الخثلان
الخثلان
كتاب الحج والعمرة - صفة الحج - الدفع من مزدلفة
22 رجب 1438 عدد الزيارات 1120

قال شيخنا -حفظه الله-:

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله والسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا

كنا قد أبدأنا في الدرس السابق في صفة الحج ووصلنا إلى الدفع من مزدلفة نستمع أولاً لعبارة المصنف -رحمه الله-:

قال المصنف -رحمه الله-: (حتى يأتي منى فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الحذف ويكبر مع كل حصاة ويرفع يديه في الرمي ويقطع التلبية بابتداء الرمي ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عندها ثم ينحر هديه ثم يحلق رأسه أو يقصره ثم قد حل له كل شيء إلا النساء)

 

قوله: (حتى يأتي منى فيبتدئ بجمرة العقبة)

مراد المصنف الدفع من مزدلفة إلى منى فإذا وصل إلى منى يبتدأ برمي جمرة العقبة, وهذا في يوم النحر الذي سماه الله تعالى "يوم الحج الأكبر" يرمي جمرة العقبة فقط, في يوم العيد لا يرمى سوى جمرة العقبة ولا تُرمى بقية الجمار يعني لا تُرمى الجمرة الصغرى ولا الوسطى وإنما ترمى جمرة العقبة فقط.

قوله: (فيرميها بسبع حصيات كحصى الحذف)

والخذف: هو الحجر الصغير وجاء في بعض الروايات كبعر الغنم فهو في حجم بعر الغنم, هذا أحسن ما يقال في تقديره أنه في حجم بعر الغنم, وبعض الفقهاء يقول فوق الحمص ودون البندق لكن الناس لا تعرف الآن الحمص ولا البندق ولذلك ينبغي أن يكون التوضيح بشيء يوضح المقصود؛ لأننا إذا قلنا فوق الحمص ودون البندق فكأننا زدنا الأمر غموضاً, من يعرف الحمص والبندق؟! والأحسن أن نقول مثل بعر الغنم كما جاء في بعض الروايات فلا يكون الحصى كبيراً, ولكن لابد أن يكون حصى بالفعل لا يكون اسمنت مثلاً ولا يكون أيضاً من الجص أو من الإسفلت وإنما لابد أن يكون من الحصى.

قوله: (ويكبر مع كل حصاة ويرفع يديه في الرمي)

يقول: الله أكبر؛ لأن هذا هو فعل النبي ﷺ.

ويرفع يده في الرمي بل إن بعض الفقهاء يقول إن لم يرفع يده لم يجزئ؛ لأن الرمي إذا أطلق لابد فيه من رفع اليد أما إذا وضعه فهذا ليس رمياً هذا وضع, ولكن القول الراجح أنه يجزئ وإن لم يرفع يده لكن ذكرت هذا القول لنبين خطورة المسألة أن بعض الفقهاء يقول إذا لم يرفع يده فإنه لا يجزئ.

قوله: (ويقطع التلبية بابتداء الرمي)

الحاج يستمر بالتلبية إلى رمي جمرة العقبة فإذا ابتدأ رمي الجمرة فإنه يقطع التلبية.

قوله: (ويستبطن الوادي)

أي يرمي جمرة العقبة من وسط الوادي الذي بجانبها ويجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره هذا هو الأفضل وإن رماها من أي جهة جاز.

قوله: (ويستقبل القبلة)

كما قلنا الأفضل أن يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه وهذا أرجح مما ذكره المؤلف من استقبال القبلة روي في هذا حديث ولكنه ضعيف, وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه وقف عند الجمرة وجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره وقال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» متفق عليه. فالصواب أنه لا يستقبل القبلة وإنما يجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره هذا هو الأفضل.

قوله: (ولا يقف عندها)

جمرة العقبة لا يقف عندها الرامي بخلاف الجمرة الصغرى والوسطى في أيام التشريق كما سيأتي.

قوله: (ثم ينحر هديه)

يعني بعد الرمي السنة نحر الهدي إن كان إبلاً أو ذبحه إن كان بقراً أو غنماً وإن وكل من يذبح عنه فلا بأس.

قوله: (ثم يحلق رأسه أو يقصره)

والحلق أفضل؛ لأن النبي ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة واحدة, وينبغي للمسلم أن يحرص على اتباع السنة فأنت أتيت هذه الأماكن الطاهرة تبتغي فضلاً من الله ورضواناً عندك الآن سنتان الحلق والتقصير إن أنت اخترت الحلق اخترت ما فيه الأجر العظيم وإن اخترت التقصير أجزئ لكنه مفضول ينبغي أن يكون لدى المسلم الحرص على الأفضل والحرص على السنة, وإني لأعجب من بعض طلبة العلم يحج أو يعتمر ثم يقصر مع علمه بأن الحلق أفضل لماذا لا يقصر؟!! تساهل يقول هذا مستحب وليس واجب!!حتى ولو كان مستحباً ينبغي أن تحرص عليه.

الحلق هو الذي يكون بالموس وأما المكينة فهو تقصير كما بينا في الدرس السابق حتى المكينة على الرقم واحد أو صفر يعتبر تقصيراً وليس حلقاً؛ لأنه لا يزيل الشعر بالكلية.

قوله: (ثم قد حل له كل شيء إلا النساء)

هذا يسميه العلماء التحلل الأول ويحصل بفعل اثنين من ثلاثة:

  1.  
  2. الحلق أو التقصير
  3.  

إذا فعل اثنين من هذه الثلاثة حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام ما عدا جماع الزوجة, فإذا فعل هذه الثلاثة كلها حل له كل شيء حتى الجماع.

ولاحظ هنا أن الذبح لا يدخل فيها فذبح الهدي لا علاقة له بالتحلل.

 

قال المصنف -رحمه الله-:(ثم يفيض إلى مكة فيطوف للزيارة وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا أو ممن لم يسع مع طواف القدوم ثم قد حل من كل شيء.)

 

قوله: (ثم يفيض إلى مكة فيطوف للزيارة وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج)

هذا هو الأفضل وإن أخر طواف الإفاضة -ويسمى "طواف الزيارة"- لليوم الحادي عشر أو لليوم الثاني عشر أو لآخر أعماله ويكفي عن طواف الوداع فلا بأس الأمر في هذا واسع.

قوله: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا أو ممن لم يسع مع طواف القدوم)

بعد ذلك إن كان متمتعاً يسعى بين الصفا والمروة؛ لأن المتمتع عليه سعيان بخلاف المفرد والقارن عليهما سعي واحد, القارن والمفرد إن كانا قد سعيا بعد طواف القدوم أجزئ وإن كانا لم يسعيا لزمهما السعي بعد طواف الإفاضة, وأمما المتمتع فعليه سعيان سعي للعمرة وسعي للحج.

قوله: (ثم قد حل من كل شيء)

يسمى هذا التحلل الكامل.

النبي ﷺ في حجة الوداع رمى جمرة العقبة ثم ذهب إلى المنحر وكان قد أهدى للبيت مائة من الإبل فنحر بيده الشريفة ثلاث وستين ثم أمر علياً رضي الله عنه  فأكمل نحر البقية, ثم أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة لحم -يعني قطعة لحم- فجمعت في قدر وطبخت فأكل من لحمها وشرب من ورقها وأمر بأن يتصدق ببقية اللحوم والجلود على الحجاج, ثم بعد ذلك حلق رأسه, ثم طيبته عائشة وتحلل وذهب إلى مكة وطاف طواف الإفاضة ضحى ذلك اليوم, ثم نزل إلى بئر زمزم ووجد بني المطلب يسقون الحجاج وقال: «اسقوا ولولا أن أخاف أن يغلبكم الناس لسقيت معكم» وشرب من ماء زمزم وصلى بالناس صلاة الظهر في المسجد الحرام ولم يسعى عليه الصلاة والسلام لماذا؟ لأنه قان قارناً وسعى بعد طواف القدوم,  ثم رجع إلى منى فوجد أن الناس ينتظرونه ما صلوا الظهر فصلى بهم صلاة الظهر مرة أخرى وهي في حقه نافلة وفي حقهم فريضة, فانظر إلى بركة وقته عليه الصلاة والسلام الواحد منا لو أراد أن يفعل واحدة من هذه الأمور مثل نحر مائة من الإبل والانتظار حتى تطبخ ربما هذا يستوعب الوقت ما بين طلوع الشمس إلى الظهر لكنه عليه الصلاة والسلام فعل هذه الأمور كلها ما بين طلوع الشمس إلى الظهر: (رمى الجمرة, ونحر مائة من البدن, وانتظر حتى تطبخ, فأكل من لحمها وشرب من مرقها, وحلق رأسه, وذهب إلى مكة وطاف طواف الإفاضة, وشرب من ماء زمزم, وصلى بالناس صلاة الظهر, ثم رجع إلى منى) كل هذا ما بين طلوع الشمس والظهر هذا يدل على بركة وقته عليه الصلاة والسلام, وإذا تأملت سيرته وجدت البركة العظيمة في وقته فإنه بعث وعمره أربعون وتوفي وعمره ثلاث وستون أي أنه بقي في البعثة والرسالة ثلاثاً وعشرين ومع ذلك غير وجه التاريخ, في ثلاث وعشرين سنة فقط أخرج الله تعالى به البشرية من الظلمات إلى النور انظر إلى بركة وقته عليه الصلاة والسلام!!.

 

قال المصنف -رحمه الله-: (ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب ويتضلع منه ثم يقول: اللهم اجعله لنا علما نافعا ورزقا واسعا وريا وشبعا وشفاء من كل داء واغسل به قلبي واملأه من خشيتك وحكمتك.)

 

قوله:( ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب)

ماء زمزم ماء مبارك وقد نبع من بئر زمزم لما وضع إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام إسماعيل وأمه -وكان إسماعيل طفلاً رضيعاً- وضعهما عند دوحة قريبة من البيت الذي هو الآن مكان بئر زمزم وضع عندهما سقاءً فيه ماء وجراباً يه تمر ثم نفد ما في السقاء وجعل هذا الطفل يبكي فقامت أمه هاجر لا تريد أن ترى بكاءه تريد أن تفعل شيئاً تستنجد بأحد وهي في مكان ليس فيه إنسان ولا حيوان ولا نبات وادٍ غير ذي زرع سبحان الله!! وادٍ مقفر فوجدت أن أقرب مكان هو جبل الصفا فصعدت على جبل الصفا لعلها تجد أحداً ينقذها ما وجدت ذهبت إلى جبل المروة فصعدت ثم إلى الصفا ثم إلى المروة سبع مرات قال النبي ﷺ: «فذلك سعي الناس بينهما» بعدما أكملت الشوط السابع سمعت صوتاً فقالت: (صه أغث إن كان عندك غواث) فإذا بالـمَلَك بحث بجناحه الأرض فنبع الماء من بئر زمزم فجاءت فرحة مستبشرة وهي تقول: (زمزم) وتضع يديها على البئر يقول النبي ﷺ: «رحم الله أم إسماعيل لو لم تفعل ذلك لكانت زمزم ماءً معيناً» يعني ظاهراً جارياً لكن بقي في مكانه وهذا من حكمة الله عز وجل لو كان ماءً جارياً لربما شق ذلك على الطائفين هذا من حكمة الله سبحانه وتعالى, وقال الـمَلَك: (إنّ ها هانا بيتاً يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله) سبحان الله! وبالفعل بنى الكعبة هذا الغلام وأبوه, ماء زمزم له الآن أكثر من أربعة آلاف سنة لم ينضب بينما كثير من العيون الآبار نضبت وهذه البئر على كثرة الاستقاء منها وكثرة السحب منها لم تنضب بل ماءها يتجدد وهذا من آيات الله, وقد جعل الله تعالى هذا الماء مباركاً.

قال: (لما أحب) إشارة إلى قول النبي ﷺ: «ماء زمزم لما شرب له» وهذا الحديث أخرجه أحمد وغيره وقد صنف فيه الحافظ ابن حجر رسالة وجمع طرقه وخلص إلى أنه حديث ثابت بمجموع طرقه.

ما معنى «ماء زمزم لما شرب له»؟ يعني إذا شرب من ماء زمزم بيقين لأي أمر يريد أن يتحقق فإنه يتحقق بإذن الله, وذكر ابن حجر في رسالته هذه أن الشافعي شربه لإصابة الرمي فكان لا يكاد يخطئ الرمي, وشربه أبو عبدالله الحاكم لحسن التصنيف فكان أحسن أهل زمانه تصنيفاً, وشربه أناس كثير لديهم أمراض مستعصية فشفاهم الله منها, يقول الحافظ: (وشربته لأجل أن أكون في منزلة الحافظ الذهبي في الحفظ) يقول: (وحججت بعد عشرين عاماً وها أنا أرى أنني في منزلته وأسأل الله المزيد) فماء زمزم لما شرب له لكن بشرط أن تشربه بيقين وليس تجربة, الذي يشربه يجرب هذا ما يفيده لكن اشربه بيقين يتحقق لك بإذن الله ما أردت.

قوله: (ويتضلع منه)

يستحب أن يتضلع منه ومعنى يتضلع منه: يعني يكثر من شرب ماء زمزم ولو لم يكن بحاجة للشرب حتى يمتلئ ما بين أضلاعه من ماءها, فالتضلع معناه أنك تشرب وأنت لست بحاجة للشرب اغتناماً لبركة هذا الماء.

قوله: (ثم يقول: اللهم اجعله لنا علما نافعا ورزقا واسعا وريا وشبعا وشفاء من كل داء واغسل به قلبي واملأه من خشيتك وحكمتك)

هذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما لكن ليس بهذا اللفظ  إما الذي ورد عنه أنه كان يقول: (بسم الله) ثلاثاً ثم يقول: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء) وأما زيادة واغسل به قلبي هذه لم ترد عن ابن عباس, ويدعو بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة.

 

ننتقل بعد ذلك إلى باب: "ما يفعله بعد الحل"

قال المصنف -رحمه الله- : (باب ما يفعله بعد الحل

ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها, فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها كل جمرة بسبع حصيات, يبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة ثم يتقدم فيقف فيدعو الله, ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك, ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها)

 

قوله: (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها)

يعني بعد الطواف والسعي التي أتى بها يوم العيد يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها فالمبيت بمنى ليالي التشريق من واجبات الحج.

قوله: (فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها كل جمرة بسبع حصيات)

قال: (فيرمي بها) يعني بمنى (الجمرات بعد الزوال من أيامها) يعني من يوم الحادي عشر والثاني عشر وإذا تأخر الثالث عشر.

قوله: (يبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة ثم يتقدم فيقف فيدعو الله)

قال: (يبتدئ بالجمرة الأولى) يعني بالجمرة الصغرى (فيستقبل القبلة) لم يثبت هذا عن النبي ﷺ ولذلك يرميها من أي مكان (ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة, ثم يتقدم فيقف فيدعو الله) إذا رمى الجمرة الصغرى يتقدم ثم يأخذ ذات اليمين ويستقبل القبلة ويدعو طويلاً.

قوله: (ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها)

قال: (ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها) ثم يأخذ ذات الشمال ويستقبل القبلة ويدعو طويلاً.

قال: (ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها) ولا يدعو .          

 

قال المصنف- رحمه الله- : (ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل الغروب فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى والرمي من غد)

 

قوله: (فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى والرمي من غد)

هذا مروي عن ابن عمر وبعض الصحابة وحكي الإجماع عليه, ولذلك من أراد أن يتعجل فلا بد من مغادرة منى قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر, لكن إن تعجل وحصل زحام في الطريق ولم يتمكن من الخروج من منى قبل غروب الشمس فلا يلزمه التأخر لأنه قد خرج من منى بنية إنهاء النسك وحبس بغير اختياره.

 

قال المصنف -رحمه الله- : (فإن كان متمتعا أو قارنا فقد انقضى حجه وعمرته وإن كان مفردا خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر فإن لم يكن له شعر استحب أن يمر الموسى على رأسه وقد تم حجه وعمرته.)

 

قوله: (وإن كان مفردا خرج إلى التنعيم)

ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يكن قد أدى العمرة الواجبة فإن العمرة واجبة, فإذا لم يكن قد أدى العمرة الواجبة وهو أتى بالإفراد فيأتي بالعمرة بعد الحج أما إذا كان قد أدى العمرة الواجبة فلا يقال بمشروعية هذا.

قوله: (فأحرم بالعمرة منه ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر)

كما فعلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

قوله: (فإن لم يكن له شعر استحب أن يمر الموسى على رأسه)

يعني الأصلع الذي ليس له شعر هذا يسقط عنه الحلق أ التقصير لكن يقول الفقهاء أنه يستحب أن يمر الموس على رأسه.

 

قال المصنف -رحمه الله- : (وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد لكن عليه وعلى المتمتع دم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196].)

 

قوله: (وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد)

القارن عمله مثل المفرد تماماً إلا في الهدي فإن الهدي يجب على القارن ولا يجب على المفرد وأيضاً عند التلبية القارن يقول: (لبيك عمرة وحجاً) والمفرد يقول: (لبيك حجاً)

قوله: (لكن عليه وعلى المتمتع دم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾)

قوله: (لكن عليه) يعني القارن (وعلى المتمتع دم)؛ لقول الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾.

 

قال المصنف -رحمه الله- : (وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده, ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت ويقول: (اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن قبل أن تنأي عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك اللهم أصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير) ويدعو بما أحب ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم, فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريبا وإن بعد بعث بدم إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء)

 

قوله: (وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت)

قال: (وإذا أراد القفول) يعني الرجوع إلى أهله (لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت) هذا يسميه الفقهاء طواف الوداع؛ لقول النبي ﷺ: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» متفق عليه. وهذا خاص بالحج فطواف الوداع واجب على الحاج وأما المعتمر فليس عليه طواف الوداع.

قوله: (فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده)

يعني لو أنه طاف طواف الوداع ثم اشتغل في تجارة في وقت طويل عرفاً فإنه يعيد طواف الوداع.

قوله: (ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت)

قال: (ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم) ما هو الملتزم؟ قال: (بين الركن والباب) يعني بين الحجر الأسود وباب الكعبة هذا هو الملتزم, فيلصق يديه وكفيه وساعديه وصدره وخده على الكعبة ويدعو, ويقال أن الدعاء في هذا الموطن حري بالإجابة ونقلت في هذا قصص كثيرة, ذكر أحد كبار أهل العلم قال: (دعوت الله تعالى فيه بدعوة فتبينت إجابتها) فهذا الالتزام ورد عن بعض الصحابة وروي مرفوعاً إلى النبي ﷺ ولكن في سنده مقال, لكن روي عن بعض الصحابة فهو مشروع روي عن ابن عباس وابن الزبير وابن عمر وغيرهم, فيضع إذاً صدره ويديه وخده على الكعبة في هذا المكان ما بين الباب والحجر الأسود ويدعو هذا يسمى الملتزم, وكما ذكرت أن هذا الموطن قيل أنه من مواطن الإجابة وهو مأثور عن بعض الصحابة.

سأل أحد الطلاب: في أي وقت؟

قال الشيخ: نعم في أي وقت

قوله: (ويقول: (اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن قبل أن تنأي عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك اللهم أصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير) ويدعو بما أحب ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم)

هذا الدعاء دعاء حسن لكنه لم يثبت عن النبي ﷺ فينبغي عدم المواظبة عليه وإنما يدعو الله تعالى بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة ولهذا قال: (ويدعو بما أحب).

قوله: (فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريبا وإن بعد بعث بدم)

قال: (فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريبا) من خرج من مكة قبل طواف الوداع يقال له ارجع وطف طواف الوداع إن كان قريباً.

قال: (وإن بعد بعث بدم) لو أنه وصل إلى جدة مثلاً استقر الدم في ذمته.

قوله: (إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء)

قال: (إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما)؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا إنه خفف عن الحائض والنفساء)

قال: (ويستحب لهما) يعني الحائض والنفساء (الوقوف عند باب المسجد والدعاء) ولكن هذا محل نظر فليس هناك دليل يدل على هذا الحكم الذي قرره المؤلف, ما الدليل على أنه يستحب لهما الوقوف عند باب المسجد الحرام والدعاء؟ ليس هناك دليل! ولهذا فالصواب أنه لا يستحب ذلك.

سأل أحد الطلاب: لو استقر الدم في ذمته هل يرجع ويطوف؟

قال الشيخ: لا ولو رجع ما استفاد الدم إذا استقر في ذمته يجب عليه أن يذبح دماً ورجوعه لا يفيده.

 

ننتقل بعد ذلك إلى أكان الحج والعمرة

قال المصنف -رحمه الله-: (باب أركان الحج والعمرة

أركان الحج اثنان الوقوف بعرفة وطواف الزيارة, وواجباته ثمانية: الإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى الليل والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل والسعي والمبيت بمنى والرمي والحلق وطواف الوداع.

 وأركان العمرة الطواف, وواجباتها الإحرام والسعي والحلق.

فمن ترك ركنا لم يتم نسكه إلا به ومن ترك واجبا جبره بدم ومن ترك سنة فلا شيء عليه)

 

قوله: (باب أركان الحج والعمرة: أركان الحج اثنان الوقوف بعرفة وطواف الزيارة)

قال: (أركان الحج والعمرة)

الركن معناه في اللغة: جانب الشيء الأقوى.

ومعنى الركن اصطلاحاً: هو ما يقوم عليه غيره وأركان الحج يقوم عليها الحج ولا يصح ولا يتم إلا بها.

قال: (أركان الحج اثنان الوقوف بعرفة وطواف الزيارة)

والمشهور من مذهب الحنابلة أن أركان الحج أربعة وذكر هنا الوقوف بعرفة وطواف الزيارة فأسقط ماذا؟ السعي والإحرام الصواب أنهما ركنان فتكون الأركان أربعة:

  1.  
  2.  والوقوف بعرفة
  3. وطواف الإفاضة
  4. والسعي

هذه هي أركان الحج, لكن كأن المصنف -رحمه الله- لا يرى ركنية الإحرام ولا السعي والصواب أنهما ركنان.

 آكد أركان الحج: الوقوف بعرفة؛ لقول النبي ﷺ: «الحج عرفة» هذا مجمع عليه, فمن لم يقف بعرفة فلا حج له, حتى ولو أدرك من عرفة ولو دقيقة واحدة قبل طلوع فجر يوم النحر أجزأه أما إذا فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج, لا حج له.

يليه في الآكدية: طواف الزيارة ويسمى "طواف الإفاضة" وهو المذكور في قول الله عز وجل: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ المراد بهذا الطواف: طواف الإفاضة

الثالث: السعي وقد اختلف العلماء هل هو ركن أو واجب والصحيح أنه ركن وأن السعي مقترن بالطواف كاقتران الزكاة بالصلاة؛ ولذلك لا يصح سعي لم يسبقه طواف مشروع ما دام أن الطواف ركن فالسعي كذلك, وجاء في الحديث: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا»

الرابع: الإحرام, الإحرام ركن والحج لا يصح بغير نية الإحرام فلابد من أن يحرم بالحج ,كيف يحج وهو لم ينوي الحج ولم يحرم به!! فالإحرام نية لابد منها.

قوله: (وواجباته ثمانية: الإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى الليل والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل والسعي والمبيت بمنى والرمي والحلق وطواف الوداع)

الأول: قال: (الإحرام من الميقات) ما الفرق بين قولنا الإحرام من الميقات هنا في الواجبات وبين قولنا قبل قليل إن من أركان الحج الإحرام؟ في الأركان إحرام بشكل عام لابد أن ينوي النسك, وأما الواجبات فالمقصود أن يكون إحرامه من الميقات فإن تجاوز الميقات بلا إحرام فقد أخل بواجب من واجبات الحج.

الثاني: قال: (والوقوف بعرفة إلى الليل) الوقوف بعرفة من أركان الحج لكن استمرار الوقوف إلى الليل هذا من الواجبات, فمن دفع من عرفة قبل غروب الشمس فقد أخل بواجب فعليه دم.

الثالث: قال: (والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل) لمن وصلها قبل منتصف الليل فلابد أن يكون المبيت من منتصف الليل, ويجوز أن يدفع بعد منتصف الليل سواء كان من القادرين أو من الضعفة, ولكن الأفضل للقادرين ألا يدفعوا إلا بعد طلوع الفجر وحين الإسفار قبل طلوع الشمس, وأما الضعفة ومرافقوهم فيدفعون آخر الليل يبدأ الوقت من منتصف الليل والأفضل أن يكون بعد غروب القمر, والقمر يغرب في ليلة العاشر من شهر ذي الحجة بعد مضي ثلثي الليل تقريباً لكن جمهور الفقهاء يرون أن الدفع من مزدلفة يجوز من بعد منتصف الليل للقدرين وغيرهم.

الرابع: قال: (السعي) عده المؤلف من الواجبات والصواب أنه من الأركان كما سبق.

الخامس: قال: (المبيت بمنى)؛ لأن النبي ﷺ إنما بات ليالي التشريق بمنى وقد قال: «خذوا عني مناسككم».

السادس: قال: (الرمي) يعني رمي جمرة العقبة يوم النحر والجمرات الثلاث في أيام التشريق فالرمي من واجبات الحج.

السابع: قال: (الحلق) أو التقصير وهو من واجبات الحج.

الثامن: قال: (طواف الوداع)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» فوافقنا المؤلف فيها ما عدا السعي قلنا أنه ركن وليس بواجب.

قوله: (وأركان العمرة الطواف وواجباتها الإحرام والسعي والحلق)

قال: (وأركان العمرة والطواف) والمشهور من المذهب أن للعمرة ثلاثة أركان:

  1. الطواف
  2. والسعي
  3. والإحرام

وهذا هو القول الراجح أن أركان العمرة الإحرام والطواف والسعي فنضيف إذاً السعي ونضيف أيضاً الإحرام.

قال: (وواجباتها الإحرام والسعي والحلق) لاحظ هنا جعل الإحرام والسعي من الواجبات والصواب أنهما من الأركان.

قال: (والحلق) الحلق من واجبات العمرة كما أنه من واجبات الحج.

ثم بين المؤلف الأثر المترتب على ترك الركن أو الواجب:

قوله: (فمن ترك ركنا لم يتم نسكه إلا به ومن ترك واجبا جبره بدم ومن ترك سنة فلا شيء عليه)

قال: (فمن ترك ركنا لم يتم نسكه إلا به) من ترك ركناً مثلاً الوقوف بعرفة لم يتم حجه ومن ترك الطواف لم يتم حجه.

قال: (ومن ترك واجبا جبره بدم) الواجبات تجبر بدم فلو أنه ترك مثلاً الإحرام من الميقات تجاوز الميقات بدون إحرام فعليه دم أو أنه ترك الحلق أو ترك الرمي فعليه دم.

قال:( ومن ترك سنة فلا شيء عليه) يعني من ترك شيئاً مستحباً فلا شيء عليه.

 

قال المصنف -رحمه الله-: (ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج فيتحلل بطواف وسعي وينحر هديا إن كان معه وعليه القضاء, وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك وإن فعل ذلك نفرٌ منهم فقد فاتهم الحج.)

 

قوله: (ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج فيتحلل بطواف وسعي وينحر هديا إن كان معه وعليه القضاء)

هنا انتقل المؤلف للكلام عن الفوات:

قال: (ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج) فمن لم يقف بعرفة فلا حج له, ووقف عرفة يبتدأ بزوال الشمس وينتهي بطلوع الفجر.

وعند الحنابلة أنه يبتدأ بطلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر, والصواب قول الجمهور وأن وقت الوقوف بعرفة إنما يبتدأ من زوال الشمس إلى طلوع فجر يوم النحر هذا هو القول الراجح في هذه المسألة بل حكي إجماع, وعلى ذلك يوم عرفة يبتدأ الحاج في الدعاء من بعد الزوال, أقول هذا لأنني أرى أن بعض الحجاج من حين أن يصل إلى عرفة في الصباح يبدأ يدعو ويجتهد في الدعاء حتى إذا أتى الزوال وأتى وقت الوقوف إذا هو منهك ومتعب ونام هذا من قلة الفقه, اعكس المسألة نم أول النهار فإذا أتى وقت الزوال تفرغ للدعاء, فإذاً وقت الوقوف بعرفة إنما يبتدأ من زوال الشمس ويستمر إلى طلوع فجر يوم النحر.

قال: (فيتحلل بطواف وسعي وينحر هديا إن كان معه وعليه القضاء) يتحلل بعمرة إذا لم يقف بعرفة وعليه القضاء.

قوله: (وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج)

قال: (وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك)؛ لقول النبي ﷺ: «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون» وهذا يدل على أن الشهر يدخل بالاشتهار والإعلان وليس بما عليه الهلال في حقيقة الأمر, فلو أن الهلال طلع ولم يره الناس أكمل الناس ثلاثين يوماً ولو أنه لم يطلع وشهد بعض الناس برؤيته وأثبت ذلك يعتبر دخل الشهر وإن كان لم يدخل في حقيقة الأمر فالعبرة إذاً بما ظهر للناس.

وقوله: (أجزأهم ذلك) بالإجماع.

قال: (وإن فعل ذلك نفرٌ منهم فقد فاتهم الحج)؛ لأن العبرة  بالسواد الأعظم من الحجاج.

 

قال المصنف -رحمه الله-: (ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه رضي الله عنهما.)

ويستدلون لذلك بحديث يروى عن النبي ﷺ: «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» رواه الدارقطني والبيهقي ولكنه حديث ضعيف وقيل موضوع وليس هناك دليل يدل على استحباب زيارة قبري النبي ﷺ وصاحبيه بعد الحج.

ثم إن زيارة القبر غير مشروعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» فلا يجوز شد الرحل لأجل القبر ولكن ينوي عندما يريد السفر إلى المدينة زيارة مسجد النبي ﷺ  وليس زيارة القبر, وهذه من المسائل التي وقف فيها الإمام ابن تيمية -رحمه الله- وانتصر لها وأوذي وسجن بسببها ويقرِّر أن شد الرحل لا يجوز إلا لمسجد النبي عليه الصلاة والسلام وأنه لا يجوز شد الرحل لأجل زيارة قبر النبي ﷺ وهذا هو الصواب خلافاً لرأي المؤلف, لاحظ المؤلف يقول: (ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم) هذا قول ضعيف الصواب أنه يستحب زيارة المسجد النبوي وليس زيارة القبر؛ لأنه لا يجوز شد الرحال إلا لهذه المساجد الثلاثة وهذه من الأخطاء التي في هذا الكتاب وهو موجود في كثير من كتب الحنابلة.

ومن رحمة الله تعالى لهذه الأمة أنه جعل قبر نبيه ﷺ محاطاً  بجدران حتى لا يغلو الناس فيه, وهو القبر الوحيد من قبور الأنبياء التي هي معروفة على وجه التحديد, فكان أولاً في حجرة عائشة ثم بعد ذلك لما وسع المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبدالملك وكان الوالي  عمر بن عبدالعزيز جعل جداراً على القبر على شكل مثلث من جميع النواحي ثم أحيط بجدار آخر أيضاً ثم سياج, يعني ثلاثة: جدار ثم جدار ثم هذا سياج, فالجدار الأول بناه عمر بن عبدالعزيز ثم جدار بعده ثم هذا السياج الذي هو من ذلك الحين يعني أكثر من أربع مائة أو خمس مائة سنة يقال أن الذي وضعه قلاوون, وحتى المسجد النبوي القديم له أكثر من مائة وثمانين سنة انظر إلى تطور العمارة من ذلك الوقت!! المسجد القديم الذي نراه في المسجد النبوي مبني من أكثر من مائة وثمانين سنة يعني آخر بناء له كان ألف ومائتان وستة وستون ثم بعد ذلك أتت ترميمات عليه فقط.

فإذاً لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فلا يشد الرحل لقبر النبي ﷺ وإنما لزيارة مسجده عليه الصلاة والسلام.

وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب الحج ونقف عند باب الهدي والأضحية نفتتح بها إن شاء الله  الدرس في الأسبوع القادم والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

***

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى الثلاثاء 22-07-1438هـ