الخثلان
الخثلان
كتاب الحج والعمرة - دخول مكة
19 رجب 1438 عدد الزيارات 887

قال الشيخ -حفظه الله-:

 

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله والسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا, ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

كنا قد وصلنا في شرح كتاب العمدة في الفقه إلى باب: "دخول مكة" بكتاب الحج نستمع أولاً لعبارة المصنف -رحمه الله-:

قال المصنف -رحمه الله-: (باب دخول مكة

يستحب أن يدخل مكة من أعلاها ويدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي ﷺ دخل منه, فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا)

قوله: (يستحب أن يدخل مكة من أعلاها) كان النبي ﷺ إذا دخل مكة دخلها من أعلاها من الثنية العليا وإذا خرج خرج من الثنية السفلى إن تيسر هذا وإلا فالأمر في هذا واسع؛ لأنه في الوقت الحاضر قد يصعب تحقيق ذلك مع كثرة الناس وشدة الزحام.

قوله: (ويدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي ﷺ دخل منه) اقتداءً برسول الله ﷺ, والنبي عليه الصلاة والسلام دخل من باب بني شيبة وباب بني شيبة قد عفا عليه الدهر الآن ولا يعرف, وإن كان يسمى أحد أبواب الحرم "باب بني شيبة" لكن ليس هو المقصود؛ لأن المسجد الحرام في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن بهذه السعة ,كان مجرد المطاف فقط هذا هو الحرم ثم وسع ووسع إلى ما ترون الآن, فكان باب بني شيبة داخل المطاف الآن, فهو لا يعرف موضعه الآن ولهذا يدخل الإنسان من أي مكان هو أرفق به.

قوله: (فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا) يعني إذا رأى الكعبة من بعيد رفع يديه وقال: الله أكبر وحمد الله ودعا, وقد روي هذا عن النبي ﷺ لكن الحديث المروي حديث ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ وعلى هذا فهذا العمل غير مشروع؛ لأن القول بالمشروعية يحتاج إلى دليل ليس هناك دليل صحيح عن النبي ﷺ في رفع اليدين والتكبير والتحميد والدعاء عند رؤية الكعبة, فالصواب أن هذا العمل غير مشروع؛ لأن من قال بمشروعيته كالمؤلف بنى ذلك على حديث ضعيف.

قال المصنف -رحمه الله-: (ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمرا أو بطواف القدوم إن كان مفردا أو قارنا, فيضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر, ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه ويقبله ويقول: بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم, ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره فيطوف سبعا يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر ويمشي في الأربعة الأخرى, وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل ويقول بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ويدعو في سائره بما أحب ثم يصلي ركعتين خلف المقام ويعود إلى الركن فيستلمه)

قوله: (ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمرا أو بطواف القدوم إن كان مفردا أو قارنا) إن كان معتمراً بدأ بطواف العمرة كما هو ظاهر, والأفضل أن يبادر في العمرة وألا يتأخر, فأول ما يصل إلى مكة يبادر بالعمرة وهكذا إذا كان في الحج يبادر بطواف القدوم إذا كان مفرداً أو قارناً, أما إذا كان متمتعاً فأصلاً سيأتي بالعمرة فهو سيأتي بطواف العمرة, وطواف القدوم للقارن والمفرد مستحب وليس واجباً.

قوله: (فيضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر) يعني يسن في طواف العمرة وطواف القدوم خاصة دون غيره من الأطوفة يسن الاضطباع والرَمَل, إذاً طواف القدوم وطواف العمرة فيهما سنتان:

 السنة الأولى: الاضطباع

والسنة الثانية: الرَمَل وقد أشار إليهما المؤلف

أما الاضطباع فقد وضحه المؤلف بقوله: (فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر) يعني أنه يكشف عاتقه الأيمن ويستر عاتقه الأيسر فيجعل وسط رداءه تحت عاتقه الأيمن ويكشف كتفه اليمنى ويجعل طرفي رداءه على كتفه الأيسر هذا هو الاضطباع, ومحل استحبابه طواف العمرة وطواف القدوم خاصة.

أما الرَّمَل فسيأتي الكلام عنه بعد قليل.

قوله:( ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه) ومعنى الاستلام يعني يمسه بيده (ويقبله) وقد كان النبي ﷺ يستلمه ويقبله كما جاء في صحيح البخاري في حديث ابن عمر, وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وقد جاء في بعض الآثار أنه من حجر الجنة ولكن في سندها مقال, وورد أيضاً في بعضها أنه من حجر الجنة وسودته خطايا بني آدم لكنها لا تثبت من سند صحيح, لكن قد روي بسند جيد عن النبي ﷺ أنه قال في شأن الحجر: «إنه يكون له يوم القيامة عينان يشهد لكل من استلمه أو قبله بحق» الحجر الأسود يكون له يوم القيامة عينان يشهد لكل من استلمه أو قبله بحق, وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يقبل الحجر ويطبق هذه السنة ولو مرة في العمر, هناك بعض الأوقات التي يخف فيها الزحام يمكن أن تطبق هذه السنة في شهر محرم مثلاً وفي شهر صفر الزحام قليل يمكن تطبيق هذه السنة أما في غير هذين الشهرين يبدو أن الأمر صعب وأن الزحام شديد.

(ويقول: بسم الله والله أكبر) بسم الله هذه لم تثبت عن النبي ﷺ وإنما وردت عن ابن عمر رضي الله عنهما, أما الله كبر هذه قد وردت عن النبي ﷺ في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام «كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر» ولكن الأقرب الاقتصار على ما ثبت عن النبي ﷺ وهو التكبير وأما التسمية فلم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام وفعل ابن عمر اجتهاد منه, ولهذا فالراجح الاقتصار على التكبير فقط دون التسمية عندما تأتي عند الحجر الأسود فإن تيسر أن تستلمه وتقبله فحسن فإن لم يتيسر تشير إليه بيدك اليمنى وتقول: الله  أكبر من غير زيادة بسم الله؛ لأن البسملة لم ترد عن النبي ﷺ وإنما رويت عن ابن عمر, فالأقرب للسنة الاقتصار على التكبير فقط (اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم) هذا قد روي في حديث رواه الشافعي وغيره لكنه ضعيف, ولاحظ هنا كثرة استدلال المؤلف بأحاديث ضعيفة!! هذا يبين لنا أهمية الحديث بالنسبة لطالب العلم؛ لأن لما صح فيه غنية عن ما لم يصح, هذا الحديث حديث ضعيف مع كونه مشهوراً, ولهذا فالصواب أنه لا يشرع المواظبة على هذا الذكر لكن لو أتى به أحياناً ليس على أنه سنة وإنما على أنها كلمات طيبة فلا بأس, فإذاً الحديث المروي في ذلك حديث ضعيف ولا يشرع المواظبة على هذا الذكر أو الإتيان به على أنه سنة, إذاً ما الذي ثبت من الأذكار عند الطواف؟ التكبير فقط ولم يثبت غير هذا ويشير مع التكبير بيده اليمنى, فيكون عند الحجر الأسود ثلاث سنن:

السنة الأولى: استلامه وتقبيله.

السنة الثانية إذا لم يتيسر الاستلام والتقبيل: أن يشير إليه بشيء كعصا ونحوها ويقبل ما أشار به إليه ويكبر.

وهاتان السنتان غير متيسرتين لكثير من الناس في وقتنا الحاضر.

 فتبقى السنة الثالثة: وهي التكبير, كلما أتى الحجر الأسود رفع يده وأشار إليه وكبر, والإشارة تكون باليد اليمنى مرة واحدة تكفي, بعض الناس إذا مر بالحجر يقف يكبر عدة مرات وهذا يسبب زحاماً مرة واحدة تكفي يرفع يده ويقول الله أكبر ويمشي.

سأل أحد الطلاب: هل يقبل يده إذا أشار بها؟

قال الشيخ: لا, لا يقبل يده.

قوله: (ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره فيطوف سبعا يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر ويمشي في الأربعة الأخرى, وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل ويقول بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ويدعو في سائره بما أحب) الطواف لا بد أن يجعل الكعبة عن يساره فلو أنه عكس وجعل الكعبة عن يمينه لم يصح طوافه, واختلف العلماء في الحكمة من ذلك:

قيل: لأن قلب الإنسان في الجهة اليسرى حتى يكون القلب قريباً من الكعبة.

قيل: لأن جميع ما في الكون يدور من اليسار إلى اليمين, ولذلك الذرة و مكوناتها الاكترونات والبروتونات وغيرها كلها تدور من اليسار إلى اليمين وكل ما في هذا الكون يدور من اليسار إلى اليمين.

والله أعلم بالحكمة فالله تعالى أحكم الحاكمين وله حكمة الحكم جل وعلا.

(فيطوف سبعا) يعني سبعة أشواط (يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر ويمشي في الأربعة الأخرى) أشار المؤلف لسنة الرَّمَل, والرَّمَل معناه: الاسراع في المشي مع مقاربة الخطى وهو سنة إن تيسر في طواف القدوم وطواف العمرة خاصة كالاضطباع. وقوله: (من الحجر إلى الحجر) يعني في جميع الطواف من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود, وإنما قال المؤلف ذلك رداً على من قال من الفقهاء أن الرَّمَل إنما يكون ما بين الركن اليماني والحجر الأسود, وكان في أول الأمر ما بين الركن اليماني والحجر الأسود لكن في حجة الوداع كان الرمل في جميع الأشواط الثلاثة الأُول, لكن إن كان المطاف مزدحماً فتترك هذه السنة, أما ما نراه من بعض الناس عندما يكون الطواف مزدحماً يقوم ويحتمي هذا لا أصل له هذا ليس رمل!! إذا ما تيسر الرَّمَل تترك السنة ولا داعي لهذه الحركات التي يفعلها بعض الناس يحتمي ويحرك كتفيه هذه لا داعي لها, إن تيسر أن ترمَل فإنك تفعل وإن لم يتيسر فلا داعي لهذه الحركات, والرَّمَل يكون في الثلاثة أشواط الأُول فقط أما الأربعة يمشي فيها, أما الاضطباع فهو في جميع الأشواط السبعة لا حظ الفرق بينهما, والرًّمَل والاضطباع يتفقان في أنهما في طواف العمرة وطواف القدوم.

(وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل ويقول بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ويدعو في سائره بما أحب) الركن اليماني فيه سنة واحدة وهي الاستلام من غير إشارة ولا تقبيل بينما الحجر الأسود فيه ثلاث سنن التي ذكرت, أما ما يفعله بعض الناس أنه إذا مر بالركن اليماني أشار فهذا خلاف السنة هذا العمل غير مشروع؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف فالإشارة لا تكون إلا للحجر الأسود ولا تكون للركن اليماني, وحتى الركن اليماني لا يقبل أيضاً وإنما يستلم.

والحكمة من استلام الركن اليماني والحجر الأسود: لأنهما باقيان على قواعد إبراهيم وأما الأركان الأخرى فليست على قواعد إبراهيم, يعني الركن الشامي ليس على قواعد إبراهيم والركن العراقي ليس على قواعد إبراهيم وإنما اللذان بقيا على قواعد إبراهيم الحجر الأسود والركن اليماني فقط, وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لكنه خشي الفتنة؛ لأن الأشياء المقدسة عند الناس تغييرها صعب جداً ما تقبله النفوس, يقول النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «لولا أن قومك حدثاء عهد بكفر لهدمت الكعبة ولجعلت لها بابين وبنيتها على قواعد إبراهيم وأدخلت الحِجْر» الحِجْر الموجود الآن هو جزء من الكعبة لكن قريشاً أخرجته؛ لأنه قصرت عليهم النفقة؛ لأنهم اشترطوا ألا يدخلوا في بناء الكعبة إلا مالاً حلالاً متمحضاً -يعني مائة بالممائة- وكان كثير من كسبهم يشوبه ما يشوبه من الحرام فقصرت عليهم النفقة فبنوا الكعبة بهذا الشكل المربع الذي نراه الآن وأحاطوا الحِجْر, فالنبي ﷺ تمنى أن يعيد الكعبة على قواعد إبراهيم ويدخل الحِجْر ويجعل لها بابين لكنه خشي الفتنة فترك ذلك, فلما كان في عهد عبدالله بن الزبير -وعبدالله بن الزبير تولى الخلافة ثمان سنين في الحجاز وما حولها- فحقق عبدالله بن الزبير ما تمناه النبي ﷺ فهدم الكعبة وأعد بناءها على قواعد إبراهيم, لما أتى الحجاج بن يوسف الثقفي وحاصر ابن الزبير عند الكعبة وضرب الكعبة بالمنجنيق وقتل عبدالله بن الزبير وصلبه وبقي أياماً مصلوباً, مدة طويلة وهو مصلوب حتى مر به عبدالله بن عمر وقال: «السلام عليك أبا خبيب أما كنت أنهاك عن هذا» يعني أنهاك عن الدخول في السياسة وهذه الأمور «أما والله لقد كنت صواماً قواماً» وأثنى عليه, فمباشرة نقل الكلام للحجاج بن يوسف فهاب من أن يتعرض لابن عمر بشيء وأمر بأن ينزل ابن الزبير من على الخشبة التي هو مصلوب عليها فأنزل وغسل وكفن, يقولون يتقطع جسده قطعة قطعة؛ لأنه بقي مدة طويلة مصلوباً, وكان يصوم الدهر كله ما يفطر ولا يوم وهذا قد ورد النهي عنه ولكن لم يبلغه, وكان يقوم الليل كان عابداً صواماً قواماً ولكن هذا أمر قدره الله عز وجل عليه, لما أتى الحجاج بن يوسف قال: «دعنا من تخليط ابن الزبير» فهدم الكعبة وأعادها كما كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, فلما أتى عهد أبي جعفر المنصور أراد أبو جعفر أن يعيدها على قواعد إبراهيم فنهاه العلماء عن ذلك وعلى رأسهم الإمام مالك وقالوا دع الكعبة لا تكون ألعوبة للملوك هذا يبني وهذا يهدم فكان لهم نظر ثاقب, خشيوا من أن تكون الكعبة ألعوبة للملوك وتخضع للتقلبات السياسية فقالوا دعها فبقيت على ذلك الحين سحان الله! وهذا من حكمة الله عز وجل أن بقيت هكذا وإلا لو كان لها بابان الآن باب يدخل الناس منه وباب يخرج الناس منه لربما تعذر الطواف في وقتنا الحاضر, والعجيب أن ما تمناه النبي ﷺ تحقق!! فالحجر الآن له بابان باب يدخل الناس منه وباب يخرج الناس منه بكل يسر وسهولة ويستطيع أي إنسان أن يصلي داخل الكعبة كيف؟ يصلي في الحجر فإذا صلى في الحجر فقد صلى في الكعبة؛ لأن الحجر جزء من الكعبة, وأصبحت بعد ذلك يعاد ترميمها وبناءها وكان آخر إعادة بناء لها عام ألف وأربع مائة وسبعة عشر يعني قبل واحد وعشرون عاماً (وكبر وهلل) أما التكبير فقد ثبتت به السنة, وأما التهليل إذا استلم الركن اليماني والحجر الأسود فهذا روي فيه حديث ضعيف لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام روي أن النبي ﷺ قال لعمر: «إن وجدت فرصة فاستلم وإلا فاستقبله وهلل وكبر» لكن هذا الحديث حديث ضعيف رواه أحمد بسند ضعيف والسنن لا تثبت بالأحاديث الضعيفة, ولهذا الصواب أنه يكبر فقط, إذًا لم يثبت شيء عند الإشارة للحجر الأسود أو عند استلام الركن اليماني سوى التكبير فقط وأما التهليل فلم يثبت, على أن أيضاً استلام الركن اليماني مجرد استلام فقط من غير تكبير (ويقول بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ويدعو في سائره بما أحب) ما المقصود بالركنين؟ الركن اليماني والحجر الأسود يعني في آخر كل شوط يقول: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" وهذا قد ثبتت به السنة, طيب بقية الأشواط ماذا يقول؟ لم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء, فلذلك يدعو الإنسان بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة, لم يثبت عن النبي ﷺ فيما يقال في الطواف شيء إلا ما بين الركنين يقول: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" وما عدا ذلك لم يثبت, وما قد يوجد في بعض الكتيبات الذي كتب فيها دعاء الشوط الأول دعاء الشوط الثاني دعاء الشوط الثالث هذا كله لا أصل له, والأفضل أن الإنسان لا يأخذ من هذه الكتيبات بل يدعو بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة فإن هذا أقرب للإخلاص وأقرب لاستحضار معنى ما يقول, ثم أيضاً بعض هذه الكتيبات فيها أدعية منكرة يعني مثلاً "يا نور النور يا عليم بذات الصدور" هذا أسمعه من بعض من يطوف ما معنى يا نور النور؟!! يا عليم بذات الصدور هذه واردة لكن يا نور النور هذا وصف لله عز وجل بما لم يرد, وبعضهم في غير الحج يقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً" ويدعون أحياناً بأدعية منكرة, فالأفضل أن الإنسان يدعو بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود يقول: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".

سأل أحد الطلاب: هل له أن يقرأ القرآن؟

قال الشيخ: لا بأس والأفضل الدعاء

كلما حاذا الحجر في طواف كبّر, لكن في الشوط السابع هل يشرع التكبير أم لا؟ إن قلنا أن التكبير يشرع في أول كل شوط فيقال أن نهاية الشوط السابع لا يشرع التكبير أما إن قلنا أن التكبير يشرع كلما حاذا الحجر فيشرع في نهاية الشوط السابع, والذي وردت به السنة كما في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كلما حاذا الحجر كبر قال: «طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر» فكلما أتى الركن أو كلما حاذا الحجر كبر وهذا يدل على أن التكبر لأجل محاذاة الحجر وليس لأجل ابتداء الشوط, وعلى هذا يترجح القول بأنه يشرع التكبير عند نهاية الشوط السابع, وعلى هذا كم يكون عدد التكبيرات؟ ثمان تكبيرات وليس سبعاً هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

قال المصنف -رحمه الله-:(ثم يصلي ركعتين خلف المقام ويعود إلى الركن فيستلمه)

قوله: (ثم يصلي ركعتين خلف المقام) يعني خلف مقام إبراهيم, وهذا المقام لما بنى إبراهيم الكعبة وارتفع البناء أتى بحجر فصعد على الحجر حتى يبني البناء المرتفع من الكعبة وبقيت أثر قدم إبراهيم على هذا الحجر, كيف بقيت أثر قدمه عليه السلام؟

قيل: أنه من كثرة وقوف إبراهيم عليها ظهر أثر القدم.

وقيل: أن إبراهيم نفسه نحت موضع القدم حتى تثبت رجله على الحجر.

وقيل: أنها آية من آيات الله أن رجله بقي أثرها.

كل هذه محتملة وليس هناك شيء يدل على ترجيح أحدها لكن آثار القدم بقيت, لكن في الوقت الحاضر تكاد تكون غير واضحة, وكان فيما سبق عليه بناء كبير والحمد لله الآن أزيل البناء وبقيت فقط المقام, فالأفضل أن يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر, والأفضل أيضاً أن يكون إمام المسجد الحرام أن يصلي خلف المقام قد كان أئمة المسجد الحرام قديماً يصلون خلف المقام فالأفضل أن يكون إمام الحرم خلف المقام كما ذكر لك بعض المفسرين, يعني إن تيسر أن يجعل إمام الحرم خلف المقام؛ لأنه يحقق قول الله عز وجل: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فالأفضل إذاً أن تجعل ركعتا الطواف خلف المقام وأن يكون إمام المسجد الحرام يصلي الصلوات الخمس بالناس خلف المقام إن تيسر, والأفضل أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بـ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ والثانية بـ﴿قل هو الله أحد﴾ ويحفف هاتين الركعتين.

قوله: (ويعود إلى الركن فيستلمه) إن تيسر أيعود إلى الركن بعد الركعتين فيستلم الركن وهذا هو الأفضل وإن لم يتيسر فالأمر في هذا واسع.

قال المصنف -رحمه الله-: (ثم يخرج إلى الصفا من بابه فيرقى عليه ويكبر الله ويهلله ويدعوه ثم ينزل فيمشي إلى العلم ثم يسعى إلى العلم الآخر ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل كفعله على الصفا ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه حتى يكمل سبعة اشواط يحتسب بالذهاب سعيه وبالرجوع سعية يفتتح بالصفا ويختتم بالمروة)

قوله: (ثم يخرج إلى الصفا من بابه) قوله :(من بابه) يشير إلى أن الصفا مسعى مستقل عن المسجد الحرام وأن له باباً وقد كان الأمر كذلك إلى ما قبل سبعين عاماً كان هناك فاصل بين الحرم وبين المسعى, وكان هناك دور بيوت بين الحرم والمسعى، وكان هناك دكاكين وحوانيت محفة ومحيطة بالمسعى وسوق عظيمة في مكة في المسعى ويباع فيها من كل شيء ،وكان يختلط المتسوق الذي يريد أن يشتري بالساعين, وكان الناس يجدون حرجاً في السعي بسبب ازدحام المتسوقين, كان هذا من العجب يعني كيف يجعل هذا المشعر مكاناً للبيع والتسوق!! لكن هكذا صار والعجيب أنه امتد سنين طويلة على هذا الوضع إلى عام ألف وثلاث مائة وخمس وسبعين في عهد الملك سعود -رحمه الله- فهدمت البيوت التي ما بين الحرم إلى المسعى وأعيد بناء المسعى من جديد وأزيلت تلك الدكاكين والحوانيت وكان عملاً مشكوراً  وكانت توسعةً عظيمة, والدولة السعودية وفقها الله اعتنت بالحرمين عناية كبيرة جداً وأزالت كثيراً من الأمور التي كانت تسبب حرجاً للحجاج والمعتمرين فكان من ذلك الحرج هذا الذي ذكرت, يعني وضع المسعى في السابق كان يسبب حرجاً للناس وكان يختلط المتسوقون بالساعين وكان أيضاً فيه ميلان, وبعد ذلك أزيلت البيوت التي بين الحرم والمسعى وأيضاً أزيلت الدكاكين والحوانيت عام ألف وثلاث مائة وخمس وسبعين فهذا وجه قول المؤلف: (من بابه) في الوقت الحاضر اتصل الآن المسعى بالحرم.

هناك سنة لم يذكرها المؤلف قد وردت في الأحاديث الصحيحة وهي أن النبي ﷺ لمما دنى من الصفا قرأ «﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به» هذا جاء في حديث جابر الطويل وهذا يدل على أن السنة أن يقرأ هذه الآية, وهنا ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: متى يقرأها هل إذا وصل إلى الصفا؟

نرجع للحديث قال:« فلما دنى من الصفا» هذا يدل على أن مكان قراءتها إذا اقترب من الصفا وليس عندما يصل إلى الصفا.

المسألة الثانية: قال جابر: «لما دنى من الصفا قال: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾» هل يكملها أو يقتصر على قول: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾؟

الرواية وردت بـ﴿إن الفا والمروة من شعائر الله﴾ فقط؛ ولذلك الأفضل أن يقتصر عليها من غير إكمال يعني إذا اقترب من الصفا يقرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾  ويسكت ولا يكمل الآية ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما...﴾.

المسألة الثالثة: هل يقرأ إن الصفا والمروة في كل شوط أو فقط إذا دنى قبل الشوط الأول وقبل أن يبدأ السعي؟

الجواب الثاني إذا دنى من الصفا قبل أن يبدأ الشوط الأول فقط ولا يقرأها بعد ذلك مرة أخرى, فهذه سنة يغفل عنها كثير من الناس, إذاً السنة إذا دنوت من الصفا أن تقرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ثم تقول أبدأ بما بدأ الله به.

قوله: (فيرقى عليه ويكبر الله ويهلله ويدعوه) يعني يقف على الصفا ويقول: الله أكبر لا إله إلا الله والحمد لله ويدعو الله تعالى فإذا حمد الله وكبر يرفع يديه مستقبلاً الكعبة ويقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" ثم يدعو ثم يكرر هذا الذكر ثم يدعو ثم يكرر هذا الذكر, جاء في حديث جابر قال «ثم دعا بين ذلك» هذا الذكر قاله النبي ﷺ ثلاث مرات لكن الدعاء كم دعا من مرة؟ نرجع لحديث جابر «ثم دعا بين ذلك» معنى ذلك أنه دعا مرتين دعا بين الأولى والثانية وبين الثانية والثالثة فعلى هذا يشرع أن يكرر الذكر "لا إله إلا الله وحده لا شريك له..." يكرره ثلاث مرات وأما الدعاء فيكرره مرتين فقط وليس ثلاثاً انتبه لهذه المسألة!!.

قوله: (ثم ينزل فيمشي إلى العلم) المؤلف نفسه ابن قدامة قال في المغني: العلم الأخضر فيبدو أنه كان أخضر من ذلك الحين من قديم الزمان, وقد كان أصله وادياً ثم دفن تيسيراً على الساعين, وجعل ما بين أول الوادي وآخره علمان أخضران (ثم يسعى إلى العلم الآخر) وأيضاً لم يرد في هذا ذكر معين وإنما يدعو الله تعالى بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة ولم يثبت دعاء مخصوص يقوله الساعي في أشواط السعي (ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل كفعله على الصفا) يعني من الذكر والدعاء (ثم ينزل) يعني من المروة إلى الصفا (فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه) أين موضع السعي؟ ما بين العلمين فقط والباقي يمشي مشياً (حتى يكمل سبعة اشواط يحتسب بالذهاب سعيه وبالرجوع سعية يفتتح بالصفا ويختتم بالمروة) فلابد أن يفتتح بالصفا فلو افتتح بالمروة لكان الشوط الأول لاغياً, يفعل في المروة كما فعل بالصفا لكن يرد فيه الشوط الأخير نقول فيه مثل ما قلنا في الشوط الأخير من الطواف يرفع يديه ويدعو.

قال المؤلف -رحمه الله-:(ثم يقصر من شعره إن كان معتمرا وقد حل إلا المتمتع إن كان معه هدي والقارن والمفرد فإنه لا يحل)

قوله: (ثم يقصر من شعره إن كان معتمرا وقد حل) يقصر أو يحلق والحلق أفضل من التقصير إلا أن يكون قدوم الحاج قريباً من وقت الحج وقد كان متمتعاً فيقصر من أجل أن يترك حلق الشعر للحج؛ لأن الحج أفضل إذا كان قدومه مثلاً أربعة ذي الحجة خمسة ستة سبعة ثمانية الأفضل أن يقصر من أجل أن يبقي الشعر ليحلقه في الحج وإلا فمن حيث الأصل فالأفضل الحلق، الحلق أفضل من التقصير النبي ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة واحدة قال: «اللهم ارحم المحلقين» قالوا: والمقصرين؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين» قالوا: والمقصرين؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين» فالوا: والمقصرين؟ قال في الرابعة: «والمقصرين», ولهذا ينبغي لمن حج أو اعتمر أن يحرص على تطبيق السنة خاصة إذا كان طالب علم يقتدى به وأنا أعجب من بعض طلبة العلم يأتي ويعتمر أو يحج ولا يحلق!! ينبغي أن تحرص على الأكمل والأفضل صحيح أنه يجزئ التقصير لكن لماذا لا تأتي بالأكمل فينبغي أن يكون طالب العلم حريصاً على تطبيق السنة ما أمكن, والفرق بين الحلق والتقصير أن الحلق فيه استئصال لجميع الشعر وهو الذي يكون بالموس وأما المكينة فلا تستأصل جميع الشعر حتى وإن كانت رقم صفر إلا ما قيل أن فيه مكائن في الآونة الأخيرة قال لي أحد الإخوة أن فيه مكائن تستأصل جميع الشعر كالموس هذه ممكن أن تعتبر حلق أما المكائن العادية المعروفة حتى لو وضعتها على رقم صفر ما تستأصل جميع الشعر فإذا كانت المكينة لا تستأصل جميع الشعر فهو تقصير, ومن أراد أن يقصر فلابد أن يشمل التقصير جميع شعر رأسه وأما ما يفعله بعض الناس يأخذ من بعض الجوانب يأخذ من هذه شعرتين ومن هذه شعرتين هذا لا يجزئ هذا ليس تقصيراً, التقصير أنك تمشي على جميع الشعر بالمقص والأفضل إذا أردت أن تقصر أن تقصر بالمكينة لماذا؟ لأنك تضمن أنك قصرت من جميع الشعر أما ما يفعله بعض الناس يأخذ من هنا شعرتين ومن هنا شعرتين هذا ليس تقصيراً فانتبه لهذا!!

قوله: (إلا المتمتع إن كان معه هدي والقارن والمفرد فإنه لا يحل) يعني ساقه من خارج الحرم فإنه يستمر على إحرامه؛ لأن المتمتع إذا ساق هديه يصبح قارناً يلزمه القران وكذلك المفرد يستمر على إحرامه إلى يوم العيد إلى أن يرمي جمرة العقبة ثم يحلق.

قال المؤلف -رحمه الله-: (والمرأة كالرجل إلا أنها لا ترمل في طواف ولا سعي)

قوله: (والمرأة كالرجل) يعني المرأة كالرجل في جميع أحكام الطواف والسعي (إلا أنها لا ترمل في طواف ولا سعي) يعني المرأة لا تركض لا في الطواف ولا في السعي؛ لأنها عورة وربما إذا ركضت تحصل الفتنة بها, وهي كذلك بطبيعة الحال لا تضطبع الرمل والاضطباع  إنما هما سنة بحق الرجل دون المرأة.

قال المؤلف -رحمه الله-: (باب صفة الحج

وإذا كان يوم التروية فمن كان حلا أحرم من مكة وخرج إلى عرفات)

قوله: (وإذا كان يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة وسمي "يوم التروية"؛ لأن الناس قديماً كانوا يتروون فيه بالماء استعداداً للحج لأيام منى وكانوا يتروون بالماء في اليوم الثامن فسمي بيوم التروية (فمن كان حلا أحرم من مكة) إذا كان متمتعاً يحرم من مكة ولا يلزمه أن يذهب إلى الميقات, أما القارن والمفرد فهما مستمران أصلاً في إحرامها (وخرج إلى عرفات) يعني أنه بعد أن يحرم بالحج يتجه إلى عرفات ليقف بها, والأفضل أنه يذهب في اليوم الثامن إلى منى وليس إلى عرفات يتجه إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ويقصر الرباعية ركعتين من غير جمع؛ لأن هذا هو هدي النبي ﷺ, ولكنه سنة يعني الذهاب إلى منى يوم التروية سنة وليس واجباً, لكن من كان في منى ينبغي أن يحرص على المبادرة والإحرام؛ لأن بعض الناس يكون في منى وفي اليوم الثامن ويبقى بثيابه إلى يوم عرفة هذا خلاف السنة, أنا أعجب من بعض الناس!! أنت أتيت إلى هذه الأماكن تبتغي فضلاً من الله ورضواناً ينبغي أن تحرص على السنة, السنة أنك تحرم من ضحى يوم التروية ثم بعد صلاة الفجر من يوم عرفة تذهب إلى عرفة.

قال المؤلف -رحمه الله-: (فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين ثم يروح إلى الموقف وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم أو قريبا منه على الجبل قريبا من الصخرات ويجعل حبل المشاة بين يديه ويستقبل القبلة ويكون راكبا ويكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل إلى غروب الشمس)

قوله: (فإذا زالت الشمس يوم عرفة) إن تيسر أن يذهب إلى نمرة قبل الزوال فهذا هو الأفضل؛ لأن النبي ﷺ سار من منى إلى عرفة وأقام بنمرة إلى زوال الشمس وإن لم يتيسر كما هو حال أكثر الناس اليوم فيذهب إلى عرفات مباشرة. (صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين) الأفضل أن يكون هذا بعد الخطبة يخطب الإمام أو من ينيبه يخطب في الناس بمسجد نمرة, ولو أراد مجموعة من الحاج يطلبون من أحدهم أن يخطب بهم لكونهم بعيدين عن مسجد نمرة فلا بأس, وهذا تفعله بعض الحملات يقوم أحدهم ويخطب بالناس في مجتمع الحجيج في حملة أو شركة أو مؤسسة لا بأس, وبعض الحملات تستمع لخطبة الإمام والأمر في هذا واسع, لكن كونهم ينيبون أحدهم لكي يخطب هذا لا بأس به ولا يعتبر هذا بدعة هذا لا بأس به فيمكن للحملة أن ينيبوا أحدهم لكي يخطب بهم ثم بعد ذلك يؤذَّن ثم تقام صلاة الظهر يصلي بهم ركعتين ثم تقام صلاة العصر ويصلي بهم ركعتين جمعاً وقصراً بأذان وإقامتين.(ثم يروح إلى الموقف) النبي ﷺ بعد أن صلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً سار إلى الموقف شرق عرفات في آخر عرفة من جهة الشرق عند جبل إلال الذي يسميه العامة جبل الرحمة, ولعل الحكمة في هذا؛ ليبين النبي ﷺ للناس أن عرفة كلها موقف وعرفة كلها موقف فلا يلزم الذهاب إلى ذلك المكان بل إذا وقف في أي مكان في عرفة أجزئ مع التأكد من حدود عرفة؛ لأن الوقوف بعرفة هو آكد أركان الحج ومن لم يقف بعرفة فلا حج له لهذا قال المؤلف: (وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة) يعني وادي عرنة وهو غرب عرفات هذا لا يجزئ الوقوف فيه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام «عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة».(ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم أو قريبا منه على الجبل) الذي هو جبل إلال الذي يسميه العامة جبل الرحمة (قريبا من الصخرات) يعني كان هناك صخرات أسفل جبل الرحمة والسنة أن يستقبل الجبل والقبلة إن تيسر فإن لم يتيسر استقبل القبلة وإن لم يستقبل الجبل, ولا يشرع الصعود على الجبل الصعود على الجبل غير شروع؛ لأن هذا لم يرد عن النبي ﷺ ولم يرد عن أحد من أصحابه (ويجعل حبل المشاة بين يديه) هذا ورد عن النبي ﷺ أنه لما أتى إلى الجبل جبل إلال أناخ ناقته وجعل طيلة الوقت مستقبلاً القبلة رافعاً يديه يدعو (وجعل حبل المشاة) يعني مجتمع المشاة يمرون بين يديه وهو مستقبل القبلة يدعو طيلة الوقت, لاحظ من بعد صلاة الظهر والعصر إلى غروب الشمس ما انشغل النبي عليه الصلاة والسلام بأي شيء إلا بالدعاء على بعيره لم ينزل يعني بقي هذه الساعات الطويلة قرابة ست ساعات وهذا يدل على أن أفضل ما يشتغل به الحاج يوم عرفة الدعاء, مع أنه عليه الصلاة والسلام هو النبي والرسول والموجه والقائد للأمة وأمير الحج هو كل شيء ومع ذلك انشغل عليه الصلاة والسلام بالدعاء عن الناس حتى أن الصحابة شكّوا هل كان صائماً أو لا؟! ما أكل شيء طيلة الوقت يدعو فأراد الصحابة أن يختبروه فأرسلت إليه أم الفضل بلبن بعد العصر فشرب منه والناس ينظرون فعلموا أنه كان مفطاراً ولم يكن صائماً, وأتوا واستفتوه قالوا: يا رسول الله إن رجلاً وقصته دابته وهو محرم قال عليه الصلاة والسلام: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» وكان ذلك بيوم عرفة وكان إذا سقط خطام بعيره أخذه بإحدى يديه ولا يزال رافعاً يده الأخرى فهذا يدل على أن أفضل ما يشتغل به الحاج يوم عرفة هو الدعاء, وفي ذلك المقام عشية عرفة -والعشية: ما بعد الزوال- يدنوا الرب عز وجل من الحجاج دنواً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته يقول النبي ﷺ كما في صحيح مسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو بهم فيباهي بهم ملائكته ويقول: ما أراد هؤلاء؟» هو موقف عظيم فيه تكفر الخطايا والسيئات وفيه تعتق الرقاب من النار وفيه ترفع الدرجات, وما رؤي الشيطان أحقر ولا أصغر منه في يوم عرفة إلا ما رؤي يوم بدر لما يرى من تنزل الرحمات فهو موقف عظيم ينبغي للحاج أن يجتهد فيه بالدعاء, والدعاء في ذلك المقام حري بالإجابة ويباهي الله عز وجل بالحجيج ملائكته عشية عرفة ويقول: «انظروا لعبادي هؤلاء أتوني شعثاً غبراً ضاحين» يعني كاشفين رؤوسهم «أشهدكم أني قد غفرت لهم» فتحصل المغفرة من الرب عز وجل لهؤلاء الحجيج لمن كان حجه مبروراً ( ويستقبل القبلة ويكون راكبا) النبي ﷺ كان راكباً على بعيره, ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى الأفضل يختلف باختلاف أحوال الناس فيختار الإنسان ما هو الأيسر له والأخشع لقلبه فإذا كان عنده خيمة مثلاً فنقول أن الأفضل أن يدخل داخل الخيمة ولا يبقى في السيارة؛ لأن هذا هو أرفق له وأخشع لقلبه فهو يختلف باختلاف أحوال الناس (ويكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير) هذا قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيين قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» من غير زيادة «بيده الخير» على أن الحديث في سنده مقال (ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل إلى غروب الشمس) هذه هي السنة أن يجتهد بالدعاء وأفضل ما يفعل يوم عرفة الدعاء.

قال المؤلف -رحمه الله-: (ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار ويكون ملبيا ذاكرا لله عز وجل فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما ثم يبيت بها ثم يصلي الفجر بغلس ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو ويستحب أن يكون من دعائه اللهم وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ*ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:198- 199] ويقف حتى يسفر جدا ثم يدفع قبل طلوع الشمس فإذا بلغ محسرا أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى)

قوله: (ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين) والمأزمان هما مضيقان بين جبلين, والأمر في هذا واسع المهم أن يدفع من عرفة إلى مزدلفة من أي طريق لكن النبي ﷺ دفع في حجته عن طريق المأزمين (وعليه السكينة والوقار)؛ لأن النبي ﷺ لما دفع الناس جعل يرفع يديه ويقول: «أيها الناس السكينة أيها السكينة فإن البر ليس في الإيضاع» وقد ثنى لناقته القصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول: «أيها الناس السكينة السكينة» (ويكون ملبيا ذاكرا لله عز وجل) السنة أن يكون ملبياً وأن يستمر بالتلبية إلى حين رمي جمرة العقبة, وإذا كبر فلا بأس فقد كان الصحابة منهم الملبي ومنهم المكبر.

قوله: (فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما) يعني من حين أن يصل إلى مزدلفة قبل أن يحط الرحال قبل أن ينزل العفش الذي معه يصلي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً ويقصر العشاء فقط دون المغرب؛ المغرب لا تقصر (ثم يبيت بها) يبيت تلك الليلة في مزدلفة والمقصود بالبيتوتة هنا المكث ولا يلزم النوم لو أنه لم ينم لم يضر.

قوله:( ثم يصلي الفجر بغلس) يعني يصلي الفجر في أول وقتها (ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو) والمشعر الحرام هو جبل صغير في وسط مزدلفة يسمى "قُزَح" وقد أزيل هذا الجبل وبني مكانه المسجد الموجود الآن في مزدلفة, وقد كان في ما مضى كان مكانه جبل صغير يسمى "قُزَح" وهو المشعر الحرام إن تيسر أن يذهب لهذا المكان ويدعو فهذا هو الأفضل وإن لم يتيسر دعا بأي مكان بمزدلفة (ويستحب أن يكون من دعائه "اللهم وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ*ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}") هذا الذكر وهذا الدعاء حسن لكنه لم يثبت عن النبي ﷺ فإذا دعا به على أنه دعاء مطلق فلا بأس أما أن يدعو به على أنه سنة فهذا غير مشروع؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ فهو استحسان من المصنف -رحمه الله- ( ويقف حتى يسفر جدا) يبقى في مزدلفة إلى حين الإسفار قبل طلوع الشمس ثم يدفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس, والضعفة ومرافقوهم لهم أن يدفعوا في آخر الليل وتبدأ الرخصة من بعد منتصف الليل, والأفضل أن يبقوا إلى غروب القمر وغروب القمر يكون بعد مضي ثلثي الليل, لكن هل يجوز للقادر أن يدفع من مزدلفة؟ هذه المسألة ستأتينا إن شاء الله في أركان وواجبات الحج والعمرة, لكن هي محل خلاف بين العلماء والقول الراجح وهو قول جمهور الفقهاء أن القادر يجوز له الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل لكن الأفضل أن يبقى إلى حين طلوع الفجر والإسفار هذا هو الأفضل؛ لأنه ليس هناك دليل ظاهر يدل على وجوب بقاء القادر إلى طلوع الفجر؛ ولأنه قد جاء عن عبدالله بن عمر أنه قال: إنما جمع منزل ترتحل منه حيث شئت. فالذي يظهر والله أعلم والذي عليه أكثر أهل العلم وهو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- أنه يجوز للجميع الدفع من بعد منتصف الليل لكن الأفضل البقاء للقادرين إلى ما بعد طلوع الفجر والإسفار جداً.

قوله: (ثم يدفع قبل طلوع الشمس فإذا بلغ محسِّرا) وهو وادٍ بين مزدلفة ومنى (أسرع قدر رمية بحجر ) قوله (قدر رمية بحجر) يعني أن مقدار هذا الوادي هو قدر ما لو أخذ حجراً ورمى به أقصى ما يصل إليه هذا الحجر هذا هو متسع وادي محسِّر, وفي الوقت الحاضر لا حاجة لهذا؛ لأن واي محسِّر قد حدد بعلامات وهو ما بين نهاية مزدلفة إلى بداية منى هذا هو وادي محسِّر, والحكمة من هذا الإسراع:

قيل: لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل, ولكن هذا محل نظر فالمعروف أن هلاك أصحاب الفيل إنما كان بالمغمّس خارج الحرم وليس في هذا المكان.

وقيل: لأنه مكان يقف فيه أهل الجاهلية ويذكرون مفاخرهم فأمر المسلم بمخالفتهم.

وقيل أن هذا الوادي يكون ليناً ويحتاج أن يحرك الإنسان مركوبه ليتساوى سيره فيه مع الأرض الصلبة, ولعل هذا هو الأقرب والله أعلم أنه كان وادياً يسرع فيه المركوب؛ لأنه كان وادياً فالسنة إذاً الإسراع في هذا الوادي وادي محسِّر (حتى يأتي منى) وأعمال يوم منى في يوم العيد نفتتح بها إن شاء الله الدرس القادم ونكتفي بهذا القدر في هذا الدرس والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

***