الخثلان
الخثلان
شرح كتاب الحج والعمرة
6 رجب 1438 عدد الزيارات 876

قال الشيخ -حفظه الله-:

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله والسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا, اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

كنا قد انتهينا من كتاب الصيام من متن عمدة الفقه, وننتقل بعد ذلك إلى كتاب الحج والعمرة, وقبل أن نبدأ في شرح عبارة المصنف -رحمه الله- نذكر أولاً تعريف الحج والعمرة:

الحج معناه في اللغة: القصد, فمادة الـ(حاء و الجيم) تدور حول معنى القصد.

ومعناه اصطلاحاً: قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص.

«قصد مكة»: فالحج لا يكون إلا  لمكة, «لعمل مخصوص»: وهي أعمال الحج, «في زمن مخصوص»: وهو وقت الحج.

وأما العمرة فمعناها في اللغة: الزيارة.

ومعناها اصطلاحاً: زيارة مكة لعمل مخصوص.

«العمل المخصوص»: وهي أعمال العمرة.

والحج ركن من أركان الإسلام وهو الركن الخامس من أركان الإسلام وبعض أهل العلم يجعله الركن الرابع فيقدمه على الصيام, وهو من الأعمال الصالحة العظيمة التي تكفر جميع الذنوب بل هو العبادة الوحيدة التي تكفر جميع الذنوب بما فيها الكبائر, بينما بقية العبادات تكفر الصغائر فمثلاً الصلاة هل الصلاة تكفر الكبائر؟ الصلاة تكفر الصغائر كما قال النبي ﷺ: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر» أخرجه مسلم في صحيحه. فالصلوات الخمس لا تكفر الكبائر وإنما تكفر الصغائر وهكذا أيضاً صلاة الجمعة وهكذا صيام رمضان أما الحج فقد ورد فيه نصوص تدل على أنه يكفر الكبائر والصغائر ومنها قول النبي ﷺ: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» متفق عليه. وقوله ﷺ: «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمه» متفق عليه. والذي ولدته أمه هل تبقى عليه ذنوب صغار أو كبار؟ أبداً, ويقول ﷺ في قصة إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله» أخرجه مسلم في صحيحه. فالحج يهدم ما كان قبله من الذنوب والمعاصي, وأيضاً جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفه وإنه ليدنوا بهم فيباهي بهم ملائكته ويقول: ما أراد هؤلاء؟» رواه مسلم. والنصوص في هذا كثيرة. فالحج إذاً هو من العبادات العظيمة من الأعمال الصالحة الكبيرة, لكن هل يكفر الحج ما كان متعلقاً بحقوق العباد؟ الجواب: لا يكفرها, وحقوق العباد لا يكفرها شيء إلا التحلل من العباد أنفسهم, حتى الجهاد في سبيل الله لا يكفر ما كان متعلقاً بحقوق العباد, حتى من قتل في سبيل الله تحط عنه خطاياه كلها ما عدا ما كان متعلقاً بحقوق العباد؛ ولهذا جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله أدخل الجنة؟ فقال ﷺ: «إن قتلت وأنت صابر مقبل غير مدبر دخلت الجنة» ثم نادى هذا الرجل وقال: «كيف قلت؟» فأعاد عليه فقال ﷺ: «إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك» يعني إلا ما كان متعلقاً بحقوق العباد فإنها لا تغفر, إذا كانت لا تغفر للشهيد الذي باع نفسه لله فما بالك بغيره, وهذا يدل على عظيم شأن حقوق العباد.

نقرأ عبارة المصنف-رحمه الله- :

(كتاب الحج والعمرة

يجب الحج والعمرة مرة في العمر على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلا والاستطاعة أن يجد زادا وراحلة بآلتهما مما يصلح لمثله فاضلا عما يحتاج إليه لقضاء دينه ومؤونة نفسه وعياله على الدوام, ويشترط للمرأة وجود محرمها وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو بسبب مباح, فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة.)

قوله: (يجب الحج والعمرة مرة في العمر)

 أما وجوب الحج فهذا بالإجماع, ومن أنكر وجوب الحج فإنه يكفر لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كما قال الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾.

وأما العمرة فمحل خلاف بين العلماء هل تجب أو لا تجب؟ والقول الراجح أنها تجب, ومن أدلة الوجوب حديث عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال ﷺ: «نعم عليكن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» وهو حديث صحيح أصله في البخاري وقوله «عليكن» إشارة إلى الوجوب؛ لأنه لا يقال "على الإنسان كذا" إلا في الأمر الواجب, الأمر المستحب لا يقال عليه فعل كذا, وجاء في حديث أبي رزين العقيلي «وأن تحج وتعتمر» وأدلة أخرى تدل على الوجوب.

قوله: (إذا استطاع إليه سبيلا والاستطاعة أن يجد زادا وراحلة بآلتهما مما يصلح لمثله فاضلا عما يحتاج إليه لقضاء دينه ومؤونة نفسه وعياله على الدوام)

فسر المصنف الاستطاعة بقوله: (أن يجد زادا وراحلة بآلتهما) فالاستطاعة هي وجود ازاد والراحلة ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ مع أن الاستطاعة شرط لوجوب جميع العبادات, فهي شرط لوجوب الصلاة ووجوب الزكاة ووجوب الصيام شرط لوجوب الجميع لماذا خص الله تعالى الحج بذكر شرط الاستطاعة؟ لأن الحج لا يكون من معظم الناس إلا بسفر وفيه مخاطرة خاصةً في الأزمنة السابقة لما كان الناس يرتحلون عن طريق الدواب وبعضهم على أرجلهم وكان هناك قطاع الطريق وكان هناك مشقة في وصول البيت فنبه على شرط الاستطاعة لبيان أن الحج لا يجب إلا على المستطيع وأن غير المستطيع لا يجب عليه الحج.

 والزاد والراحلة قيدها المصنف بقوله: (مما يصلح لمثله) يعني إن كان من الأغنياء ويجد زاداً وراحلة تناسب الأغنياء, وإن كان من الفقراء يجد زادً وراحلةً تناسب الفقراء وهكذا.

والزاد والراحلة تكون بآلتها؛ لأنه كانت الراحلة فيما سبق يكون لها الرحل والمحمل ونحو ذلك لها مستلزمات، فلابد إذاً أن يكون قادراً على الزاد والراحلة بآلتها سواء كان ذلك بالشراء أو بالاستئجار, ويمثل الزاد والراحلة في وقتنا الحاضر ماذا؟ أن يكون قادراً على دفع أجرة حملة الحج المناسبة لمثله, ومن كان خارج المملكة مثلاً أجرة المطوف, إذا كان قادراً على دفع أجرة الحملة فيكون قادراً على الحج, فمثلاً إذا كانت الحملة المناسبة لمثله ستة آلاف ريال لا بد أن يكون عنده ستة آلاف الريال -غير ما يذكره المؤلف من الأشياء الأساسية- فإذاً يمثل الزاد والراحلة في وقتنا الحاضر القدرة على دفع أجرة حملة الحج, من كان طالباً مثلاً ما عنده إلا مكافئة الجامعة وليس عنده أجرة حملة الحج هل يجب عليه أن يطلب من والده تحجيجه؟ لا يجب، إن قام والده بتحجيجه وكانت أموره ميسورة ودفع أجرة الحج عن ابنه فهذا حسن وإلا لا يجب عليه؛ لأن الحج لا يجب على هذا الطالب ما دام أنه غير مستطيع, فإذاً يمثل الزاد والراحلة في وقتنا الحاضر أن يكون قادراً على أجرة حملة الحج.

قوله:( فاضلا عما يحتاج إليه لقضاء دينه) ففاضلاً يعني زائداً عما يجب عليه لقضاء دينه, فأفادنا المؤلف بأن الدين مقدم الحج, فمن كان عليه دين حال فيجب عليه تسديد هذا الدين وليس له أن يحج وعليه دين لماذا؟ لأن هذا المال الذي سوف يحج به هو مستحق للدائن أصلاً كأنه حج بمال غيره, يعني لو كان عنده ستة آلاف ريال وهو مدين مثلاً بستة آلاف ريال أو بأكثر لزيد من الناس هذه الستة آلاف ريال التي سوف تحج بها هي أصلاً مستحقة لزيد كأنه حج بمال غيره, فليس له الحج في هذه الحال إلا أن يستأذن الدائن فإن أذن له الدائن جاز له أن يحج، لكن مع ذلك لو حج من غير استئذان فحجه صحيح لكنه يأثم بهذا، يأثم بمماطلته سداد الدين مع قدرته على ذلك فيقال له هذا المبلغ الذي حججت به كان الأولى أن تسدد به الدين لذي عليك؛ لأن الحج غير واجب عليك والدين واجب قضاءه عليك, ليس من الحكمة أنك تماطل في سداد الدين وتحج حجاً لم يوجبه الله عليك.

 هذا إذا كان الدين حالاً أما إذا كان الدين مؤجلاً فقد اختلف العلماء هل له أن يحج أم لا والأقرب أن له أن يحج؛ لأن الدين لم يحل بعد, ولأن الدين غير مستحق للدائن هو قد حج بماله وليس بمال غيره، فمن كان عليه أقساط للبنك أو أقساط لشركة أو ديون مؤجلة هذه لا تمنع من الحج, إنما الذي يمنع من الحج هو الدين الحال, هذا ليس له أن يحج وعليه دين حال حتى يسدده أو يأذن له الدائن بذلك.

قوله: (ومؤونة نفسه وعياله على الدوام) يعني أن يجد فاضلاً على مؤونة نفسه وعياله على الدوام, فإن كان لا يجد مؤونة نفسه وعياله على الدوام لم يجب عليه الحج يكون غير مستطيع وقوله: (على الدوام) أي أن يكون له مصدر رزق مستمر, بأن يكون له راتب وظيفة أو عقار يؤجره أو صنعة يعمل منها أو نحو ذلك, ولكن هذا القيد الذي ذكره المؤلف محل نظر والأقرب أنه يشترط أن يكون عنده من النفقة ما يقوم بكفايته وكفاية عياله ولو لم يوجد عنده مصدر رزق على الدوام, فإذا كان مثلاً عنده عشرون ألفاً عشرة آلاف تكفيه هو وعياله ويحج بستة آلاف وجب عليه الحج ولا يشترط أن يكون ذلك على الدوام.

 وعلى المسلم إذا كان قادراً على الحج أن يبادر بالحج فإن الإنسان لا يدري ماذا يعرض له فقد يكون أجله قريب ولا يشعر قد يصاب بإعاقة تمنعه من الحج والعوارض كثيرة, وكثيراً ما تأتي استفتآت عن أناس فرطوا ولم يحجوا ثم ماتوا ويسأل عنهم أهاليهم ماذا نعمل؟ ومن أعجب الأسئلة التي وردت إلي أن رجلاً كان قادراً على الحج ولكنه كان يؤخره ويؤخره حتى قدر الله عليه وأصيب بفشل كلوي وأصيب أيضاً بأمراض أخرى فأصبح طريح الفراش غير قادر على الحج وهو يتحسر من أنه كان قادراً على الحج ولم يحج ولكن كان يسوف كل سنة السنة التي بعدها حتى أصيب بهذه الأمراض التي أعاقته عن الحج أصبح يذكر هذا بحسرة كان يؤمل أن يعيش عمراً طويلاً وأن يكون سالماً من الأمراض ولكن الإنسان لا يدري ماذا يعرض له فعلى الإنسان المبادرة بأداء هذا الركن وهذه العبادة العظيمة؛ ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: «تعجلوا إلى الحج- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» والعجب من إنسان يكون أنعم لله عليه بالصحة وأنعم الله عليه بالمال ومع ذلك تجد أنه لم يحج بعد حج الفرضة ماذا ينتظر مثل هذا الشخص؟!! هل ينتظر أن يفجأه الموت و يلقى ربه وهو قد ترك ركناً من أركان الإسلام؟!! أو تأتيه إعاقة فتمنعه؟!! هذا من التفريط العظيم إذا كان يماطل في أداء ركن من أركان الإسلام فكيف بغيره.

قوله: (ويشترط للمرأة وجود محرمها وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو بسبب مباح)

المحرم للمرأة بعضهم يعتبره شرطاً مستقلاً وبعضهم يدخله في شرط الاستطاعة, والأقرب دخوله في شرط الاستطاعة, فالمرأة التي لا تجد محرماً هي غير مستطيعة فلا يجب عليها الحج ولكن إذا كانت المرأة مع رفقة مأمونة ويتعذر وجود المحرم بالنسبة لها أو يصعب جداً مثل الخادمات التي في المملكة هذه خادمة أتت للخدمة والعمل في المنزل وتريد أن تحج ماذا نقول لها؟ والمحرم هنا غير موجود وتعلم أنها إذا رجعت إلى بلدها فرصة كونها تحج ضعيفة جداً إن لم تكن معدومة ؛لأن الآن عدد الحجاج الذين يحجون أقل من ربع واحد بالمائة من المسلمين, المسلون كم؟ مليار ونصف لو قلنا يحج واحد بالمائة كم يكون العدد؟ خمسة عشر مليون طيب نصف واحد بالمائة؟ سبعة ملايين ونصف, ربع واحد بالمائة؟ الآن الذين يحجون أقل من ربع واحد بالمائة هذه المرأة إذا رجعت إلى بلدها ففرصة كونها تحج مرة أخرى فرصة ضعيفة جداً أو معدومة فهل نقول لها أن تحج بدون محرم أو لا تحج ونقول هي غير مستطيعة؟

هذه المسألة محل خلاف من قديم حج المرأة مع الرفقة المأمونة, فمن العلماء من قال إن المرأة إذا لم تجد محرماً لم يجب عليها الحج لكونها غير مستطيعة هذا هو المذهب عند الحنابلة, وقالوا أن الله إنما أوجب الحج على المستطيع ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ والمرأة التي لا تجد محرماً هي ففي الحقيقة غير مستطيعة.

والقول الثاني في المسألة: أن المرأة إذا وجدت الرفقة المأمونة جاز لها أن تحج بدون محرم وهذا هو مذهب المالكية والشافعية, واستدل أصحاب هذا القول بما جاء في صحيح البخاري وغيره أن أزواج النبي ﷺ حججن بعد وفاته في عهد عمر, حججن بدون محارم لكن كانت الرفقة مأمونة, وهذا هو القول الأقرب والله أعلم أنه إذا وجدت رفقة مأمونة جاز للمرأة أن تحج بدون محرم, لكن بهذا الشرط أن تكون الرفقة مأمونة وهذا اختيار الإمام ابن تيمية -رحمه الله- وخاصة في الوقت الحاضر مع وجود حملات الحج تكون مرتبة تحج مع نساء ويكون هناك أمن من وقوع الفتنة, فالأظهر والله أعلم أن المرأة التي لا تجد محرماً لا يجب عليها الحج لكنها لو حجت مع رفة مأمونة جاز ذلك ولم تأثم هذا هو الأقرب في تفصيل هذه المسألة, هي لا يجب عليها الحج لكونها لم تجد محرماً ولكن لو حجت لصح ذلك ولم تأثم؛ لكونها إنما حجت مع الرفقة المأمونة؛ لأن حج أزواج النبي ﷺ بدون محارم في عهد عمر هو كالإجماع من الصحابة على ذلك؛ ولأن اشتراط المحرم هو من باب سد ذريعة الفتنة فإذا وجدت رفقة مأمونة وهم في سفر طاعة فلا بأس بذلك خاصة في المرأة التي يصعب عليها وجود المحرم, فمثلاً الخادمات هنا يصعب وجود المحرم، ثم هذه الخدمة بين أمرين إما أن تحج بدون محرم وتحصل المصالح العظيمة المترتبة على الحج من مغفرة الذنوب ومن عظيم الأجر والثواب ومن منافع الحج العظيمة, أو أنها لا تحج خشية الفتنة بسبب عدم وجود المحرم؟! فنجد أن المفسدة المترتبة على عدم وجود المحرم هي أقل بكثير من المصالح المترتبة على حجها, فالأقرب أنه إذ وجدت رفقة مأمونة جاز للمرأة أن تحج بدون محرم كما هو اختيار ابن تيمية وجمع من المحققين من أهل العلم.

سأل أحد الطلاب: يحتمل أن أمهات المؤمنين حججن بمحارمهن؟

قال الشيخ: لا, ذكر الشراح أنه ليس لهن محارم قالوا: معهن عبدالرحمن بن عوف وإن وجد محرم لبعضهن لم يوجد محارم للجميع.

عرف المؤلف المحرم قال: (وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو بسبب مباح) فالمحرم هو زوج المرأة.

 وأيضاً من تحرم عليه على التأبيد: بنسب يعني بقرابة كابن المرأة وأبها وأخيها وعمها وخالها, هؤلاء كلهم محارم للمرأة.

وأيضاً من تحرم بسبب مباح, والمراد بالسبب المباح: الرضاع والمصاهرة, بأن يكون مثلاً ابنها من الرضاع أو أخوها من الرضاع, أو مصاهرة كأب زوجها أو ابن زوجها أو زوج ابنتها ونحو ذلك هؤلاء كلهم محارم للمرأة فهذا هو تعريف المحرم.

لاحظ أن تعريف المحرم يذكره فقهاء الحنابلة في هذا الموضع, يعني لا تجده في كتاب النكاح يذكرونه في كتاب الحج هنا, فإذاً ما هو تعريف المحرم؟ يذكرون هذ التعريف: هو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو بسبب مباح احفظ هذا التعريف هذا هو تعريف المحرم.

وعند الجمهور يشترط له البلوغ, أن يكون بالغاً عاقلاً.

وذهب المالكية إلى أنه يشترط أن يكون عاقلاً تحصل به الكفاية ولا يشترط أن يكون بالغاً, فإذا كان قد راهق البلوغ يعني عمرة ثلاث عشرة أو أربع عشرة لكن تحصل به الكفاية صح أن يكون محرماً, وهذا هو القول الراجح؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على اشتراط البلوغ وإنما المقصود من المحرم هو حصول الكفاية؛ لأن المحرم بالنسبة للمرأة يحميها من أن يطمع فيها من في قلبه مرض فهو أولاً: يوفر لها الحماية ثانياً: أن هذه المرأة إذا كان معها محرمها فإنها تهاب ولا يتعرض لها أحد بخلاف المرأة التي بدون محرم تكون محل مطمع لمن في قلبه مرض من الرجال ويتجرؤون عليها, وهذا أمر واقع تجد المرأة التي تمشي ومعها محرمها تجد أن لها هيبة ما أحد يتعرض لها ولا حتى أحد ينظر إليها مجرد نظر فضلاً عن التحرش بها, بخلاف المرأة التي تمشي بدون محرم فهذه ربما طمع فيها من في قلبه مرض, والمحرم قد وردت به النصوص المتواترة ولذلك من أنكر المحرم فإنه قد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة هذا هو شرع الله عز وجل ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾

قوله: (فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة)

من فرط فمات مع قدرته على الحج فيجب أن يخرج عنه من تركته حجة وعمرة, هذا رجل كان قادراً على الحج وفي كل عام يسوف إلى العام الذي بعده حتى أدركه الموت فمات ولم يحج مفرطاً فهنا وجب في ذمته الحج والعمرة, فيجب على ورثته أن يخرجوا عنه حجة وعمرة يعني يقيموا من يحج عنه ومن يعتمر عنه بأجرة, وتدفع الأجرة من تركته وهذه الأجرة مقدمة على الميراث, طيب هل هي مقدمة على الوصية؟

 الحج والعمرة نريد الآن توصيفها الفقهي: هي دين, أجرة الحج وأجرة العمرة تعتبر ديناً في ذمة الميت ولكنها دين لله عز وجل؛ لأن الدين إما أن يكون ديناً لآدمي أو دين لله, طيب أيهما يقدم الدين أو الوصية؟ الدين بالإجماع مع أن الله تعالى قال: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ ولكن قال العلماء أن الله تعالى قدم الوصية بالذكر من باب الاهتمام بشأنها؛ لأن الغالب على الورثة التساهل فيها, لكن عند جميع العلماء أن الدين مقدم على الوصية, الدين إما أن يكون ديناً لله أو ديناً للآدمي وكلاهما مقدم على الوصية, الحج ماذا نصنفه؟ هو دين لله فإذاً الحج داخل في الدين فيجب إذاً أن يخرج عن هذا الميت الذي قد فرط ولم يحج أن يخرج عنه أجرة الحج وأجرة العمرة من تركته قبل الوصية وقبل تقسيم التركة.

سأل أحد الطلاب: إذا تزاحم دين الله ودين الآدمي ماذا نقدم؟

قال الشيخ: هذه مسألة اختلف فيها العلماء والصحيح أنه يقدم دين الآدمي؛ لأن دين الله مبناه على المسامحة ودين الآدمي مبناه على المشاحة.

قال المصنف رحمه الله: (ولا يصح من كافر ولا مجنون ويصح من الصبي والعبد ولا يجزئهما عنهما ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم)

هنا انتقل المؤلف إلى الكلام عن شروط الوجوب والصحة, وقد ذكر الشرط الأول: وهو الاستطاعة والشرط الثاني: الإسلام ولهذا قال: (ولا يصح من كافر) فالكافر لا يصح من الحج لو حج ولا يجب عليه؛ لأن الحج يشترط لصحته النية والنية لا تصح من كافر؛ ولأن الله تعالى إذا كان في شأن الزكاة قال: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ فالحج من باب أولى, لكن الكافر يحاسب على ترك الحج كما يحاسب على ترك الصلاة أو ترك الزكاة أو ترك الصيام وترك سائر الواجبات الشرعية كما قال الله تعالى عن المجرمين: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ إلى أن قال: ﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾ فهم كفار ومع ذلك حوسبوا على ترك الصلاة وإذا حوسبوا على ترك الصلاة فيحاسبون على ترك الحج وترك الصيام وترك سائر الواجبات الشرعية .

قوله: (ولا مجنون) وهذا الشرط الثالث: وهو العقل, فالمجنون لا يعقل النية والحج يشترط لصحته النية.

قوله: (ويصح من الصبي والعبد ولا يجزأهما عنهما) الصبي لا يجب عليه الحج لكنه لو حج صح منه لكن لا يجزأه عن حجة الإسلام, وهكذا العبد فالصبي والعبد يصح منهما الحج لكن لا يجزأهما عن حجة الإسلام, وقد جاء هذا في حديث طارق بن أشهم «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» وهو حديث له شواهد وطرق متعددة.

الصبي إذا كان مميزاً فهو يعقل النية؛ ولذلك تصح منه الصلاة ويصح منه الصيام ويصح منه الحج لكن لا يجزأه ذلك عن حجة الإسلام, لكن إذا كان اصبي غير مميز فهل يصح منه الحج؟ طفل عمره سنة يصح منه الحج أم لا؟

قال أحد الطلاب: نعم يصح والدليل حديث المرأة التي رفعت صبيها.

قال الشيخ: لكن كيف يصح منه وهو لا يعقل النية؟

قال الطالب: هذا خاص بالحج.

قال الشيخ: أحسنت الحج يختص من بين سائر العبادات بأنه يصح من الصبي غير المميز, لاحظ الحج له خصوصية ببعض المسائل من ضمنها هذه المسألة, يعني بعض المسائل لو أردت أن تضع فيها قواعد تجد أن الحج يختلف عنها ويخرج عن هذه القواعد, من المعلوم أن العبادات لا تصح إلا بنية لكن الحج خرج عن هذا فيصح من الصبي غير المميز مع أنه لا يعقل النية, والدليل لهذا حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن امرأة رفعت صبياً للنبي ﷺ وقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» رواه مسلم. "رفعت صبياً" ولم يقل النبي ﷺ هل هذا الصبي مميز أو ليس مميزاً, كلام عامة أهل العلم على هذا على أن الحج يصح من الصبي وإن كان غير مميز لكن قالوا أنه يعقد النية عنه وليه, وهذه هي العبادة الوحيدة التي تصح من الصبي غير المميز, وأما بالنسبة للعبد فيصح منه الحج لكن إذ عتق عليه حجة أخرى.

قوله: (ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم) يعني شرط الاستطاعة هو ليس شرط صحة وإنما شرط وجوب, بمعنى أن من لم يستطع لا يجب عليه الحج لكن لو حج أجزأه فهو ليس شرط صحة, وهكذا أيضاً وجود المحرم ليس شرط صحة.

 فيمكن أن نصنف شروط الحج إلى شروط وجوب وصحة وإلى شروط جوب وإجزاء:

1- فشرط الوجوب والصحة: الإسلام والعقل.

2- وأما شرط الوجوب والإجزاء: فالاستطاعة[شرط وجوب] والبلوغ[شرط وجوب وإجزاء], وقلنا إن وجود المحرم بالنسبة للمرأة داخل في الاستطاعة.

قال المصنف -رحمه الله-: (ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذره أو عن نفله وفعله قبل حجة الإسلام وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره)

إذا حج عن غيره ولم يحج عن نفسه وقع الحج عن نفسه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة فقال النبي ﷺ: «ومن شبرمة؟» قال: قريب لي قال: «هل حججت عن نفسك؟» قال: لا قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» أخرجه أبو داود وابن ماجة, والصحيح أنه موقوف على ابن عباس؛ لهذا قال الإمام أحمد: رفعه خطأ. وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه. فالصحيح أنه موقوف على ابن عباس لكن عليه العمل عند أهل العلم أن من حج عن غيره ولم يحج عن نفسه وقع الحج عن نفسه.

وهكذا إن كان نذر أن يحج نفلاً ولم يفي بنذره بعد فإن هذا الحج الذي شرع فيه ينقلب إلى أن يكون الحج له إما حجة الإسلام أو الحجة التي نذرها.

ثم تكلم المؤلف بعد ذلك عن المواقيت نستمع أولا لعبارة المصنف:

(باب المواقيت

وميقات أهل المدينة ذو الحليفة وأهل الشام والمغرب ومصر الجحفة واليمن يلملم ولنجد قرن وللمشرق ذات عرق فهذه المواقيت لأهلها ولكل من يمر عليها ومن منزله دون الميقات فميقاته من منزلة حتى أهل مكة يهلون منها لحجهم ويهلون للعمرة من أدنى الحل ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه.)

المواقيت المراد بها هنا: المواقيت المكانية والمواقيت الزمانية, والمؤلف قد ذكر القسمين جميعاً فبدأ أولاً بالمواقيت المكانية:

قال: (ميقات أهل المدينة ذو الحليفة) ذو الحليفة وادٍ ويسمى الآن أبيار علي, وقد وصل إليه في الوقت الحاضر عمران المدينة بل إن عمران المدينة تجاوزه, وهو أبعد المواقيت يبعد عن مكة قرابة أربع مائة كيلو.

قال: (وأهل الشام والمغرب ومصر الجحفة) الجحفة قرية خربة دعا النبي ﷺ بأن تنقل إليها حمى المدينة, فإن الصحابة لما أتوا إلى المدينة أصابتهم الحمى فدعا النبي ﷺ وقال: «اللهم حبب إلينا المدينة وانقل حماها إلى الجحفة» والجحفة كانت قرية يسكنها اليهود فانتقلت الحمى إليها ثم بعد ذلك أصبح الناس لا يسكنون فيها, خربت وأصبح الناس يحرمون من رابغ وهي بلدة قريبة محاذية للجحفة, وسمعت أنه في الوقت الحاضر في السنوات الأخيرة أنه أنشأ مسجد في الجحفة وأصبح الناس يحرمون منه, يعني يحرمون من الجحفة ومن رابغ وتبعد عن مكة قرابة مأتي كيلو.

قال: (واليمن يلملم) وهو واد كبير متسع ويسميه بعض الناس بالسعدية, ويبعد عن مكة مرحلتين يعني قرابة ثمانين كيلو متر.

قال: (ولنجد قرن) قرن المنازل ويسمى الآن بالسيل الكبير ويبعد قرابة ثمانين كيلو متر, وفي أعلاه وادي مَحْرَم وهو الذي في الهدى بالطائف, فوادي محرم في الحقيقة أعلى ميقات قرن وليس محاذياً له بل هو أعلى الميقات فالميقات وادٍ متسع أعلاه وادي محرم, ولذلك وضع مسجد هنا وهنا ويحرم الناس من السيل ومن وادي مَحْرَم فلك أن تحرم من هذا أو من هذا, وأنت ذاهب من الرياض يأتيك أول ما يأتيك السيل لكن لو دخلت مدينة الطائف وأردت أن تنزل عن طريق الهدى طريق كرى فتحرم من وادي محرم وادي محرم هو أعلى وادي قرن المنازل.

قال: (وللمشرق ذات عرق) أتى أهل العراق إلى عمر وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ حدّ لأهل نجد قرناً وإنها جور عن طريقنا فقال: انظروا إلى حذوها من طريقكم فحدّ لهم ذات عرق. وجاء في حديث عائشة أن النبي ﷺ حد لأهل العراق ذات عرق. ويجمع بينهما أن عمر لم يعلم بتحديد النبي ﷺ فاجتهد ووافق اجتهاده تحديد النبي ﷺ, وهذا ليس بغريب على عمر فقد وافقت اجتهادات كثيرة بعض الآيات القرآنية, وذات عرق كان شعباً لا يحرم منه أحد لكن في السنوات الأخيرة مهد إليه طريق ووضع فيه مسجد وأصبح بعض الناس يحرمون منه.

فإذاً المواقيت حددها النبي ﷺ وفيها آية من آياته؛ لأن بعض هذه البلدان لم تفتح في عهده ﷺ فمثلاً الشام لم تفتح في زمن النبي ﷺ ولا مصر ولا العراق ولكن الله أعلمه ﷺ بأن هذه ستفتح وتصبح بلاداً إسلامية فحددها, هذه من آياته النبي ﷺ.

قال: (فهذه المواقيت لأهلها ولكل من يمر عليها)؛ لقول النبي ﷺ لما حدد هذه المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة» فلو أنك مثلاً ميقاتك الأصلي هو قرن المنازل لكنك ذهب عن طريق الحجفة وأحرمت منه لا بأس أو ذهبت عن طريق يلملم وأحرمت منه لا بأس أو عن طريق ذو الحليفة, فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن.

قال: (ومن منزله دون الميقات فميقاته من منزله) من كان دون ميقات من المواقيت يحرمون من بيوتهم, فأهل جدة مثلاً يحرمون من بيوتهم من جدة, أهل بحرة يحرمون من بحرة وهكذا سائر البلدان التي دون المواقيت يحرمون من بيوتهم.

قال: (حتى أهل مكة يهلون منها لحجهم ويهلون للعمرة من أدنى الحل) أهل مكة بالنسبة للحج فأيضاً يحرمون من بيوتهم, ويهلون للعمرة من الحل فالعمرة ليس لأهل مكة أن يحرموا من الحرم وإنما لابد من الخروج خارج حدود الحرم؛ لأن العمرة معناها في الأصل الزيارة ولا يكون الإنسان زائراً للحرم إلا إذا قدم إليه من خارج الحرم, ولذا لابد أن يخرج خارج حدود الحرم إلى الحل فيحرم من الحل, ومما يدل لهذا ما جاء في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها لما طلبت من النبي ﷺ أن تعتمر بعد حجها فأخبرها النبي ﷺ بأن الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة يسعان لحجها وعمرتها لكنها أبت, هي أتاها الحيض في حجة الوداع ولم تطهر حتى أتى يوم عرفة والحيض مستمر معها, فأمرها النبي ﷺ أن تقلب التمتع إلى قران فتصبح قارنة ففعلت ولم تطب نفسها بهذا وقالت: صويحباتي -تعني جاراتها أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ- يرجعن بحج وعمرة وأنا أرجع بحج, بين لها النبي ﷺ بأنها أيضاً ترجع بحج وعمرة لكنها قارنة لكنها رضي الله عنها رأت أن القران أدنى في الفضل من التمتع فأرادت أن تعوض فاستأذنت النبي ﷺ في أن تعتمر, يقول جابر رضي الله عنه: وكان رجلاً سهلاً -يعني النبي ﷺ- إذا هوت الشيء طاوعها عليه. فأذن لها النبي ﷺ بأن تعتمر لكنه أرسل معها أخاها عبدالرحمن ليكون محرماً لها فذهب بها إلى التنعيم إلى المكان الذي فيه الآن مسجد عائشة رضي الله عنها وأحرمت بعمرة وأتت بهذه العمرة فدل هذا على أن أهل مكة ومن كان مقيماً فيها عندما يريد أن يأتي بعمرة فلابد من أن يخرج خارج حدود الحرم؛ لأنه لوكان يسع من كان في مكة أن يأتي بالعمرة من داخل الحرم ما أمر النبي ﷺ عائشة رضي الله عنها بأن تخرج إلى خارج الحرم إلى الحل وكان ذلك ليلاً وعليها مشقة وصعوبة وأمر معها عبدالرحمن يذهب معها محرماً لها وهذا يدل على أنه لابد لمن كان بمكة أو كان مقيماً بمكة وأراد العمرة لابد من أن يحرم خارج حدود الحرم, وأقرب وأدنى الحل هو التنعيم الذي فيه مسجد عائشة رضي الله عنها, لكن لا يتعين فيمكن أن يحرم من عرفة مثلاً عرفة من الحل أو يحرم من الشرائع من جهة الحل أو نحو ذلك مما هو خارج حدود الحرم.

قوله: (ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه) يعني من حاذا ميقاتاً من هذه المواقيت جاز له أن يحرم منه, وعلى هذا فمن حاذا هذه المواقيت وهو في الطائرة جاز له أن يحرم وهو في الطائرة لكن أنبه هنا إلى قضية مهمة وهي أن من أراد الإحرام عن طريق الطائرة فعليه أن يستحضر أن الطائرة تسير بسرعة كبيرة جداً قد تصل إلى ثمان مائة كيلو أو ألف كيلوا أو أكثر في الساعة, والمواقيت محدودة هي أودية وأماكن ليست كبيرة ومعنى ذلك أن الدقيقة الواحدة مؤثرة في سير الطائرة, الطائرة تسير بسرعة ألف كيلو فكم تحتاج من الوقت لكي تقطع وادياً من الأودية وادي قرن أو وادي يلملم؟! ربما تحتاج إلى ثواني نص دقيقة أو أقل فمعنى ذلك أن الدقيقة مؤثرة, وعلى هذا فمن يحرم في الطائرة ينتبه لهذا وعليه أن يستعد قبل محاذاة الميقات, وقد لاحظت من خلال سبري لتنبيه المسؤولين في الطائرة عدم الدقة بدليل أنه ينبه في أول الرحلة أننا سنحاذي الميقات عند الساعة كذا ثم بعد نصف ساعة يعطيك توقيت آخر قد يزيد دقيقتين أو يقل والدقيقة والدقيقتان مؤثرة وأحياناً يكون الفرق أكثر من دقيقتين أحياناً يكون خمس دقائق وهذه مؤثرة وهذا يدل على عدم الدقة, فعلى المسؤولين عن الطائرات أن يتقوا الله عز وجل وأن يتحروا الدقة في تنبيه ركاب الطائرة على محاذاة الميقات وأن يحددوا لهم الميقات بدقة بأننا حاذينا الميقات الآن أو سنحاذيه في الساعة الفلانية ساعة كذا بدقة؛ لأن الدقيقة الواحدة مؤثرة, فلو أنه تأخر فقط دقيقة واحدة لربما تجاوز الميقات من غير إحرام, -وكنت أنبه على هذا في دروس ومحاضرات سابقة- لكن أنت أمام واقع فينبغي أن تحرم قُبيل الإعلان عن محاذاة الميقات لماذا؟ لأن الإحرام قبل الميقات غايته أنه مكروه والإحرام بعد الميقات لا يجوز ويترتب عليه دم, فإذا لم تستطع أن تحقق محاذاة الميقات بدقة فكونك تحرم قبل الميقات خير من كونك تحرم بعد الميقات, والكراهة هنا تزول للحاجة ولذلك قدم قبل الإعلان بدقيقتين ثلاث أحرم بالعمرة أو بالحج قل اللهم لبيك عمرة أو اللهم لبيك حجاً, فهذه مسألة دقيقة هذه من دقائق المسائل التي قل أن ينتبه لها كثير من الناس, فالإحرام عن طريق الطائرة يحتاج إلى الدقة فإن لم تتحقق الدقة ينبغي أن تحتاط وأن تحرم قبيل الإعلان بدقائق, وجدة هي داخل المواقيت وأنا أعجب ممن يعتبر جدة ميقاتاً؛ لأنك إذا أتيت بالطائرة من أي جهة ماعدا جهة الغرب لا بد أن تحاذي أحد المواقيت, لابد إذا أتيت من جهة الشمال أو من جهة الجنوب أو من جهة الشرق لابد أن تحاذي أحد المواقيت إلا إذا أتيت من جهة الغرب من بلدة سواكن بالسودان فهنا يقول الفقهاء بإمكانك أن تصل جدة من غير أن تحاذي ميقاتاً من المواقيت, ولهذا أهل السودان إذا أتوا عن طريق ميناء سواكن يجوز لهم الإحرام من جدة فقط أهل سواكن ومن أتى عن طريق سواكن بالسودان لهم أن يحرموا عن طرق جدة ومن عداهم فلابد أن يحاذي أحد المواقيت ليس لهم أن ينتظروا حتى تهبط الطائرة في جدة؛ لأنه إذا فعل ذلك فيكون قد تجاوز الميقات بدون إحرام.

 

ونكتفي بهذا القدر

***

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامي - الثلاثاء 15-6-1438