الخثلان
الخثلان
كتاب الحج والعمرة - باب الاحرام
21 رجب 1438 عدد الزيارات 3057

شرح التسهيل 46

قال المصنف – رحمه الله – باب الإحرام

والإحرام كما قال صاحب المطلع: الإحرام في اللغة: الدخول في التحريم، كأن يحرم الإنسان على نفسه النكاح، أو الطيب، أو نحو ذلك.. فيقال: إنه أحرم، أي: حرم، كما يقال: أشتى، إذا دخل في الشتاء، وأربع: إذا دخل في الربيع، ومعناه شرعا: نية الدخول في النسك، هذه هي حقيقة الإحرام، إذا هو نية، وليس مجرد لبس لباس الإحرام، فقد يلبس الإنسان لباس الإحرام لكنه لا ينوي الإحرام، فلا يعتبر محرما، إنما يصدق عليه وصف الإحرام إذا نوى، ولذلك تجد أن بعض العامة من حين أن يلبس ملابس الإحرام يقول: أنا محرم، وهذا غير صحيح، ليس كل من لبس ملابس الإحرام يكون محرما، فلا بد إذا من النية.

قال: (مَنْ أرادَهُ اغتَسَل) أي من أراد الإحرام بالنسك من حج أو عمرة اغتسل، أي يسن له أن يغتسل، وهذا الاغتسال للإحرام ليس واجبا بالإجماع، وإنما هو مستحب، وقد نقل إجماع العلماء على استحبابه، نقله النووي وغيره، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كلما أراد أن يحرم اغتسل، فلم ينقل عنه ولو مرة واحدة أنه أحرم من غير اغتسال، ولكن إذا عدم الماء كأن يذهب مثلا: بالسيارة، فلما وصل إلى الميقات لم يجد ماء مثلا، أو أن الماء موجود ولكنه بارد جدا في الشتاء، ولم يجد ما يسخن به الماء، فهل له أن يتيمم بدل الاغتسال أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أنه يشرع له التيمم في هذه الحال وهذا هو مذهب الشافعية، والحنابلة، وعللوا لذلك قالوا: لأنه غسل مشروع، فناب التيمم عنه.

القول الثاني: أنه لا يشرع التيمم في هذه الحال، وإليه ذهب الحنفية، والمالكية، وعللوا لذلك: وقالوا أن الغرض من هذا الغسل التنظف، وقطع الرائحة، والتيمم لا يحقق هذا الغرض بل يزيده شعثا، وتغبيرا، بخلاف فقد الماء عند إرادة الصلاة، فإن التيمم مشروع لأنه يريد بهذا التيمم استباحة الصلاة، وليس مجرد التنظيف، فشرع التيمم في هذه الحال، والقول الراجح في هذه المسألة: القول الثاني، أنه لا يشرع التيمم عند فقد الماء لأجل الاغتسال للإحرام، وقد اختار هذا القول الموفق ابن قدامه في المغني – رحمه الله – وذلك لقوة دليله فالتيمم إنما يتعبد به لأجل استباحة الصلاة، واستباحة العبادة التي تجب لها الطهارة، أما الاغتسال لأجل الإحرام لا يقصد به الاستباحة.

قوله: (مَنْ أرادَهُ اغتَسَل) يشمل الاغتسال الحائض أو النفساء؟ فالمرأة الحائض يشرع لها إذا أرادت الإحرام أن تغتسل وهي حائض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت في حجة الوداع، قال لها: «اغتسلي ثم أهلي بالحج»، ولقوله لأسماء بنت عميس لما ولدت معه في حجة الوداع قال: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» فدل هذا على أن الحائض والنفساء يشرع لهما الاغتسال والإحرام عند الميقات، وبعض النساء تجهل هذه المسألة تكون حائضا وتأتي مثلا مع أسرتها للميقات ولا تحرم، ثم بعد ذلك تطهر وتريد الإحرام، فيلزمها الرجوع للميقات، لكن لماذا تتعب نفسها، كان ينبغي لها أن تغتسل وتحرم وأن تؤجل العمرة حتى تطهر، هذا هو الفقه، «افعلي ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري».

قال: (اغتَسَل ، وتَنَظَّفَ ، وَتَطَيَّبَ) وتنظف إذا قرن الفقهاء التنظف مع الغسل فمرادهم ما يتعلق بسنن الفطرة، وقطع الرائحة الكريهة، فيكون مراد المؤلف بالتنظف يعني أخذ ما يحتاج إليه من الشعر مما يباح أخذه، قلم أظافره، ونحو ذلك.. ولكن هذا ليس من خصائص الإحرام، وإنما يفعل عند الحاجة، ولكن يذكره الفقهاء هنا يقولون: لأن المحرم ربما تطول مدة إحرامه، فيحتاج للأخذ من هذه الأمور، فينبغي له أن يأخذ منها قبل أن يحرم، خاصة في الحج، وبخاصة في القارن، والمفرد، في الأزمنة السابقة كان الناس يأتون إلى مكة مبكرين، النبي - عليه الصلاة والسلام - أحرم بالحج في حجة الوداع في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة وبقي على إحرامه إلى العاشر من شهر ذي الحجة، بقي على إحرامه خمسة عشر يوما، فمن كان ستطول مدة إحرامه فينبغي أن يتفقد نفسه قبل أن يحرم فيقص من شعر شاربه مثلا، يقلم أظافره.. أما إذا كان لا يحتاج لكونه سيأتي بعمرة فلا داعي إلى هذا، أو لكون مدة الحج قصيرة كما هو عليه حال أكثر الحجاج في الحاضر، لكن الفقهاء يذكرونه في هذا الموضع؛ لأنه قد تطول مدة الإحرام، فيقولون: ينبغي أن يتعاهد نفسه قبل أن يحرم خشية أن يحتاج إلى الأخذ منها بعد عقد نية الإحرام.

قال: (وَتَطَيَّبَ) أي تطيب في بدنه، وليس في ثوبه، كرأسه، ولحيته، لقول عائشة – رضي الله عنها – : «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» متفق عليه، وهذا الطيب في البدن قبل الإحرام سنة، ولا يضره استدامة الطيب بعد الإحرام، مثلا لو وضع الطيب على رأسه ثم أحرم، لا يضر؛ لأن هذا استدامة، وأما الطيب في لباس الإحرام المحرم ممنوع منه، وهذا مما يجهله بعض العامة، يجد أنه يسمع هذا الكلام يشرع للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه فيذهب ويطيب لباس الإحرام وهذا خطا، إذا فعل ذلك يؤمر بغسل موضع الطيب، فالطيب إنما يكون للبدن وليس لملابس الإحرام.

قال: (وتَجَرَّدَ عَنِ المَخِيطِ) من أراد الإحرام فإنه يتجرد عن المخيط الذي هو عليه، بحيث بعد التجرد يحرم في إزار ورداء؛ لحديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم «تجرد لإهلاله واغتسل» وقوله: (المَخِيطِ) هو ما فصل على هيئة عضو الإنسان، كالقميص الذي نسميه الثوب، والفنيله.. ونحو ذلك، وليس المقصود بالمخيط ما به خيوط، ولم يرد هذا المصطلح لا في الكتاب، ولا في السنة المخيط، ولا حتى عن الصحابة، وإنما قال به بعض الفقهاء من باب التوضيح على العامة فسبب لبس على العامة، ويقال: أنه أول من قاله إبراهيم النخعي – رحمه الله – فأصبح بعض العامة يسألون هل يجوز أن ألبس الحزام الذي فيه خيوط؟ وهذا بسبب الجهل بمعنى المخيط، وسيأتي الكلام عنه في محظورات الإحرام.

قال: (وَلَبِسَ إِزاراً وَرِدَاءً) السنة للمحرم أن يلبس إزارا ورداء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والسنة أن يكون أبيضين نظيفين؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن من خير ثيابكم البياض ألبسوها وكفنوا فيها موتاكم» لو أراد المحرم أن يحرم في إزار ورداء ملون، أسود، أو أحمر.. لا بأس، لكن الأفضل أن يكون أبيضين نظيفين، وأما الإزار المخيط الذي يلبسه بعض الناس، ويكون على شكل التنورة للنساء، بحيث يكون محيطا بجميع الجوانب، فقد اختلف العلماء المعاصرون في حكمه على قولين:

القول الأول: أنه يجوز لبسه للمحرم، ومن أشهر من قال بهذا القول: الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله -.

القول الثاني: أنه لا يجوز، وذهب إليه أكثر العلماء المعاصرين.

ومن قال بجواز لبسه، قال إنه يسمى إزار، والمحرم يشرع له أن يلبس الإزار، وأما من قال بأنه لا يجوز لبسه، فقالوا: إنه مخيط، وأنه في معنى النقبه التي اعتبرها الفقهاء السابقون مخيطا، فإن النقبه هي في معنى هذا الإزار المخيط، النقبه: هي خرقة أعلاها كالسراويل، وأسفلها كالإزار، أو بعبارة آخرى كالسراويل بدون أكمام، والقول الراجح أنه لا يجوز لبس الإزار المخيط فإنه مخيط، ومفصل على هيئة العضو، ويلبسه بعض الناس في بعض البلدان بهذه الطريقة، ويحصل به الترفق، بل إنه أرفق بالإنسان من السراويل، وأيسر، السراويل جمع أم مفرد؟ مفرد، والجمع: سراويلات، أما سروال ليس مفرد سروايل، كما ينطقها بعض العامة، سروال لغة شاذة، ولذلك الصواب أن تقول سراويل، وهذا كله بالنسبة للرجل، وأما المرأة فإنها تحرم فيما شاءت من الثياب، بشرط ألا تكون ملابس زينة عرفا، وأما ما يعتقده بعض العامة بأن المرأة تحرم في الأخضر، أو في الأبيض، هذا لا أصل له، لها أن تختار من الملابس ما شاءت لكن تجتنب ملابس الزينة.

قال: (وأَحْرَمَ عَقِيبَ مَكتُوبَةٍ أَو نَفْلٍ) يحرم بعد صلاة، سواء أكانت فرضا أو نفلا، وتعبير المصنف – رحمه الله – هنا، أجود من تعبير صاحب زاد المستقنع الذي قال: أحرم بعد ركعتين، فإنه قول بعد ركعتين يوهم بأن للإحرام ركعتين تخصه، والصواب: أنه ليس للإحرام ركعتان تخصه، فإنه ليس هناك دليل يدل لهذا، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني الليلة آت من ربي، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» فهذا لبركة المكان، ولهذا قال المبارك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرم بعد صلاة الفريضة، الفجر، أو الظهر على خلاف، فالأفضل أن يكون الإحرام بعد صلاة، فإن كان وقت الفريضة قريبا جعل الإحرام بعد صلاة الفريضة، وهذا هو الأفضل؛ لأنه أقرب إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أما إن كان وقت الفريضة بعيدا، كأن يقدم مثلا بعد صلاة العشاء، فيأتي بصلاة النافلة، ويحرم بعدها، يأتي بصلاة النافلة ليس من باب أنها ركعتي الإحرام، وإنما يأتي باعتبار أنها نافلة لها سبب، أو نافلة نفلا مطلقا، فإن كان في وقت الضحى مثلا، صلى ركعتي الضحى ثم أحرم، وإذا كان في الليل أوتر ثم أحرم، هذه هي السنة في ذلك، وبعدما يصلي متى يحرم، هل يحرم بعد الصلاة مباشرة؟ أو يحرم بعدما يستوي على راحلته؟ اختلفت الروايات في هذا، والقول الراجح في ذلك أن الأفضل أن يحرم بعد استوائه على مركوبه، وهذا هو أرجح ما ورد من الروايات كما في حديث جابر وغيره، حتى إذا استوت على البيداء أهلا، فإذا استوى على مركوبه فمثلا إذا كان على سيارة ركب السيارة، بعدما يستوي على مركوبه يهل، قبل أن يهل يستحب له أن يأتي بهذه السنة التي قل من ينتبه لها، وأشار الحافظ بن حجر إلى قلة من تعرض لهذه السنة، قال البخاري في صحيحه: «باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال، عند الركوب على الدابة» ، ثم ساق بسنده عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم: «ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله، وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة» أي أنه قبل يهل يقول: الحمد لله، سبحان الله، الله أكبر، ثم يقول: اللهم لبيك عمرة، اللهم لبيك حجا، قال الحافظ بن حجر – رحمه الله –  في فتح الباري معلقا على هذا الحديث قال: «وهذا الحكم وهو استحباب التسبيح وما ذكر معه قبل الإهلال قل من تعرض لذكره مع ثبوته» وكلام الحافظ حق لا تجد هذا الحكم في كتب الفقه، لكن تجده في بعض كتب الحديث، مع أنه في صحيح البخاري، فهذه من فوائد كتب الحديث، تأتي فيها مثل هذه الفوائد واللطائف التي لا توجد في كتب الفقه.

قال: (وهُو أنْ يَنْوِيَهُ بِقَلبهِ، قَائلاً بِلسَانِهِ: اللهُمَّ إنّي أُريدُ النّسُكَ الفُلانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي، وتَقَبَّلهُ منّي، فَإن حَبَسَني حَابسٌ فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَستَنِي) أن صفة الإحرام أن ينوي النسك الذي يريده بقلبه، فينوي الحج أو العمرة بقلبه، هذه العبارة التي ذكرها المؤلف، ويذكرها فقهاء الحنابلة ليس عليها دليل ظاهر يدل على استحبابها، لكنهم استحسنوها؛ لأنه ورد في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالنسك، وأهل بالعمرة، وأهل بالحج، ولكن الإهلال هو أن يقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجا، وأما الإتيان بهذه الجملة التي قالها المؤلف هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل لذلك، فالصواب أنه لا يستحب الإتيان بهذه العبارة التي قالها المصنف؛ لعدم الدليل، وإنما المستحب أن يهل بالنسك، فبعدما يقول: سبحان الله، والحمدلله، والله أكبر، إن أراد العمرة، قال: اللهم لبيك عمرة، أو لبيك عمرة، وإن كان يريد الحج فقط مفردا، قال: لبيك حجا، وإن كان يريد القران عمرة، وحج، لبيك عمرة وحجا، اللهم لبيك عمرة وحجا، وإن كان يريد التمتع لبيك عمرة، هل يقول متمتعا بها إلى الحج؟ هذا قال به بعض الفقهاء، لكن النية تكفي، وإنما يقول: لبيك عمرة ويسكت، فأصبح عندنا أربع صفات، هذا هو الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قوله: (فَإن حَبَسَني حَابسٌ فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَستَنِي) هذه المسألة يسميها الفقهاء بمسألة الاشتراط في الإحرام، الاشتراط معناه: أن الإنسان يشترط بهذه العبارة بعدما يحرم، وهذا الاشتراط أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ضباعة بنت الزبير لما كانت معه في حجة الوداع، وكانت مريضة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني فإن لك على ربك ما استثنيتي» فأحرمت واشترطت، فدل هذا على مشروعية الاشتراط للمحرم، وظاهر كلام المصنف – رحمه الله – أن الاشتراط مشروع لكل محرم، ولكن هذا محل نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط، وحج معه قرابة مائة ألف من الصحابة، ولم ينقل أنه أمر أحدا بالاشتراط، إنما أمر به امرأة واحدة كانت مريضة، ولهذا فالقول الراجح في هذه المسألة أن الاشتراط إنما يشرع في حق من كان خائفا من عائق يعيقه عن إتمام النسك، كأن يكون مريضا، أو يخشى أن يرد كونه لم يستكمل الإجراءات النظامية، أو نحو ذلك.. وأما من لم يكن خائفا من عائق يعيقه عن إتمام النسك فلا يشرع في حقه الاشتراط، ولهذا كان ابن عمر – رضي الله عنهما – : «حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم» يشير بهذا على أنه عليه الصلاة والسلام لم يشترط، فإن قال قائل: إنه في الوقت الحاضر يخشى من حوادث السيارات ونحوها.. فهل يشرع الاشتراط لأجل ذلك؟ لا يشرع الاشتراط؛ لأن حوادث السيارات احتمالية حصول الحادث للحاج احتمالية قليلة، أو نادرة، وهي كاحتمالية أيضا حصول الإصابة الحجاج في وقت النبي صلى الله عليه وسلم بالرواحل، أليس في يوم عرفة أحد الحجاج وقصته راحلته وهو محرم، فكذلك أيضا في وقتنا الحاضر، هذا هو القول الراجح، واختاره جمع من المحققين من أهل العلم كابن تيمية، وابن القيم، وأيضا من مشايخنا شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين وعامة المحققين على هذا القول.

قال: (ويَنْوي نُسُكاً بعَيِنهِ) ينوي إما التمتع، أو الإفراد، أو الإقران عند الإهلال بالنسك، فإن التبس عليه الأمر عند الميقات وقال: أحرمت بما أحرم به الشيخ الفلاني يصح أم لا يصح؟ يصح؛ لفعل علي – رضي الله عنه – فإن عليا قدم من اليمن، وقال: أحرمت بما أحرم به النبي صلى الله عليه وسلم، أهل بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

قال: (وأفضَلُهَا التَمتُّعُ) أفضل الأنساك التمتع في حق من لم يسق الهدي، أما من ساق الهدي فإنه يتعين في حقه القران، ومعنى سوق الهدي؟ أي يسوق الهدي من الحل إلى الحرم، وهذا أصبح نادرا في الوقت الحاضر، لكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي العصور الماضية كان كثيرا، فمن ساق الهدي فإنه يجب في حقه القران، أما من لم يسق الهدي فهو مخير بين الأنساك الثلاثة، وأفضلها التمتع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به الصحابة الذين لم يسقوا الهدي وتمناه، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة – يعني لكنت متمتعا – ما معنى التمتع؟ وضح المؤلف المراد بالتمتع.

قال: (وهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بالعُمرةِ في أشهرِ الحَجِّ، ثُمَّ يَحِلُّ، ثُمَّ يُحرمُ بالحَجِّ في عَامِهِ) هذا هو تعريف التمتع، بعدما يأتي بالعمرة يتحلل منها، هذه حقيقة التمتع، وسمي تمتعا: لأن الإنسان يتمتع بمحظورات الإحرام بين العمرة والحج، فهو إذا أتى بالعمرة تحلل، وأحل له كل شيء حرم إليه بالإحرام، إلا أن يحج، فهو يتمتع بهذا التحلل، فله مس الطيب، وله تقليم الأظافر.. بينما هذا لا يحصل للقارن ولا للمفرد، فهما يستمران بإحرامهما، هذا هو سبب تسمية تمتع.

قال: (ثُمَّ الإِفْرادُ) يلي التمتع في الأفضلية الإفراد، ثم القران، وعرف المؤلف الإفراد.

قال: (أنْ يُحْرِمَ بالحجِّ مفرِداً) يقول: اللهم لبيك حجا.

(ثُمَّ القِرَانُ، وهُو أنْ يُحْرِمَ بهِمَا) والمؤلف يرى أن الإفراد أفضل من القران؛ لأنه ينشأ سفرا مستقلا للحج، وقد كان يأمر به أبو بكر، وعمر، وعثمان، كانوا يأمرون الناس بالإفراد؛ لأجل ألا يبقى البيت مهجورا، يريدون من الناس يحجوا مفردين، حتى يأتوا بالعمرة مرة آخرى، حتى لا ينقطع المسجد الحرام عن الطائفين.

والقول الثاني: أن القران أفضل من الإفراد؛ لأنه إذا كان قارنا أتى بعمرة وحج، بينما إذا كان مفردا إنما يأتي بالحج فقط، وهذا هو القول الراجح، وعلى هذا يكون أفضل الأنساك التمتع، ثم القران، ثم الإفراد، خلافا للمؤلف الذي يرى أن الأفضل التمتع، ثم الإفراد، ثم القران،  وذكر المؤلف للقران صفتين:

الصفة الأول قال: (أنْ يُحْرِمَ بهِمَا) يعني بالعمرة والحج جميعا، فيقول عند الميقات: لبيك عمرة وحجا.

والصورة الثانية: (أَو يُحْرِمَ بِالعُمرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيهَا الحَجَّ) يحرم بالعمرة ثم بعد ذلك يدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها، وهذا فعلته عائشة – رضي الله عنها – في حجة الوداع، فإنها لما بلغت مكانا قريبا من مكة يقال له: سدف، فحاضت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: «مالك تبكي؟ لعلك نفسيتي، قالت: نعم، قال: إن هذا شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم، افعلي ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» وبقيت عائشة وهي حائض إلا أن أدركها وقت الوقوف بعرفة ولم تطهر، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخل الحج على العمرة، يعني تقلب التمتع إلى قران، ففعلت، فأصبحت قارنه، لكن ظاهر قصة عائشة أنها إنما فعلت ذلك للضرورة؛ لأنها أدركت وقت عرفة ولم تطهر، والمؤلف يرى أن ظاهر كلامه الإطلاق، والأقرب والله أعلم لا يفعله الإنسان إلا إذا كان محتاجا إليه، كامرأة حائض لم تطهر، أو إنسان مثلا: مرض، أو نحو ذلك.. ولم يستطع أن يأتي بالعمرة قبل عرفة، فيدخل عليها الحج، فينتقل من التمتع إلى القران، فظاهر الأدلة ما يفعل ذلك إلا من كان محتاجا إليه.

قال: (وسُنَّ لهُمَا جَعْلُهُ عُمْرَةً) الضمير يرجع على القارن، والمفرد، يسن للقارن والمفرد أن يقلب القران والإفراد إلى تمتع، هذا هو مراد المؤلف؛ لأنهما سينتقلان من مفضول إلى أفضل، فمن أحرم مفردا يقال: الأفضل أن تقلبه إلى تمتع؛ وذلك بأن تقلبه إلى عمرة، فتأتي بعمرة ثم تتحلل منها ثم تحرم بالحج، وتكون بهذا متمتعا، وأيضا لو كان قارنا الأفضل أن يقلبه إلى تمتع، أن يأتي بعمرة ثم يتحلل منها ثم يحرم بالحج، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كان مفردا أو كان قارنا من الصحابة أمرهم بعمرة - أي أن يكونون متمتعين - بل إنه عليه الصلاة والسلام شدد عليهم في هذا، فإنه لم خرج من المدينة كان منهم المتمتع، ومنهم القارن، ومنهم المفرد، ومنهم من ساق الهدي، أما من ساق الهدي فلزم القران، أما من لم يسق الهدي أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التمتع، لكن بعضهم استمر، ثم لما قرب من مكة أكد عليهم، ثم لما وصلوا إلى المسجد الحرام أمرهم أمر إلزام بالتمتع، ولذلك القول الراجح أن التمتع واجب في حق الصحابة فقط الذين لم يسوقوا الهدي دون غيرهم من الأمة، وهذا اختيار أبي العباس بن تيمية – رحمه الله – وإنما كان واجبا في حق الصحابة لأنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يبطل اعتقادا جاهليا؛ لأن الناس يعتقدون أن التمتع في أشهر الحج أنه من أفجر الفجور، لأنه يأتي بالعمرة ثم يتحلل منها، ولهذا تردد الصحابة لما أمرهم عليه الصلاة والسلام بذلك، ولهذا كان يقول أبي ذر كانت لنا خاصة، والروايات كثيرة ومختلفة، ولكن الأقرب هذا القول أن التمتع كان واجبا في حق الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي دون غيرهم من سائر الأمة، وابن القيم بسط الكلام في هذه المسألة في زاد المعاد، وتكلم كلاما طويلا، وابن تيمية كذلك، لكن هذا هو خلاصة الكلام في هذا.

قال: (وسُنَّ لهُمَا جَعْلُهُ عُمْرَةً إنْ لم يَكُنْ مَعَهُمَا هَدْيٌ) لهما يعني المفرد والقارن جعله عمره – يعني يقلب القران والإفراد - إلى تمتع إن لم يكن معهما هدي، وإن كان معهما هدي يتعين في حقهما القران.

قال: (والمُتَمتِّعَةُ إذا حَاضَتْ فَخَافتْ فَوْتَ الحَجِّ قَرَنَتْ) وهي مسألتنا السابقة ولكن ذكرها المؤلف من باب التأكيد، فالمرأة إذا كانت متمتعا وأدركها وقت الوقوف بعرفة، وخافت بفوت الحج، فإنها تدخل الحج على العمرة، أي أنها تنتقل من التمتع إلى القران كما فعلت عائشة – رضي الله عنها -.

قال: (فَإذَا استَوى على راحِلتهِ لبَّى) إذا علا على راحلته لبى، ونحن ذكرنا أن الأفضل أن يكون الإهلال يكون بعد استوائه على مركوبه، وبعدما يهل بالنسك، بعدما يقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، اللهم لبيك عمرة، أو اللهم لبيك حجا، أو اللهم لبيك عمرة وحجا، بعد ذلك يشرع له أن يكثر من التلبية.

ذكر المؤلف صفة التلبية قال: (لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لبيكَ لا شَريكَ لكَ لبيكَ) إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، هذه هي صفة التلبية التي لزمها النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى لبيك: أي إجابة لك بعد إجابة، وذلك لأن الله تعالى نادى الناس بالحج على لسان إبراهيم الخليل – عليه الصلاة والسلام – فإن إبراهيم لما فرغ من بناء البيت هو وابنه إسماعيل، نادى الله إبراهيم، وقال: أذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي، قال: أذن، وعلينا البلاغ، فقام إبراهيم على أكمة مرتفعة، ونادى بأعلى صوته، أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فأسمع الله تعالى كلام إبراهيم من في الأصلاب، والأرحام، ممن كتب الله له أن يحج البيت إلى قيام الساعة، والعمرة هي الحج الأصغر، فمعنى لبيك: أي إجابة لك يا ربنا، أن ناديتنا للحج والعمرة على لسان خليلك إبراهيم، وهنا نلاحظ تركيز هذه التلبية على التوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة، لك والملك لا شريك لك، ولهذا وصفها جابر بالتوحيد للحديث المشهور قال: فأهل بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، وقد لزم النبي صلى الله عليه وسلم هذه التلبية بهذه الصيغة، وكان بعض الصحابة يزيد على هذه التلبية، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه ولا ينكر عليه، ومنهم ابن عمر، فقد جاء في صحيح مسلم، أن ابن عمر – رضي الله عنهما –: كان يزيد على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: «لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل» يزيدها على تلبية النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضا روي أن بعضهم كان يقول: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، وأيضا: لبيك إله الحق، وهذه أيضا قد رويت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهل الأفضل الاقتصار على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم أو الأفضل الزيادة عليها بما زاد به الصحابة؟ الأفضل الاقتصار على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم، قال النووي – رحمه الله – في شرحه على مسلم، قال: أكثر العلماء الأفضل الاقتصار على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم لأن أكمل الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم لكن من رغب أن يزيد بما روي عن بعض الصحابة فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع الصحابة يأتون بهذه الزيادات ولا ينكر عليهم ويقرهم.

قال: (ويُسنُّ رَفْعُ صَوتِه بهَا) أي يسن رفع الصوت بالتلبية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من ملبي يلبي إلا لبى من عن يمينه من ملك، أو شجر، أو حجر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وها هنا» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وأيضا جاء في حديث السائب بن خلاد قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أمر أصحابي بأن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» رواه الترمذي، وهو حديث صحيح، وكان الصحابة يكثرون من التلبية، ويرفعون أصواتهم بها، حتى إن بعضهم تبح حلوقهم من رفع الصوت بالتلبية، ومن الإكثار منها، هذه سنة، يلاحظ أن بعض المحرمين يفرطون في هذه السنة، فيشغلون أوقاتهم بالسواليف، أو بعضهم يصمت، أو بعضهم ينام، السنة المحرم أ، يكثر من التلبية، فإنها شعار الحج، أفضل الحج: العج والثج، العج هو: رفع الصوت بالتلبية.

قال: (والمَرأةُ بِقدرِ ما تُسمِعُ رَفِيقتَهَا) إذا كانت بحضرة رجال أجانب، فإن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية، وإنما تلبي بقدر ما تسمع رفيقتها خشية الفتنة بصوتها، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، أما إذا لم تكن بحضرة رجال أجانب فالمرأة كالرجل كان تكون مع نساء، أو تكون مع زوجها، أو مع محارمها، فتكون كالرجل في هذا، لها أن ترفع صوتها بالتلبية.

قال: (يُلبّي إذا عَلا نَشَزاً، أو هَبَطَ وادياً، أو لَقِيَ رِفقَةً، وَدُبُرَ الصَّلاةِ، وإِقبَالَ الليلِ والنَّهارِ، أو تَغَيَّرَ حالٌ إلى حالٍ) عند تغير الأحوال يشرع له التلبية، فإذا علا نشزا، النشز هو: المكان المرتفع، فيشرع له أن يلبي؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا علا كبرا الله تعالى، والتلبية من جنس هذا الذكر، وكذلك إذا هبط واديا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «كأني انظر إلى موسى إذا انحدر في الوادي يلبي» متفق عليه، ودبر الصلاة منقوله عن السلف، كما قال إبراهيم النخعي: «كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة» وإقبال الليل والنهار لأنه تتغير بذلك الأحوال، فتتأكد التلبية في حقه.

ثم قال المصنف – رحمه الله – (باب محظورات الإحرام).

محظورات الإحرام هي: الأمور التي يحظر على الإنسان فعلها بعد تلبسه بالإحرام، فهي المحظورات بسبب الإحرام، وإضافة المحظورات إلى الإحرام من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي المحظورات بسبب الإحرام، كما يقال: سجود السهو، أي السجود بسبب السهو.

قال: (يَحْرُمُ بالإِحرامِ) أولا: (لبسُ المَخِيطِ) وسبق بيان معنى المخيط، فهذه يمنع منها المحرم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يلبس المحرم القُمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين» متفق عليه.

الثاني من محظورات الإحرام قال: (الخُفّينِ) أي يحرم على المحرم لبس الخفين، وبعضهم يجعل لبس الخفين داخلا، أو تابعا للبس المخيط، ولا مشاحة في الاصطلاح، والمقصود بالخفين:تثنية الخف، وهو ما يلبس على القدم، ساترا لها وللكعب، فهذا ممنوع منه المحرم، ومثله: الجورب الذي يغطي القدم، والكعب أيضا، بالنسبة للرجل.

(وَسَتْرُ الرَّأسِ) المقصود بالستر: تغطية الرأس بملاصق، كالطاقيه، والغتره، والعمامة، ونحو ذلك.. والدليل قوله عليه الصلاة والسلام للحديث السابق، والبرانس: جمع برنس، وهو الثوب الشامل للبدن والرأس، وفي وقتنا الحاضر أكثر من يلبسه المغاربة، فالمحرم إذا ممنوع من تغطية رأسه، هل المحرم ممنوع من تغطية وجهه؟ هذا محل خلاف بين العلماء على قولين: القول الأول: أن المحرم ممنوعا من تغطية وجهه، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام في قصة الذي وقصته راحلته: «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه» أخرجه مسلم.

القول الثاني: أنه يجوز للمحرم تغطية وجهه، وإليه ذهب الشافعية، والحنابلة، قالوا: لأنه ليس هناك دليل يدل على منع المحرم من تغطية وجهه، وأما زيادة ولا وجهه في الحديث الذي وقصته راحلته قالوا: إن هذه الزيادة غير محفوظة، وهذا هو القول الراجح في المسألة، ثم إن مسلما ذكر هذه الرواية بعدها ولا بزيادة ولا وجهه ولعله والله أعلم إنما ذكرها للتنبيه على ضعفها، فإن مسلما بالتتبع يذكر الرواية الضعيفة بعد الرواية الصحيحة، وقد أشار أيضا إلى هذا في مقدمته، ويتفرع عن هذا مسألة، وهو حكم لبس الكمامة للمحرم؟ من قال بأنه لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، قال: أنه لا يجوز له لبس الكمامة، ومن قال بأنه: يجوز تغطية الوجه أجاز له لبس الكمامة، وقلنا الراجح أنه يجوز تغطية وجهه، وعلى هذا فلا حرج أن يلبس المحرم الكمامة.

الثالث قال: (وَحَلْقُ الشَّعْرِ) من محظورات الإحرام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وحلق شعر الرأس ممنوع منه المحرم بالإجماع، ويقاس عليه سائر شعر البدن؛ لأنه في معناه، ولحصول الترفه به.

قال: (ودَهْنُهُ) أي أن المحرم ممنوع من دهن رأسه، أما غير رأسه فمباح، قال الموفق ابن قدامه: لا نعلم عن أحمد فيه منعا، وقالوا: إن المحرم إنما يمنع من دهن رأسه؛ لأنه يزيل الشعث، والذي عليه جمهور الفقهاء أن دهن الرأس للمحرم مكروه، وهو المشهور من المذاهب الأربعة، الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وذلك لأنه يزيل الشعث، ويسكن الشعر، إلا أن يكون مطيبا، فيمنع منه المحرم، إذا ظاهر عبارة المؤلف أن دهن شعر المحرم أنه محرم، ولكن المشهور من مذهب الحنابلة أنه مكروه، وهو كذلك المشهور من المذاهب الأربعة وهو الراجح.

قال: (وقَلْمُ الظُّفْرِ) تقليم الأظفار من يد أو رجل للمحرم محرم بإجماع العلماء، قياسا على أخذ الشعر، واستدل بعض العلماء بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قد روي عن ابن عباس أن قضاء التفث حلق الرأس، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط.

قال: (والطِّيبُ) يحرم على المحرم التطيب سواء أكان الطيب في الثوب، أو في البدن، لقوله عليه الصلاة والسلام لحديث ابن عمر : «ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران ولا ورس» والزعفران والورس من أنواع الطيب، فيقاس عليهما غيرهما؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام في القصة التي وقصته راحلته ولا تحنطوه بطيب، والحكمة من ذلك: أن يبتعد المحرم عن الترفه، ويجعل همه ومقصده للآخرة، ولأن الطيب من دواعي الوطء، وقلنا إن المحرم ممنوع من التطيب سواء أكان في بدنه، أو في ثوبه، وكذلك أيضا حتى لو كان في صابون مثلا فيمنع المحرم منه، أو كان في الشامبو فيمنع المحرم منه، أو كان في المناديل..فعلى المحرم أن يجتنبها، كيف تعرف أنها معطره وغير معطره؟ تقرأ مكوناتها، فمثلا صابون التايد ليس معطرا، فلا بأس من استخدامه، يجتنب الطيب إذا كان في مأكول أو مشروب ومن ذلك الزعفران إذا كان في القهوة أو الشاي، فيجتنبه المحرم، أحيانا يوضع الزعفران مع القهوة فهذا لا يشربها المحرم ولا المرأة المحده، وكذلك الشاي إذا كان معه زعفران، جعله النبي صلى الله عليه وسلم طيبا بالنص، وعلى هذا فلا يجوز شرب القهوة أو الشاي الذي فيه زعفران.

قال: (لا اسْتدَامَتُهُ في بَدَنِهِ) أن استدامة الطيب في البدن لا بأس بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطيب قبل إحرامه ويرى وبيص المسك في مفرقه عليه الصلاة والسلام وهو محرم، ولذلك فرق العلماء بين ابتداء الطيب، وبين استدامته، فاستدامته لا بأس بها لو أنك وضعت مثلا دهن العود، أو وضعت عطرا على رأسك ثم أحرمت، وبقي هذا العطر لا حرج، لكن يكون في البدن ولا يكون في اللباس، ولهذا قال المصنف (لا اسْتدَامَتُهُ في بَدَنِهِ).

قال: (وَقَتْلُ صَيدِ بَرٍّ مَأكُولٍ) هذا هو المحظور السادس من محظورات الإحرام قتل الصيد، ووصفه المصنف بوصفين: أن يكون بريا ومأكولا، وضابط الصيد الذي يحرم قتله بالنسبة للمحرم أو من كان في الحرم هو الحيوان الحلال، البري، المتوحش بأصل الخلقة، قوله: الحيوان الحلال خرج به الحيوان المحرم أكله، هذا ليس صيدا، كالسباع، والقطط، ونحوها..الحيوان الحلال البري خرج به الحيوانات البحرية هذه ليست صيدا كما قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ  ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ المتوحش بأصل الخلقة، لابد أن يكون متوحشا فلا يكون مستأنسا، فالحيوانات المستأنسة كالإبل، والبقر، والغنم، هذه ليست صيدا، ولهذا فإنها تذبح في الحرم، وفي الهدي، وفي الفدية، لكن هنا نقول: المتوحش بأصل الخلقة، يكون في أصل خلقته متوحشا حتى لو استأنس فلا يخرجه ذلك عن كونه صيدا، مثل مثلا: الحمام، في أصله متوحش، لكن الحيوان الأهلي الآن استأنس، فيعتبر صيدا، فالحمام الذي نجده عند المسجد الحرام هذا من الصيد، يحرم قتله، كذلك الأرانب في أصلها متوحشة، وإن كانت الآن أكثرها قد استأنس لكن نرجع للأصل، فهذا هو ضابط الصيد.

قال: (أو مُتَوَلِّدٍ مِنهُ) أو متولد من مأكول فلا يحل صيده، كأن ينزو ذئب على ضبع، فتلد منه، وإن كانت هذه المسألة مسألة مفترضة، على القول بحل الضبع أيضا، وأنه صيد، كيف يتولد الصيد من مأكول وغير مأكول، لكن على تقدير ذلك يقولون: إنه إذا كان متولدا من مأكول فلا يحل صيده تغليبا لجانب الحضر.

(واصْطِيَادُهُ) يحرم اصطياده كما يحرم قتله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًاۗ.

(أو مُعَاوَنَةٌ عَليهِ بِإشَارةٍ أو غَيرِهَا) يحرم على من لم يصده أن يعاون على صيده، إما بإشارة للصيد، أو بمناولة له لآلة الصيد، أو نحو ذلك.. لحديث ابن قتادة – رضي الله عنه – لما صاد صيدا وهو حلال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل أحد منكم أمره؟ أو أشار عليه بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوا» وجاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيد البر لكم حلال، مالم تصيدوه، أو يصد لكم» أخرجه الترمذي، ولحديث الصعب بن جثامه لما صاد حمارا وحشيا، فأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم فرده، فلما رأى أن وجهه قد تغير، قال: «إنا لم نرده عليك إلا لأنه حرم» فإذا يحرم قتل الصيد، ويحرم اصطياده، ويحرم المعاونة عليه، والإشارة إليه، وكذلك أيضا يحرم أكله إذا صيد من أجله، ولكن إذا صيد ليس من أجله وهو حلال ثم أعطاه منه فلا بأس، وسيأتي الكلام عن الأحكام المتعلقة بالصيد في الفصل الآتي.

قال: (والجِمَاعُ) المحظور السابع، وهو أشد محظورات الإحرام، كما أن الجماع أيضا أشد مفسدات الصيام، وقد ذكره الله عز وجل بقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ والرفث هو: الجماع ومقدماته، وسيأتي ما الذي يترتب عليه.

(ومُبَاشَرَةٌ بِشَهوةٍ) هذا هو المحظور الثامن، المباشرة، وما كان في معناها كالقبلة، ونحو ذلك.. هي محرمة على المحرم بالإجماع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ولأنها وسيلة إلى المحرم.

التاسع: (وَعَقْدُ النِّكاحِ) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يَخطب» وعقد النكاح لا يصح بالنسبة للرجل ولا للمرأة المحرمة إذا عقد عليها، ولذلك لو أن أحدا كان محرما لم يكمل عمرته أو حجه، ثم تزوج في هذه الفترة فإن نكاحه لا يصح، وترد بعض الاستفتاءات من رجال ونساء أنه لا يكمل العمرة ولا يكمل الحج، كامرأة حاضت ولم تأتي بالعمرة مثلا، أو أن رجلا مثلا لم يأت بطواف الإفاضة في الحج، أو نحو ذلك.. ثم تزوج بعد ذلك فزواجه غير صحيح، ويطلب منه تجديده بعد تصحيح النسك.

(ولا فِديةَ فيهِ) لا فدية في عقد النكاح، إن وقع حال الإحرام، وذلك لعدم الدليل الدال على إيجاب الفدية في هذه الحال.

(وكَالرَّجُلِ المَرأَةُ) في محظورات الإحرام السابقة، المرأة كالرجل في هذا، فهي ممنوعة إزالة الشعر، وممنوعة من تقليم الأظافر، وممنوعة من الطيب، وممنوعة من الجماع، وممنوعة من المباشرة، وممنوعة من عقد النكاح، وممنوعة من قتل الصيد؛ لأن الأصل المرأة كالرجل في جميع الأحكام إلا ما دل الدليل على تخصيصه.

قال: (إلاَّ فِي اللِّبَاسِ) فالمرأة تختلف عن الرجل في اللباس، يعني في لبس المخيط فلا يحرم على المرأة لبس المخيط، ما الذي يحرم عليها من اللباس وهي محرمة؟ قال: (وإحْرَامُهَا في وجْهِهَا) أي أنها لا يجوز لها أن تغطي وجهها حال إحرامها، وعلى كلام المؤلف لا بالنقاب، ولا بالبرقع، ولا بغيره.. لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين» ولكن دلالة الحديث إنما هي في النهي عن النقاب، والقفازين، فأين الدليل الدال على أن المرأة لا يجوز لها تغطية وجهها وهي محرمة؟ ليس هناك دليل ظاهر يدل لهذا، وأما ما يذكره بعض الفقهاء إحرام المرأة في وجهها، فهذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هي مقولة من بعض الفقهاء، وهي مقولة غير صحيحة، ولهذا فالصواب: أن المرأة لا يحرم عليها إلا النقاب، والبرقع، ونحوهما.. ومما هو مفصل على الوجه، وأما ما عدا ذلك فلا يحرم على المرأة، بل إن المرأة إذا مرت بالرجال الأجانب يجب عليها أن تغطي وجهها عنهم، وأما مجرد الغطاء من غير نقاب فليست المرأة ممنوعة منه، المؤلف لما قيل: إذا كانت المرأة ممنوعة من تغطية وجهها ماذا تفعل إذا مرت بالرجال الأجانب؟ قال: (فإنْ احْتَاجَتْ سَدَلَتْ) إذا احتاجت لتغطية وجهها لأجل مرور الرجال الأجانب فتسدل الخمار؛ وذلك بأن تضع الخمار على رأسها، وترسله من غير أن يمس وجهها، فتضع على رأسها شيئا مرتفعا، ثم تضع بعد ذلك الخمار بحيث يغطي وجهها من غير أن يمس وجهها، وهذا القول قول مرجوح لا دليل عليه، والصواب: أن المرأة لها أن تغطي وجهها، وليست ممنوعة منه، وليس هناك دليل ظاهر يدل لذلك، وإنما هي ممنوعة فقط من النقاب، والبرقع، ونحوهما.. وهذا هو الذي عليه العمل في الوقت الحاضر من أكثر النساء.

قال: (وتَجْتَنِبُ القُفَّازَينِ) والقفازين تثنية قفاز وهو: غلاف من البلاستيك أو من القماش، أو من غيره، تدخل فيه الكف، ويكون ذا أصابع، وهو المعروف بشراب اليدين، فالمرأة ممنوعة منه وهي محرمة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق ولا تلبس القفازين، بعض النساء تلبس النقاب، وتلبس فوقه غطاء، هل يجوز للمحرمة؟ هذا محظور، كما لو لبس الرجل سراويل ولبس فوقه إزارا فهو لا يجوز، إذا كانت المرأة تريد محتاجه لبس النقاب لضعف بصرها ماذا تفعل؟ إذا احتاجت تلبس النقاب وتدفع فدية، وهي إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام.

قال: (وَالخَلخَالَ، ونَحْوَهُ) تجتنب المرأة المحرمة لبس الخلخال، والخلخال هو: ما يلبس من الحلي فوق الكعبين، وهذا رواية عن الإمام أحمد، على خلاف بين الحنابلة، هل المحرمة ممنوعة من لبس الخلخال على لبس التحريم أو الكراهة؟ قال ابن المنذر – رحمه الله - : «لا يجوز المنع من الخلخال للمحرمة بغير حجة» ذكر هذا ابن قدامه في المغني: ثم علق الموفق بن قدامه على كلام المنذر قال: «فيحمل كلام الإمام أحمد، والخرقي، في المنع منه على الكراهة لما فيه من الزينة» وهذا هو الأقرب، وأما أن يصل لدرجة التحريم هذا يحتاج لدليل، إلا إذا كان لسبب فتنة؛ لأن الله منع من هذا المحرمة ولغير المحرمة في قوله: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بأَرْجُلِهنَّ لِيُعْلمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهنَّ.

قال: (ونَحْوَهُ) من الحلي، فلو أرادت المرأة المحرمة أن تلبس الحلي فالذي يظهر أنه مكروه وليس محرما.

قال: (والإِثْمِدَ) تجتنب المرأة الاكتحال بالإثمد، إذا كان المقصود به الزينة، أما ما إذا كان ليس مقصودا منه الزينة وإنما المقصود منه التداوي فلا بأس به، والإثمد والاكتحال للمرأة المحرمة عموما مكروه، سواء بالإثمد أو بغيره؛ والدليل على كراهته حديث جابر – رضي الله عنه – أن عليا قدم من اليمن، فوجد فاطمه زوجته قد حلت، فلبست ثوبا صبيغا، واكتحلت، فأنكر علي عليها ذلك، فقالت: إن أبي – يعني رسول الله صلى الله  عليه وسلم – أمرني بذلك، فذهب علي للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالت فاطمه، فقال عليه الصلاة والسلام: «صدقت، صدقت» رواه مسلم وجه الدلالة: كون فاطمة تكتحل بعد تحللها من الإحرام هذا يدل أنها كانت ممنوعة منه حال الإحرام، كما قال: الموفق بن قدامه – رحمه الله – لكن يحمل هذا النهي على الكراهة لعدم الدليل الظاهر على التحريم، فالقول بالكراهة قول وسط.

قال: (ومَنِ اضْطُرَّ إلى مَحْظُورٍ فَعَلهُ وفَدَى) إذا اضطر إلى فعل محظور من المحظورات السابقة، كحلق الرأس، أو تغطية رأسه، أو لبس المخيط، أو مثل ما مثلنا به المرأة احتاجت للبس النقاب يفعل هذا المحظور ويدفع الفدية؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ولقصة كعب بن عجرة أصابه مرض في رأسه، فأتي به للنبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر من رأسه، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما كنت أظن أنا الجهد بلغ بك ما أرى، ثم أمره أن يذبح شاة، أو يطعم ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام» متفق عليه، وأنزل الله تعالى الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.

 وهنا يعني وقفة: لاحظ أن هذا الرجل بلغ به الشدة والمرض إلى هذه الحال، أن يحمل للنبي عليه الصلاة والسلام والقمل يتناثر من رأسه لكن هل قال عليه الصلاة والسلام ما عليك شيء؟ أبدا، أمره بالفدية، ولذلك فبعض الأخوة الذين يقولون سهل على الحجاج، ولا تشدد عليهم الفتاوى، نقول: التشديد من غير دليل ممنوع منه، لكن أيضا تميع قضايا الحج بهذه الطريقة التي يسلكها بعض الناس هذا خطا.

قال: (وفَدَى ،إلاَّ السَّراوِيلَ والخُفّينِ) يعني إذا احتاج إلى لبس السراويل لمن لم يجد إزارا فإنه يلبس السراويل وليس عليه فدية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يجد إزارا فليلبس السراويل» وهذه قد تحصل مثلا: إذا ذهب الإنسان للعمرة، أو للحج، عن طريق الطائرة، بعض الناس ينسى أحيانا ويشحن لباس الإحرام داخل الحقيبة، ثم إذا وصل للميقات بحث عن لباس الإحرام ما استطاع أن يصل إليه لأنه قد شحن، فماذا يفعل؟ لا بأس أن يحرم في السراويل، لكن يخلع الثوب، ويخلع الفنيله، ويضع الثوب على شكل رداء، أو يضع شماغه على شكل رداء، إن كان لا يوقعه ذلك في الحرج، أما إن كان يوقعه ذلك في الحرج يحرم في ثوبه مع كشف رأسه، ويدفع الفدية.

(والخُفّينِ) من لم يجد نعلين فيجوز له لبس الخفين، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعهما لما كان في المدينة، قال: «من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين» ثم لما كان في عرفة خطب الناس وقال: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين» ولم يقل: فليقطعهما، فاستدل به كثير من أهل العلم: على أن الأمر بالقطع منسوخ؛ لأنه حضر الخطبة في عرفة أناس كثير، لم يحضروا خطبته في المدينة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو كان يجب قطع الخفين إلى ما أسفل من الكعبين لبين ذلك  النبي صلى الله عليه وسلم فالقول الراجح أنه لا يجب قطع الخفين إلى ما أسفل من الكعبين، وأن الأمر بالقطع منسوخ، فمن لم يجد نعلين يجوز له لبس الخفين.

قال: (ولا فِدْيةَ فيهِ) يعني في لبس السراويل، والخفين في هذه الحال.

 (كالصَّائِلِ ونَحوِهِ) كما لو صال حيوان على إنسان فقتله فلا فدية فيه، ولا يعتبر هذا من قتل الصيد المحرم، فلو أن مثلا: صيدا صال على الإنسان يريد أن يعتدي عليه فقتله دفاعا عن نفسه، فلا فدية عليه، ولا جزاء.

 (ونَحوِهِ) يعني كما لو تلفه الصيد لتخليصه من سبع، ونحو ذلك.. ولم يقصد قتله فلا فدية عليه، ولا جزاء.

قال: (والنِّكاحُ لا خُلْعَاً) سبق أن قلنا أن عقد النكاح لا فدية فيه، فربما أن المؤلف يقصد أن عقد النكاح لا فدية فيه، ولكن قوله: (لا خُلْعَاً) لم يتضح المقصود، يظهر والله أعلم أن فيه سقطا، والمحقق لهذا الشيخ عبدالله الفوزان أيضا استشكل هذه العبارة، وأشار إلى أنه يحتمل أن العبارة فيها سقط، قوله: (والنِّكاحُ) قد نحملها على ما ذكرت وهو أن عقد النكاح لا فدية فيه، لكنه لا يصح، ولا يجوز، لكن قوله: (لا خُلْعَاً) ما استطعنا أن نجد لها وجها، غير مفهومه، فيظهر والله أعلم أن في العبارة سقطا.

ونقف عند باب الفدية..

 

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامي - الاثين 20.07.1438