الخثلان
الخثلان
باب زكاة الإبل
15 جمادى الأولى 1438 عدد الزيارات 1564

قال المصنف رحمه الله تعالى (باب زكاة الإبل).

وقال: (نصابها خمس).

 قبل هذا, يمكن أن نقسم بهيمة الأنعام عموما، سواء أكانت إبلا أم بقرا أم غنما نقسمها من حيثُ وجوب الزكاة فيها إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: العوامل التي يُعمل عليها في استخراج الماء، أو في الحرث أو في الحمل عليها، ونحو ذلك، فهذه لا زكاة فيها، وهذه العوامل كانت موجودة قديما، أما في الوقت الحاضر فلا تكاد تكون موجوة في كثير من دول العالم مع وجود وسائل التقنية الحديثة.

القسم الثاني: البهائم المعلوفة التي تُتخذ للدرّ والنسل والتسمين، فهذه لا زكاة فيها، لأنها ليست بسائمة وليست من عروض التجارة.

القسم الثالث: البهائم السائمة، أي التي ترعى العشب والكلأ أكثر العام، فهذه تجب فيها الزكاة، وسيأتي بيان أنصبائها على وجه التفصيل.

القسم الرابع: البهائم التي يُراد بها التجارة، فهذه تُزكى زكاة عروض التجارة.

 فإذاً الزكاة لا تخرج عن هذه الأقسام الأربعة، إما أن تكون عوامل يُعمل عليها في الحرث أو السقي ونحو ذلك، هذه لا زكاة فيها، وإما أن تكون معلوفة تُتخذ للدر والنسل والتسمين، هذه أيضا لا زكاة فيها، وإما أن تكون سائمة فهذه تجب الزكاة، أو تكون عروض تجارة فتجب فيها الزكاة.

ابتدأ المؤلف ببيان زكاة الإبل، والإبل من أنفس الأموال عند العرب.

قال: (نصابها خمس) يعني لا تجب الزكاة حتى تبلغ الإبل خمسا، أما دون الخمس فلا زكاة فيها، إلا أن يعدها صاحبها للتجارة فتجب الزكاة فيها ولو في بعير واحد إذا كان تبلغ قيمته نصابا.

إذاً ما دون الخمس لا زكاة فيه إلا أن يعده صاحبه للتجارة، إذا بلغت الخمس قال:

(ففي كل خمس إلى أربع وعشرين: شاة) أي أنه في كل خمس شاة، ففي الخمس شاةٌ، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وإذا قيل (شاة) فالشاة تُطلق على الواحدة من الغنم، وعلى الذكر والأنثى من الضأن والمعز، ولهذا قال المصنف:

(شاة:جذعة ضأن لها ستة أشهر، أو ثنية معز لها سنة) هذا يؤيد ما ذكرنا من أن الشاة تُطلق على الضأن وعلى المعز، وهذه الشاة لا بد أن تكون جذعة، إذا كانت من الضأن، والجذعة هي التي لها ستة أشهر، وأما إذا كانت من المعز فلا بُد أن تكون ثنية، أي لها سنة، والأصل أن كل مال زكاته من جنسه، فزكاة الغنم غنم، وزكاة البقر بقر، وزكاة الذهب ذهب، وهكذا، لكن ما دون خمس وعشرين جُعلت زكاة الإبل من الغنم، وذلك لقلة الإبل عند صاحبها في هذه الحال، فخمس من الإبل تُعتبر مالا كثيرا لا بُد من إيجاب الزكاة فيه، وإيجاب واحد من الإبل فيه قدر كبير، فكانت الحكمة تقتضي أن تجب فيه شاة، وهكذا أيضا في عشر من الإبل، وخمسة عشر، وفي عشرين.

قال (ولا يجزئ بعير) يعني لا يجزئ إخراج بعير فيما دون الخمس والعشرين، لو قال: عندي عشرون من الإبل، وجبت فيه الزكاة، قلنا عليك أربع شياه، قال: لا، أنا أخرج واحدة منها، أُخرج بعيرا، يقول المصنف: لا يجزئ، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

والقول الثاني في المسألة: أنه يجزئ، وأنه لا بأس في هذا، فلو أنه دفع مثلا بنت مخاض أو بنت لبون أجزأ، لأنه إذا كانت تجزئ فيما فوقها ففيما دونها من باب أولى، إذا كانت بنت مخاض تجزئ في خمس وعشرين ففي عشرين أو ما دونها من باب أولى، والقول الراجح أنه يجزئ أن يخرج فيما كان أقل من خمس وعشرين يجزئ أن يخرج فيها واحدا من الإبل.

ثم انتقل بعد ذلك لبيان الأنصباء:

قال: (ثم في كل خمس وعشرين بنت مخاض لها سنة) إذا بلغت الإبل خمس وعشرين ففيها بنت مخاض، وبنت المخاض، هي ما تم لها سنة ودخلت في الثانية، وسُميت بنت مخاض لأن أمها قد مخضت في الغالب، أي حملت، فهي ماخض، وكون أمها ماخضا ليس قيدا في التعريف، وإنما ذكر للغالب.

قال (فإن عُدمت فابن لبون) أي إن عدمت بنت مخاض، مكان بنت المخاض، مع أن ابن اللبون له سنتان، لكن في باب بهيمة الأنعام أيهما أفضل عند الناس الذكر أم الأنثى؟، الأنثى أفضل، في الحيوانات عموما عند الناس أن الأنثى أفضل من الذكر، هذا هو الأصل خلاف بني آدم، فعندهم الذكر أفضل من الأنثى، لكن في الحيوانات الأنثى أفضل من الذكر، ولهذا إذا أراد أن يخرج ابن لبون مكان بنت المخاض، بنت مخاض ما لها سنة، قال أنا أخرج ابن لبون له سنتان، نقول: لا بأس أن تخرج ابن لبون، لكن ليس لك أن تخرج ابن مخاض، لأن الأنثى أفضل من الذكر في الحيوان، ويدل لذلك حديث أنس رضي الله عنه، الذي كتبه أبو بكر في الصدقات ثم قال (هذه فريضة النبي صلى الله عليه وسلم) وهو كتاب عظيم أخرجه البخاري في صحيحه وتلقته الأمة بالقبول، جاء في حديث أنس: (فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم تكن بنتُ مخاض فابنُ لبونٍ ذكر) هذه المسألة منصوص عليها.

(ثم في ست وثلاثين بنت لبون) وبنت اللبون هي ما تم لها سنتان، ودخلت في الثالثة سميت بنت لبون، لأن أمها ذات لبن في الغالب، وما بين خمس وعشرين إلى خمس ثلاثين هذا يُسمى وقصا، لا زكاة فيه، وهو خاص ببهيمة الأنعام، بمعنى أنه في خمس وعشرين بنت مخاض، في ست وعشرين بنت مخاض، سبع وعشرين بنت مخاض، ثمان وعشرين بنت مخاض, تسع وعشرين بنت مخاض، ثلاثين بنت مخاض، إحدى وثلاثين بنت مخاض، ثنتين وثلاثين بنت مخاض، ثلاثة وثلاثين بنت مخاض، أربعة وثلاثين بنت مخاض، خمس  وثلاثين بنت مخاض، ست  وثلاثين بنت لبون. فلاحظ هنا أنها لم تتغير، معنى أن ما بين خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين ليس فيه زكاة زائدة، هذه يسميها الفقهاء بالوقص، وهذا خاص ببهيمة الأنعام، بينما في غير بهيمة الأنعام تزداد الزكاة بزيادة القدر.

قال: (ثم في ست وأربعين حقة، ولها ثلاث سنين) إذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة، الحقة – قال المؤلف - : لها ثلاث سنين، وسميت بذلك؛ لأنها استحقت أن يركب عليها ويُحمل عليها ويطرقها الفحل، فما لها ثلاث سنين يُسمى حقة، ما بين ست وثلاثين إلى خمس وأربعين هذا وقص لا تزداد فيه الزكاة.

قال: (ثم في إحدى وستين جذعة ولها أربع سنين)، ففسر المؤلف الجذعة بأنها ما لها أربع سنين، سُميت بذلك لأنها تجذع إذا سقط سنُّها، والجذعة هي أعلى سِنّ في الزكاة.

قال (ثم في ست وسبعين بنتا لبون) وهذا منصوص عليه في حديث كتاب أنس.

(ثم في إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين)، يعني ففيها حقتان (فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون) يعني إذا أصبحت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، وكل هذا منصوص عليه في حديث أنس.

قال (ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) أي أنها – كما يقول الفقهاء – تستقر الفريضة: في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، كلما ازدادت عشرا تتغير الفريضة، وعلى هذا ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، حقة عن خمسين، وبنتا لبون عن ثمانين، أربعين وأربعين، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، حقتان: خمسين وخمسين هذه مائة، وبنت لبون أربعين، وفي مائة وخمسين: ثلاث حقاق، خمسين خمسين خمسين، وفي مائة وستين، أربع بنات لبون: أربعين وأربعين وأربعين وأربعين، وفي مائة وسبعين: حقة وثلاث بنات لبون: حقة وثلاث بنات لبون، حقة: عن خمسين، وثلاث بنات عن مائة وعشرين: أربعين أربعين أربعين، وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتا لبون، حقتان عن مائة، خمسين خمسين، وبنتا لبون عن ثمانين، أصبحت مائة وثمانين، وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون، ثلاث حقاق عن مائة وخمسين: خمسين خمسين خمسين، وبنت لبون عن أربعين، وفي مائتين: أربع حقاق أو خمس بنات لبون، وهكذا، فتحسب بهذه الطريقة، ..نعم يخُير بين الثنتين، ويمكن يُعمل لها جدول وتُحفظ.

هذه المسائل لا خلاف فيها، لأنها منصوص عليها، ولا مجال أيضا للاجتهاد فيها.

قال (فَلو فَقَدَ واجبَ إبلٍ، رَقَى سِنّاً وَأَخَذَ جُبراناً، أو نزل وأعطى هو شاتين أو عشرين درهما) هذه المسألة تُسمى الجبران في زكاة الإبل، فمن وجب عليه سن معينة وعدمه كأن تجب عليه مثلا بنت لبون ولا يجدها مثلا، ووجد بنت مخاض فيدفع بنت مخاض ويدفع معها شاتين أو عشرين درهما، ولو كان العكس: وجب عليه بنت مخاض وليس عليه إلا بنت لبون فإنه يدفعها ويعطيه الساعي شاتين أو عشرين درهما، فهذه تُسمى الجبران في زكاة الإبل، فإما أن يرقى هو ويدفع الأفضل ويُعطى الفرق، أو أنه يدفع الأقل ويعطي هو الفرق، الفرق ما هو؟ الفرق شاتان.

 وقوله: (أو عشرون درهما) هذا تقويم للشاتين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت الشاة قيمتها عشرة دراهم، وأما في وقتنا الحاضر فنقول: شاتين أو ما يعادل قيمة الشاتين، فإذا كان مثلا عنده بنت لبون والواجب عليه بنت مخاض فيدفع بنت لبون ونعطيه شاتين أو قيمة الشاتين، ولو كان العكس: وجب عليه بنت مخاض وما عنده إلا بنت لبون، فيدفع بنت لبون ونعطيه شاتين أو عشرين درهما، أما إذا وجب عليه العكس: بنت لبون ولم يدفع إلا بنت مخاض فيدفع هو شاتين أو عشرين درهما، فإما أن يدفع هو الفرق إذا أعطانا الأقل، فيدفع مع الأقل الفرق: شاتين أو عشرين درهما، أو إذا دفع الأعلى والأفضل فندفع نحن له الفرق بالشاتين أو عشرين درهما،  وهذا يسميها العلماء بالجبران في زكاة الإبل، وهو خاص بزكاة الإبل.

ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى زكاة البقر، قال (باب زكاة البقر).

وزكاة البقر قد وردت بها السنة، وسمي البقر بقرا؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة أي تشقها، والبقر يشمل البقر المعروف، ويشمل كذلك الجواميس، فإن الجواميس نوع من البقر، وهذا سيذكره المؤلف بعد قليل.

والأصل في زكاة البقر حديث معاذ رضي الله عنه قال (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة). أخرجه مالك وأصحاب السنن من طرق يقوي بعضها بعضا، وتلقته الأمة أيضا بالقبول، وعليه عمل الأمة. وأيضا دل على وجوب الزكاة في البقر: حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب إبل ولا بقر لا يؤدي حقها إلا بُطح لها بطاح قرقر ...) إلى آخر الحديث. فذكر وعيدا شديدا في حق من لم يؤدِّ زكاة البقر.

نصابها، قال: (يجب في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة وله سنة) يجب تبيع أو تبيعة، دلّ هذا على أن النصاب في زكاة البقر أنه الثلاثون، وما دون الثلاثين لا زكاة فيه، وهذا يدل على الفرق الكبير بين زكاة الإبل، وزكاة البقر، فنصاب زكاة الإبل خمس، ونصاب زكاة البقر ثلاثون، فرق كبير، مع أنهما في باب الهدي والأضحية واحد، فالواحدة من الإبل تجزئ عن سبعة، والواحدة من البقرة تجزئ عن سبعة، لكن – سبحان الله- في باب الزكاة انظر إلى هذا الاختلاف الكبير، ولله تعالى الحكمة في هذا.

إذاً نصاب البقر ثلاثون، ما دون الثلاثين لا تجب فيه الزكاة، ما الواجب في الثلاثين؟ قال (تبيع أو تبيعة وله سنة) فسَّر المصنِّف التبيع بأنه ما تمَّ له سنة، وهنا قال (أو تبيعة), وهذا يدل على أنه يستوى الذكر والأنثى  في هذا، وهذا أحد المواضع التي يجوز فيها إخراج ذكر بدل الأنثى، وقلنا: إن الأنثى مفضلة في الحيوان، في بهيمة الأنعام تُفضل على الذكر، لكن هنا في هذا الباب يجوز التبيع بدل التبيعة،  لأنه هكذا وردت السنة في هذا، سُمي تبيعاً، لأنه يبتع أمة في المراح وفي المسرح ونحو ذلك.

قال: (وفي كل أربعين مسنة لها سنتان)، المسنّة هي ما تمّ لها سنتان، ويقال لها الثنيّة.

 (ثم يتغير الفرض من ستين بكل عشر)، يعني تستقر الفريضة: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنّة، وعلى هذا يكون في خمسين من البقر مسنة، وفي ستين تبيعان أو تبيعتان، وفي سبعين تبيع ومسنة، تبيع عن ثلاثين ومسنة عن أربعين، وفي ثمانين: مسنتان، وفي تسعين: ثلاثة أتبعة، وفي مائة: مسنة وتبيعان، تبيعان عن ستين، ومسنة عن أربعين، وهكذا..

قال (والجواميس نوع منه) يعيي الجواميس نوع من البقر، كلمة (الجواميس) جمع جاموس, وهي كلمة فارسية معرَّبة، وهي نوع من البقر بالإجماع، فتأخذ جميع أحكام البقر، ربما أن الجواميس ليست موجودة عندنا، لكنها موجودة في الشام وفي مصر، معروفة وموجودة، هذا ما يتعلق بزكاة البقر.

الآن مضى معنا موضع من المواضع التي يجوز فيها إخراج ذكر في بهيمة الأنعام، وهو تبيع أو تبيعة عند ما يكون النصاب ثلاثين، يُخرج تبيعاً أو تبيعة، وسيأتي موضعان آخران، فالمواضع ثلاث.

ننتقل لزكاة الغنم:

باب زكاة الغنم

قال: (ونصابها أربعون)  زكاة الغنم نصابها أربعون، ولا تجب الزكاة فيما دون الأربعين إلا أن يعدها للتجارة.

(ثم في مائة وإحدى وعشرين شاتان) وعلى هذا ففي مائة وعشرين شاة.

( ثم في مائتين وواحدة ثلاث شياه) وعلى هذا في مائتين شاتان.

(ثم في كل مائة شاة) إذاً قلنا: مئتين شاتان، ثلاثمائة: ثلاث شياه، أربعمائة: أربع شياه، ثلاثمائة وتسع وتسعين: ثلاث شياه، ولاحظ الفرق ما بين مئتين وواحد إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين، فهنا الوقص كبير، يعني مئتين وواحد ثلاث شياه، 201 إلى 399، فيها ثلاث شياه، وهذا أعلى ما يكون من الوقص, في خمسائة خمس شياه، في ستمائة ست شياه، في سبعمائة سبع شياه، ثمانمائة ثمان شياه، تسعمائة تسع شياه، في ألف عشر شياه، وهكذا....في خمسائة وواحد خمس، خمسمائة واثنين خمس، خمسائة وتسع وتسعين: خمس، إلى ستمائة.ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة.

قال: (ولا تؤخذ كريمة ولا لئيمة) الكريمة معناها النفيسة، واللئيمة معناها الرديئة، أي لا يؤخذ الردئ ولا يؤخذ النفيس في زكاة بهيمة الأنعام، أما الردئ ففيه قول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) [البقرة: 267] معنى: تيمموا: تقصدوا، الخبيث يعني الردئ،  (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] فالمعنى: لا تقصدوا الردئ من المال، (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) يعني تنفقونه، ولا تأخذونه إن دُفع لكم، (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) يعني إلا على سبيل التواضع، أو المجاملة، فنهى الله عن دفع الردئ من المال، الردئ إذاً لا يُدفع في الزكاة.

 وأما النفيس فلا يجب دفعه أيضا، لكن يجوز، والدليل على أنه لا يجب دفعه قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (إياك وكرائم أموالهم) يعني: خُذ من الوسط، ثم ذكر دعوة المظلوم، يعني لا تجبرهم على ذلك، (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) فإذاً لا يجوز دفع الردئ من المال في الزكاة، ولا يجب دفع النفيس من المال، لكن لو أن صاحب المال هو نفسه اختار دفع النفيس من المال، فهذا أفضل وأكمل، إذاً لا تُؤخذ كريمة ولا لئيمة، لا ردئ، ولا نفيس، وإنما الواجب أن يكون من وسط المال.

قال (وإن كان النصاب كله ذكورا أجزأ ذكر) وهذا الموضع الثاني الذي يجزئ فيه إخراج الذكر، (أو صغارا فصغيرة)، ونحن ذكرنا أنه يجزئ إخراج الذكر عن الأنثى في زكاة بهيمة الأنعام في ثلاثة مواضع: مرّ علينا في زكاة البقر الموضع الأول، وهو تبيع بدل تبيعة في الثلاثين من  البقر، في زكاة البقر يجزئ إخراج تبيع مكان تبيعة، والموضع الثاني هذا الموضع الذي ذكره المصنف: أن يكون جميع النصاب ذكورا، فيجوز إخراج الذكر؛ لأن الزكاة إنما تجب على سبيل المواساة، ولا يُكلف الإنسان أن يشتري مالا من غير ماله لأجل دفع الزكاة، والموضع الثالث الذي يجزئ فيه إخراج الذكر، مرَّ معنا أيضا وهو ابن لبون مكان بنت مخاض في زكاة بهيمة الإبل، فهذه إذاً المواضع الثلاث التي يجزئ فيها إخراج ذكر مكان أثنى، الموضع الأول: أن يكون النصاب كله ذكورا، الموضع الثاني: في زكاة الإبل يجوز أن يخرج ابن لبون في مكان بنت مخاض، الموضع الثالث في زكاة البقر يجوز أن يخرج تبيعا مكان التبيعة في ثلاثين من البقر، وما عدا ذلك فإن الأصل أن تُخرج الأثنى مكان الذكر.

قال (ولا يجزئ إلا جذع ضأن ، له ستة أشهر، أو ثنية معز) الإبل بيَّن المؤلف أسنانها، بنت مخاض وبنت لبون، حقة وجذعة، فبين أسنانها، وأيضا في البقر: تبيع ومسنة فبين أسنانها، لكن في الغنم بيَّن الحدَّ الأدنى لسنِّها، وهي جذع من الضأن، والجذع من الضأن ما له ستة أشهر، أو ثنية معز وهي ما لها سنة، فالحد الأدنى إذاً أن يُخرج في الضأن ستة أشهر، والحدُّ الأدنى في المعز ما تم لها سنة، وأما الحدُّ الأعلى في زكاة الغنم فليس هناك حدُّ أعلى، لكن لا يُخرج هرمة، لأن الهرمة تُعتبر من رديء المال، ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن الخلطة.

قال: (والخلطة تجعل المالين واحدا).

 قبل أن ننتقل للكلام عن الخلطة, هل يجوز إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام؟

 المذهب عند الحنابلة أنه لا يجوز، وأن الواجب أن تُخرج بهيمة الأنعام، فمن الإبل إبل، ومن البقر بقر، ومن الغنم غنم، إلا في أقل من خمس وعشرين من الإبل، فيخرج غنما.

والقول الثاني: أنه يجوز إخراج القيمة مطلقا.

والقول الثالث: أنه يجوز إخراج القيمة، إذا كان في ذلك مصلحة راجحة أو حاجة، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، فيجوز إخراج القيمة إذا كان هناك مصلحة راجحة أو حاجة، أما إذا لم يكن هناك مصلحة راجحة ولا حاجة فلا يجوز إخراج القيمة.

 وعندنا في المملكة يُرسل السُّعاة، ويقبلون القيمة، ويقبلون دفعها من البهيمة نفسها، لكن ينبغي أن يُقيَّد قبول القيمة بوجود مصلحة راجحة أو حاجة، فلا تقبل مطلقا، الزكاة تجب في العين لكن لها تعلق بالذمة، لكن إن وُجد مصلحة راجحة ما المانع من إخراج القيمة؟، ربما تكون القيمة أنفع للفقراء وأحبَّ إليهم، ليس هناك ما يمنع من هذا.

ثم قال المصنف رحمه الله (والخلطة تجعل المالين واحدا)  الخلطة في الأصل الشركة وخلط المال بعضه مع بعض، وتنقسم الخلطة إلى قسمين: خلطة أعيان وخلطة أوصاف، وخلطة الأعيان معناها أن يختلط المالان على سبيل الشيوع فلا يتميز مال أحدهما عن الآخر، كأن يشترك أولاد في ميراث ماشية عن والدهم، ابنان مثلا تُوفي والدهما فلكل منهما النصف لكن على سبيل الشيوع، هذا له نصف هذه الأغنام وأخوه له نصفها، لكن ليست الأغنام معينة، هذه لفلان وهذه لفلان، هذه تسمى خلطة الأعيان، أما خلطة الأوصاف، فأن يكون مال كل واحد من المالكين أو الـمُلَّاك معينا ومتميزا، لكنها تختلط هذه الأغنام في أمور، وهذه الأمور اختلف فيها العلماء، فالمذهب عند الحنابلة هو ما ذكره المصنف وهو :

قال (إن اتحد المراح، والمشرب، والمحلب، والمسرح، والراعي، والفحل) فذكر المصنف ستة أمور:

الأول: المراح، وهو المأوى والمبيت، فيكون مبيت هذه الأغنام واحدا.

الثاني: المشرب، فيكون مكان الشرب واحدا.

الثالث: المحلب، يعني موضع الحلب، يكون واحدا.

الرابع: المسرح، يعني المرعى، المكان الذي ترعى فيه، يكون واحدا.

الخامس: الراعي، أن يكون راعيها واحدا، فلا يكون لهذه راعٍ، ولهذه راع.

السادس: الفحل، بأن يكون لها فحل مشترك.

واستدلوا على هذا بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخليطان ما اجتمع على الحوض والفحل والراعي)، لكن هذا الحديث أخرجه الدارقطني، وهو حديث ضعيف، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والقول الثاني: أن المرجع في تحديد خلطة الأوصاف العُرف فما عدَّه الناس في عُرفهم خلطة كان خلطة، وإلا فلا، وهذا القول اختاره ابن مفلح صاحب الفروع، وهو القول الراجح؛ لأن التحديد بالأمور الستة التي ذكرها المصنف لا دليل عليه، وحديث سعد ابن أبي وقاص المروي في ذلك حديث ضعيف، لا دليل عليه صحيح، وحديث سعد حديث ضعيف، ولأن ما ورد في الشريعة مطلقا، ولم يرد تقييده باللغة ولا بالشرع فالمرجع فيه للعرف، هذه قاعدة فقهية، أن كل ما ورد مطلقا ولم يُحد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه للعرف، وهذا ينطبق على هذه المسألة، وعلى هذا فالمرجع في تحديد خلطة الأوصاف العرف، هذا هو القول الراجح، فما عدّه الناس خُلطة كان خُلطة، وإلا فلا.

إذا ما أثر الخلطة؟ أثر الخلطة أنها تصيِّر المالين مالا واحداً, وعلى هذا فلو كان لرجل عشرون شاة, ولرجل آخر عشرون شاة، وخلطاها في مراح، وترعى جميعا، وراعيها واحد، فعلى هذا إذا أتى الساعي يأخذ الزكاة يعتبرهما واحدا، فيجب فيها شاة واحدة. مع أنهما لو فرقاها، فكان لكل منهما مراح مستقل لما وجب فيها زكاة، إذاً الخلطة تصير المالين مالا واحدا، وقد يكون الأثر على العكس من ذلك، بأن يملك مثلا ثلاثةٌ مائة وعشرين مختلطة، مائة وعشرين شياه لثلاثة أشخاص مختلطة، فكم يكون الواجب فيها؟ شاة واحدة، بينما لو كان كل منها مستقلا في مراح لكان فيها ثلاث شياه، فيكون أثرها إذاً بتخفيف الزكاة وقد يكون في زيادة الزكاة، فإذاً تُصير الخلطة المالين مالا واحدا، سوا كانت خلطة أعيان أم خلطة أوصاف، لكن هنا ذكر العلماء أنه لا يجوز تعمد الجمع بين متفرق أو التفريق بين مجتمع فرارا من الزكاة، وعلى ذلك ورد حديث أنس، وقد جاء فيه: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة). مثال الجمع بين متفرق: نرجع إلى مثالنا السابق، هؤلاء ثلاثة أشخاص عند كل منهم أربعون من الغنم، فلما علموا بقدوم الساعي لقبض الزكاة، قالوا: نجمع هذه الأربعين حتى تكون مائة وعشرين، ونقول هذه خُلطة، فجمعوها وأتى الساعي، فقالوا: هذه الأغنام مائة وعشرون، فأخذ منهم شاة واحدة، بينما لو لم يجمعوها لأخذ منهم ثلاث شياه، فهذا جمع بين متفرق خشية الصدقة، هذا لا يجوز، تفريق بين مجتمع خشية الصدقة: كما لو كان لشخصين أربعون من الغنم فلما علما بقدوم الساعي فرقاها، جعلا في هذا المراح عشرين وفي هذا المراح عشرين بحيث لا تجب فيها الزكاة، فهنا فرقا بين متفرق خشية الصدقة، هذا لا يجوز، فلا يجوز الجمع بين متفرق ولا التفريق بين مجتمع خشية الصدقة.

قال (وَيَرجِعُ مَنْ أُخِذَ منه على خَليطِهِ بِقيمةِ حِصَّتِهِ) يعني لو أن اثنين اشتركا في أربعين من الغنم، هذا له عشرون، وهذا له عشرون، خلطاها خُلطة أعيان، فأتى الساعي وأخذ شاة من أحدهما، فهذا الذي أُخذ منه الشاة يرجع على صاحبه بقيمة نصف شاة، ولهذا قال: (بقيمة حصته) أي بقيمة نصف شاة إذا كانوا اثنين، فلو كانوا ثلاثة: بقيمة ثلث شاة، وهكذا، هذا معنى قوله (وَيَرجِعُ مَنْ أُخِذَ منه على خَليطِهِ بِقيمةِ حِصَّتِهِ).

قال: (بقول المرجوع عليه) يعني الشخص الذي رُجع عليه، وليس الشخص الذي أخذت منه، وهذا إنما يكون عند النزاع، لو اختلفا فهل القول قول الذي أُخذت منه الشاة، أو القول قول الذي رُجع عليه؟ يقول المؤلف: إن القول قول المرجوع عليه، لأنه منكر غارم، فالقول قوله، وقال بعض أهل العلم: إنه يؤخذ بقول المعطي الذي أخذت منه، لأنه يعتبر كالأمين، فهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم.

قال (ولا يرجع بظلم بلا تأويل) يعني إذا كان الساعي أخذ زيادة عن الواجب بظلم، في مثالنا السابق: في أربعين بدل ما يأخذ شاة أخذ شاتين، وقلنا: إن الأصل أنه يرجع على صاحبه بقيمة نصف شاة، فإذا أخذ الساعي شاتين، هل يرجع على صاحبه بقمية شاة؟ يقول المؤلف: لا، إنه لا يرجع عليه ما دام أن القدر الزائد عليه كان ظلما، (بلا تأويل) هذا استثناء، يعني إذا كان أخذ القدر الزائد بتأويل فيرجع على صاحبه.

والقول الثاني في المسألة: أنه يرجع على صاحبه مطلقا، وأن القول بأنه لا يرجع عليه قول مرجوح، وهذا هو الصواب في المسألة، أنه يرجع على صاحبه مطلقا، سواء كان أخذ الساعي بظلم أو بغير ظلم، بتأويل أو بغير تأويل، هذا هو القول الراجح في المسألة، أنه يرجع على صاحبه مطلقا، لأنهما شريكان فيشتركان في كل شيء، وليس من العدل أنه يرجع على صاحبه فيما لم يُظلم فيه، وأما ما ظلم فيه لا يرجع على صاحبه به، بل هما مشتركان، فإذا وقع الظلم وقع الظلم عليهما جميعا، فلماذا نجعل الظلم على واحد منهما ولا نجعله على الآخر مع أنهما مشتركان وخليطان؟! وعلى هذا فالقول الراجح أنه يرجع على صاحبه مطلقا، سواء كان الساعي أخذ منه بظلم أو بغير ظلم، بتأويل أو بغير تأويل.

هناك مسألة متعلقة بالخلطة لم يذكرها المصنف، لكن ذكرها بعض الفقهاء، وهي إذا كانت سائمة الرجل متفرقة، له مثلا في الرياض عشرون من الغنم، وله في مكة عشرون من الغنم، فهل تجب عليه الزكاة أولا تجب؟، نحن ذكرنا الخلطة بين اثنين، وقلنا إن الخلطة بين اثنين تجعل المالين كالمال الواحد، لكن إذا كان مال الرجل نفسه متفرقا، فهل يقال بالخلطة هنا وأنها تصير المالين كالمال الواحد؟، هذا محل خلاف بين العلماء:

والمذهب عند الحنابلة: أن لكل حكمه، لكن قيدوا هذا، قالوا: إذا كان التفريق فوق مسافة قصر، أما إذا كان دون مسافة قصر فيُعتبر كالمال الواحد، هذا المذهب عند الحنابلة، إذا المذهب عندهم أن المال المتفرق فوق مسافة القصر، أما إذا كان دون مسافة القصر، فيعتبر كالمال الواحد، ومسافة القصر عندهم ثمانون كيلو, وعلى هذا ففي مثالنا السابق: إذا كان عنده عشرون من الغنم في مكة وعشرون في الرياض ليس عليه زكاة على المذهب، لأنهم يقولون لكل حكمه، لكن لو كان هنا في الرياض عشرون وفي الخرج عنده عشرون، فعليه الزكاة، لأنها دون مسافة القصر، هذا هو المذهب عند الحنابلة، قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن أحد غير أحمد، فهو من المفردات.

والقول الثاني في المسألة: أنه يُضم المال الواحد بعضه إلى بعض، وتجب فيه الزكاة، وعلى هذا ففي مثالنا السابق: رجل عنده عشرون من الغنم في الرياض وعشرون من الغنم في مكة، فعلى قول الجمهور تجب فيه الزكاة، فعليه شاة واحدة، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة.

نأتي للأدلة، أدلة المذهب على أن لكل حكمه، هو حديث أنس: (ولا يُجمع بين متفرق ولا يُفرق بين مجتمع خشية الصدقة) قالوا: هذا متفرق فلا يجمع، ففي الرياض إذا كان عنده عشرون وفي مكة عشرون، لا يجمع بين هذا المتفرق، فأخذوا بظاهر الحديث، لكن هذا يُناقش بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الجمع بين المتفرق أو التفريق بين المجتمع خشية الصدقة، إذا كان فرارا من الزكاة، وهذا مال لإنسان واحد، فهذا الاستدلال في غير محله، وأما الجمهور فاستدلوا بعمومات الأدلة الدالة على وجوب الزكاة، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (في كل أربعين شاة شاة)، قالوا: ولأنه ملك واحد، فأشبه بما لو كان المال في بلدان متقاربة دون مسافة القصر.

والقول الراجح هو قول الجمهور وهو أنه يُضم مال الواحد بعضه إلى بعض، ولهذا ابن قدامة في المغني لما ذكر الخلاف في المسألة اختار قول الجمهور، وقال: هذا هو الصحيح إن شاء الله، وهذا من إنصافه، ابن قدامة مع أنه حنبلي لكن لما ذكر قول الجمهور رجحه، وقال: هذا هو الصحيح إن شاء الله، فالأقرب من جهة الدليل ومن جهة الأصول والقواعد الشرعية، هو قول الجمهور، وهو أن مال الإنسان يُضم بعضه إلى بعض، كما أن المال في غير بهيمة الأنعام يُضم، لو كان عندك مبلغ هنا في حساب بنك في الرياض، ومبلغ آخر في حساب بنك في مكة أو في المدينة يضم بعضه إلى بعض، كذلك إذاً في بهيمة الأنعام، فإذا القول الراجح هو قول الجمهور وهو أنه يُضم مال الواحد بعضه إلى بعض خلافا للمذهب عند الحنابلة.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض