الخثلان
الخثلان
كتاب الحج - باب صفة الحج
6 شعبان 1438 عدد الزيارات 1869

قال المصنف – رحمه الله - باب: (صفة الحج)

قال: (مَنْ كَانَ مُحِلاًّ بِمَكَّةَ مِنْ مُعْتَمرٍ وَغَيرِهِ) محلا: أي من إحرامه، والمقصود أنه: خرج من الإحرام بفعل النسك، وهو يشمل: المتمتع، هو الذي خرج من الإحرام بالعمرة، وقوله: وغيره، يريد من كان في مكة وأراد الحج.

قال: (فَليُحْرِمْ بالحجِّ يَومَ التَّرْوِيَةِ ثامِنَ الحِجَّةِ) ينوي الدخول في نسك الحج يوم التروية، أي في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو اليوم المسمى بيوم التروية، وسمي بذلك: لأن الناس قديما كانوا يتروون بالماء في هذا اليوم لما بعده من أيام الحج؛ لأن منى لم يكن فيها ماء، وكان الناس في اليوم الثامن يتروون بالماء، ويدخروه لما بعده حتى إذا رجعوا من عرفة، ومزدلفة، وأقاموا في منى، يكون الماء عندهم متيسرا، وسمي يوم التروية.

قال: (ثُمَّ يَخْرُجُ إلىَ مِنَىً) ظاهر كلام المؤلف أن الإحرام هنا يكون من مكة وليس من منى، وهذا هو الأفضل، إلا من كان مقيما في منى، فيحرم في منى، الأفضل إذا أن يحرم من بيته في مكة، أو من المكان الذي يقيمه فيه في مكة، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرموا بالحج من الأبطح في اليوم الثامن يوم التروية؛ لأن الأبطح كان هو مكان نزوله، ثم يخرج إلى منى أي محرما، والآن كثير من حملات الحج يذهبون إلى منى مباشرة، فمن كان مقر إقامته من منى يحرم من منى.

قال: (فَيُصلّي بها الظّهرَ والعَصْرَ ويَبِيتُ بهَا) يصلي بها الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، من غير جمع، هذا هو الأفضل؛ لأنه هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان عليه الصلاة والسلام في منى يقصر من غير جمع، والأفضل للمسافر عموما القصر من غير جمع إلا أن يكون في الطريق فالأفضل القصر والجمع، وإلا في عرفة ومزدلفة الأفضل القصر والجمع، وما عدا ذلك الأفضل القصر من غير جمع، إذا الإحرام في اليوم الثامن يكون ضحى يوم التروية بحيث يصلي صلاة الظهر محرما، وبعض الحجاج يتأخر في الإحرام في اليوم الثامن، مع كونه في منى، ونشاهد في الحملات وغيرها بعض الحجاج بملابسه في اليوم الثامن، ويتأخرون في الإحرام بحجة أنه مستحب، هذا خلاف السنة، السنة أن يبادر الحاج للإحرام ضحى اليوم الثامن لأنه يكسب أجورا وثوابا بهذا الإحرام، ولأنه يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته – رضي الله عنهم – وهذا بالنسبة لغير أهل مكة، أما أهل مكة فإنهم يتمون في منى ولا يقصرون، وهو قول جمهور الفقهاء، وحتى على رأي من رأى أنهم يقصرون من الفقهاء السابقين، ومنهم: الإمام ابن تيمية، فإنهم رأوا القصر باعتبار أن منى كان بينها وبين مكة فضاء، أما الآن فقد اتصلت منى بمكة، ما علة القصر في منى، هل هو لأجل السفر، أو لأجل النسك؟ الجمهور بأنه لأجل السفر، والحنفية ذهبوا لأجل النسك، والقول بأنه لقول النسك ضعيف، بدليل أن المكي إذا صلى في مكة لم يجز له القصر بالإجماع، ولو كان القصر لأجل النسك لجاز له القصر، وبهذا ترجح القول بأن علة القصر في منى السفر، إذا كانت السفر فلا بد أن تكون المسافة أكثر من ثمانين كيلو، ما بين مكان الإقامة وما بين المكان الذي يقصر فيه، والآن منى اتصلت بمكة، وبناء على ذلك لا وجه لقصر أهل مكة، حتى على رأي ابن تيمية الآن يتمون، لأن ابن تيمية يرى العلة هي السفر، ويرى أن ما بين مكة ومنى أنها سفر في زمنه، والآن اتصلت بمكة بمنى، وعلى هذا أهل مكة ومن كان أيضا بالقرى، والبلدان القريبة من مكة، يتمون ولا يقصرون، والمؤلف قال: يصلي بها الظهر، والعصر، ولو أنه قال والمغرب، والعشاء، والفجر، لكان أحسن، وهذا مراده، لكن التعبير لم يكن دقيقا، فإذا يقال: صواب العبارة يصلي بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، وهو قد قال: يبيت بها، يعني يقيم بها ليلة التاسع، والإقامة بمنى في اليوم الثامن وليلة التاسع مستحبة وليست واجبة، والدليل على استحبابها أن هناك في عهد النبي عليه الصلاة والسلام نفر كثير أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في عرفة، ولم يمكث في منى في اليوم الثامن، ولم يأمرهم بشيء، فدل ذلك على أن الإقامة في منى في اليوم الثامن وليلة التاسع أنها مستحبة وليست واجبة، وبعض حملات الحج يذهبون لعرفات مباشرة، وهذا خلاف السنة، السنة أن يبقوا في منى في اليوم الثامن وليلة التاسع، قد ذكر ابن جبير في رحلته المشهورة: في سنة خمسمائة وتسعة وسبعين في ذاك الوقت أن الحجاج كانوا يذهبون إلى عرفات مباشرة بسبب قلة الأمن، وأن هناك لصوص تسطو على الحجاج، إذا ذهبوا من منى إلى عرفات فتغير عليهم وتأخذ بما في أيديهم، كان الناس في حالة شديدة من الخوف، والحمدلله الذي بدل الخوف أمنا.

قال: (فَإذا طَلعَتِ الشَّمْسُ سَارَ إلى عَرَفَةَ، فَأَقَامَ بِنَمِرةَ) ونمرة قرية خارج عرفات، تقع شمال شرق عرفة، والنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، سار من منى حتى وصل نمرة، ووجد أن قبة من شعر قد ضربت له فنزل بها إلى الزوال، فإذا تيسر هذا للحاج كان حسنا، وإن لم يتيسر فلا شيء عليه لأن هذا ليس واجبا.

(فَإذا زَالتِ الشَّمْسُ خَطَبَ الإِمَامُ) المقصود بالإمام: الإمام الأعظم، من له سلطة الأعلى في الدولة، أو من ينيبه، والسنة أن تكون الخطبة قصيرة، وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كانت قصيرة حفظها الصحابة، قد جاء في صحيح البخاري عن سالم بن عبدالله بن عمر أنه قال للحجاج: «إن كنت تريد السنة فأقصر الخطبة وعجل الوقوف قال: ابن عمر صدق» والخطبة تكون في المكان الذي خطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم هو الآن في مسجد نمرة، لكن لو أراد أصحاب حملة أن يخطبوا بأنفسهم هل هذا مشروع أو غير مشروع؟ باعتبار أنهم بعيدين عن مسجد نمرة، ويريدون يخطبوا لأنفسهم، مشروع ولا بأس به، وهذا اختيار شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – لأن الخطبة المقصود بها التذكير والموعظة، فلو قام طالب علم مثلا وخطب بالناس فلا بأس، وإن استمعوا لخطبة الإمام من مسجد نمرة أيضا فحسن، يختارون ما يرون أنه هو الأصلح والأنسب، لا شك أن الأكمل هو أن يحضروا للمسجد، لكن هذا قد لا يتيسر لأكثر الحجاج اليوم، فإذا لم يتيسر إما أن يستمعوا الخطبة عن طريق الإذاعة أو يقوم أحدهم ويخطب بهم.

قال: (وصَلَّى بهم الظُّهرَ والعَصرَ جَمْعَاً) بعد الخطبة يكون الآذان، خلافا للجمعة، فيشرع الآذان ثم يشرع أن يقيم إقامتين، إقامة لصلاة الظهر، ثم إقامة لصلاة العصر، كما هو عليه العامة الآن، والسنة الجمع والقصر.

قال: (ثُمَّ رَاحَ إلَى المَوقِفِ، وهُوَ عَرَفَةُ كلُّهَا إلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ) أي مكان الوقوف، وسيشير المؤلف بعد ذلك لموقف النبي عليه الصلاة والسلام، عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، وهي الآن محددة بعلامات واضحة نهاية عرفة، من جميع الجهات، بلوحات وعلامات، فعلى الحاج فقط أن يتبع هذه اللوحات، إذا عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة»

قال: (وَوَقْتُ الوقوفِ مِنْ طُلوعِ فَجْرِ عَرفةَ إلى فَجْرِ النَّحْرِ) هذا هو المذهب عند الحنابلة، واستدلوا بحديث عروة بن مضرس الطائي قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بجمع - يعني بمزدلفة - فقلت يا رسول الله: أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، هل لي من حج؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أدرك معنا صلاتنا هذه، وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» وهذا حديث صحيح، أخرجه أبو داوود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ووجه الدلالة أن قوله: أو نهارا، قد أتى عرفة قبل ذلك ليلا أو نهار، قالوا: النهار يبدأ بطلوع الفجر.

 والقول الثاني: أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من زوال الشمس، وإلى هذا ذهب جمهور من الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة، وقد حكاه ابن المنذر، وابن عبد البر إجماعا، ولكن الصواب أن المسألة ليست محل إجماع، فمذهب الحنابلة على أن الوقوف يبدأ بطلوع الفجر، والصواب في هذه المسألة: هو القول الثاني، وهو ما عليه أكثر أهل العلم، أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ بعد الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدين من بعده إنما وقفوا بعرفة بعد الزوال، ولو كان الوقوف يبدأ قبل الزوال، لوقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة قبل الزوال، وعلى هذا الحاج إذا أتى لعرفة قبل الزوال، إذا أتى مثلا بعد طلوع الشمس فينبغي أن يستعد لما بعد الزوال، إن كان يريد أن ينام ينام، إن كان يريد الراحة يرتاح، ثم بعد الزوال يجتهد في الدعاء، أقول هذا: لأن ألاحظ أن بعض الحجاج إذا أتى لعرفة قبل الزوال من الصباح يبدأ في الدعاء يجتهد في الدعاء، فإن كان بعد الزوال الذي هو وقت الوقوف إذا هو متعب ونام، وهذا من الجهل، كان ينبغي أن يعكس المسألة، إذا أراد أن ينام ويرتاح يرتاح قبل الزوال، أما بعد الزوال يبدأ في الدعاء والاجتهاد، لأن وقت الوقوف يبدأ بعد الزوال.

قال: (فَمَنْ حَصَلَ بهَا وهُوَ عَاقِلٌ تَمَّ حَجُّهُ) يعني من وقف بعرفة وهو عاقل يعني ليس مجنونا فقد أدرك الوقوف بعرفة، وعلى هذا لو كان نائما أيضا طيلة الوقت يكون قد أدرك الوقوف بعرفة، يعني لو أتي به وهو نائم لعرفة من حين دخل عرفة إلى أن خرج منها وهو نائم فقد أدرك عرفة، بل كذلك حتى لو مر بعرفة وهو جاهل أنها عرفة أجزأ؛ لحديث عروة بن مضرس السابق، وعلى هذا المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، أنه إذا مر بعرفة جاهلا أجزأ، واختلف العلماء في المغمى عليه إذا وقف بعرفة، كان يصاب إنسان بحادث سيارة مثلا، أو أنه يصاب بمثلا بجلطة، أو بأي مرض.. فيغمى عليه فيأتى به إلى عرفة مغمى عليه في الإسعاف أو في غيرها، هل يصح وقوفه أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يصح وقوف المغمى عليه بعرفة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو مذهب الشافعية.

القول الثاني: أنه يصح وقوف المغمى عليه بعرفة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية.

أما أصحاب القول الأول القائلون: أنه لا يصح وقوف المغمى عليه بعرفة، قالوا: إنه ليس أهلا للنية، والوقوف بعرفة عبادة تحتاج إلى نية.

وأما القائلون بأنه يصح وقوف المغمى عليه بعرفة، قالوا لأن عقله باقي لم يزل عنه، وكالنائم، وكما أن النائم يصح وقوفه بعرفة ولو كان نائما طيلة الوقت، وكذا المغمى عليه، وهذه المسألة توقف فيها الإمام أحمد لما سئل عنها، والشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – رجح القول الثاني، وهو أنه يصح وقوف المغمى عليه بعرفة، والخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، ولم يتحرر لي فيها القول الراجح لأن الخلاف فيها قوي، نهاية وقت الوقوف بعرفة فجر يوم النحر، وهذا بالإجماع؛ لحديث عروة بن مضرس الطائي السابق، ولحديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي وفيه: «من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك».

قال: (وعِندَ الصَّخَراتِ، وجَبَلِ الرَّحْمَةِ، ورَاكِباً أفضلُ) المقصود بالصخرات: الصخرات التي وقف عندها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي هي عند الجبل، وهذا الجبل يسميه كثير من الناس جبل الرحمة ومنهم المؤلف، واسمه في الأصل جبل إلال، وتسميته جبل الرحمة تفاؤلا بنزول رحمة الله عز وجل على الحجاج، ولكن هذه التسمية محدثة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول جابر: في حديثه الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم : «ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم ناقته القصواء حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة» الصخرات هذه هي صخرات أسفل جبل الرحمة، أو جبل إلال، وهذا الجبل أقصى شرق عرفات، هذا هو موقف النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفة كلها موقف إلا وادي عرنة، وإنما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المكان ليبين للناس أن عرفات كلها موقف، لو وقف غرب عرفات لربما تزاحم الناس على ذلك المكان؛ لأنه مما يلي مزدلفة، فوقف عليه الصلاة والسلام من جهة الشرق ليبين له أن عرفة كلها موقف، لما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المكان لم يكن له خيمة نزل كان على ناقته القصواء، أناخ ناقته، وبقي راكبا عليها، لم ينزل منها، ورافعا يديه يدعو طيلة الوقت، لم ينشغل النبي صلى الله عليه وسلم بغير الدعاء، وهذا يدل على أن أفضل ما يشتغل به الحاج في ذلك الوقت؟ الدعاء؛ لأن أكمل الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشتغل بأي عمل آخر غير الدعاء، أيهما أفضل قراءة القرآن أم الدعاء؟ الدعاء، التسبيح أم الدعاء؟ الدعاء، هو أفضل ما يشتغل به الحاج في ذلك الوقت، ولاحظ أن المدة طويلة من بعد صلاة الظهر والعصر، ثم سار مباشرة إلى هذا المكان، وبقي رافعا يديه يدعو إلى غروب الشمس، يعني قرابة ست ساعات وهو يدعو، حتى إن الصحابة شكو هل كان صائما! ما أكل شيء، طيلة الوقت يدعو، فأرسلت إليه أم الفضل بلبن بعد العصر والناس ينظرون فشربه ثم أكمل الدعاء، فعلموا أنه كان مفطرا، ويقول الراوي إنه: سقط خطام راحلته فأخذه بإحدى يديه وهو لا يزال رافعا يده الأخرى، وحصل في ذلك اليوم أن رجلا وقصته ناقته وهو محرم فمات، فذهبوا للنبي صلى الله عليه وسلم واستفتوا منه فأفتاهم وقال: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» وبقي عليه الصلاة والسلام منشغلا بالدعاء، وذلك الزمان هو عشية عرفة، والعشية ليس المقصود بها بعد العشاء، المقصود بها بعد الزوال، ولهذا في حديث أبي هريرة صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشية الظهر أو العصر، عشية عرفة هو: وقت مباهاة الله عز وجل بالحجيج لملائكته، فإن الله سبحانه وتعالى يدنو من الحجيج دنوا يليق بجلاله وعظمته، كما في جاء في حديث عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو بهم فيباهي بهم ملائكته ويقول ما أراد هؤلاء» هل هذا الدنو دنو حقيقي أو مجازي؟ عند أهل السنة والجماعة أنه دنو حقيقي على وجه لا يليق إلا بالله سبحانه، ويباهي الله تعالى بالحجيج ملائكته، ويقول: «ما أراد هؤلاء؟» وفي رواية: «انظروا إلى عبادي هؤلاء أتوني شعثا غبرا ضاحين أشهدكم أني قد غفرت لهم» فهذا الوقت عظيم جدا، ومن أنفس أوقات العمر، والدعاء فيه حري بالإجابة؛ ولذلك فأفضل ما يشتغل به الحاج الدعاء.

قال هنا: (رَاكِباً) أي أن وقوفه بعرفات راكبا أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان راكبا على راحلته، ولكن هذا محل نظر، والأقرب والله أعلم أن الأفضل ما كان أيسر للإنسان، بل إن كان الأيسر له الركوب ركب، وإن كان الأيسر له النزول في خيمة ونحوها فعل، فيختار ما هو الأيسر له، والأخشع لقلبه، أو الأصلح لقلبه، هذا هو الأرجح في هذه المسألة.

قال: (ويُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ، وذِكرِ اللَّهِ عزَّ وَجلَّ) ينبغي للحاج أن يكثر من الدعاء، ولا بأس أن ينوع، فيأتي بالأذكار خاصة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وتلاوة القرآن، وينبغي أن يغتنم هذا الوقت، وبعض الحجاج يذهب عليه هذا الوقت إما في النوم، أو في السواليف، والشيطان للإنسان بالمرصاد، وبعض الناس لا يحل النوم إلا في هذا المكان وهذا الزمان، فتجد أنه ينام في هذا الوقت النفيس، أو ينشغل بالسواليف والأحاديث الجانبية، وهذا من قلة التوفيق، فالموفق من اغتنم هذا الوقت النفيس من العمر.

قال: (فَإذَا غَربتِ الشَّمْسُ دَفَعَ إلى مُزْدَلِفَةَ) بعد غروب شمس يوم عرفة، يدفع إلى مزدلفة، ولا يجوز الدفع إلا بعد الغروب، أما إن دفع قبل الغروب ولم يعد إليها فعليه دم بتركه واجبا من واجبات الحج، وسيأتي إن شاء الله الكلام عن هذه في واجبات الحج، ومن وقف ليلا فقط فلا دم عليه، أما من وقف نهارا فلا بد أن يجمع بين النهار وبين جزء من الليل.

قال: (دَفَعَ إلى مُزْدَلِفَةَ، بِسكينةٍ، مُلبِّياً، ذَاكِراً) يدفع إلى مزدلفة بسكينة ووقار، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع إلى مزدلفة شنق لناقته الزمام، وهو يقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع» -يعني إن البر بإيجاف الخيل والإبل - ولذلك في رواية عند أبي داوود: «أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل» (مُلبِّياً، ذَاكِراً) السنة أن يكون ملبيا طيلة إحرامه؛ فإن التلبية من شعار الحاج؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الحج العج والثج» والعج هو: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدم بالنحر والذبح، ذاكرا الله عز وجل، (فَيجمَعُ بهَا العِشَاءين) إذا وصل إلى مزدلفة جمع العشاءين، المقصود بهما المغرب والعشاء، (قَبلَ حَطِّ الرِّحَالِ) المقصود: إنزال المتاع ونحوه، لكن جاء في حديث أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب قبل حط الرحال، وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت العشاء» متفق عليه، حديث أسامة يدل على أن حط الرحال كان بين الصلاتين، أول ما وصل مزدلفة صلى المغرب، ثم أمر بحط الرحال ثم صلى العشاء، فحصل فاصل بين المغرب والعشاء بحط الرحال، هذا هو الأفضل إن تيسر، وإن لم يتيسر وأحط الرحال مباشرة، أو أخر الرحال، فالأمر واسع، ولكن هذه السنة، وهذا يدل على أنه لا يشترط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، فالنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المغرب والعشاء، ويكون هذا بآذان واحد وإقامتين.

قال: (ويَبِيتُ بهَا) يبيت بمزدلفة، معنى البيتوته هنا الإقامة، وليس المقصود النوم كما يفهم بعض العامة، والسنة أن لا ينشغل في مزدلفة بعبادة سوى صلاة الوتر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى المغرب والعشاء نام طيلة الليل؛ لأنه مقبل على أعمال عظيمة في يوم النحر، ولأنه كان في يوم عرفة منشغلا بالدعاء طيلة الوقت، فهو محتاج إلى الراحة، واختلف العلماء هل أوتر النبي صلى الله عليه وسلم ليلة مزدلفة أم لا؟ فمنهم من قال: أنه لم يوتر؛ لأنه لو أوتر لنقل ذلك الصحابة، وقد نقلوا ما هو أقل من ذلك، ومنهم من قال: إنه أوتر ولكن الصحابة لم ينقلوه؛ لأنه معروف من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يترك الوتر لا سفرا ولا حضرا، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فالأرجح أن الحاج يوتر ليلة مزدلفة، يجوز للضعفة ومرافقيهم الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل، والأفضل بعد غروب القمر؛ لقصة أسماء أنها: «نزلت مزدلفة، فقامت تصلي، ثم قالت: هل غاب القمر، قالوا: لا، فجعلت تصلي حتى قالوا غاب القمر، قالت: ارتحلوا» فالأفضل للضعفاء ومرافقيهم أن يدفعوا من مزدلفة بعد غروب القمر، ويجوز بعد منتصف الليل، غروب القمر ليلة مزدلفة يكون بعد مضي ثلثي الليل، يبقى النظر بالنسبة للأقوياء هل يجوز لهم الدفع من مزدلفة قبل الفجر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أنه يجوز، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة.

القول الثاني: أنه لا يجوز، وهو مذهب الحنفية الذين يوجبون أن يصلي صلاة الفجر بمزدلفة؛ ويستدلون بحديث عروة بن مضرس السابق، فيه من صلى صلاتنا هذه، أما الجمهور فقالوا: أنه ليس هناك دليل يدل على منع الحاج من الدفع من مزدلفة قبل الفجر، وعبدالله بن عمر – رضي الله عنهما – يقول: «إنما جمع منزل ترتحل منه حيث شئت» وأما إذنه عليه الصلاة والسلام للضعفه فإنه كان هو الإمام، وهو قائد الجيش، والرسول عليه الصلاة والسلام، فمن كان معه فلا بد أن يستأذنه في الذهاب، ولذلك لو كنت في سفر ومعك أمير عليكم وأردت أن تذهب لمكان آخر تستأذن منه، فليس في هذا دليل على وجوب البقاء إلى طلوع الفجر، وهذا هو القول الراجح أنه يجوز للأقوياء الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل، والأفضل البقاء إلى طلوع الفجر إلى الإسفار، لكن من حيث الحكم يجوز للأقوياء الدافع من مزدلفة بعد منتصف الليل، هذا رأي أكثر جمهور الفقهاء، المالكية، الشافعية، والحنابلة، وهو أيضا اختيار شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز، ومحمد بن عثيمين – رحمهم الله – ولكن الأفضل للأقوياء أن يبقوا إلى طلوع الفجر والإسفار؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام بقي في مزدلفة حتى أسفر جدا، ولهذا قال المؤلف:

قال: (فَيُصَلّي الصُبحَ) صلاة الفجر، (ثُمَّ يَأتِي المَشْعرَ الحَرَامَ، فَيَدعُو) والمشعر الحرام هو: جبل صغير بمزدلفة اسمه: قزح، وقد أزيل هذا الجبل وبني مكانه مسجد مزدلفة الآن موجود، ذو المنارتين، وصلى به صلاة الفجر وبقي يدعو فيه، على أن المشعر الحرام يطلق أيضا على مزدلفة كلها، كما قال الله تعالى : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.

قال: (فَيَدعُو إلى أَنْ يُسْفِرَ) إذا صلى صلاة الفجر يدعو مستقبلا القبلة، رافعا يديه، إلى أن يسفر يعني: إلى أن يحصل الإسفار، قبل طلوع الشمس.

(ثُمَّ يَدفَعُ) يدفع بعد الإسفار وقبل طلوع الشمس، قد كان المشركون لا يدفعون إلا بعد طلوع الشمس، كانوا يقولون أشرق ثبير كيما نغير، فخلفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس وبعد الإسفار.

(ثُمَّ يَدفَعُ، فَإذَا بَلَغَ مُحَسِّراً أَسْرعَ) يدفع من مزدلفة فإذا بلغ وادي محسر أسرع في سيره، ووادي محسر هو: ما بين مزدلفة ومنى، واختلف في سبب تسميته بهذا الاسم: ذكر ابن القيم في زاد المعاد: «أنه سمي بذلك لأن أصحاب الفيل أهلكوا في هذا المكان» فقالوا: أصحاب الفيل حسروا في هذا المكان، أو حسروا يعني أعيوا في هذا المكان، قالوا: وهذا يؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من عادته أنه يسرع في المواضع التي نزل بها بأس الله تعالى بأعدائه، ولكن هذا القول الذي ذكره ابن القيم محل نظر؛ لأن المعروف أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم، وإنما حبس عن دخول الحرم، ومحسر هل هو من الحرم أو من الحل؟ من الحرم، ومما يدل لذلك أيضا، قول الشاعر الجاهلي حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه مكسور، وعلى هذا فإن القول قول مرجوح، والعجيب أن ابن القيم في زاد المعاد ذكر هذا القول ولم يذكر غيره، ولكن ألف هذا الكتاب في سفر، إذا ما هو السبب؟ قيل السبب: أنه في الجاهلية كانوا يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد أبائهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخالفهم فأسرع، وقيل: إنه أسرع عليه الصلاة والسلام في هذا المكان وسمي بوادي محسر؛ لأنه وادي فيه يتعب سالكه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتفادى ذلك، ففيه ما يعيي ويحسر سالكه مع طبيعته وتضاريسه، وتحسر سالكه، وهذا هو الأقرب؛ لأنه كان وادي مابين مزدلفة وما بين منى، ولذلك تجد أن النبي عليه الصلاة والسلام في المسعى ما بين العلمين كان يسرع لأنه كان واديا، وهكذا هو وادي محسر كان واديا فأسرع لأجل ذلك؛ لأنه فيه ما يحسر سالكه ويعييه وكان منخفضا أيضا، وأما في الوقت الحاضر أصبح في ارتفاع منى ومزدلفة، ووادي محسر لا يكتب عليه وادي محسر، ونهاية منى وبداية مزدلفة ما بين اللوحتين هو وادي محسر.

(رَميَةَ حَجَرٍ) يسرع مسافة قدرها رمية حجر، في وقت المؤلف لم يكن هنا لوحات فيردون معرفة قدر هذا الوادي، فيقول: رمية حجر، وقد ذكر الأزرقي: أنه خمس مائة وخمس وأربعين ذراع، والآن محدد بلوحات واضح نهاية منى وبداية مزدلفة.

(وأَخَذَ حَصَى الجِمَارِ) يأخذ حصى الجمار من حيث شاء، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد مكان للالتقاط حصى الجمار بل قال للفضل بن عباس: غداة يوم النحر وهو على راحلته القط لي حصيات، فالحصى يلتقط من أي مكان، وما يعتقده بعض العامة من التقاط الحصى من حين وصوله لمزدلفة، فهذا لا أصل لها، تجد أن بعض العامة يحرص حرصا كبيرا على التقاط الحصى من حين يصل إلى مزدلفة، وإنما الحصى يلتقط من أي مكان.

قال: (فَوقَ الحمُّصِ ودُونَ البُنْدُقِ) هذا تقريبا من المؤلف لحجم الحصى، أنها فوق حجم الحمص المعروف، ودون البندق الذي يرمى به، ولكن الناس الآن لا يعرفون الحمص ولا البندق، فنحتاج الآن إلى تحديد أدق، هناك جاء في رواية البيهقي، عن جميل بن زيد قال: «رأيت ابن عمر يرمي الجمار بمثل بعر الغنم» هذا أوضح بعر الغنم: حجمه متقارب، فيكون حجم الحصى بمثل بعر الغنم، هذا هو الأوضح في تحديد حجم الحصى الذي يرمى به، ولذلك ينبغي عند التوضيح للعامة أن يأتي بالشيء الذي يفهمونه.

 قال: (سَبْعُونَ) سبعون حصاة، هذا عدد حصى الجمار في حق المتأخر، نحسبها يوم العيد سبع، واليوم الحادي عشر إحدى وعشرين، واليوم الثاني عشر إحدى وعشرين، واليوم الثالث عشر إحدى وعشرين، عدد الحصيات التي يرمي بها المتعجل تسع وأربعين حصاة، وعدد الجمرات التي يرمي بها المتأخر سبعون حصاة.

قال: (فَإذَا وَصَلَ مِنَىً بَدَأ بِجَمرةِ العَقَبةِ) إذا وصل منى مباشرة يبدأ بجمرة العقبة وهي تحية منى، وجمرة العقبة هي آخر الجمرات مما يلي منى، وأقربهن من ناحية مكة، وسميت عقبة لكونها في عقبة، في جبل، وقد أزيل هذا الجبل عام 1375 هـ، في عهد الملك سعود – رحمه الله -.

قال: (فَرَمَاهَا بِسبِعِ حَصَيَاتٍ) الرمي هو: القذف والدفع بقوة، ومعنى ذلك أنه لا بد من رفع اليد أثناء الرمي، فإن وضع الحصى بدون رفع اليد فقد اختلف العلماء هل تجزئ أم لا؟ من العلماء من قال: لا تجزئ لأن هذا ليس رميا.

والقول الثاني: أنها تجزئ وهو القول الراجح لأن المقصود أن تصل هذه الحصى للمرمى، والمطلوب هو وقع الحصاة في الحوض، ولا يجب إصابة الشاخص؛ لأن هذا الشاخص إنما وضع علامة المرمى، بل إن الإنسان لو رمى الشاخص ثم ارتدت ولم تقع في الحوض لم تجزئ، العبرة بوقوع الحصى في الحوض وليس في إصابة الشاخص، سبع حصيات بالإجماع.

(مُكَبِّراً رَافِعاً يَدَيهِ) لابد من رفع اليدين، مكبرا قائلا: الله أكبر، وهذه هي السنة أن يكبر، وأما ما يزيده بعض الناس، بسم الله والله أكبر، فزيادة بسم الله لا أصل لها، يقول: الله أكبر عند كل حصاة.

(مُسْتَقْبِلاً) يعني مستقبلا القبلة؛ وذلك لما روى عبدالرحمن بن يزيد النخعي عن عبدالله بن مسعود أنه: «لما رمى جمرة العقبة استقبل القبلة وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» أخرجه الترمذي، وابن ماجه، ولكن هذه الرواية ضعيفة، والمحفوظ هي رواية الصحيحين أن ابن مسعود جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، وقال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» ومعنى هذا أنه لم يكن مستقبلا القبلة، بل جعل القبلة عن يساره، وهذا هو القول الراجح، العجيب أن المصنف اعتمد على رواية غير الصحيحين، ورواية الصحيحين موجودة وأصح وأضبط.

قال: (ولا يُجْزِئُ غَيرُ الحَصَى) لا يجزئ في الرمي غير الحصى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمى بالحصى، فلا يجزئ الرمي بالإسمنت مثلا: ولا بالإسفلت..، ولهذا فينبغي لمن أراد أن يرمي أن يتفحص ما يرمي به، بل لابد أن تكون من الحصى.

(وَيَقْطَعُ التَّلبِيَةَ مَعَ ابْتِدائِهِ) يقطع الحاج التلبية مع ابتداء الرمي.

(ثُمَّ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ) والمتمتع، والقارن يجب عليهما الهدي، والسنة أن يذبح الهدي بعد رمي جمرة العقبة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان قد أهدى مائة من الإبل، ونحر بيده ثلاث وستين، وأمر علي فأكمل البقية إلى مائة، لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث وستين؟ لتتوافق مع عمره، كأنه كل بدنة عن سنة من عمرة عليه الصلاة والسلام، ثم أمر بأن يؤخذ من كل بدنة قطعة لحم، فجمعت في قدر وطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مراقيها، وأمر بأن يتصدق ببقية لحوم وجلال البدن على الحجاج.

قال: (وحَلَقَ الرَّجلُ أَو قَصَّر) يعني بعد الذبح أو الرمي السنة الحلق أو التقصير، والحلق أفضل، والحلق معناه: إزالة جميع الشعر، وهذا يكون بالموس، وأما بالمكينة تعتبر تقصير، حتى لو كانت على رقم صفر هل هو حلق أو تقصير؟ الواقع أنه تقصير لأنه يبقى جزء من الشعر ليس حلقا، لكن أخبرني بعض الأخوة يوجد هناك مكائن الحلاقة تكون كالموس تزيل الشعر تمام فإذا وجد مثل هذا يكون حلقا، والحلق أفضل من التقصير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا والمقصرين مرة واحدة، وينبغي للحاج أن يحرص على تطبيق السنة، حتى يكون حجه مبرورا، وإنني أعجب من بعض طلبة العلم يأتي ويحج ومع ذلك يقصر، أين تطبيق العلم الذي تعلمته؟

قال: (كالمَرأةِ)  أي أن المرأة تقصر، والمرأة تجمع شعرها على شكل ضفائر وتأخذ من كل ضفيرة قد أنملة، قدر رأس الأصبع.

(ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيءٍ، غَيرَ النِّسَاءِ) إذا رمى وحلق حل له كل شيء ما عدا النساء، يعني ما عدا جماع الزوجة وما يتعلق به، وهذا يسميه الفقهاء التحلل الأول، ويدل له حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» أخرجه أحمد وغيره، وقال بعض أهل العلم: «أنه يحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة فقط، لحديث عائشة طيبت النبي صلى الله عليه وسلم للحل والإحرام حين يحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر» أخرجه أحمد، لكنه ليس بصريح، ولذلك الأقرب والله أعلم أنه لا يحصل التحلل الأول إلا بفعل اثنين من ثلاثة وهي: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، والطواف، الذبح والنحر ليس له علاقة بالتحلل، وإذا فعل الثلاثة كلها حل التحلل كاملا، فحل له كل شيء حتى زوجته.

قال: (ثُمَّ يُفِيضُ إلى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ للزّيَارةِ، وَبهِ تمَامُ الحَجِّ) السنة أن يفيض إلى مكة ويطوف طواف الزيارة ويسمى طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج، ولهذا قال المؤلف وبه تمام الحج، وهو المذكور في قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ المراد بهذا الطواف: طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، وهو من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به، (وأَوّلُ وَقتِهِ بَعْدَ نِصْفِ لَيلَةِ النّحرِ) يبدأ وقت طواف الإفاضة من بعد منتصف ليلة النحر، أما قبله فلا يجزئ، من بعد منتصف ليلة النحر لمن وقف بعرفات، وإلا بعد الوقوف بعرفات.

(ثُمَّ يَسْعَى المُتَمَتِّعُ مُطْلَقاً) المتمتع عليه سعيان: سعي للعمرة، وسعي للحج، فيسعى المتمتع بعد طواف الإفاضة، وهذا هو قول الجمهور، أن المتمتع عليه سعيان: وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، ويدل لذلك حديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: «فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجه» رواه البخاري، وهذا صريح في أن المتمتع أن عليه سعيان، وقال بعض أهل العلم: أن المتمتع عليه سعي واحد، وهذا قول مشهور عن الإمام ابن تيمية – رحمه الله – واستدل بحديث جابر قال إنه: «من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا» والقول الراجح هو قول الجمهور وهو أن المتمتع عليه سعيان، فإن حديث عائشة حديث صحيح صريح، أما حديث جابر فيحمل على غير المتمتع.

قال: (وَغَيرُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى عِنْدَ طَوَافِ قُدُومِه) يعني غير المتمتع أي القارن أو المفرد يسعى بعد طواف الإفاضة إن كان لم يسع بعد طواف القدوم، فإن كان سعى بعد طواف القدوم أجزأ، والنبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد بعدما طاف طواف الإفاضة هل سعى أم لا؟ لم يسع؛ لأنه سعى بعد طواف القدوم وكان قارنا، فإذا القارن والمفرد إذا سعيا بعد طواف القدوم أجزأ وإذا لم يسع يسعى بعد طواف الإفاضة، وأما بالنسبة للمتمتع فعليه سعيان سعي للعمرة، وسعي للحج، (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كلُّ شَيءٍ) حتى النساء.

 (ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْ زَمْزَمَ) بعد طواف الإفاضة هذا الموضع هو من آكد المواضع التي يستحب فيها الشرب من ماء زمزم، بعد الفراغ من طواف الإفاضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «فرغ من طواف الإفاضة ذهب لزمزم فأتى بني عبدالمطلب وهم يسقون وقال: انزعه فلولا أني أخشى أن تغلبوا لنزعة معكم» وهذا الماء ماء زمزم مبارك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طعام طعم، وشفاء سقم» جعله الله تعالى آية له أكثر من أربعة آلاف سنة، ولم تنضب هذه العين، سبحان الله! آية من آيات الله، ننظر الآن كثير من العيون نضبت، أما بئر زمزم على كثرة سقي الناس منها، وكثرة السحب منها، والآن يسحب منها بالمكائن الضخمة، ومع ذلك لم ينضب عين هذه الماء، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له» صنف الحافظ ابن حجر رسالة في هذا الحديث، جمع طرقه ثم خرج إلى أنه ثابت مجموع من الطرق، ما معنى ماء زمزم لما شرب له؟ يتحقق له ما أراد إذا شربه بيقين، فإذا شرب زمزم لأي شيء يريده بيقين يحصل له ما يريد بإذن الله، وقد ذكر عن الإمام الشافعي أنه: «شرب لإصابة الرمي، فكان لا يكاد يخطئ الرمي» وشربه أبو عبدالله الحاكم لحسن التصنيف، «فكان أحسن أهل زمانه تصنيفا» قال الحافظ بن حجر: «وأنا شربته قبل عشرين عاما لأكون في منزلة الحافظ الذهبي في الحفظ، وها أنا أرى إني في منزلته، وأرجو المزيد» وشربه أناس كثير للشفاء من أمراض مستعصية فشفاهم الله تعالى منها، قال ابن القيم: «وكنت إذا أصابني الداء أخذ ماء زمزم، فأقرأ عليه الفاتحة سبع مرات، ثم أشرب هذا الماء، فيشفني الله عز وجل، وكنت أذكر هذا لغيري فيجدون فيه البرء التام» فماء زمزم ماء مباركا، لكن بعض الناس يشربه مجربا، لا يستفيد، لابد أن تشربه بيقين، فإذا شربته بيقين لأي أمر فإنه بإذن الله يحصل لك ما تريد.

قال: (مُتَضَلِّعاً) التضلع: أن يشرب منه وليس بحاجة للشرب، وإنما تبركا بهذا الماء، فيزيد في الشرب حتى تمتلئ أضلاعه. 

(وَيَدعُو بالمأثورِ) لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الشرب من زمزم دعاء مأثور، لكن روي عن ابن عباس أنه كان يدعو فيقول: «اللهم إني أسالك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء» فإن أتى بهذا الدعاء أو بغيره كان ذلك حسنا.

ننتقل بعد ذلك إلى قول المؤلف – رحمه الله – فصل:

(ثُمَّ يَرْجِعُ إلى مِنَىً، فَيَبِيتُ بهَا) تكلم المؤلف – رحمه الله – في هذا الفصل عن أعمال يوم العيد، وأيام التشريق، قال: (ثُمَّ يَرْجِعُ إلى مِنَىً، فَيَبِيتُ بهَا) يعني يرجع من مكة بعد الطواف والسعي إلى منى فيبيت بها، يقيم بها، والأفضل أن يقيم بها ليلا أو نهارا، ولكن المقدار الواجب هو: أن يمكث بها أكثر من نصف الليل.

قال: (فَيَرْمِي الجَمَراتِ ثَلاثةَ أَيامِ التَّشريقِ بَعْدَ الزَّوالِ) يرمي الجمرات الثلاث الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، هنا حدد المؤلف بداية الرمي بعد الزوال، وإلى هذا ذهب الجمهور، أن ابتدأ وقت الرمي بعد الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما رمى بعد الزوال، وقد قال: خذوا  عني مناسككم» وقال ابن عمر: «كنا نتحين الزوال فإذا زالت الشمس رمينا».

 والقول الثاني: أنه يجوز الرمي قبل الزوال في جميع أيام التشريق، وهو مروي عن عطاء، ومروي عن أبي حنيفة أيضا، وقالوا: إن جميع الوقت وقت رمي، كما أنه جميع الوقت وقت ذبح، وتكبير، فهو وقت رمي، وأيضا استدلوا بما روي عن ابن الزبير: «أنه رمى قبل الزوال في أيام التشريق».

والقول الثالث: أنه يجوز الرمي قبل الزوال في يوم النفر الأول لمن تعجل، يعني في اليوم الثاني عشر يجوز الرمي قبل الزوال لمن تعجل، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهو قول للحنفية، واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ واليوم يبدأ من طلوع الفجر، وهذا القول الثالث هو الراجح والله أعلم، أنه يجوز الرمي قبل الزوال لمن تعجل، ولكن الأفضل ألا يفعل ذلك إلا من كان له عذر، كأن يكون مرتبطا بموعد طائرة أو نحو ذلك، وإنما رجحنا هذا القول: لأن دلالة الآية ظاهر، والذي رمى قبل الزوال تعجل في يومين، وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يدل على الأفضل، والأفضل أن يكون بعد الزوال، كما أنه مثلا: طاف طواف الإفاضة ضحى يوم النحر، هذا يدل على أنه هذا الأفضل، وعليه الصلاة والسلام في جميع أمور حجه اختار الأكمل والأفضل، وأما قول ابن عمر: كنا نتحين الزوال لأنهم يريدون أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في فعل الأفضل، والذي يظهر أن الناس في منى كانوا متفرقين ولا يجمعهم إلا وقت الصلاة، فإذا اجتمعوا ذهبوا مع النبي عليه الصلاة والسلام لأجل الرمي حتى يقتدوا به، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي الفجر بغلس، ليس مناسبا الرمي بعد الفجر مباشرة؛ لأن الجو لازال فيه ظلمة، وما بين الفجر والزوال الناس متفرقون فكان الأنسب أن يرمي بعد الزوال، هذا الذي يظهر في هذه المسألة، ولكن الجمهور يرون أن وقت الرمي يبدأ بعد الزوال،

قال: (فَيَرْمِي الجَمَراتِ ثَلاثةَ أَيامِ التَّشريقِ بَعْدَ الزَّوالِ) قوله: أيام يريد النهار، لأن اليوم المقصود به النهار، كمن قال الله تعالى : ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا الجمهور على أن الرمي في النهار فقط.

 والقول الثاني: أنه يجوز الرمي ليلا، وهذا هو القول الراجح وهو الذي أفتى به الآن عامة العلماء المعاصرين، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم: «سأله رجلا رميت بعد ما أمسيت قال: لا حرج» رواه البخاري.

قال: (كلُّ جَمرةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) وهذا بالإجماع.

(يَبْدَأُ بالأُولَى وَتَلِي مَسجِدَ الخَيفِ) يبدأ بالأولى يعني الجمرة الصغرى، وتلي مسجد  الخيف هي الأقرب لمسجد الخيف،  (ثُمَّ بِالوُسْطَى) فلا بد من الترتيب.

(ويَقفُ عِنْدَهُمَا، ويَدْعُو طَوِيلاً) يعني يقف عند الجمرة بعدما يرمي الجمرة الأولى السنة أن يأخذ ذات اليمين، ويستقبل القبلة ويدعو طويلا، ثم بعدما يرمي الجمرة الوسطى يأخذ ذات الشمال، ويستقبل القبلة ويدعو طويلا.

قال: (لا عِنْدَ الثَّالِثَةِ) يعني ولا يقف عند الجمرة الثالثة، ولا يدعو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عند الجمرة الثالثة التي هي جمرة العقبة، ولم يدعو.

 قال: (وَلَيسَ عَلَى الرُّعَاةِ وَالسُّقاةِ مَبِيتٌ) الرعاة والسقاة رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ترك المبيت، فإن الناس كانوا يأتون بالإبل ويعطون هذه الإبل أناسا يرعونها، والسقاة الذين يسقون الناس من بئر زمزم وهم: بنو عبدالمطلب، فرخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ترك المبيت، ويقاس عليهم في الوقت الحاضر من كان مشتغلا بخدمة الحجيج، كالأطباء، ورجال الدفاع المدني، ورجال المرور، وكل من كان مشتغلا بخدمة الحجيج فيرخص لهم في ترك المبيت.

قال: (إلا مَنْ غَرَبَتِ الشَّمْس وَهُوَ بهَا، فَيَلزَمُ الرُّعَاةَ فَقَطْ) يعني لو غربت الشمس على السقاة والرعاة بمنى لزم الرعاة أن يبيتوا، وعللوا ذلك لأن وقت الرعي ينقضي بالنهار، فزال عذرهم بذلك دون أهل السقاية فلا يلزمهم المبيت لأنهم يسقون الناس بالليل، كما يسقونهم بالنهار.

قال: (فَمَنْ أَحَبَّ تَعَجَّلَ فِي يَومَين) يعني في اليوم الثاني عشر، لقول الله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.

(فَإنْ غَرَبَتْ شَمْسُ الثَّانِي وَهوَ بهَا لَزِمَهُ المَبِيتُ) إذا غربت على الحاج شمس اليوم الثاني عشر يلزمه المبيت بمنى؛ لقول ابن عمر: «إذا أدركه المساء لزمه البقاء» وكأنه إذا غربت عليه الشمس في اليوم الثاني عشر لا يصدق عليه أنه تعجل في يومين.

(والرَّميُ مِن غَدٍ) يعني إذا لزمه المبيت لزمه الرمي من غد لوجوب المبيت عليه، لكن يستثنى من ذلك ما إذا تأخر بغير اختياره كأن يكون بسبب زحام الطريق ونحوه فلا يلزمه المبيت.

قال: (فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ البَيتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ كُلِّ أُمُورِهِ) يعني بعد ذلك يأتي إلى مكة ويطوف طواف الوداع، فطواف الوداع واجب، يجب على الحاج أن يطوف طواف الوداع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت».

قال: (فَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ) يعني يدعو في هذا الطواف بما أحب، ولكن هذا الدعاء ليس خاصا بطواف الوداع، وإنما في أي طواف يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.

(وَلا وَدَاعَ عَلَى حَائِضٍ ولا نُفَسَاءَ) يسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء؛ لقول ابن عباس – رضي الله عنهما – : «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض».

قال: (فَإنْ خَرَجَ قَبْلَهُ رَجَعَ إنْ قَرُبَ) خرج قبل طواف الوداع وكان قريبا من مكة لزمه الرجوع.

(وَإلا بَعَثَ بِدَمٍ) وإن لم يرجع فعليه دم يذبح في الحرم ويوزع على فقراء الحرم، ورابط القرب يكون دون مسافة القصر، ومسافة القصر أنها ثمانون كيلو، فإذا كان خرج من مكة أقل من ثمانين كيلو يرجع ويطوف طواف الوداع ولا شيء عليه، أما إذا كان أكثر من ثمانين كيلو يثبت الدم في ذمته لترك طواف الوداع.

ثم قال المصنف – رحمه الله – (باب صفة العمرة)

(وَصِفَتُهَا: أنْ يُحْرِمَ مِنَ الحِلِّ) يعني لمن كان داخل الحرم يحرم من الحل، وإلا الآفاقي يحرم من الميقات، لكن كلام من كان داخل الحرم لابد أن يخرج من الحرم ويحرم من الحل، وأقرب الحل: التنعيم، وأيضا من الحل عرفة، والجعرانه، وأيضا جزء من الشرائع يعتبر من الحل، فيحرم من أي مكان من الحل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة لما أرادت أن تعتمر أمرها: «أن تخرج من الحل وأن يخرج معها أخوها عبدالرحمن فأحرمت من التنعيم من المكان الذي الآن فيه مسجد عائشة».

قال: (ثُمَّ يَطُوفَ بِالبَيْتِ وَيَسْعَى) على ما تقدم من صفة الطواف والسعي.

(ثُمَّ يَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ) على ما سبق، هذه هي صفة العمرة باختصار.

(ثُمَّ قَدْ حَلّ) ثم قد حل من عمرته.

(وَيُسَنُّ لِمِنْ لا شَعرَ لهُ إمْرَارُ المُوسَى عَلَى رَأسِهِ) تشبها بالحالقين وقيل: إنه لا يسن؛ لأنه أشبه بالعبث، والأقرب أنه يسن حتى يصدق عليه إنه اتقى الله ما استطاع.

ثم ذكر المؤلف أركان الحج قال: (وَأَرْكَانُ الحَجِّ: الوُقُوفُ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، والإِحْرَامُ، وَالسَّعْيُ) الأول الوقوف بعرفة، وهذا بالإجماع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة».

الثاني قال: (وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ) وهو طواف الإفاضة المذكور في قول الله تعالى:﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وهو أيضا ركن بالإجماع.

الثالث قال: (الإِحْرَامُ)  وهو نية الدخول في النسك.

الرابع: (وَالسَّعْيُ) وهو محل خلاف هل هو ركن أو واجب، والصواب: أنه ركن، لأنه تبع للطواف، وإذا كان الطواف ركنا فالسعي ركن كذلك؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا» ولأن السعي من شعائر الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ فهذه أركان الحج الأربعة لا يصح الحج إلا بها.

أما واجبات الحج قال أولا: (وَوَاجِبُهُ: الإحْرَامُ مِنَ المِيقَاتِ) أي أن يحرم من أحد المواقيت التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم والذي تكلمنا عنها بالتفصيل في درس سابق.

الثاني: (والوُقُوفُ إلَى الليلِ) الوقوف بعرفة إلى الليل فإن دفع من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم، وقيل إن من وقف بعرفة نهارا دون الليل لم يصح حجه، وهذا مذهب المالكية، وقيل إن من دفع من عرفة قبل غروب الشمس لا شيء عليه، وهو مذهب الشافعية، والأقوال فيها متقابلة، والقول الثالث: أن من دفع من عرفة قبل غروب الشمس فحجه صحيح ولكن عليه دم، وهو مذهب الحنفية والحنابلة وهو الراجح.

الثالث من واجبات الحج: (وَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ، إلَى بَعْدِ نِصفِ الليلِ) والمبيت بمزدلفة واجب، ويجبر بدم، ويدل لذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قال: (وَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ، إلَى بَعْدِ نِصفِ الليلِ) إلى بعد منتصف الليل، وسبق أن تكلمنا عنه وقت المبيت بمزدلفة، وذكرنا يعني القول الراجح في المسألة.

قال: (وَالمَبِيتُ بِمِنَىً) ليال التشريق، فهو واجب من واجبات الحج، ويدل لذلك النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعمه العباس، ورخص لسقاة والرعاة، والرخصة لا تكون إلا من واجب، فإن الرخصة يقابلها العزيمة.

الخامس: (والرَّمْيُ) رمي جمرة العقبة يوم العيد، والجمرات الثلاث في أيام التشريق؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «خذوا عني مناسككم».

السادس: (والحَلقُ) أو التقصير، فهو من واجبات الحج، ويدل لذلك قول الله عز وجل: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ووصفهم الله تعالى بالحلق فهذا يدل على أنه نسك، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به أصحابه.

السابع: (وطوافُ الوداعِ) وهو من واجبات الحج عند الجمهور، وقال بعض أهل العلم: أنه ليس من واجبات الحج؛ لأنه لو كان من واجبات الحج لوجب على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم وإنما يجب على المسافر، ورجح هذا القول الشيخ بن عثيمين – رحمه الله  -: يرى أنه واجب ولكنه ليس من واجبات الحج، والأظهر والله أعلم أنه من واجبات الحج، ولكنه واجب على غير المقيم، كما أن هدي التمتع والقران واجب على غير من كان من حاضري المسجد الحرام.

قال: (وغيرُ ذلك سُنَّةٌ) وغير ذلك مما ذكر من مثل: الرمل، والاضطباع، وطواف القدوم.. وغير ذلك هذه من السنن.

قال: (وأركانُ العُمْرَةِ: الطّوافُ، والإِحرامُ، والسّعيُ في روايةٍ) العمرة مكونه من طواف وسعي فهما ركنان، وأيضا الإحرام، وقوله: والسعي في رواية لأن هناك رواية آخرى أن السعي واجب وليس ركنا، والصواب أنه ركن في العمرة وفي الحج.

قال: (وواجبُهَا: الحلقُ في روايةٍ) وهنا قول آخر بأنه ليس بنسك وإنما هو استباحة محظور، والصواب أنه نسك وأنه من واجبات العمرة، ولم يذكر المصنف طواف الوداع للعمرة والصحيح أن المعتمر ليس عليه طواف وداع.

قال: (فَمَنْ تَرَكَ رُكنَاً لم يَتِمَّ نُسُكُهُ إلاَّ بهِ، أو واجباً جَبَرَهُ بِدَمٍ) من ترك ركنا من أركان الحج لم يصح حجه، سواء أكان جاهلا أم عالما، متعمدا أو ناسيا، وأما إذا ترك واجبا فإنه يجبر بدم.

(ولا شيءَ في السُّنةِ) أي في المستحبات.

ثم قال المصنف – رحمه الله - : ( باب الفوات) الفوات: مصدر فات، يفوت، فوتا، والفوات لا يكون إلا في الحج، وأما العمرة فليس فيها فوات لأن وقتها متسع.

قال: (مَنْ طَلَعَ عليهِ فَجْرُ النّحرِ ولم يَقِفْ بِعرَفَةَ فاتَهُ الحجُّ) لأن آكد أركان الحج الوقوف بعرفة، ومن فاته عرفة فاته الحج، فمن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فاته الحج، لأي سبب كان سواء ضل الطريق، أو أنه منع، أو أنه مرض، أو لغير ذلك..

قال: (وتَحلَّلَ بطوافٍ وسَعْيٍ) تحلل بعمرة، ويحلق أو يقصر، وإن كان قد اشترط فلا شيء عليه غير ذلك، أما إن كان لم يشترط فيلزمه قضاء ذلك النسك من عام قابل.

قال: (وإنْ أخطأَ الناسُ يومَ عرفةَ أجْزَأَ) يعني أخطأ الناس في دخول شهر ذي الحجة فوقفوا اليوم العاشر بدل التاسع، أو اليوم الثامن بدل التاسع فيجزئ هذا بالإجماع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» فالعبرة بما اشتهر، وبما ظهر للناس، وإن كان خطأ في نفس الأمر.

قال: (إنْ قَرُبَ) يعني إن كان بدل مثلا التاسع العاشر، أو بدل التاسع الثامن، أما إن كان بعيدا فلا يجزئ.

(وإنْ أَخْطَأَ بعضُهم فَاتَهُ الحجُّ) إن كان الخطأ من البعض هؤلاء فاتهم الحج، وإنما المقصود إذا من الكل فيجزئهم ذلك بالإجماع.

ثم تكلم المؤلف عن المحصر قال: (والمُحْصَرُ بَعَدُوٍّ أو مَرَضٍ ونحوِهِ) اختلف العلماء في الإحصار، هل ينحصر في العدو، أو يشمل غير العدو، كالمرض ونحوه؟ والقول الراجح أنه لا ينحصر بالعدو، وإنما يشمل الإحصار بغير العدو كالمرض ونحوه، وفي وقتنا الحاضر من صور الإحصار من أتى بدون تصريح ثم رد، فإنه يعتبر محصرا، ماذا يفعل؟

قال: (يَنْحَرُ هدْياً ويَحِلُّ) ينحر هديا في المكان الذي أحصر فيه، ويحلق رأسه، واختلف العلماء في وجوب القضاء عليه هل يجب عليه أن يقضي ذلك النسك أم لا؟ على قولين:

فمنهم من قال أنه يجب عليه القضاء.

والقول الثاني: أنه لا يجب عليه القضاء؛ لأن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة، في سنة الحديبية، لما صدوا عن البيت، وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في السنة السابعة في عمرة القضية، لم يكن جميع الصحابة الذين كانوا معه في الحديبية في عمرة القضية، ولو كان يجب على من كان في الحديبية القضاء لألزمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة مرة آخرى ولبين ذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكان مع النبي صلى الله عليه وسلم عدد قرابة ألف وأربعمائة في الحديبية، ولم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام أمرهم بالقضاء، وهذا القول اختيار العباس بن تيمية، وابن القيم، أن القضاء مستحب وليس بواجب، فالمحصر إذا عليه إذا أن يذبح هديا، وأن يحلق رأسا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ إلا إذا كان قد اشترط فإنه يتحلل ولا شيء عليه.

قال: (فإنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَشرَةَ أيّامٍ ثُمَّ حَلَّ) إن لم يجد هديا صام عشرة أيام قياسا على هدي التمتع، ولكن هذا القياس محل نظر؛ لأن هدي التمتع هدي شكران بينما هدي الإحصار هدي يذبحه عند الإحصار وفوات النسك، فكيف يقاس هذا على هذا! ثم أيضا الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فقراء، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يجد الهدي منهم بالصيام، ولو أمرهم بالصيام لاشتهر ذلك ونقل، والقول الراجح أن المحصر إذا لم يجد الهدي فلا شيء عليه ثم حل.

قال: (ومَنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ تَحَلَّلَ بِعُمْرةٍ) إن صد عن عرفة فإنه يتحلل بعمرة، ولا شيء عليه غير ذلك.

قال: (وَلا شَيءَ عَلَيهِ) لا دم عليه؛ لأن قلب الحج عمرة جائز بلا إحصار، فمع الإحصار من باب أولى.

(وَمَنِ اشتَرطَ أن مَحِلَّهُ حيثُ أُحْصِرَ تحلَّلَ بلا شيءٍ) وهذه هي فائدة الاشتراط، لو أنه مثلا: ليس معه تصريح واشترط فرد يتحلل وليس عليه شيء مادام قد اشترط، أما إذا لم يكن قد اشترط فيجب عليه أن يفعل ما ذكرنا من ذبح الهدي، وحلق الرأس، والقضاء على قول بعض أهل العلم، والقضاء لكن هل يجب أو يستحب؟ على الخلاف الذي ذكرنا.

بهذا يتبين أن التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء:

الأول: كمال أفعاله.

الثاني: التحلل عند الإحصار.

الثالث: التحلل بالعذر إذا اشترط.

وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب الحج.

 والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..

 

 

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى يوم الاثنين 5-8-1438هـ