دون الله فوقع الشرك، وعبادة الأصنام من دون الله تعالى، منذ ذلك الحين، فأرسل الله تعالى نوحا وهو أول الرسل، وبين لهم بطلان ذلك، وأمرهم بتوحيد الله عز وجل، وبإخلاص الدين لله سبحانه، ومكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، هذه المدة الطويلة وهو يدعوهم إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله، وأتى بجميع الأساليب، ودعاهم في جميع الأوقات، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا [نوح: 5، 6] وأيضا نوع قال ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح: 9] استخدم أسلوب السر، وأسلوب العلانية، وفي الليل، وفي النهار، واستخدم جميع الأساليب، حتى أوحى الله إليه ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فدعا على قومه وقال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا* إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا[نوح: 26، 27] فأمر الله تعالى أن يصنع السفينة، وأن يركب فيها هو ومن آمن معه، وأن يأخذ فيها من كل زوجين اثنين، فجعل يصنع السفينة، وإذا مر به قومه سخروا منه، قالوا: يا نوح أصبحت نجارا بعد أن كنت نبيا، ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ثم أمر الله تعالى السماء ففتحت أبوابا، والأرض عيونا، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وأغرق الله تعالى قوم نوح، وأنجى الله تعالى نوحا ومن معه من المؤمنين، وهنا موقف لأحد أبناء نوح كان لنوح أربعة أبناء، سام وهو أكبرهم، وأبو العرب، وأبو بني إسرائيل اليهود، وحام، ويافث، وهؤلاء كانوا كلهم من المؤمنين، والرابع: كنعان، وكنعان هو الذي ذكر الله تعالى قصته، قال له أبوه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ* قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ [هود: 45، 46، 47]سبحان الله، نوح – عليه الصلاة والسلام – هل أحد يشك في إخلاصه؟ وفي صدقه؟ وفي إتباعه أفضل الأساليب التربوية وفي حرصه على هداية ابنه؟ ومع ذلك لم يهتدي؛ لأن الله تعالى لم يرد هدايته.

 والهداية على قسمين: هداية إلهام وتوفيق، وهداية دلالة وإرشاد.

هداية دلالة وإرشاد: هذه يملكها الأنبياء، وأتباع الأنبياء، والدعاة، والعلماء، والأب مع أولاده، والأم مع أولادها يدل ويرشد، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.

هداية الإلهام والتوفيق: فلا يملكها لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، لا يملكها إلا الله تعالى وحده، وهي مذكورة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ.

فنوح – عليه الصلاة والسلام – بذل مع ابنه أسباب الهداية، هداية الدلالة والإرشاد، لكن الله لم يرد أن يهديه هداية إلهام وتوفيق، فكان مع الكافرين.

ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم بذل مع عمه أبي طالب أسباب الهداية إلى آخر لحظة من حياته، وهو على فراش الموت، قال يا عم: قل كلمة أحاج لك بها عند الله، يا عم، قل لا إله إلا الله، لكن الله لم يرد هدايته، فمات على الكفر.

من لم يرد الله تعالى هدايته لا يستطيع أحد من البشر أن يهديه ولو كان نبينا.

 والمطلوب من الآباء والأمهات أن يبذلوا أسباب هداية الدلالة والإرشاد، وأن يسألوا الله تعالى لأولادهم هداية الإلهام والتوفيق، فإذا نظر الإنسان إلى هؤلاء الأنبياء ما استطاعوا هداية أقاربهم، نوح ما استطاع هداية ابنه، محمد ما استطاع هداية عمه – عليهم الصلاة والسلام جميعا – فهذه الهداية لا يملكها إلا الله  تعالى وحده جل وعلا.

وننتقل بعد ذلك إلى نماذج آخرى من قصص أنبياء آخرين:

إبراهيم الخليل – عليه الصلاة والسلام – هو أفضل الأنبياء بعد محمد، وهو خليل الرحمن، أثنى الله عليه في مواضع من كتابه، فقال: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ[هود: 75] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[النحل: 120] وجعله الله تعالى خليلا، فمن عليه بمقام الخلة؛ التي هي أرقى، وأرفع، مراتب ومقامات المحبة.

وذكر الله تعالى له قصصا عديدة، ومن هذه القصص، قصة عجيبة، وهي أيضا قصته مع ابنه، فإن إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – لم يرزق بولد، حتى قيل: إنه جاوز الثمانين عاما لم يرزق، فبشرته امرأته، فتعجبت، ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ[هود: 72، 73] تصور فرحة إنسان كبير في السن يرزق بابن، وهو إسماعيل، ثم إن إسماعيل كبر وترعرع، ووصل إلى أحسن سن يتعلق فيها الوالد بولده، ثم إن هذا الابن ابن صالح، وابن بار، وانظروا إلى موقفه الذي سنشير إليه الآن، فيبتلى بهذا البلاء العظيم، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ[الصافات: 102] ورؤيا الأنبياء حق، فانظروا إلى تمام العبودية والامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، لكن نجح إبراهيم الخليل في هذا الاختبار، فاستسلم هو وولده لأمر الله عز وجل، هذا موقف تسكب فيه العبرات، موقف عظيم، موقف عجيب، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ قال إسماعيل: يا أبت، كبني على وجهي، حتى لا ترى وجهي، فإني أخاف أنك إن رأيت وجهي رحمتني، فتله للجبين، وصرعه على وجهه، ليذبحه على قفاه، فلما أهوى بالسكين، نجح جميعا في هذا الاختبار، ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ[الصافات: 104، 105، 106] التفت فإذا بكبش عظيم، كبش الجنة، فذبحه فداء عن ابنه إسماعيل، فكانت سنة للمؤمنين من بعده، ولذلك شرع لنا أن نضحي ونذبح الأضاحي اقتداء بأبينا إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – الذي افتدى بذبح هذا الكبش عن ابنه إسماعيل، فانظروا أيها الأخوة إلى هذا الموقف العظيم، هذا الموقف العجيب، وكيف نجح هذا النبي في هذا الاختبار! وقدم محبة الله على محبة ابنه.

 وهكذا إذا تعارضت محبة الله عز وجل مع أي شيء آخر فعليك أن تقدم محبة الله، تعارضت محبة الله مع محبة الأولاد، أو محبة الزوجة، أو محبة المال، أو محبة الجاه، أو أي شيء.. عندما تعرض للإنسان مكاسب لكنها من الحرام فيكون الآن في اختبار، هل يقدم محبة المال أو محبة الله عز وجل فيتركها؟ وهكذا، فالإنسان يعيش في اختبار بين تقديم محبة الله عز وجل ومحبة غيره، فجعل الله إبراهيم الخليل قدوة لنا في تقديم محبته جل وعلا على محبة ابنه.

موقف آخر لإبراهيم الخليل – عليه الصلاة والسلام – وهو قد عاش في العراق، وكان يحكمها النمرود الذي أتاه الله الملك، وبقي في ملكه على ما قيل: أربعمائة سنة، كانت أعمارهم طويلة، فدعاه إبراهيم إلى عبادة الله عز وجل وحده، فطلب من إبراهيم أن يحضر إلى مجلسه، فسأله قال: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، فقد ادعى مقام الربوبية، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فأتى برجلين محكوم عليهما بالسجن، فذبح أحدهما وترك الآخر، وقال: أحييت هذا، وأمت هذا، مع أن هذا ليس بإحياء، مجرد أبقى هذا وقتل هذا، لكن إبراهيم أراد ألا يدخل معهم في جدل، فانتقل إلى حجة واضحة ما يستطيع أن ينكرها، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ سكت وانقطعت حجته، ويقال: إنه أراد أن يقول: وربك اجعله يأتي بها من المغرب، لكنه في قرارات نفسه يعرف أن إبراهيم صادق، فخشي فعلا أن الله يأت بها من المغرب، فسكت وانقطعت حجته، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

وقصص إبراهيم الخليل – عليه الصلاة والسلام – كثيرة، وذكر الله تعالى جملة منها في كتابه الكريم، ولكن اكتفي بهذا القدر منها.

ننتقل إلى نبي من أنبياء الله عز وجل وهو: موسى، وموسى أحد أولي العزم من الرسل، كليم الله تعالى، كلمه الله عز وجل مباشرة، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ وقد تكرر ذكر موسى – عليه الصلاة والسلام – في القرآن حتى ورد ذكره كثيرا، وأمته من أعظم الأمم بعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أفضلها، ومن أكثر الأمم دخولا للجنة بعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فلتفت فإذا سواد عظيم، قد سد الأفق، فظننت أنهم أمتي، فقيل: إنهم أمة موسى».

وقد ذكر الله تعالى عنهم قصصا كثيرة، وعانى من بني إسرائيل، من عجيب قصته أنه ولد وتربى في بيت فرعون، لما ولد، ولد في السنة التي يقتل فيها الولدان، فإنه قد قيل لفرعون إن هناك رؤيا تدل على أن ملكك سيزول على أحد بني إسرائيل، فأصبح يقتل الولدان، ثم قال له من حوله: النساء لا طاقة لهن بالعمل، والولدان الآن يقتلون، فجعل يقتل ولدان سنة، ويبقيهم سنة، وكان من قدر الله عز وجل أنه ولد موسى في السنة التي يقتل فيها الولدان؛ ليبين الله عز وجل أنه لا يرد الحذر من القدر، وأوحى الله تعالى إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، هذا هو أمر الله عز وجل، فأرضعته، وخافت عليه، وجعلته في تابوت، وألقته في اليم، وربطته بحبل، ثم انقطع هذا الحبل، ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ألقى الله تعالى محبة على موسى، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي كل من رآه أحبه، سبحان الله، فلما رأته امرأت فرعون قالت ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ويقال: أن فرعون لم يكن له أولاد، جاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما – : «أن امرأت فرعون لما قالت: قرت عين لي ولك، قال لها فرعون: يكون لك، أما أنا فلا حاجة لي فيه» ولو أقر فرعون أن يكون قرت عين له كما أقرت امرأته لهداه الله تعالى كما هداها، لكن الله تعالى حرمه، فكان قرت عين لامرأة فرعون آسيا امرأت فرعون، وكان دخولها الجنة بسببه، وكان هلاكا ودمارا على فرعون، بعد ذلك لما التقطه آل فرعون حرم الله عليه المراضع، ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ يحاولون فيه يرضع يأبى، وجعل يبكي ويصرخ من شدة الجوع، وكلما قربوه من ثدي امرأة يرفض ويبكي، وأما أم موسى فأصبح فؤادها فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن الله ربط على قلبها، فمن عند فرعون يحتار ماذا يفعلون مع هذا الطفل الذي يبكي، ولا يقبل ثدي امرأة، فقالوا: نخرجه إلى خارج القصر لعله نجد له حلا، فقالت أم موسى ﴿لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فأتت إليهم وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فقالوا من؟ في تشوف إلى أن يقبل الرضاع، قالت هنا امرأة تكفله وهي له ناصحه، قال بعضهم لبعضهم كيف عرفت أنها ناصحة، شكوا في أمرها، لكنهم كانوا محتاجين ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أرجع الله تعالى هذا الطفل إلى أمه ترضعه، وتقر عينها، ويعطيها فرعون أجرة على إرضاعه، سبحان الله، انظر إلى تدبير العزيز الحكيم، فترضعه أمه، وتقر عينها به، ومع ذلك تأخذ أجرا على إرضاعه، ويتربى في قصر فرعون، ولما بلغ أشده واستوى، أتاه الله تعالى حكما وعلما، ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ موسى ساعده لكن وكزه فمات من غير قصد، لما أراد مساعدته وكزه فمات، ولم يعلم بذلك أحد، لكن لما كان اليوم الثاني إذا بهذا الرجل الذي أمس في خصومة مع أحد أيضا يتخاصم مع رجل آخر، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ صاحب مشاكل، كل يوم لك مشكلة، ﴿قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ أشاع الخبر، فانتشر الخبر في المدينة، فجعل آل فرعون يأتمرون بموسى ليقتلوه، فأتى رجل ناصح، ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ* فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴿قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ فورد ماء مدين ووجد عليه أمة من الناس تسقي ووجد امرأتين تذودان - يعني جالستان ينتظران حتى ينتهي الناس – ﴿قََالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ما عندنا رجال، ما عندنا إلا شيخ كبير، ونحن ما نريد أن نختلط بالرجال ونزاحمهم ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ دعا الله تعالى دعوة واحدة، سبحان الله، انظر إلى أثر هذه الدعوة، كان بسببها تهيأ له الأمن، والسكن، والطعام، والشراب، والزوجة، انظر إلى عظيم أثر الدعاء،﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أخبرهم موسى بكل شيء، إحدى هاتين البنتين أعجبها موسى إعجابا عظيما، ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ كيف عرفت أنه قوي أمين؟ قوي لما رأت أنه سقا لهما، وزاحم الناس، وأخذ من البئر الماء، وسقا لهما، وأمين لم ينظر إليها، غض البصر، ولما نادته إلى أبيها أمرها أن تمشي خلفه وأن يكون هو أمامها، وإذا أردت أن التفت يمينا أرمي حصاة من هنا، وإذا أردت أن التفت يسارا أرمي حصاة من هنا، في منتهى العفة، والأمانة، فأعجبت به، وأعجب به أبوها، وهو لما يثبت أنه نبي الله شعيب، لكن رجل صالح، يقال: إن اسمه شعيب، لكن ليس هو نبي الله شعيب؛ لأن بين موسى وشعيب سنين طويلة، ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ المهر أن تأجرني ثماني حجج - أي ترعى الغنم عندي ثمان سنين - وإن أتممت عشرا - يعني جعلتها عشر سنين - فهذا تبرع من عندك، فقبل موسى، وهذا يدل على أن المهور عندهم كثير جدا، فبقي موسى عشر سنين يرعى الغنم، وما من نبي إلا رعى الغنم، ومن حكمة الله عز وجل أن النبي يتدرب على سياسة أمته؛ لأن الأغنام هذه تذهب، وهذه تشرد، وهذه تحتاج فيها الأغنام التي تتمرد على الراعي، وأغنام تكون هادئة، فيتمرن في رعيها، وفي سياستها، قبل أن يلي سياسية البشر والناس، فزوجه ابنته، ثم بعد ذلك صار بأهله وأناس من جانب الطور نارا، ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ وإذا بهذا النار نور الرب عز وجل، وكلمه الله قال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ* قَالَ هِيَ عَصَايَ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ* فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ﴾ خاف موسى، فناده الله تعالى﴿لَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ كان هذا كالتجربة له ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وأمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون، فرعون أكبر طاغية في التاريخ، يبطش، ويقتل، وجبار، ويسجن، موسى خاف، كيف يذهب إلى هذا الطاغية! طلب من الله عز وجل أن يجعل معه أخاه هارون، قال إن هذه أعظم شفاعة في التاريخ، فاستجاب الله له، وجعل معه أخاه هارون، وأمرهم أن يذهبا إلى فرعون ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ مع أنه أكبر طاغية في التاريخ، لكن النفوس مجبولة على النفور من الغلظة والشدة، ولا يمكن أن تقبل إلا باللين والرفق، فرعون اتهم موسى بالسحر، قال هل عندك من آية لما دعاه موسى، موسى ألقى عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ قال إن هذا ساحر، وزينه له الملأ من عنده أن يأتي بالسحرة، وكان قوم فرعون قد اشتهروا بالسحر، سبحان الله، فكانت آية موسى من جنس ما اشتهروا فيه، جمع فرعون جميع سحرة العالم، وأعظم سحرة العالم، وطلب من فرعون الأجر ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ* قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فألقوا سحرهم فإذا موسى نفسه خاف ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ* قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ* وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ فألقى ما في يمينه ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ السحرة يعرفون السحر، وأن السحر يخيل إلى الناس، ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ لكنهم رأوا شيئا ليس سحرا، رأوا حية حقيقية، تلقف ما يأفكون، وكان موسى قبل ذلك وعظهم ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ فلما رأوا هذه الحية الحقيقية ليست سحرا، وتلقف ما يأفكون، آمنوا بالله،  فخروا سجدا لرب العالمين، قال فرعون هذه مؤامرة ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴿إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالوا ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ افعل ما تشاء، انظر إلى هذا الإيمان العظيم، سبحان الله، أصبحوا سحرة، بل أعظم سحرة الدنيا، وأمسوا مؤمنين، يهددهم فرعون بأنه سيقتلهم، سيصلبهم، ويجعلهم في جذوع النخل إلا أنهم آمنوا هذا الإيمان العظيم، العجيب، سبحان الله، وبالفعل قتلهم فرعون، وصلبهم، أبوا أن يتراجعوا، قالوا: لا ضير ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ كلها دنيا، افعل ما تشاء، وهذا يدل على أن الإيمان إذا دخل القلب يفعل الأعاجيب.

 واكتفي بهذا القدر في قصص موسى، ننتقل بعد ذلك للحديث عن نبيين أحدهما مثال للفقير الصابر، والآخر مثال للغني الشاكر.

أما النبي الذي هو مثال للفقير الصابر فهو: أيوب – عليه الصلاة والسلام – أيوب كان كثير المال، وأتاه الله الصحة، والغنى، وكثرة الأولاد، ثم ابتلاه الله عز وجل، فذهبت أمواله كلها، ثم ابتلاه الله تعالى ابتلاء آخر وهو المرض، أصابه مرض شديد أقعده على فراشه، وأصبح لا يتحرك منه إلا لسانه، يذكر الله تعالى طيلة وقته، وتركه الناس، القريب، والصديق، وكثير من الناس أهل مصالح، إذا كان يرجو من الإنسان مصلحة اقترب منه، وإذا كان لا يرجو منه مصلحة تركوه، لم يبق معه في الدنيا إلا زوجته، وكانت كل يوم تذهب وتخدم لأجل أن تشتري طعاما تطعم به هذا الرجل المبتلى، وذات يوم لم تجد عملا، ولم تجد طعاما، فقامت وقصت شيئا من شعرها لتبيعه، وتشتري به خبزا، فعلم بذلك أيوب، فحلف بالله إن شفاه الله أن يضربها مائة جلدة، بقي على هذا البلاء يقال: ثمانية عشرة سنة على فراشه، فصبر ولم يجزع، وهو يذكر الله تعالى حتى مر به رجلان، وقالوا: إن أيوب أذنب ذنبا عظيما، كيف ثمانية عشرة سنة ما شفاه الله تعالى، لما سمع قولهما نادى الله عز وجل: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب برجلك ﴿هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فنبعت عين تحت رجله فاغتسل منها، لما اغتسل منها وزوجته لم تكن موجودة، لما أتت إذا بهذا الرجل على هيئة حسنة، وإذا به يمشي، ولم تجد أيوب، جعلت تبحث عنه، قالت: هل رأيت هذا الرجل المبتلى أين ذهب؟ فإنه والله يشبهك، قال: أنا أيوب، شفاني الله عز وجل ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ بقي الآن حلفه، لما حلف بالله تعالى فشفاه الله أن يضرب امرأته مائة جلدة، أفتاه الله تعالى، كان بإمكانه يكفر كفارة يمين، لماذا لم يكفر كفارة يمين؟ قال الله تعالى: ﴿خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ الضغث هو: شمراخ النخل، فيه مئة من هذه الأغصان التي هي الشمراخ، يضرب بها مرة واحدة، هذه فتوى من الله عز وجل له، لماذا لم يكفر كفارة يمين؟ ولا حاجة إلا أن يأخذ هذا الضغث ويضرب به؟ لم تكن اليمين قد شرعت في وقته، فأفتاه الله تعالى فأخذ هذا الشمراخ وضرب بها مرة واحدة تحلت القسم، وجعله الله تعالى مثالا للصابرين، وأصبح يضرب به المثل، يقال: صبر أيوب – عليه الصلاة والسلام – فهو مثال للفقير الصابر.

ننتقل لنموذج آخر من الأنبياء هو مثال للغني الشاكر، وهو سليمان ابن داوود – عليه الصلاة والسلام - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ[ص: 35] فأعطاه الله تعالى الملك، وسخر له الطير، والجن، وأيضا الريح ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وذات مرة ذكر هذه بعض المفسرين، ذكر هذه القصة بعض المفسرين ذات مرة كان على بساط الريح، وكان إذا صار على بساط الريح، لها موكب عظيم، معه الإنس، والجن، والطير، فكان مرة على بساط الريح حجب ضوء الشمس، كان رجل فلاح في مزرعته، لما مر موكب سليمان عرفه؛ لأنه حجب الشمس، ويعرفون أن هذا سليمان، وأن هذا موكبه، قال: سبحان الله، لقد أعطاه الله ابن داوود ملكا عظيما، سمع سليمان هذه الكلمة فنزل، ودعا الرجل، خاف هذا الرجل، قال: أبدا أسالك ماذا قلت؟ قال قلت: سبحان الله، لقد أعطى الله ابن داوود ملكا عظيما، قال: أتدري أن كلمة سبحان الله خير مما أعطي ابن داوود كله، سبحان الله تبقى، وملك ابن داوود يفنى، ومصداق هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» وكان يسوس المملكة سياسة عظيمة ويتفقدها، فذات مرة تفقد الطير فلم يجد الهدهد، سألعن الهدهد، قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ[النمل: 21، 22] انظر إلى العدل والإنصاف، طير صغير، يقول: لسليمان أحطت بما لم تحط به، سبأ كانوا في اليمن ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ملكتهم امرأة، وأوتيت كل شيء من أمور الدنيا، ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِفاستنكر الهدهد بفطرته، أنهم يسجدون للشمس من دون الله ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سليمان استعظم هذا ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ كتب سليمان كتابا لملكة سبأ ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ[النمل: 30، 31] وأعطاه الهدهد، أخذ الهدهد هذا الكتاب بمنقاره، وألقاه على بلقيس ملكة سبأ، وجعل ينتظر قالت ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فأرادت أن تختبر سليمان هل هو ملك أو نبي؟ قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾ كانت امرأة أيضا عاقلة، وعندها حكمة، وإن كانت تسجد للشمس، لكن لما تبين لها الحق تركت سجود الشمس، وعبدة الله عز وجل، فأرسلت هدية لسليمان من الجواهر العظيمة ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فخافت وأرادت أن تأتي إلى سليمان، قال سليمان للملأ حوله ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ يقال: إن حجمه كالجبل، عفريت ضخم جدا من الجن، كان جالسا في مجلس سليمان قال ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ كان يجلس من بعد طلوع الشمس إلى قريب من الظهر، فيقول: أنا آتيك به قبل آذان الظهر، وإني عليه لقوي أمين ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ رجل من الإنس لكنه عنده علم من الكتاب كان يعرف اسم الله الأعظم، دعا الله باسمه الأعظم، قال ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ في نفس اللحظة، فدعا الله باسمه الأعظم أن يؤتى بعرش بلقيس الآن، فحملته الملائكة فأتت به في نفس اللحظة، اسم الله الأعظم هو: الاسم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، قد اختلف فيه قيل إنه: الحي القيوم، وقيل إنه: كلمة التوحيد الله لا إله إلا هو، وقيل: غير ذلك، لكن هذا الرجل كان يعرف اسم الله الأعظم فدعا الله باسمه الأعظم فأحضرته الملائكة ﴿قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ* قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ أوتي بعرشها ونكل لها عرشها – أي غير فيه بعض التغيرات – كانت امرأة ذكية، قيل لها: أهكذا عرشك، لم تقل هو عرشي، ولم تقل ليس عرشي ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ أراد أيضا سليمان أن يبين لها أن ما عنده أعظم مما عندها، وكان هناك بناء من زجاج، ممرد من قوارير، والماء فيه كأنه الماء تجري من تحته ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَاثم أسلمت لله رب العالمين، فجعل الله تعالى سليمان مثالا للغني الشاكر، سخر الله تعالى له الجن، والإنس، والطير، ولكنه لم يغتر بما عنده من الملك، بل شكر الله تعالى، وكان عظيم العبادة لربه سبحانه، وعظيم الشكر، فجعله الله تعالى مثالا للغني الشاكر، وقدوة للأغنياء لكي يشكروا الله عز وجل على ما أنعم به عليه.

نأخذ نموذج آخر من سير الأنبياء وهي كثيرة نأخذ زكريا، زكريا تقدمت به السن، واشتعل الرأس شيبا، وكانت امرأته عاقرا لا تلد، ولما كانت مريم في كفالته لما اقترع مع بني إسرائيل ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فكفلها زكريا، وكان زوج خالتها، وكانت مريم نذرت امرأت عمران أن تجعل ما في بطنها محررا لخدمة بيت المقدس ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ﴾ كانت ترغب أن يكون ذكرا، ووضعتها أنثى، فبقيت في خدمة بيت المقدس، وأجرى الله لها كرامة، فكانت تأتيها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فاكهة عظيمة من أحسن الفواكه، قال لها زكريا ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فتاقت نفس زكريا للولد قال ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا* قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا* وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ وطلب من الله أن يجعل له آية ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ فأصبح ما يتكلم إلا أن يذكر الله عز وجل، ويشير لهم إشارة، فرزقه الله تعالى بيحيى، وجعله نبيا، ثم أن يحيى – عليه الصلاة والسلام – قتله اليهود، قد كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، قتله اليهود بعد ذلك – عليه وعلى أبيه وعلى أنبياء الله تعالى صلوات الله وسلامهم –.

وآخر الأنبياء هو محمد بن عبدالله – عليه الصلاة والسلام – وقد ولد عام الفيل، وهو العام الذي أرسل فيه أبرهة الحبشي جيشا فيه فيله لهدم الكعبة، لكي ينتقل الناس من الكعبة مكة إلى اليمن، بنى له بيتا في اليمن، ويريد من الناس أن يحجوا في اليمن بدل من مكة، فلما وصل إلى الحرم إلى مكان يقال له: المغمس، وليس وادي محسر، مشى عند بعض الناس أن المكان الذي هلك فيه أصحاب الفيل هو وادي محسر، وهو غير صحيح هو المغمس، جعل قائد الفيلة إذا وجه إلى مكة لا يتجه، إذا وجه إلى غير مكه مشى، سبحان الله، وهو حيوان، بعد ذلك أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ[الفيل: 4، 5]

ولد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام، ونشأ يتيم الأبوين، مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه، فكفله جده عبدالمطلب، ثم مات جده فكفله عمه، ثم بعد ذلك مات عمه، ثم ماتت زوجته خديجة، ثم مات جميع أبناؤه وبناته في حياته ما عدا فاطمه، سبحان الله، ومع ذلك هو سيد البشر، وسيد الأولين والآخرين وما ضره – عليه الصلاة والسلام – سبحان الله، ومكث في البعثة والرسالة ثلاثا وعشرين سنة، بعث وعمره أربعون، وتوفي وعمره ثلاثا وستون، بقي ثلاثة عشرا سنة في مكة يدعوا الناس إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله عز وجل، لم يدع الناس في تلك الفترة الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج أبدا، يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» ثم بعد ذلك لما أذن الله له في الهجرة، هاجر من مكة إلى المدينة فشرعت بقية الشرائع، ثم لا تكاد تمر به سنة إلا وفيها غزوة، فكانت حياته حياة جهاد ومجاهدة، وصبر ومصابرة – عليه الصلاة والسلام – وقد خير أن يعطى خزائن الأرض، أو أن يعيش نبيا، يجوع يوما ويشبع يوما، فاختار الثاني، وتمر عليه الأيام كما تقول عائشة: «يمر علينا الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما أوقد في بيته نار» ولكن في آخر حياته – عليه الصلاة والسلام – أغناه الله تعالى من الغنائم، وجاء عند أصحاب السنن من حديث لقيط بن صبرة، الحديث المشهور الذي هو بالغ في الاستنشاق لن تكون صائما، وجاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لقيه لقيط، وكان معه الراعي، فأمر الراعي بأن يذبح واحدة من الغنم، وقال للقيط: إنا لم نذبح لأجلك، إنا عندنا مئة من الغنم، كلما نتجت واحدة، ذبحنا مكانها آخرى، ولا نريد أن تزيد على المئة، فأغناه الله تعالى، فهو – عليه الصلاة والسلام – هو قدوة لنا جميعا في الصبر، وفي الشكر، وفي العبادة، وفي حسن الخلق، وفي كل شيء – عليه الصلاة والسلام – جعله الله تعالى أسوة للمؤمنين ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[الأحزاب: 21].

 وأما مواقفه – عليه الصلاة والسلام – وسيرته، فهذه يطول المقام في الحديث عنها، وعن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – لكن حسبنا أن ذكرنا إشارات لبعض مواقف وسير الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام –.

اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى سائر الأنبياء والرسل أجمعين.

 اللهم احشرنا في زمرتهم، يا رب العالمين، واجمعنا بهم في جنات النعيم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك أن تستعملنا في طاعتك، وأن توفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال، وأن تعيننا على ذكرك وعلى شكرك وعلى طاعتك وعلى حسن عبادتك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *