الخثلان
الخثلان
فصل: كيفية الصلاة على الميت
18 جمادى الأولى 1438 عدد الزيارات 1506

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل، وكنّا قد وصلنا إلى كتاب الجنائز، ووصلنا إلى الصلاة على الميت.

قال المصنف رحمه الله: "فَصْلٌ: في الصلاة يَقِفُ الإِمَامُ عِنْدَ صَدْرِ الذَّكَرِ، ووسْطَ الأُنثَى".

بيّن المصنف رَحِمَهُ اللهُ موضع وقوف الإمام، والصلاة على الجنازة، فقال: إنه يقفُ عند صدر الذكر، وهذا هو المذهب عند الحنابلة؛ أنه يقف عند صدر الرجل لا عند رأسه.

والقول الثاني: أنه يقف عند رأس الذكر، وليس عند صدره، وهذا هو القول الراجح، ويدل له حديثُ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه صلى على جنازة رجلٍ فقام عند رأسه، وعلى امرأةٍ فقام وسْطها، وقال: هكذا رأيتُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل. أخرجه أبو داود والترمذي.

وقال الموفق ابن قدامة: بأن الرأس قريب من الصدر، يعني كأنه يشير إلى أن القولين متقاربان.

قال: الرأس قريبٌ من الصدر فالواقف عند أحدهما واقفٌ عند الآخر، ولكن هذا محل نظر، هناك فرق بين الرأس، وبين الصدر، القول: بأن من وقف عند أحدهما كأنه واقفٌ عند الآخر هذا غير مسلّم، وإنما لا بد من الترجيح في هذه  المسألة.

الأقرب للسنة أنه يقف عند رأس الذكر، وليس عند صدره.

وأما بالنسبة للأنثى فيقف عند وسطها، قد جاء في الصحيحين عن سمرة بن جندب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: صليت وراء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على امرأةٍ ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها.

وهذه هي السنة في وقوف الإمام.

قال: "وَفَرْضُهَا".

قبل هذا إذا اجتمعت عدة جنائز فيُقدم الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء؛ لأنه هكذا يكون ترتيبهم في الصلاة المكتوبة، فيكون ترتيبهم كذلك عند اجتماع الجنائز، ويقف الإمام عند رأس الذكر ووسط الأنثى.

وإذا كانت الجنائز من جنسٍ واحد؛ كأن تكون جميع الجنائز رجال، أو جميع الجنائز نساء، فيُقدم أفضلهم في دينه إلى الإمام؛ لأن الأفضل هو الذي يلي الإمام في الصلاة المكتوبة، لقول النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى».

فإن تساووا في الفضل أو جُهل فيُقدّم الأكبر، قد نصّ على هذا الإمام أحمد في رواية الميموني.

فإن جُهل ذلك كله، وهذا يحصل، يُؤتى بهم للمسجد ولا يُدرى أيهم أفضل لدينه ولا أيهم أكبر سنًّا، فيُقدم الأسبق فالأسبق، إذا جُهل ذلك كله فيُقدم الأسبق فالأسبق.

نعم؟

الطالب: ...

الشيخ: فقط على سبيل الأولوية.

قال: "وَفَرْضُهَا أن يُكَبِّرَ نَاوِيًا".

يعني يكبِّر أربع تكبيرات مع النية؛ لأن النية شرط لصحة جميع العبادات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى».

وقوله: "أن يكبِّر" يعني التكبيرة الأولى.

"ثُمَّ يَقْرَأَ الحَمْدَ".

يعني ثم يقرأ سورة الفاتحة؛ فإن سورة الفاتحة من أسمائها: الحمد، وذلك بعد التعوذ والبسملة.

ولا يُسن افتتاح صلاة الجنازة بدعاء الاستفتاح؛ لأنها صلاةٌ يُشرع فيها التخفيف فلم يُشرع فيها دعاء الاستفتاح.

قال أبو داود: سمعتُ أحمد يُسأل عن الرجل يستفتح في الصلاة على الجنازة، قال: ما سمعتُ.

يعني أن هذا لم يرد فيما بلغه.

وبناءً على هذا، الصلاة على الجنازة يكبِّر ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يبسمل (بسم الله الرحمن الرحيم)، ثم يقرأ الفاتحة.

قال: "ثم الحمد" يعني سورة الفاتحة.

والمحفوظ أنه يكتفي بقراءة سورة الفاتحة كما في صحيح البخاري عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليتُ خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها سُنة.

وجاء في رواية أن ابن عباس قرأ بالفاتحة وسورة، لكن هذا غيرُ محفوظ كما قال البيهقي، فالمحفوظ هو رواية البخاري وهو الاكتفاء بقراءة سورة الفاتحة فقط.

الطالب: ...

الشيخ: نعم، ما يُجهر بها، تُقرأ من غير جِهار.

إذًا هذا الأول أنه يقرأ سورة الفاتحة، "ثُمَّ يُكَبِّرَ -يعني التكبيرة الثانية- فَيُصَليَ على مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كالتَّشَهُّد".

أي يأتي بالصلاة الإبراهيمية، وهي: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد». أو بأي صفةٍ وردت.

"ثُمَّ يُكبِّرَ -الثالثة- وَيَدعُوَ لِلمَيِّتِ".

والأفضل أن يأتي بما وردَ، ومما ورد ما جاء في صحيح مسلم عن عوف بن مالك، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفظتُ من دعائه: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسِّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونقّه من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب النار وعذاب القبر».

قال عوفُ بن مالك: حتى تمنيتُ أن أكون أنا ذلك الميت؛ لأن هذا دعاء عظيم من النبي عليه الصلاة والسلام.

فهذا أصح ما وردَ؛ لأنه جاء في صحيح مسلم.

وهنا أورد بعض العلماء إشكالًا، وهو: ما إذا كان المتوفى امرأة، فإن قوله: «وأبدله زوجًا خيرًا من زوجه»، أما الرجل فالأمر ظاهر؛ لأنه زوج الحور العين، لكن المرأة في الجنة يكون زوجها في الدنيا هو زوجها في الجنة.

والجواب عن هذا الإشكال: أن الإبدال كما يكون في الأعيان فإنه يكون في الصفات، فتبديل الأعيان كأن تقول: أبدلتُ هذا البعير بشاة، وأما تبديل الصفات، فكما في قول الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48].

فالأرض تُبدل في صفتها، فتُمد هذه الأرض، وهي الآن كروية لكنها يوم القيامة تُمد، {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)} [الانشقاق: 3]، وإنزال ما عليها من جبال، فتُبدل في الصفة.

فإذن التبديل يكون في الذات ويكون في الصفات، فيُحمل التبديل الوارد في هذا الحديث على تبديل الصفات، فيكون المعنى «أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها»؛ يعني بأن يكون فيه صفاتٌ حسنة، غير الصفات التي كانت موجودةً في الدنيا، فإنه يوم القيامة يُنزع الغل من أهل الجنة، وينعمون نعيمًا عظيمًا، فلا يكون بينهم تحاسدٌ ولا غل ولا شحناء ولا خصومات. هذا هو أقرب ما قيل في الجواب عن هذا الإشكال.

وظاهر الأدلة أيضًا أن المرأة في الجنة تكون أجمل من الحور العين، وأنها تكون لزوجها في الدنيا، وأن ما قد يقع بينهما من خصومات ومشاكل ومشاحنات في الدنيا كلها تزول يوم القيامة، فيُبدل زوجها بزوج آخر مختلف عن زوجها الذي في الدنيا في صفاته، لكن يبقى النظر أيضًا إذا تزوجت المرأة بأكثر من زوج، فلمَن تكون؟

وردَ أنها تكون لآخرهم زوجًا، لآخر الأزواج، ولهذا وردَ عن بعض الصحابة أنه طلبَ من زوجته ألا تتزوج بعد وفاته لتكون هي زوجته في الجنة.

وإذا كانت المرأة لا زوجَ لها، فإن الله تعالى يرزقها بزوجٍ في الجنة، إما برجالٍ لم يكونوا متزوجين في الجنة أو بغير ذلك. المهم أن الله تعالى يرزقها بزوج.

ولذلك جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في الجنة أعذب». لا من الرجال، ولا من النساء.

هذا الجواب عن الإشكال: قوله: «وزوجًا خيرًا من زوجه».

وأيضًا مما ورد من الأدعية ما جاء في حديث أبي هريرة: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ». هذا عند أبي داود والترمذي.

وجاء في حديث أبي هريرة أيضًا: «اللهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا، وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ». ونحو ذلك مما ورد، ولو أتى بأدعية من غير ما ورد فلا بأس؛ لأن المقامَ مقامُ دعاءٍ للميت.

لكن إذا كان الميتُ لم يبلغ الحلم، طفلًا صغيرًا لم يبلغ الحلم، فإنه يُدعى لوالديه بأن يكون شفيعًا لهما، ولهذا ينبغي للإمام أن ينبه على نوع الجنائز، فإذا كان معهم طفل يقول.. الطفل أو الأطفال حتى يُدعى لوالديه بالشفاعة، بأن يكون هذا الطفل شفيعًا لوالديه.

لو كانت الجنازة على طفل فقط، الصلاة على الجنازة كانت الجنازة لطفل فقط، فهل يُدعى للطفل بالمغفرة؟

لا يُدعى له بالمغفرة؛ لأنه لا ذنوب عليه، مرفوع عنه القلم، لكن يُدعى له بالرحمة ويُدعى لوالديه بالشفاعة.

لكن قلنا: إنه لا يُدعى له بالمغفرة -للطفل-، لكن قال الفقهاء: يُستحب أن يجعل مكان الاستغفار، يجعل مكانه: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، أجرًا وشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِيْنَهُمَا، وأعْظِمْ بهِ أُجُورَهُمَا، واجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ أبيه إِبْرَاهِيمَ، وألْحِقْهُ بِصَالِحِ سلفِ الـمُؤْمِنينَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الجَحِيمِ.

هذا أيضًا استحسنه بعض الفقهاء.

وجاء في حديث المغيرة: والطفل يُصلى عليه، ويُدعى لوالديه.

ويُدعى لوالديه: بالمغفرة والرحمة.

قال المصنف رحمه الله: "ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيُسَلِّمَ واحدةً عن يَمينِهِ".

يعني يكبر التكبيرة الرابعة فيسلم، يسلم تسليمة واحدة عن يمينه.

وهنا قال: يكبر؛ يعني التكبيرة الرابعة. والتكبيرة الرابعة عليها أكثر -يعني أربع تكبيرات- عليها أكثر الأحاديث، لكن جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر خمس تكبيراتٍ، كما في حديث زيد بن الأرقم في صحيح مسلم.

وأيضًا وردت آثار عن بعض الصحابة أنهم يكبِّرون بأكثر من خمس، ومن هنا اختلف العلماء، والأقرب واللهُ أعلم أن الغالب أن تكون التكبيرات أربعًا، ولكن لا بأس بأن تكون أحيانًا خمسًا أو ستًّا أو سبعًا.

قال ابن القيم رحمه الله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر أربع تكبيرات، وصح عنه أنه كبّر خمسًا، وكان الصحابة بعده يكبرون أربعًا وخمسًا وستًّا.

دليل الخمس حديث زيد بن الأرقم الذي ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، فكبر خمسًا، وهو في صحيح مسلم.

وأما الست تكبيرات، فقد وردَ عن علي بن أبي طالب أنه صلى على سهل بن حنيف، فكبر عليه ست تكبيرات، وكان عليٌّ يكبر على أهل بدرٍ ستًّا، وعلى غيرهم من الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا، فكأنه يعني يزيد في التكبيرات إذا كان صاحب الجنازة صاحب فضل، فكان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى سائر الصحابة خمسًا، وسائر الناس يعني من غير الصحابة أربعًا.

وقال الحكم بن عتيبة: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسًا وستًّا وسبعًا، وقال ابن القيم: فهذه آثار صحيحة فلا موجب من المنع منها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه.

إذن لا بأس بالزيادة على أربع تكبيرات أحيانًا، إذا كان صاحب الجنازة ذا فضل، كأن يكون مثلًا عالمًا كبيرًا أو نحو ذلك، فلا بأس بالزيادة على أربع تكبيرات أحيانًا، كما فعل علي بن أبي طالب، ومأثور عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.

الطالب: ...

الشيخ: أحسنتَ! ماذا يقول بعد الرابعة؟ إذا كبّر خمسًا مثلًا أو ستًّا، ماذا يقول؟ يدعو للميت؛ لأن الأصل في الصلاة على الجنازة أن المقصود منها: الدعاء للميت.

الأصل من الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت، فإذا كبّر خمسًا بعد الرابعة يدعو للميت، ولو كبّر ستًّا بعد الرابعة أو بعد الخامسة أيضًا، يدعو للميت.

بل إنه حتى لو كبّر أربعًا وسكت الإمام، فيدعو للميت، يعني ما وجدتَ فرصة في الصلاة على الجنازة للدعاء للميت فافعل؛ لأنها هي المقصودة من الصلاة على الجنازة.

الطالب: ...

الشيخ: هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

قال: "ثم يكبّر فيسلم واحدةً عن يمينه".

نعم، السنة في الصلاة على الجنازة أن يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وهذا قد وردَ في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكبّر عليها أربعًا، وسلم تسليمة واحدة عن يمينه. أخرجه الدارقطني والحاكم.

وهو أيضًا مأثور عن عددٍ من الصحابة، أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة، ولأن الصلاة على الجنازة مبناها على التخفيف.

قال أبو داود: سمعتُ أحمد سُئل عن التسليم على جنازة، قال: هكذا، ولوّى عنقه من جانبه، وقال: السلام عليكم ورحمة الله. تسليمةً واحدة.

لكن لو سلم تسليمتين أحيانًا فلا بأس، فقد جاء هذا في بعض الروايات، لكن الأعم الأغلب أنها تسليمة واحدة، وقد ذكر ابن القيم أنه ورد هذا عن ستة من الصحابة، أنهم يكتفون بتسليمةٍ واحدة.

الطالب: ...

الشيخ: أي نعم.

قال: "ويُصَلَّى علَى القَبرِ".

أي مَن فاتته الصلاة على الميت فإنه يُشرع له أن يصلي على القبر، ويدل ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَفَقَدَهَا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالُوا: مَاتَت، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي». يعني أعلمتموني.

قَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ»، فَدَلُّوهُ على قبرها، فَصَلَّى عَلَيْهَا.

فدل ذلك على أنه تُشرع الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة.

ولكن ما المدة في ذلك؟

المؤلف قال: "ويُصلى على القبر وعَلَى الغَائِبِ بِالنيَّةِ إلى شَهْرٍ".

حدد المؤلف المدة إلى شهرٍ، والحقيقة أنه لابد من التحديد؛ لأن إطلاق المدة مشكل، لو لم نقيد المدة لقال قائل: إذن نصلي حتى على الصحابة الذين ماتوا، الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، فلابد إذن من تحديد المدة.

قال الإمام أحمد: أكثر ما سمعتُ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بن عبادة بعد شهر.

فحددوا المدة بشهرٍ، ولأنها مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها، ولذلك فالأقرب هو التحديد بشهر؛ لأن إطلاق المدة مشكل، ولابد من التحديد، والتحديد مما ورد في السنة هو الأقرب واللهُ أعلم، كما قال الإمام أحمد رحمه الله.

لكن بعض أهل العلم يقول: نحدده، يعني نطلق المدة ونحدده بما إذا كان الميت يغلب على الظن أنه لم يبل جسده، ولكن هذا لا ينضبط، مَا الذي يحدد أنه بلى جسده أو لم يُبل، والنبي عليه الصلاة والسلام والأنبياء عمومًا، حرّم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، ولا تُشرع الصلاة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم بالإجماع، فهذا مما يُشكل على هذا القول، فهو من الناحية العملية لا ينضبط، ولذلك فالأقرب هو التحديد بشهر كما قال المصنف رحمه الله.

قال: "وعلى الغائب".

فأفاد المؤلف بمشروعية الصلاة على الغائب، وهنا أطلق المصنف فظاهر كلامه أنه يُصلى على أي غائب، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، ومذهب الشافعية أيضًا، والقول الثاني: أن الصلاة على الغائب غير مشروعة، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية.

والقول الثالث: أن الصلاة على الغائب إنما تُشرع في حق مَن قدّم أمورًا عظيمة للإسلام والمسلمين، كالأمير الصالح والعالم الكبير ونحو ذلك.

والقول الرابع: أن الصلاة على الغائب إنما تُشرع على مَن مات ولم يصلِّ عليه أحد، وهذا قولٌ في مذهب أحمد، اختاره.. قال به الخطابي وأبو العباس ابن تيمية وابن القيم.

والذي ورد في السنة هو ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي، كبّر عليه أربعًا، النجاشي اسمه أصحمة، كان ملك الحبشة، وكان ملكًا عادلًا، واشتهر عدله، واستفاض، فلما لقي المسلمون في مكة ما لقوا من تعذيب كفار قريش لهم، أذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالهجرة إلى الحبشة، لما اشتُهر من عدل هذا الرجل، وأنه لا يُظلم عنده أحد، كان رجلًا عاقلًا.

فهاجر إليه الصحابة فأكرمهم وآواهم، وكان الصحابة عندهم حرص على الدعوة إلى الله عز وجل، فدعوه للإسلام، فأسلم وأخفى إسلامه؛ لأنه لو أعلن إسلامه لما بقي في المُلك، وقد وفقه الله إلى هذا الرأي، وكان النبي عليه الصلاة والسلام كتب أيضًا إلى هرقل ملك الروم يدعوه للإسلام، وكتب إلى كسرى ملك الفرس.

أما كسرى فكان أحمقًا، فمزّق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الله بأن يمزق ملكه، دعا عليه بأن يمزق الله ملكه، فمزّق الله ملكه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده»، لا يمكن أن يقوم للفرس قائمة، وأن ترجع الدولة الفارسية كما كانت أبدًا.

أما قيصر فكان رجلًا عاقلًا، وكان أيضًا حكيمًا، لما أتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم عظّمه، وقال: ادعُ لي مَن كان ها هنا من العرب، فوافق أن أبا سفيان كان موجودًا في الشام، فدعوه، فسأله هرقل عشرة أسئلة، قال أبو سفيان: فلولا أني خشيتُ أن يُؤثر عليّ كذبًا لكذبتُ.

يعني يخشى أن يكذب، ويُنقل عنه أنه كذب، يعني انظر حتى كانوا في الجاهلية يستقبحون الكذب، فسأله عشرة أسئلة، ثم قال هرقل: لئن كان ما تقول حقًّا ليملكن هذا الرجل موضع قدميّ هاتين، ولوددتُ أن أذهب إليه فأقبل قدميه، وقد علمتُ بأنه سيخرج نبي وما كنتُ أظن أنه سيخرج منكم؛ لأنهم كانوا يحتقرون العرب.

ثم إنه تردد هل يسلم أم لا، فاختبر قومه، وقال: إن ها هنا نبي، فرأى ردة فعل قوية من قومه، فقال: لا، إنما أردتُ أن أختبركم؛ هل أنتم متمسكون بدينه أم لا؟

فآثر الملك على أن يسلم، ولم يُوفق إلى ما وفق إليه النجاشي، لم يسلم ويكتم إسلامه، فآثر الملك.

وأما النجاشي فوفقه الله تعالى لئن يسلم ويبقى في ملكه أيضًا، بأن يكتم إسلامه.

فلما مات، ماتَ بأرضٍ لم يصل عليه فيها أحد، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه قد مات اليوم رجلٌ صالح»، فقام وكبّر عليه أربع تكبيرات، صلى عليه صلاة الغائب.

هل النجاشي يُعتبر صحابيًّا؟

لا يُعتبر صحابيًّا؛ لأنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، إذن ماذا نعتبره؟ نعتبره تابعيًّا، ولهذا ذكره الذهبي في السير من التابعين، آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يره رحمه الله تعالى.

فهنا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، أصحاب القول الأول قالوا: ما دام أنه صلى عليه فهذا دليل على أنه تُشرع الصلاة على الغائب، لكن يرد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل صلاة الغائب على غيره.

أصحاب القول الثاني الذين قالوا: لا تُشرع، قالوا: إن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام إنما هي خاصة بالنجاشي، ولم يُنقل، تُوفي في عهده عليه الصلاة والسلام خلقٌ كثير، لمْ يُنقل أنه صلى عليهم صلاة الغائب، ولكن القول بالخصوصية لا دليل عليه، الأصل عدم الخصوصية.

وأما أصحاب القول الثالث وهو أن صلاة الغائب تُصلى على مَن قدّم أمورًا عظيمًا للإسلام والمسلمين كالأمير الصالح والعالم الكبير، فهذا القول لم أقف على أحدٍ قال به من المتقدمين، إنما وجدته فقط عند المعاصرين، بحثتُ وكلّفتُ طلابًا يبحثون لم يجدوا أن أحدًا من العلماء المتقدمين قال بهذا القول، إنما ما وُجد إلا في الوقت الحاضر، فيما وقفتُ عليه.

ثم إنه لا ينضبط أيضًا مثل هذا القول، ثم أيضًا الخلفاء الراشدون قدّموا أمورًا عظيمة وخدمات كبيرة للإسلام والمسلمين لماذا لم يصل عليهم الصحابة خارج البلدان التي تُوفوا فيها؟!

أبو بكر الصديق، لماذا لم يصل عليه الصحابة خارج المدينة؟ عمر بن الخطاب، لماذا لم يصلوا عليه صلاة الغائب، مَن كان خارج المدينة؟ عثمان بن عفان؟ فهؤلاء قدّموا أمورًا عظيمة وخدمةً كبيرة للإسلام والمسلمين، ولم يُنقل عن الصحابة أنهم صلوا عليهم صلاة الغائب.

ويبقى القول الرابع وهو الأظهر واللهُ أعلم أن الصلاة على الغائب إنما تُشرع في حق مَن مات ولم يصل عليه أحد؛ لأن الصلاة على الغائب فرض كفاية، فإذا مات بأرض ولم يصل عليه بها أحد، وجبَ على المسلمين أن يصلوا عليه صلاة الغائب.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى على النجاشي لأنه مات بأرض ولم يصل عليه بها أحد؛ لأنه كان يكتم إسلامه، فلم يصل عليه أحد، فلذلك صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا هو القول الراجح في الصلاة على الغائب، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وجمعٌ من المحققين من أهل العلم.

لكن يبقى النظر إذا أمرَ ولي الأمر بالصلاة على الغائب، فهذا المسألة ما دامت خلافية فيعني أرى أن المسلم يصلي مع المسلمين، وإمام المسجد يمتثل ولو أخذ ولي الأمر بقول غير القول الراجح، لو أخذ بقول آخر ووجه إلى أن تصلى صلاة الغائب على أحد، فلا يُنازع ولي الأمر في هذه المسألة ما دامت خلافية بين أهل العلم، فإذا اختار قولًا من الأقوال، واعتمده ولي الأمر، فلا يُنازع في ذلك، ويمتثل إمام المسجد ويصلي الصلاة على الغائب؛ لأن المسألة ليست محل إجماع، وإنما هي محل خلاف بين أهل العلم.

هذا حاصل كلام أهل العلم في الصلاة على الغائب.

الطالب: ...

الشيخ: الغائب لا يكون إلا خارج البلد، أما داخل البلد ليس غائبًا، هذا حاضر. فإن تيسر أن يصلي الإنسان عليه صلاة الجنازة فهذا حسن، إن لم يتيسر يذهب ويصلي على قبره، فإن لم يتيسر هذا ولا ذاك يكتفي بالدعاء له.

أما أن تصلي عليه صلاة الغائب وهو داخل البلد فهذا غير مشروع، إنما تصلي على مَن كان خارج البلد، مَن كان غائبًا عن البلد.

الطالب: ...

الشيخ: نعم، صحيح، مَن مات مثلًا غرقًا أو مات في تحطم طائرة ولم يُعثر على جثمانه، فتصلى عليهم صلاة الغائب.

قال: "ويَقْضِي ما فَاتَهُ".

يعني إذا فاتت، إذا دخل الإنسان مسبوقًا وفاته شيء من الصلاة على الجنازة، فإنه يقضي ما فاته بعد سلام الإمام، ولكن كيف تكون صفة القضاء؟

هذه من المسائل التي يكثر السؤال عنها، تكون صفة القضاء على صفة ما فاته، فإذا دخل مع الإمام في التكبيرة الثالثة مثلًا فإنه يدعو للميت، حتى على القول بأن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، فينبغي في الصلاة على الجنازة أن يتابع الإمام فيما هو فيه؛ لأن الدعاء هو المقصود من الصلاة على الجنازة.
ولهذا لو قيل لهذا المسبوق الذي أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة، لو قيل له: اقرأ الفاتحة، طيب ماذا يقول بعد الفاتحة والإمام يدعو للميت؟ ثم إذا كبّر الإمام الرابعة قيل له: صل على النبي صلى الله عليه وسلم، فربما تُرفع الصلاة على الجنازة، ويفوته الدعاء الذي هو المقصود، ولذلك فالأقرب والله أعلم أن المسبوق يفعل ما يفعله الإمام.

ثم إذا سلم الإمام قام وقضى ما فاته قبل أنْ تُرفع الصلاة على الجنازة.

هذا هو الأقرب بالنسبة لقضاء الصلاة على الميت.

قال: "ولا يُصَلِّي الإمامُ عَلى غَالٍّ، وَلا قَاتِلٍ نَفْسَهُ".

لا يصلي الإمام على غال، الغال: هو الخائن الذي يأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، فهذا هو معنى الغُلول، فيعرّفه الفقهاء بأنه مَن كتم شيئًا من الغنيمة ليأخذه لنفسه ويختص به، والمراد بالإمام هنا الإمام الأعظم الذي هو رئيس الدولة.

والدليل على أنه لا يصلي على الغال حديث زيد بن خالد، قال: تُوُفِّيَ رَجُلٌ من جُهينة يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذُكر ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ القوم، فلما رأى ما بهم، قَالَ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ قد غَلَّ من الغنيمة». أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة، واحتج به أحمد.

وأما غير الإمام من بقية الناس فإنهم يصلون عليه كبقية الأموات، ولهذا قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».

وكذلك أيضًا قاتِلُ نفسه، وهو ما يُسمى بالمنتحِر، هذا لا يصلي عليه الإمام الأعظم، ويصلي عليه سائر الناس، ويدل لذلك حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي له برجلٍ قتلَ نفسه بمشاقص، فلم يصلِّ عليه، وهذا في صحيح مسلم.

ولكن يصلي عليه سائر الناس كما قلنا في الغالب.

ويأخذ حكم الإمام الأعظم الأمير وكذلك القاضي، وأهل الفضل، فلا يصلون على الغال ولا على قاتل نفسه، ويصلي عليهم سائر الناس.

وإنما قلنا إنه لا يصلون عليهم؛ الإمام الأعظم ومَن في حكمه؛ ردعًا عن هذه الأفعال الشنيعة، فإن الغلول من كبائر الذنوب وكذلك الانتحار وقت النفس أيضًا من كبائر الذنوب، فترك الصلاة عليهما من باب ردع الناس عن ارتكاب هذه المعاصي الكبيرة والعظيمة.

لكن يبقون مسلمين، يبقون هؤلاء ممن وقع في الغلول أو انتحر، يبقى مسلمًا يُغسل ويُكفن ويُصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، ويُدعى له بالمغفرة والرحمة، لكن لا يصلي عليه الإمام الأعظم ومَن كان في حكمه من باب الردع والزجر لغيره، من باب الردع والزجر للناس حتى لا يقعوا في هذه المعاصي.

الطالب: ...

الشيخ: نعم، هذا اختلف فيه العلماء، بعض أهل العلم قال: إنه يُقاس عليهم أصحاب الجرائم الكبيرة ولكن هذا لم يرد، قالوا: قطاع الطريق ونحوهم، لكن قطاع الطريق وُجدوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وُجد المحاربين، وُجد مَن رُجم في الزنا، ووُجد مَن.. ولم يرد هذا، إنما وردَ فقط على هذين، فالظاهر اختصاصه بهما، هذا الظاهر واللهُ أعلم.

لكن قد يُحلق بهما الدعاة إلى البدعة، قد يُلحقون بهما؛ لأن ترك الصلاة على داعية إلى البدعة قد يكون فيه ردع عن سلوك هذا المسلك، فالدعاة إلى البدعة الظاهر أنه يُلحقون بالغال وقاتل نفسه، هذا هو الظاهر واللهُ أعلم.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض