الخثلان
الخثلان
باب صلاة العيد
10 جمادى الأولى 1438 عدد الزيارات 1581

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل في الفقه، كنا قد وصلنا إلى صلاة العيد.

قال المؤلف رحمه الله: "صلاةُ العيدِ، فَرْضُ كِفَايَةٍ".

قوله: "صلاةُ العيدِ": من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي الصلاة التي سببها العيد، والمراد بالعيد: عيد الفطر وعيد الأضحى، وسُمي العيد عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرر كل عامٍ.

وللمسلمين عيدان في السنة، هما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وهناك عيدٌ ثالث وهو عيد الأسبوع الذي هو الجمعة، قد سماه النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا.

وليس للمسلمين عيدٌ غير هذه الأعياد الثلاثة، فاتخاذُ عيدٍ غير هذه الأعياد بدعةٌ، وإنما يكون اتخاذ العيد بتعظيم الزمن وتكرره، إذا عُظم زمن معين وأصبح متكررًا فيكون عيدًا، حتى لو قال الإنسان: ما اتخذتُ عيدًا.

طيب، لو كان هذا الزمن المعظم المتكرر لا يُؤتى فيه بعبادات، إنما يُؤتى فيه بلعبٍ ولهو، هل يدخل في العيد الممنوع؟ نعم؟

الطالب: ....

الشيخ: نعم يدخل بالنص، لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وجد لهم عيدين، يلعبون ويلهون فيهما، فقال: «إن الله قد أبدلكم بخيرٍ منهما، عيد الفطر وعيد الأضحى»، فيكون عيدًا بتعظيم الزمن وتكرره، حتى وإن كان فيه مجرد لهو.

اتخاذ عيدٍ غير عيد الفطر وعيد الأضحى في السَّنة، من البدع المحدثة.

قوله: "صلاةُ العيدِ، فَرْضُ كِفَايَةٍ".

هذا هو المذهب عند الحنابلة وهو أحد أقوال العلماء في هذه المسألة، والمسألة فيها ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنها فرض كفاية، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو المقول الذي مشى عليه المصنف رحمه الله.

والقول الثاني: أنها سنّة وهو مذهب المالكية والشافعية.

والقول الثالث: أنها فرض عين، وهو مذهب الحنفية.

أما من قال: إنها فرض كفاية، فقالوا: لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بها، حتى إنه أمر بإخراج العواتق والحيّض، وذوات الخدور، ومع أن الحيّض لا يصلين، إنما يعتزلن المصلى، وأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، ولذلك فإنها فرض كفاية؛ لأن شعائر الإسلام الظاهرة تحصل بأداء بعض المسلمين لها، وليست مطلوبة من الجميع.

واستدل أصحاب القول الثاني، وهم القائلون: بأنها سنة، بقصة الأعرابي الذي أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسأله أسئلة، وكان مما سأله عن الصلاة، ماذا يجب عليه منها؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تتطوع». هذا الحديث في الصحيحين.

قالوا: فدلّ مثل هذا الحديث على أن الصلوات غير الصلوات الخمس أنها من التطوع وليست من  الواجبة.

أما أصحاب القول الثالث، وهم الحنفية؛ الذين قالوا: إن صلاة العيد فرض عين، فاستدلوا بأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها لجميع الناس، حتى إنه أمر بها العواتق والحيّض وذوات الخدور، وهذا يدل على تأكدها، وأنها فرض عين على الجميع.

والقول الراجح هو القول الأول، وهو: أن صلاة العيد فرض كفاية؛ لأن المقصود بها إظهار شعائر الإسلام، ومما يدل لذلك أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإخراج الحيّض، مع أنهن لا تصح الصلاة منهن أصلًا؛ لأن إخراجهن في صلاة العيد فيه مبالغةٌ في إظهار شعائر الإسلام، وهذا من شأن فروض الكفايات، لا فروض الأعيان.

وأما ما استدل به الحنفية، فنقول: إن صلاة العيد لو كانت فرض عين، لما أُمر الحيّض بالخروج؛ لأنهن لا  تجب عليهن الصلاة، بل ولا يجوز لهن أن يصلين.

ولهذا قال الحافظ ابن حجر: اُستدل بهذا الحديث على وجوب صلاة العيد، وفيه نظر؛ لأن من جملة من أُمر بذلك مَن ليس بمكلف، فظهر أن القصد منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة في الاجتماع.

فإذن واضح وظاهر مقصود الشريعة من صلاة العيد: إظهار شعائر الإسلام، ولهذا أُمر بها الجميع، كونه أُمر بها الحيّض دليلٌ على أنها من فروض الكفايات، وليست من فروض الأعيان؛ لأنه أُمر بها من ليس بمكلف، وعُلم مقصود الشرع منها: إظهار شعائر الإسلام.

وعلى هذا، فالقول الراجح: أن صلاة العيد فرض كفاية، كما هو القول الذي مشى عليه المصنف رحمه الله.

قال: "تَسْقُطُ بِفِعْلِ أَرْبَعِينَ"؛ أي أنه يُشترط لها في العدد ما يُشترط في الجمعة، وسبق في الدرس السابق أن ذكرنا الخلاف في العدد المعتبر لصلاة الجمعة، ذكرنا: أن أبرز الأقوال ثلاثة:

القول الأول: أربعون، والثاني: اثنا عشر، والثالث: ثلاثة؛ اثنان يجتمعان وواحد يخطب، ورجّحنا ماذا؟ القول الثالث: هو أن العدد المعتبر للجمعة ثلاثة؛ اثنان يستمعان وواحد يخطب.

وهكذا أيضًا هنا نقول: القول الراجح في العدد في صلاة العيد ثلاثة، أن العدد المعتبر ثلاثة؛ اثنان يستمعان، وواحدٌ يخطب.

وعلى هذا، نقول: بناء على القول الراجح، نقول: إنها تسقط يعني فرض الكفاية بفعل ثلاثة، وليس بفعل أربعين.

قال: "وتُسَنُّ في الصَّحْرَاءِ"؛ أي يُسن إقامة صلاة العيد في الصحراء، قريبًا من البنيان؛ لأن هذا هو هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان هناك مصلّى للعيد، من الجهة الشرقية، قريبة من البقيع، فكان هو مصلى العيد، يصلي فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العيد.

ولم يُنقل عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى في المسجد، إلا في حديثٍ؛ حديث أبي هريرة أنه صلى في المسجد في يوم مطر، لكنه ضعيف، سيأتي الكلام عنه.

فالسنة إذن أن تُصلى في الصحراء قريبة من البنيان، وألا تصلى في المساجد، واستثنى الفقهاء من ذلك المسجد الحرام، وقالوا: إن المسجد الحرام، السنة أن تُصلى صلاة العيد في المسجد الحرام نفسه؛ لأنه خير بقاع الأرض، ولذلك  استثنوا المسجد الحرام من ذلك.

قال: "إلا من عُذرٍ"؛ كمطرٍ مثلًا، أو شدة برد أو نحو ذلك فتُصلى في المسجد، وقد رُوي في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنهم أصابهم مطر في يوم  عيدٍ، فصلى بهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة العيد في المسجد.

هذا الحديث أخرجه أبو داود لكنه ضعيف من جهة الإسناد، لا يصح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لذلك يُعلم أنه لم يثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى صلاة العيد في المسجد، فينبغي أن يكون الأصل أن تُصلى صلاة العيد في المصلى، ولا يكون الاصل أنها  تُصلى في المسجد.

وواقع الناس اليوم للأسف أصبح العكس، واقع المسلمين في العالم الإسلامي أصبح العكس، فيصلونها في المساجد، وصلاتهم العيد في المصلى أصبحت خلاف الأصل.

هذا خلاف السنة، وينبغي للجهات المسؤولة عن المساجد في العالم الإسلامي تهيء المصليات للأعياد، وأن يُحرص على تطبيق هذه السنة ما أمكن، وأن يكون الأصل هو صلاة العيد في المصلى، وصلاة العيد في المسجد تكون لعذر، إما لضيق المصلى، أو لكثرة الناس ونحو ذلك.

يعني لا تُجعل صلاة العيد في المصلى هي الأصل، هذا هو الذي ينبغي، فإذا لم تُحيا هذه السنة بالفعل، ويجعل الأصل في المصلى، لا أقل من أن تبين ذلك بالقول.

الطالب: ....

الشيخ: أي نعم، لا شك أن المصلى حتى وإن كان داخل المدينة صلاة العيد فيه أفضل من صلاتها في المسجد، لكن في عهد النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان الناس قليل، كانوا يخرجون في الصحراء قريبة من البنيان.

قال: "وتعجيلُ الأَضْحَى، والإمساكُ حتى يُصَلِّيَ".

تعجيل الأضحى؛ يعني يُسن، تعجيل؛ يعني تقديم صلاة عيد الأضحى، وذلك بأن تُفعل في أول وقتها، والحكمة من ذلك، قالوا: حتى يتسع وقت الأضحية؛ لأن الأضحية لا تصح إلا بعد الصلاة، فيُستحب إذن للخطيب أن يبادر بصلاة عيد الأضحى في أول وقتها.

"والإمساكُ حتى يُصَلِّيَ"؛ يعني مقصوده بالإمساك أنه لا يأكل ولا يشرب شيئًا حتى يصلي، وذلك حتى يأكل من أضحيته، فيكون فطره عليها، فكان هذا هو هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان لا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي، كما جاء عند الترمذي وغيره.

"عَكْسَ الفطرِ"؛ يعني في هاتين المسألتين عكس الفطر؛ فيُشرع للخطيب أن يؤخر صلاة عيد الفطر قليلًا لأجل أن يتمكن الناس من إخراج زكاة الفطر، كما في الحديث السابق: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم.

وظاهر هذا أنه يؤخر صلاة عيد الفطر، والحكمة من ذلك، كما ذكرنا: حتى يتسع وقت إخراج زكاة الفطر.

وأيضًا يُسن أن يأكل قبل خروجه لصلاة عيد الفطر تمرات، كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا، والحكمة من ذلك: تحقيق الفطر، فإذا بادر لأكل تمرات قبل صلاة العيد حقق الفطر في ذلك اليوم، الذي يحرم صيامه.

بعد طلوعها إلى الزوال.

وارتفاع الشمس المقصود به: ارتفاعها قيد رمح كما قال الفقهاء، ارتفاعها قيد رمح في عين الناظر، وليس في حقيقة الأمر، وهذا -يعني ارتفاعها قيد رمح- في حدود عشر دقائق تقريبًا، سبرتها ووجدت أن ارتفاعها في قيد رمح في حدود عشر دقائق تقريبًا.

وإذا أردت أن تعرف ذلك الآن يعني بالتقاويم،  انظر إلى شروق، تجد موجود صلاة الفجر، الشروق، الظهر، العصر، المغرب، العشاء، انظر إلى خانة شروق، اضف لها عشر دقائق، تكون بهذا قد ارتفعت الشمس وخرج وقت النهي.

فمثلًا هذا اليوم الذي نحن فيه الآن السادس من ربيع الأول 1438هـ، تشرق الشمس الساعة السادسة، وثلاثًا وعشرون دقيقة، متى ينتهي وقت النهي، وترتفع الشمس قيد رمح؟ السادسة وثلاثة وثلاثون دقيقة، يكون حسابها بهذه الطريقة.

لكن صلاة عيد الأضحى يفضل أن يصليها في أول الوقت، وصلاة عيد الفطر يؤخرها قليلًا.

الطالب: ....

الشيخ: ما لها ضابط معين، طبعًا الناس في الزمن السابق، كان أكثر الناس يخرجون زكاة الفطر بعد صلاة الفجر، وقبل صلاة العيد، لكن في وقتنا الحاضر، سبحان الله! قلة من الناس الذين يُخرجون زكاة الفطر بعد صلاة الفجر يوم العيد؛ بسبب كثرة الناس، وصعوبة المواصلات ونحو ذلك أدى إلى اختلاف حال الناس.

الناس فيما قبل كانوا قلة، وأحوالهم بسيطة، كانوا يُخرجون زكاة الفطر بعد صلاة الفجر، وقبل صلاة العيد، وواقع الناس اختلف.

وعلى هذا، يؤخرها قليلًا بقدر ما تحصل به السنة، يعني لو جعلها مثلًا في عيد الفطر بربع ساعة، أو عشر دقائق، يعني قد يكون هذا مناسب.

قال: "فيخرج على أحسنِ هيئةٍ"؛ أي أنه يتجمل في لباسه، وهذا هو هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قد كان حُلّة يلبسها في العيدين، والجمعة، كما جاء في حديث عمر وغيره، فينبغي أن يحرص المسلم على أن يأخذ زينته في الصلاة، وتتأكد هذه الزينة في الجمعة وفي العيدين.

وأخذ الزينة يختلف باختلاف الأعراف، والبيئات، فمثلًا: عندنا في المملكة من أخذ الزينة لبس المشلح، ولذلك تجد أن الناس يلبسونه مثلًا في الزواج، في المناسبات المهمة.

وعلى هذا، فيُشرع لُبسه في الجمعة، والعيد، بل يُسن هذا؛ لأن هذا من أخذ الزينة الذي أمرنا الله به، ونرجع في ذلك للعرف؛ لأنه في بعض البلدان قد لا يكون لُبس المشلح، تكون ملابس أخرى تُلبس في المناسبات المهمة، فتُلبس في الجمعة وفي العيدين.

قال: "إلا المُعْتَكفَ ففي ثيابِ اعتكافِهِ"؛ أي أن المعتكف لا يُشرع في حقه التجمل، وإنما يخرج لصلاة العيد في ثياب اعتكافه، ولو كانت غير نظيفة، قالوا: لأن هذه الثياب أثر عبادة، فينبغي أن يبقى أثر العبادة عليها، وكما يُشرع في دم الشهيد أن يبقى عليه.

ولكن هذا محل نظر، إذ لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، ويخرج لصلاة العيد في أحسن ثياب، وأكمل الهدي هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأما قولهم: بأن وسخ ثياب المعتكف من أثر العبادة، فهذا غير صحيح، لا يُسلم بهذا، ولكن وسخ ثياب المعتكف إنما يكون من طول بقائها عليه، ولهذا لو اعتنى المعتكف بثيابه، وكان يغسلها كل يوم،  وكل يومين، ما يكون فيها وسخ.

وأيضًا لو لبس ثوبًا نظيفًا في آخر يوم من رمضان، أو في ليلة العيد، لما  كان هناك أثر لهذا الوسخ في الغالب، ولا يصح القياس على دم الشهيد؛ لأن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فلا يصح القياس عليه.

وعلى هذا فهذا الاستثناء محل نظر، والصواب عدم الاستثناء، وأن المعتكف كغيره يُسن له أن يلبس في يوم العيد أحسن ملابسه، وهذا القول الذي ذكره المؤلف لا دليل عليه؛ في أن المعتكف ينبغي أن يأتي يوم العيد بثياب اعتكافه ولو كانت متسخةً، هذا لا دليل عليه، والصواب خلافه؛ لأن أكمل الهدي هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد كان يعتكف ويأتي العيد في أحسن ثيابه.

قال: "فيصلي ركعتينِ"؛ وهذا بالإجماع، صلاة العيد ركعتان.

"يُكبِّرُ في الأولى بَعْدَ استِفتاحِهِ ستًا"؛ يعني يُكبر ست تكبيرات غير تكبيرة الإحرام، تكون مع تكبيرة الإحرام سبع تكبيرات، ثم يتعوذ، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة بعدها.

"وفي الثانيةِ بَعْدَ الرَّفعِ خَمسًا"؛ يعني يكبر في الركعة الثانية بعد تكبيرة الانتقال خمس تكبيرات، يكون مجموعها مع تكبيرة الانتقال ست تكبيرات، وهذه تسمى تكبيرات الزوائد.

قال: "بعد الرفع خمسًا، يَرفَعُ يَدَيهِ مَعَ كُلٍّ"؛ هذه هي السنة، السنة رفع اليدين مع كل تكبيرة.

"ويذكرُ اللَّهَ تعالى ، ويُصلِّي على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"؛ يعني بين كل تكبيرتين، فإذا قال: الله أكبر، يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، وصلى الله على محمد النبي، وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، فيأتي بهذا الذكر على رأي المؤلف.

وهذا قد رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن كان يقول بين كل تكبيرتين: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، وصلى الله على محمد النبي، وآله وسلم تسليما.

ولكن هذا الذكر لم يرد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه، على أن في سند ثبوته عن ابن مسعود مقال، لكن على تقدير ثبوته عن ابن مسعود رضي الله عنه.

فأكمل الهدي هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يُنقل عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول بين تكبيرات الزوائد شيء، ولو كان يقول شيئًا لنُقل؛ لأن هذا مما  تتوافر الدواعي لنقله، وقد نقل الصحابة ما هو أقل من هذا، نقلوا حتى اضطراب لحيته في الصلاة، نقله الصحابة.

فهذا يدل على أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يقل بين التكبيرات الزوائد في صلاة العيد شيئًا، ولهذا فالصواب: أنه لا يُشرع أن يقال بين التكبيرات الزوائد في صلاة العيد أي شيء، إنما يكبر فقط بدون ما يقول شيء؛ الله أكبر، الله أكبر من غير أن يقول بينها شيئًا، هذا هو القول المرجح عند المحققين من أهل العلم.

قال: "وَتُدْرَكُ بتكبيرةٍ"؛ أي تُدرك صلاة العيد بتكبيرة، ومعنى ذلك أن من كبّر قبل سلام الإمام فقد أدرك العيد، ويقضيها على صفتها، وهذا قياسًا على صلاة الفريضة، فإن المذهب عند الحنابلة أنها تُدرك بتكبيرة.

وسبق أن ذكرنا هذه المسألة، وذكرنا الخلاف فيها بين العلماء، وذكرنا: أن القول الراجح: أن الصلاة تُدرك بماذا؟ بركعة؛ لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». متفقٌ عليه.

وعلى هذا، فيكون القول الراجح في هذه المسألة: أن صلاة العيد تُدرك بماذا؟ بركعة، هذا هو القول الراجح عند كثير من المحققين من أهل العلم.

قال: "وإن فاتتهُ سُنَّ له قضاؤها على صِفَتِهَا"؛ أي إن فاتته صلاة العيد سُن له قضاؤها في يومها، وفي وقتها؛ يعني قبل الزوال على صفتها من التكبيرات الزوائد ونحوها.

ومن أهل العلم من ذهب إلى أن صلاة العيد إذا فاتت فإنها لا تُقضى؛ لأنها تُصلى جماعة على صفةٍ معينة، فإذا فاتت فات وقتها ومحلها.

والأظهر والله أعلم أنها تُقضى، كسائر الصلوات إذا فاتت فإنها تُقضى، فلو أن رجلًا مثلًا أتى وقد صلى الناس صلاة العيد، والخطيب في الخطبة، يُشرع له أن يصلي صلاة العيد على صفتها هذا هو الأظهر والله أعلم.

فالأقرب هو ما مشى عليه المصنف؛ لأنها إذا فاتت سُن له قضاؤها على صفتها.

الطالب: ....

الشيخ: الأمر واسع في هذا، يصلوها جماعة أو أفرادًا، الأمر في هذا واسع.

قال: "ثُمَّ يَخْطُبُ ثنتينِ"؛ يعني يخطب خطبتين، "يستفتحُ الأولى بتسعِ تكبيراتٍ والثانيةَ بسبعٍ".

وهذا هو قول الجمهور: أن العيد لها خطبتان، واختلف العلماء في هذه المسألة، هل العيد له خطبة واحدة، أو لها خطبتان، فمن أهل العلم من قال: إن العيد لها خطبتان، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، منهم الحنابلة، قالوا: لأن الظاهر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخطب خطبتين.

والقول الثاني: أن للعيد خطبةً واحدةً، قالوا: لأن هذا هو ظاهر ما ورد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما خطب خطبة واحدة، ثم ذهب إلى النساء فوعظهن، وذكرهن.

فبعض الفقهاء اعتبر ذهاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنساء، وموعظتهن اعتبرها خطبة، وهي في الواقع ليست خطبة جديدة، وإنما متعلقة بالخطبة التي خطبها للرجال، لكن لما كان النساء يصلين بعيدات، فربما لم يسمعن وخفي عليهن بعض كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخطبة للرجال، فذهب لهن ووعظهن.

وهذا القول هو الأقرب والله أعلم؛ أن العيد له خطبة واحدة، وهذا هو رأي الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله، فيقال: إنه فعله في آخر حياته.

ولكن الخطيب فيما يتعلق بالشأن العام عليه أن يلتزم بما عليه الفتوى العامة، وأن يجعل اجتهاداته الخاصة لنفسه، ما دامت الفتوى العامة في البلد أنها خطبتان، يلتزم بهذا خاصةً أنها قول جمهور الفقهاء.

أرى أن يلتزم بذلك، واجتهاده الخاص يكون لنفسه، إلا أن يكون عالمًا كبيرًا، مما يُهتدى به، فيمكن أن يفعل ذلك، كما حصل للشيخ ابن عثيمين رحمه الله، أما من عداهم فيتقيد بالفتوى العامة في البلد، ويجعلها خطبتين كما هو قول الجمهور، ولا يطبق اجتهاداته الخاصة فيما يتعلق بالشأن العام.

قال: "يستفتحُ الأولى بتسعِ تكبيراتٍ والثانيةَ بسبعٍ"؛ يعني أنه يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات، ويستفتح الخطبة الثانية بسبع تكبيرات، وقد رُوي في هذا أثر عن أحد التابعين، وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: السنة أن يبتدأ التكبير في خطبته الأولى تسع تكبيرات، قبل أن يخطب، والأخرى بسبع، ولكن هذا لم يرد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن الصحابة، وإنما ورد من قول هذا التابعي اجتهادًا منه.

ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن خطبة العيد يُشرع افتتاحها بالحمد لله عز وجل، قالوا: لأنه لم يُنقل أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افتتح خطبته بغير الحمد.

قال ابن القيم رحمه الله: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفتتح خطبه بالحمد لله، ولم يُحفظ عنه في حديثٍ واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير.

وعلى هذا، فالقول الراجح: هو القول الثاني، وهو: أن خطبتي العيدين تُفتتح بالحمد لله تعالى وليس بالتكبير، هذا هو القول الراجح في المسألة؛ إذ أن القول: بأنه يُشرع افتتاح خطبتي العيد بالتكبير لا دليل عليه، وظاهر ما نُقل عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خطبه أنه كان يفتتح جميع خطبه بالحمد لله.

جميع خطب النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان يفتتحها بالحمد لله، ولذلك فالمستحب للإنسان أن يفتتح الخطب والدروس والمحاضرات، والكلمات بماذا؟ بالبسملة، أو بالحمد، هذه الصفة.

فمثلًا: الدرس يُفتتح بالحمد، الحمد لله، أردت أن تلقي كلمة، تفتحها بالحمد لله، محاضرة بالحمد لله، بينما الكتب التي تُكتب والمؤلفات تُفتتح بالبسملة، هذا هدي النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ كان إذا كتب كتابًا بدأه ببسم الله الرحمن الرحيم. محمد رسول الله إلى هرقل مثلًا عظيم الروم، {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)}[النمل: 30].

فالكتب والرسائل، وما يُكتب يُفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، والخطب والكلام، وما يقال يفتتح بالحمد لله رب العالمين، هذه هي السنة في هذا، ولو افتتحها ببسم الله الرحمن الرحيم فلا بأس؛ يعني لو أحد ألقى كلمة وافتتحها ببسم الله الرحمن الرحيم فلا بأس، لكن إذا أردت الأقرب للسنة؛ أن تفتتح جميع الكلمات والخطب والمحاضرات، وكل ما يقال تفتتحه بالحمد لله رب العالمين؛ لأن هذا هو هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قال: "يَحُثُّهُمْ في الفطرِ على الصدقةِ، وفي الأضْحَى على الأُضْحِيَة".

ومراد المؤلف بالصدقة يعني: صدقة الفطر، زكاة الفطر، ولكن هذا محل نظر؛ إذ أنه إذا جاء وقت صلاة العيد، فقد انتهى وقت إخراج زكاة الفطر، فكيف يحثهم عليها، وقد انتهى وقت إخراجها؟!

ولهذا فالصواب: أنه لا يُشرع ذلك، وإنما يُشرع في آخر جمعة من رمضان؛ لأنها هي التي يستفيد المسلمون منها بحثهم على زكاة الفطر، وتبيين شيءٍ من أحكامها، فيستفيد المسلمون من ذلك في آخر جمعة من رمضان، أما أن  تقول ذلك في صلاة العيد، فإن هذا وقتٌ غير مناسب؛ لكونه قد خرج وقت إخراج زكاة الفطر.

قال: "وفي الأضْحَى على الأُضْحِيَة".

أما قوله: "وفي الأضْحَى على الأُضْحِيَة"؛ فصحيح، وقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل هذا.

قال: "مبينًا أَمْرَهُما"؛ فهو عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بيّن شيئًا من أحكام الأضحية في خطبة العيد، قال: «إِنَّ أَوَّلَ ما نبدأ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نصلي ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أصاب سُنَّتَنَا وَمَنْ نحر قَبْلَ الصلاة، فَإِنَّمَا هُوَ لحمٌ قدمه لِأَهْلِهِ»، فكان عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يذكر شيء من أحكام الأضحية في خطبة الأضحى.

فإذن نحن وافقنا المؤلف في قوله: "وفي الأضْحَى على الأُضْحِيَة"، ولم نوافقه في قوله: "في الفطرِ على الصدقةِ".

قال: "وَيُسَنُّ التكبيرُ ليلتَي العيدينِ".

انتقل المؤلف للكلام على التكبير المطلق، والمقيد.

قال: "وَيُسَنُّ التكبيرُ ليلتَي العيدينِ"؛ يعني هنا التكبير المطلق، أراد به المؤلف التكبير المطلق يُسن ليلتي العيدين؛ لقول الله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}[البقرة: 185]، وإكمال العدة يكون بغروب شمس آخر يوم من رمضان.

ولكن أيهما آكد؛ التكبير ليلة عيد الفطر، أو التكبير ليلة عيد الأضحى؟

الطالب: ....

الشيخ: طيب، الآية وردت في ليلة عيد الفطر، أو ليلة عيد الأضحى؟

عيد الفطر، فالتكبير ليلة عيد الفطر آكد؛ لأن الآية قد وردت فيه.

ولهذا قال عبد الله بن الإمام أحمد: قرأت على أبي: إذا خرج الناس يوم الفطر ويوم الأضحى يكبرون، قال الإمام أحمد: يوم الفطر أشد؛ لقول الله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}[البقرة: 185].

فالآية إنما وردت في ليلة عيد الفطر، وليس ليلة عيد الأضحى، وإن كان بعض الفقهاء: إن التكبير ليلة عيد الأضحى آكد، ولكن الصواب أن التكبير ليلة عيد الفطر آكد؛ لأن الآية وردت فيها.

إذن التكبير ليلتي العيدين من التكبير المطلق.

التكبير ليلة عيد الفطر يبدأ بإكمال العدة، وإكمال العدة يكون إما بغروب شمس يوم الثلاثين من رمضان، أو برؤية الهلال بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين.

فيُكبر إلى خروج الإمام إلى صلاة العيد، وقال بعض الفقهاء: إلى فراغ الإمام من الخطبة، وهو مذهب الحنابلة، ولكن الراجح: أنه إلى خروج الإمام إلى صلاة العيد؛ لأن الناس وقت الخطبة منشغلون بالصلاة وبالاستماع للخطبة.

فالصواب: أن التكبير يستمر إلى خروج الإمام إلى صلاة عيد الفطر.

وأما ليلة عيد الأضحى تبدأ بغروب الشمس إلى خروج الإمام إلى صلاة عيد الأضحى.

هذا هو التكبير المطلق في ليلتي العيدين.

قال: "وفي الأَضْحَى خَلفَ الفريضةِ جَماعةً".

هذا التكبير المقيد، يُسن التكبير المقيد في عيد الأضحى بعد صلاة الفريضة جماعةً، وأما عشر ذي الحجة فالتكبير فيها مطلق، وليس مقيد.

قال: "من فَجْرِ عَرَفَةَ إلى عصرِ آخرِ أيَّامِ التشريقِ"؛ يعني بيّن المؤلف وقت التكبير المقيد، لما أشار إلى التكبير في ليلتي العيدين، وأيضًا التكبير المقيد في الأضحى، رجع المؤلف وبيّن وقت ابتداء التكبير المقيد، ووقت انتهائه.

فقال: "من فَجْرِ عَرَفَةَ إلى عصرِ آخرِ أيَّامِ التشريقِ، إلا المُحْرِمَ فمن ظُهْرِ النَّحرِ".

فإذن عندنا تكبيران؛ تكبيرٌ مطلق، وتكبيرٌ مقيد.

التكبير المطلق: ليلة عيد الفطر، قلنا: من رؤية الهلال، أو من غروب شمس يوم الثلاثين إن لم ير الهلال، إلى صلاة العيد، هذا تكبيرٌ مطلق، وليس مقيد، ولذلك يُخطئ بعض الناس عندما يكبر بعد الصلوات، بعد صلاة المغرب أو العشاء ليلة العيد، أو الفجر.

كل هذا ليس تكبيرًا مقيدًا، هذا تكبير مطلق.

وأيضًا التكبير المطلق يبدأ من بداية عشر ذي الحجة إلى غروب شمس آخر أيام التشريق، هذا كله تكبيرٌ مطلق.

وأما التكبير المقيد الذي يكون أدبار الصلوات الخمس، فهذا يكون لغير الحاج من بعد صلاة فجر يوم عرفة، إلى عصر آخر أيام التشريق، كما قال المؤلف رحمه الله.

معنى ذلك: أن التكبير المقيد يكون بعد كم صلاة؟

نحسبها: فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، عندنا يوم عرفة خمس، والعيد خمس؛ يعني عشرة، يوم الحادي عشر خمس، خمس عشرة، يوم الثاني عشر خمس؛ عشرين.

اليوم الثالث عشر، كم صلاة؟ فجر، والظهر والعصر؛ ثلاثة، فأصبح كم المجموع؟ ثلاثًا وعشرين صلاة، فيكبر التكبير المقيد بعد ثلاثًا وعشرين صلاة تبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.

والتكبير المطلق والمقيد لم يرد فيه نصوص إلا فقط قول الله عز وجل: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}[البقرة: 185]، لكن وردت فيه آثار عن السلف، وحكى الإمام أحمد الإجماع على التكبير المقيد، فقيل له: بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، قال: بالإجماع؛ عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، وحكاية الإمام أحمد الإجماع يعني دقيقة، ولذلك يُعوّل العلماء عليها كثيرًا.

فالتكبير المقيد إذن فيه إجماع، والتكبير المطلق أيضًا وردت فيه آثار، دخول عشر ذي الحجة وردت فيه آثار عن الصحابة رضي الله عنهم، وأما ليلة عيد الفطر وردت فيه الآية: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}[البقرة: 185].

هنا المؤلف قال: "وفي الأَضْحَى خَلفَ الفريضةِ جَماعةً".

يُفهم منه أن مَن صلى منفردًا أنه لا يُكبر، وأن التكبير المقيد مختصٌ بالجماعة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

والقول الثاني: إنه يكبر حتى ولو صلى منفردًا، وهذا هو القول الراجح، وهو مذهب الشافعية؛ لأن ظاهر الآثار تشمل الجميع، تشمل من صلى منفردًا، أو من صلى في جماعة.

وعلى ذلك فالمرأة أيضًا إذا صلت في البيت وحدها، فإنها تكبر بعد الصلاة، فلا يختص التكبير المقيد بالجماعة، وإنما يكون دبر الصلوات الخمس، سواءً صلى الإنسان مع جماعة، أو صلى منفردًا كالمرأة في بيتها.

أما محل التكبير المقيد؛ أن يكون أدبار الصلوات، فيكون بعد الاستغفار ثلاثًا، وقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، والأصل أنه يكون بعد السلام مباشرة، ولكن هذا الذكر هو أخص بالصلاة من التكبير؛ لأنه استغفارٌ لما حصل في الصلاة من تقصير، فيبدأ أولًا، يقول: استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يكبر: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، وهذا بيّن المؤلف صفته.

قال: "وهو شَفْعٌ"؛ أي أنه يقرن التكبيرة بأخرى، فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ويربع التكبير: لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، هذه صفة التكبير.

وقيل: إنه يثلث التكبير، يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، والأمر في هذا واسع، رُوي هذا وهذا، والأفضل أن ينوع بينها، تارةً يثلث، وتارةً يربع، فالأمر في هذا واسع.

وإن كبر تكبيرتين فلا بأس؛ لأن المقصود: هو أن يأتي بالتكبير والتحميد والتهليل، وكما ذكرت: لم يرد في هذه المسألة نصوص، وإنما هي آثارٌ عن السلف فقط.

نعود لعبارة المؤلف، قال: "والتكبيراتُ الزوائدُ والخطبتانِ سنةٌ"

التكبيرات الزوائد على تكبيرة الإحرام سنة، وكذلك قال: الخطبتان؛ يعني أن خطبتي العيدين سنة، فاختلف العلماء في خطبتي العيدين، وحكم استماعهما، فمنهم: من ذهب إلى أن استماع خطبتي العيدين سنة، كما قال المؤلف رحمه.

وعلى هذا فيجوز لمن صلى صلاة العيد أن ينصرف ولا يستمع للخطبة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة كما قرر المؤلف رحمه الله.

مقصود المؤلف بقوله: "الخطبتان سنة"؛ يعني الاستماع للخطبتين سنة، واستدلوا بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ رضي الله عنه، قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ».

قالوا: وهذا  الحديث صريح؛ لأن الاستماع لخطبة العيدين سنة.

والقول الثاني: أن الاستماع لخطبة العيدين فرض كفاية؛ لمداومة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك، واستماع الصحابة لها، و لئلا تنصرف جموع المسلمين بلا موعظة ولا تذكير.

وهذا هو القول الراجح؛ لأنه يترتب على القول الأول لو أن جميع الناس انصرفوا ولم يخطب بهم الإمام صح ذلك، هذا خلاف هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كيف يصلوا صلاة العيد بدون خطبة؟! ولا يمكن أن نقول: إنه تجب الخطبة إلا إذا كان الخطيب والناس يستمعون.

فالأظهر والله أعلم أنها فرض كفاية، وأما حديث عبد الله بن السائب فقد أخرجه أبو داود والنسائي، والصواب أنه مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، وممن ذكر أنه مرسل: الإمام أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائي، وأبو زرعة، وغيرهم، فيكون ضعيفًا، فالحديث لو ثبت لكان حجة في هذه المسألة، لكنه ضعيف.

وعلى ذلك، فليس في المسألة شيءٌ صحيح، وانصراف جموع الناس عن الخطيب وهو يخطب، هذا خلاف السنة، وخلاف هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذه يفضي أيضًا إلى القول: بصحة صلاة العيد بغير خطبة، وهذا  خلاف السنة.

وعلى هذا، فالقول الراجح: أن الاستماع لخطبتي العيدين أنه فرض كفاية، لو أن أحدًا قام لا يُنكر عليه، لكن يقوم الناس كلهم، ولا يبقى أحد يستمع للخطيب، هذا لا يصح، ولا يجوز مثل هذا، ولا تصح صلاة العيد، إذا لم يكن هناك خطبة بعدها.

قال: "ولا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا ولا بَعْدَهَا في مَوضِعِهَا".

أي لا يصلي صلاة نافلة قبل صلاة العيد، ولا بعدها في موضعها؛ يعني في مصلي  العيد؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها.

لكن إذا كانت صلاة العيد في المسجد فإن السنة ألا يجلس إلا بعد أن يؤدي تحية المسجد، فيُشرع أن يصلي ركعتين تحية المسجد، لا لكونه عيدًا وإنما لكونه دخل المسجد، فيُستثنى من ذلك إذا كانت صلاة العيد في المسجد، أما إذا كانت صلاة العيد في المصلى، فالمصلى ليس بمسجد كقول أكثر الفقهاء، ومنهم مَن قال: إنه مسجد والصواب أنه ليس بمسجد وإنه مصلى؛ لأنه لا يأخذ حكم المسجد ولا خصائص المسجد، ولذلك فمصلى العيد هو مصلى وليس بمسجد، لكن إذا كانت صلاة العيد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين.

هذه أبرز الأحكام المتعلقة بهذا الباب. نأخذ صلاة الاستقساء؟ على كل حال الكلام في صلاة الاستسقاء ليس طويلًا.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض