الخثلان
الخثلان
باب الأذان الإقامة
8 جمادى الأولى 1438 عدد الزيارات 1490

تعريف الأذان:

قال المؤلف -رحمه الله- باب الأذان والإقامة، الأذان معناه في اللغة: الإعلام، ومنه قول الله –تعالى-: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}]البقرة:279[وأيضا قول الله –تعالى-: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ}]التوبة:3[ أي إعلام،فهذه إذاً مادة الأذان معناها في اللغة تدور حول معنى الإعلام، وتعريفه اصطلاحا: أحسن ما قيل في تعريفه: أنه التعبد لله –تعالى- بالإعلام بدخول وقت الصلاة بذكر مخصوص.

سبب مشروعية الأذان:

وقد شرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وسبب مشروعيته أنه لما صعب على الناس معرفة الأوقات تشاوروا في نصب علامة لها, فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام، قبل ذلك كانوا لما تشاوروا في ذلك قال بعضهم نتخذ ناقوسا ثم قالوا ناقوس كناقوس النصارى، فكرهوا، وقال بعضهم نتخذ قرنا فقالوا: قرن كقرن اليهود, فكرهوا، ثم بعد ذلك رأى عبد الله بن زيد الأذان في المنام ورآه كذلك عمر بن الخطاب أيضا فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قم يا بلال فأذن به)[ابن خزيمة: 361].

وأشهر مؤذني النبي -صلى الله عليه وسلم- بلال بن رباح وعبد الله بن أم مكتوم وأبو محذورة وسعد القرظي وأخو الصداء وأبو جحيفة، هؤلاء هم الذين أذنوا للنبي -صلى الله عليه وسلم، وأبو محذورة قصتة عجيبة كما جاء عند النسائي وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما خرج من حنين سمع صبية يؤذنون يستهزئون بالأذان، فأرسل إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتوا, وطلب من كل واحد منهم أن يؤذن وقال: (إني سمعت أذانا بصوت حسن) فطلب من كل واحد منهم أن يؤذن حتى أذن أبو محذورة فناداه وأجلسه بين يديه ومسح على ناصيته وبرك عليه ثلاث مرات ثم قال: (اذهب فأذن به عند البيت الحرام) ]النسائي: 632 ، قال الألباني: حسن صحيح[فأصبح أبو محذورة هو مؤذن النبي -صلى الله عليه وسلم- فانظروا كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استثمر هذا الموقف لم يعاتبه لم يعنفه لم يعاقبه بل استثمر فيه، قال: سمعت أذانا لرجل حسن الصوت من هو؟ فلما علم بأن هذا الرجل قال: إنك حسن الصوت، إذاً أذن بهذا الأذان فاستثمر النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الموقف فكسب هذا الرجل وأسلم، بل أصبح مؤذن النبي -عليه الصلاة والسلام- فانظر إلى كيفية يعني كسب النبي -عليه السلام- للمواقف، كان بالإمكان أن يقول: من هذا الذي يستهزئ ويعاتبه ويعنفه ويبقى هذا الرد على حاله، ربما يبقى على كفره، لكن انظر - كيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا الموقف بإيجابية ورأى أن فيه خصلة حسن الصوت انطلق منها حتى وصل إلى قلب هذا الرجل فأسلم وجعله مؤذنا له.

وقد اختلف العلماء أيهما أفضل الأذان أم الإمامة على قولين:

 القول الأول: أن الإمامة أفضل من الأذان, والى هذا ذهب الحنفية والمالكية, واستدلوا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين إنما تولوا الإمامة, ولم يتولوا الأذان, ولو كان الأذان أفضل لتولوه.

 القول الثاني: أن الأذان أفضل, وهو مذهب الشافعية والحنابلة, واستدلوا بما ورد في فضل الأذان من أحاديث, ومنها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لو يعلم الناس ما في النداء -يعني الأذان- والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) متفق عليه  النداء يعني الأذان يعني لو علموا ما في الأذان من الفضل والأجر والثواب لتنافسوا حتى يقرع بينهم أيهم يؤذن، وأيضا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة)رواه مسلم[وقوله -صلى الله عليه وسلم- )لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) أ،خرجه البخاري: 3053[وما جاء في معنى هذه الأحاديث، قالوا: فقد ورد هذا الفضل العظيم في الأذان ولم يرد مثله في الإمامة.

أي القولين أرجح الأذان أفضل أم الإمامة؟ نعم إذا نظرنا للأدلة نقول الأذان لا شك أنه ورد في فضله ما لم يرد في الإمامة, فالقول الراجح والله أعلم أن الأذان أفضل من الإمامة إلا في حق الإمام الأعظم فإن الإمامة أفضل، ولهذا قال ابن تيمية -رحمه الله- "إمامة النبي -صلى الله عليه وسلم- وإمامة الخلفاء الراشدين كانت متعينة عليهم فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يكن يمكن الجمع بين الأذان والإمامة فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل" وقول ابن تيمية -رحمه الله- لخصوص أحوالهم هل يقاس على هذا مثلا العالم أو طالب العلم الذي ينشر العلم ويدعو إلى الله تعالى, فيقال الإمامة في حقه أفضل باعتبار أن الإمامة أسهل من الأذان وأيسر, ربما يحتمل أن يقال بهذا, لكن لأكثر الناس الأذان أفضل؛ لأنه ورد في فضله ما لم يرد في الإمامة, ولأن الأذان أكثر مشقة من الإمامة، فإن المؤذن يأتي قبل الوقت، وينتظر دخول الوقت ثم يؤذن ويبقى حتى تقضى الصلاة، بينما الإمام السنة بحقه أن يأتي وقت الإقامة وقت الإقامة، هذا الأفضل، فالتبكير المأمور به إنما هو للمأموم وليس للإمام كما أن الخطيب يوم الجمعة الأفضل أن لا يأتي إلا وقت الخطبة، هكذا أيضا الإمام الأفضل ألا يأتي إلا وقت إقامة الصلاة, لأن هذا هو هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمر في هذا واسع, لكن إذا أردنا الأقرب للسنة الأقرب للسنة هو هدي النبي -عليه الصلاة والسلام- كان -عليه الصلاة والسلام- لا يأتي للمسجد مبكرا, لأنه الإمام إنما يأتي وقت إقامة الصلاة، فهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة أن يقال أن اكثر الناس الأذان في حقهم أفضل لكن الإمام الأعظم أو العالم الكبير ونحو ذلك الإمامة في حقه أفضل

الذي يظهر أن من أذن لمدة طويلة عرفا يدخل في هذا الفضل (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة)، مدة طويلة عرفا يعني بقي مثلا سنة فأكثر فهذا يعني يقال أنه مؤذن وتولى الأذان، لكن لو أذن يومل يومين، أسبوعا شهرا هذه مدة قصيرة، هذا الذي يظهر الله أعلم،  

ويدل ذلك قول عمر -رضي الله عنه- "لولا الخلافة لأذنت" وهذا يؤكد رجحان هذا القول أن الأذان لأكثر الناس هو الأفضل.

قوله:«وهما»يعني الأذان والإقامة (فرض كفاية)،  يعني إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين وإن تركوه جميعا أثموا، ويدل على أنه من فروض الكفاية قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمالك بن الحويرث (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم)]البخاري: 592 ، مسلم: 1567[وهو من شعائر الإسلام الظاهرة، يعني ينبغي أن يكون موجودا في البلد لكن لو أن مسجدا من المساجد تخلف المؤذن ولم يؤذن فيه أحد فلا حرج، صلاة الناس صحيحة وتامة لكن لا يترك الأذان كله في البلد، ولهذا سيأتي بعد قليل كلام المصنف أنه لو تركه أهل بلد قوتلوا عليه.

قوله:«على الرجال» أي أن الأذان والإقامة إنما هو من فروض الكفاية على الرجال، وهو مشروع في حق الرجال أما النساء فليس عليهن أذان ولا إقامة لقول أسماء بنت يزيد "ليس على النساء أذان ولا إقامة " ولأن النساء لسن من أهل الجماعة والجمعة فلا يشرع في حقهن الأذان ولا الإقامة.

وقوله "على الرجال" ظاهر كلام المصنف أنه يشمل ما إذا اقيمت الصلاة جماعة أو صلى الإنسان وحده منفردا فإنه يشرع الأذان, لكن إذا كانو في الحضر فيكتفى بأذان المساجد, أما إذا كان في السفر أو في البرية ونحو ذلك ويشرع الأذان للجماعة وللمنفرد، إذاً إذا كانوا في الحضر يكتفى بأذان المساجد وتقام الصلاة يكتفى بالإقامة, أما إذا كانوا في السفر أو في البرية ونحو هذا فيشرع الأذان للفرد وللجماعة، ويدل لذلك حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية جبل يؤذن بالصلاة ويصلي يقول الله انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة)]أبوداود: 1205 ، وغيره، بسند لا بأس به.

قوله:«للصلوات الخمس» أي أن الأذان والإقامة يشرعان للصلوات الخمس فلا يشرعان لصلاة العيد ولا صلاة الكسوف ولا صلاة الجنازة وإنما للصلوات الخمس الصلوات الخمس الحاضرة, وكذلك أيضا الفائتة إذا كان في سفر، أما في حال الحضر فيكتفى بأذان المساجد.

قوله: «ويقاتل أهل الـمِصْر بتركهما»يعني لو أصر أهل بلد على ترك الأذان أو الإقامة فيجب مقاتلتهم, وذلك لأن الأذان والإقامة من شعائر الاسلام الظاهرة, وقتالهم من باب التعزير لإقامة هذه الشعيرة, وليس من باب استباحة دمائهم، لأنهم مسلمون، لكن من باب تعزيزهم لترك هذه الشعيرة من شعائر الاسلام الظاهرة، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا غزا قوما أمسك حتى يأتي الوقت فإن سمع أذانا كفَّ وإلا قاتلهم.

قوله:«وهو خمس عشرة»يعني الأذان خمس عشرة جملة، وهذا أذان بلال, وهو الأذان المشهور عندنا خمس عشرة جملة, التكبير أربع مرات في أوله الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر, ثم الشهادتان أربع مرات, أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا اله إلا الله مرتين, أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله مرتين, ثم الحيعلتين أربعا حي على الصلاة حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح حي الفلاح مرتين، ثم التكبير في آخره مرتين الله أكبر الله أكبر، ثم يختمه بكلمة التوحيد لا اله إلا الله، فأصبحت الجمل خمسة عشرة جملة, فهذا هو أذان بلال، وقد ذهب إلى هذا الحنابلة، وسئل الإمام أحمد إلى أي الأذان تذهب قال: "إلى أذان بلال". قيل: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد يعني في أذان بلال؟ قال: "أليس رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة فأقر بلالا على أذان عبد الله بن زيد" يعني مراد الإمام أحمد أن أذان بلال هو الذي استقر عليه الأمر في آخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- إذاً هذا هو المذهب عند الحنابلة, وكذلك أيضا عند الحنفية في الأذان.

والقول الثاني في المسألة أن الأذان المشروع هو أذان أبي محذورة، وأذان أبي محذورة تسع عشرة جملة وهو على صفة أذان بلال، إلا أنه يزيد فيه الترجيع، ومعنى الترجيع كما قال ابن قدامة: أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين أن يذكر الشهادتين مرتين يخفض بهما صوته، ثم يعيدهما رافعا بهما صوته فيقول سرا في نفسه: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، ثم يرفع صوته أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، ثم يقول سراً: أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يرفع صوته: أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، هذا معنى الترجيع، فإذن جمل الأذان في أذان أبي محذورة تسع عشرة جملة هو نفس أذان بلال لكن زدنا الترجيع في الشهادتين، يأتي بأشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ثم بعد ذلك يرفع صوته ثم أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله؛ ولهذا قال النووي -رحمه الله-: "قال جمهور العلماء على أن الترجيع ثابت مشروع وهو العود إلي الشهادتين مرتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت"، فإذاً يخفض صوته ثم يرفع صوته ويحتمل أنه يخفض صوته بهما جميعا ثم يرفع صوته بهما جميعاً, محتمل هذا وهذا, والأمر في هذا واسع، على هذه الصفة تكون جمل الأذان تسع عشرة جملة.

القول الثالث: أن الأذان سبع عشرة جملة وهو على صفة أذان أبي محذورة إلا أن التكبير في أوله مرتانوإلى هذا ذهب المالكية, واستدلوا بما جاء في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علم أبا محذورة الأذان هكذا، ولكن حديث أبي محذورة بتعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- الأذان قد جاء في صحيح مسلم بتثنية التكبير مع ترجيع الشهادتين لكنه جاء عند أصحاب السنن بتربيع التكبير مع الترجيع، فالشافعي أخذ برواية أصحاب السنن ومالك أخذ برواية مسلم، قال ابن القيم -رحمه الله-: "والذي صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تكرار التكبير في أوله أربعاً ولم يصح الاقتصار على مرتين" على أنه قد اختلف في نسخ صحيح مسلم, ولهذا قال النووي بعدما ساق رواية مسلم في حديث أبي محذورة في تثنية التكبير قال: "هكذا وقع الحديث في صحيح مسلم هي أكثر الأصول في أوله مرتان فقط ووقع في غير مسلم أربع مرات". قال القاضي عياض: "ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم أربع مرات" فإذاً اختلف في نسخ صحيح مسلم ففي بعضها أنها أربع مرات، ومن جهة الصناعة الحديثية المحفوظ هو ورود التكبير في أوله أربع مرات هذا هو الأقرب الذي عليه كثير المحققين من أهل العلم.

 وعلى ذلك فعند الترجيح نرجح بين حديث أبي محذورة الذي هو تسع عشرة جملة أو حديث بلال، حديث عبدالله بن زيد في صفة أذان بلال، وأما تثنية التكبير فقلنا: إن هذه الرواية غير محفوظة فلا تدخل معنا هنا.

والأفضل أن يؤذن تارة بأذان بلال وتارة بأذان أبي محذورة؛ لأن كلًا منهما قد وردت به السنة؛ ولهذا قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: "تمام السنة في مثل هذا أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا في مكان وهذا في مكان؛ لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضي إلى أن تجعل السنة بدعة والمستحب واجباً",

 لكن هذا ينبغي إلا يكون في المساجد العامة التي قد استقر الأمر فيها على أذان معين؛ لأن هذا يسبب تشويشا وإرباكا للعامة، فمثلا مساجد عندنا في المملكة استقر عمل الناس على أذان بلال، فينبغي أن يعني لا يؤذن بغيره حتى لا يسبب إرباكا، لكن يمكن تطبيق هذه السنة إذا كان الإنسان في السفر أو في البرية ونحو ذلك فتُحيا هذه السنة فهذا هو القول الراجح, بالنسبة لصفة الأذان. طيب إذاً حتى نضبط صفة الأذان الآن من يذكر لنا الأقوال في صفة الأذان، إذاً القول الأول: أذان بلال أذان بلال خمس عشرة جملة الأذان المعروف عندنا طيب. والقول الثاني: أنها تسع عشرة جملة الذي هو أذان أبي محذورة وهي صفة أذان بلال مع ترجيع الشهادتين أربع مرات فإذا أضفنا الأربعة مع خمسة عشر تسعة عشر. ورأي المالكية بنفس أذان أبي محذورة لكن بتثنية التكبير. وقلنا هذا قول ضعيف لا يلتفت اليه لأنه مبني على رواية غير محفوظة هذا بالنسبة إلى الأذان والراجح أنه يؤذن أما بأذان أبي محذورة تسع عشرة جملة أو بأذان بلال، أي نعم الرواية إنها ضعيفة وكما ذكرنا أصلا نسخ مسلم مختلفة ...نعم ممكن أن يؤذن ولا يظهر الصوت،يطبق في المسانجد؛ لأن الترجيع يكون سرا بينه وبين نفسه.

قوله عن لإقامة: «وهي إحدى عشرة»يعني جملة، والإقامة أيضا وردت على عدة صفات إقامة بلال التي هي إحدى عشرة جملة، الإقامة المعروفة نكبر في أولها مرتين ثم الشهادتين مرة مرة ثم حي على الصلاة حي على الفلاح مرة مرة ثم قد قامت الصلاة مرتين ثم التكبير مرتين ثم يختمها بكلمة التوحيد مرة واحدة فصار مجموع إحدى عشرة جملة، وقد اختار إقامة بلال الشافعي وأحمد قال: لمداومة بلال عليها بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 والقول الثاني: أن الإقامة عشر جمل كصفة إقامة بلال لكن مع إفراد قد قامت الصلاة يعني قد قامت الصلاة مرة واحدة، وهذا مذهب المالكية، لما جاء في الصحيحين عن أنس -رضي الله عنه- قال: (أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ) ]البخاري: 572 ، مسلم: 864[فقالوا: يوتر يعني أن يأتي بها مرة واحدة، لكن يلزم أصحاب هذا القول أيضا أن يوتروا التكبي،ر التكبير مرتين في أوله وأيضا في آخره، لكنهم يقولون اعتبر تكبيرتين كالجملة الواحدة هكذا يجيبون، لكن قال ابن قدامة: حديث أنس هذا مجمل وفسره حديث ابن عمر، يعني بتثنية الإقامة، فكان الأخذ به أولى. القول الثالث: في صفة الإقامة أن الإقامة تكون على صفة إقامة أبي محذورة وإليه ذهب الحنفية, وإقامة أبي محذورة كصفة أذان بلال, أي خمسة عشرة جملة, مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين فكم تكون الجمل؟ سبع عشرة جملة، إذاً إقامة أبي محذورة كصفة أذان بلال مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين فتكون سبع عشرة جملة.

وعند الترجيح الترجيح بين إقامة بلال وإقامة أبي محذورة، إقامة بلال إحدى عشرة جملة أو أبي محذورة سبع عشرة جملة. أما مذهب المالكية فهو هنا ضعيف؛ لأنه بنوه على فهم غير صحيح، ونحن أوردنا عليهم لماذا قالوا أيضا بتثنية التكبير ما داموا يلتزمون بحرفية (ويوتر الإقامة) فكان أيضا يلزمهم أن يقولوا التكبير مرة واحدة، فإذاً الترجيح منحصر بين إقامة بلال وإقامة أبي محذورة، ونقول كما قلنا في الأذان: كل قد وردت بهم السنة جميعا والأفضل التنويع بينهما فتارة تكون الإقامة بإقامة بلال وتارة بإقامة أبي محذورة، لكن في المساجد العامة التي استقر عليها عمل الناس ينبغي الالتزام بما استقر عليه عمل الناس, مثلا عندنا في المملكة استقر عمل الناس على إقامة بلال إحدى عشرة جملة، لكن في البلدان التي انتشر فيها المذهب الحنفي استقر عمل الناس على أذان أبي محذورة في باكستان والهند والبلاد التي انتشر فيها المذهبالحنفي تجد أن الإقامة عندهم إقامة أبي محذورة سبع عشرة جملة، لكن يمكن تطبيق هذه السنة بتنويعها إذا خرج الإنسان للسفر أو البرية أو نحو ذلك فيطبق هذه السنة يعني الإقامة المشهورة هي إقامة بلال، لو خرج مثلا مجموعة إخوة في سفر في بر ونحو ذلك يقيمون بإقامة أبي محذورة من باب تطبيق السنة والإتيان بها على جميع وجوهها، والسنة إذا وردت على وجوه متعددة ومتنوعة فالأفضل فالأفضل الإتيان بالسنة على جميع وجوهها.

 طيب نريد أن نلخص ما سبق بالنسبة للإقامة قلنا فيها ثلاثة أقوال من يذكر لنا مرة أخرى نعم إقامة بلال قامت بها المناسبة إقامة بلال كم جملة؟ إحدى عشرة جملة الإقامة المعروفة المشهورة طيب الثاني إقامة أبي محذوراة كم جملة؟ سبع عشرة جملة مثلا إذاً بلال زائد قد قامت الصلاة مرتين ورأي المالكية في المسألة عشر جمل، وإقامة بلال مع إفراد (قد قامت الصلاة) مرة واحدة و قلنا الأفضل الإتيان تارة بإقامة بلال وتارة بإقامة أبي محذورة.

قوله:«ويسن مؤذن صيِّت» أي إذاً انتقل المؤلف للكلام عن صفات المؤذن فذكر الصفة الأولى أن يكون المؤذن صيتًا أي رفيع الصوت؛ لأنه أبلغ في إعلام الناس، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اختار بلالا  لكونه كان صيتًا وكان حسن الصوت أيضا، ولهذا لم يأمر عبد الله بن زيد بالأذان، وإنما قال: (ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا)[البيهقي: 1873]، ولكن في وقتنا الحاضر مع وجود مكبرات الصوت هل نقول بأن هذا من الصفات التي ينبغي أن تكون في المؤذن؟ الآن المؤذنون يؤذن في مكبر الصوت، نعم الذي يظهر أنه لا يحتاج إليه، بل حتى رفع الصوت في المكبر يسبب إزعاجا للناس، لكن يؤذن بصوت معتدل فمع وجود مكبرات الصوت لا نحتاج إلى هذا الوصف، لكن نحتاج إلى أن نقول: ألا يكون الصوت أيضا ضعيفا؛ لأن الصوت الضعيف يضعف حتى في مكبر الصوت، ينبغي أن يكون المؤذن حسن الصوت بأن يؤدي الأذان به أداء حسنا.

قوله أيضا من صفات المؤذن: «عالم بالوقت»وكان الناس فيما سبق يتحرر المؤذن الوقت فيتحرر طلوع الفجر الصادق ويصعد فوق المنارة وفوق السطح، ويرقب طلوع الفجر فيؤذن عليه وكان الناس على هذا إلى وقت ليس بالبعيد، ويتحرى زوال الشمس ويتحرى أن يصبح طول ظل كل شيء مثله ويتحرى غروب الشمسن يكون عالما بالأوقات, أما في وقتنا الحاضر فقد أصبح الناس يعتمدون على التقاويم اعتمادا كليا, أين المؤذن الآن العالم بالأوقات؟ ولهذا ينبغي أن يعني يحرص طالب العلم على معرفة الأوقات على وجه عملى, لأنه في وقتنا الحاضر قل من يعرفه على وجه عملي يعني كيف يكون طلوع الفجر الصادق، كيف يكون الزوال، ما معنى يصبح طول ظل شيء مثله. ونحو ذلك.

قوله:«يُثوب بعد الحيعلةفي الصبح »التثويب معناه: قول المؤذن (الصلاة خير من النوم) وأصل مادة التثويب: الرجوع لشيء، ومعنى ذلك: أن المؤذن رجع إلي الدعوة للصلاة، فقال: حي على الصلاة حي على الفلاح ثم رجع مرة أخرى ودعا إلى الصلاة وبين أنها خير من النوم, هذا معني التثويب، وقوله: "بعد الحيعلة" الحيعلة مصدر مصنوع يعني من حي على الصلاة حي على الفلاح يعني بعد قول حي على الصلاة حي الفلاح يقول الصلاة خير من النوم في صلاة الفجر, ويقوله في الأذان الثاني، وقد دلت السنة علي أنه يقال ذلك في الأذان الثاني وليس في الأذان الأول, لأن الأذان الأول لا يوصف لكونه لصلاة الفجر أصلا, وإنما هو لأجل أن يوقظ النائم ويرجع القائم, يوقظ النائم كي يستعد لصلاة الفجر، ويرجع القائم فيوتر قبل أن يطلع الفجر.

قوله:: «ولا يؤذن قبل الوقت إلا لها»يعني لا يؤذن لأي صلاة قبل دخول الوقت إلا لصلاة الفجر فيجوز أن يؤذن لها قبل دخول وقت وهو ما يسمى بالأذان الأول، فإن صلاة الفجر لها أذانان: الأذان الأول الأذان الثاني، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، والأذانان متقاربان في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- كان متقاربين ولم يكن بينهما إلا أن يصعد هذا ويرقى هذا وقد ذكر الشراح أن المقصود أن بلال كان يؤذن ثم كان يدعو ويستغفر ثم يقابله ابن أم مكتوم في نزوله من على السطح، وهذا يدل على التقارب بين الأذانين فالسنة في الفرق بين الأذان الأول والثاني، يكون بقدر ما يتسحر المتسحر عادة، في حدود كم؟ عشر دقائق أو ربع ساعة، أما جعل ساعة كاملة فهذا بعيد عما كان عليه الأمر في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومثله الأذان الأول يوم الجمعة كان في عهد عثمان لم يكن بعيدا عن الأذان الثاني, وكان للتنبيه بقرب دخول الخطيب؛ لأنهم ما كان عندهم ساعات فكان يريد أن ينبههم أن اليوم يوم جمعة، وينبههم قبل دخول الخطيب ليأتوا واستعدوا وكان قريبًا من الأذان يعني الأذان الثاني، أما التبكير الآن الموجود عندنا يجعلون الأذان الأول قبل الأذان الثاني بنحو ساعة ونصف، هذا يجعل الأذان الأول ليس له كبير فائدة، ومثله الآن الأذان الأول التبكير به أيضا خلاف ما كان عليه الأمر في عهد النبوة، في عهد النبوة لم يكن بينهم إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا يعني بقدر ما يتسحر المتسحر.

فائدة: الفقهاء ذكروا أن المؤذن لا يؤذن الأذان الأول إلا إذا اتخذه عادة حتى لا يشوش على الناس، أما أنه يوم يؤذن الأول الأول ثم بعد أسبوع يؤذن الأذان الأول يربك الناس، لكن لابد يكون عادة كل يوم يؤذن الأذان الأول، ...نعم الأقرب هو حدود نصف ساعة حتى أقل من نصف لكن على أكثر تقدير نصف ساعة، ولذلك الآن في الحرم لما قدموا الأذان الأول شكرت المسؤولين في الرئاسة العامة لشئون الحرم النبوي وقلت لهم اثبتوا على نصف ساعة، لا تزيدوا على نصف ساعة، هذا مناسب وهو الأقرب لما كان عليه الأمر في عهد عثمان ولا تزيدوا على ذلك، فما عليه الآن للعمل في الحرمين في الأذان الأول هو الأقرب لما كان عليه الأمر في عهد الصحابة.

قوله:«وإنما يجوز مرتبا»يعني إنما يجزيء الأذان ويصح إذا كان مرتبا كما وردت به السنة، بأن يبدأ بالتكبير ثم والتشهد ثم الحيعلتان، ثم التكبير ثم التوحيد فليس فيه مجال للاجتهاد، وإنما نأتي به مرتبا.

قوله: « لا بفصل كثير» يعني لابد أيضا أن يكون الأذان متواليا فلا يكون بينه فاصل طويل,

قوله (ومحرَّم) ولا أيضا يكون بين الجمل الأذان فاصل محرم كغيبة مثلا أو قذف أو نحو ذلك.

قوله: «ويقول مستمعه مثله» يعني مستمع الأذان يشرع أن يقول مثلما يقول المؤذن لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)[مسلم: 875] وجاء في سنن أبي داود أن رجلا قال يارسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه) [أبوداود: 524 ، النسائي: 9872] .

قوله: «وإلافي حيعلة »استثنى المؤلف، يعني إلا في قول: حي على الصلاة حي على الفلاح، فيحوقل أي فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله مناسب جدا؛ لأن المؤذن ينادي المستمع يقول: حي على الصلاة، تعال وهلم وأقبل إلى الصلاة، فأنت تقول: لا حول لي ولا قوة لي إلا بالله -عز وجل-، إذا اعانني الله -سبحانه وتعالى- فسوف آتي، فالجواب هنا مناسب للنداء، حي على الصلاة حي على الفلاح؛ ولذلك لا تشرع إجابة المؤذن إلا إذا كنت لم تؤد الصلاة بعد، أما إذا كنت صليت ثم سمعت المؤذن يؤذن فلا تشرع إجابة المؤذن، فلو أنك صليت مثلا صلاة العشاء هنا في الرياض ثم سمعت الأذان منقولا من مكة المكرمة مباشرة فهل يشرع إجابته؟ لا تشرع؛ لأنه ينادي المؤذن يناديك يقول: حي على الصلاة، كيف تجيب وتقول: لاحول ولا قوة إلا بالله؟ فأنت قد صليت فلا تشرع إجابته، وهكذا أيضا الأذان عبر المسجل لا تشرع متابعته لأنه حكاية صوت، حتى لو كان في الوقت؛ لأنه حكاية صوت، مثل إذاعة القرآن أذان الظهر والعصر يؤتى بالأذان مسجلا، وأحيانا يؤتى بأذان أناس أموات، أحيانا يأتي أذان المنشاوي وأذان لناس ميتين فلا تشرع متابعته؛ لأنه حكاية صوت، وقد ذكر هذا بعض الفقهاء السابقين قالوا: إذاا أذن الببغاء لم تشرع متابعته، لأن بعض الناس يعلم الببغاء الأذان، قالوا إذا أذّن الببغاء لا تشرع متابعته، فالمسجل الآن مثل أذان الببغاء، فإذاً ما هو الأذان الذي تشرع متابعته؟ هو الأذان الذي تسمعه مباشرة أو منقول عبر وسائل الإعلام مباشرة، ولم تؤد أنت بعد الصلاة، أما إذا أديت الصلاة أيضا فلا تشرع المتابعة.

قوله:«ويسأل بعده الوسيلة» أي يأتي بالذكر المشهور، وهو (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته)، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من قال ذلك حلت له شفاعتي يوم القيامة) [البخاري: 579]وأنبه إلى أن الرواية المحفوظة هي رواية البخاري مقاما محمودا بالتنكير، وليست المقام المحمود نسمع أحيانا في الإذاعة وفي بعض وسائل الإعلام وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته، وهذا قد ورد في رواية النسائي وابن خزيمة لكنها غير محفوظة, والرواية المحفوظة هي رواية البخاري (مقاما محمودا) بالتنكير وليس بالتعريف المقام المحمود، وقد ذكر ابن القيم فروقا كثيرة بين التنكير والتعريف فقال: "إن التنكير أفضل من التعريف، المقام المحمود أفضل من المقام المحمود لوجوه الأول: موافقته للقرآن فإن الله –تعالى- قال: {عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}[الاسراء:79] ولم يقل المقام المحمود، الثاني: اتفاق أكثر الروايات عليها، الوجه الثالث: أن لفظ التنكير مقصود به التعظيم. والوجه الرابع: أن دخول الألف واللام يعينه ويخصه بمقام معين بينما الحذف يقتضي الإطلاق والتعدد, ومقاماته عليه الصلاة والسلام في الموقف كثيرة، والخامس: أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديما وتأخيرا وتعريفًا تنكيرا كما يحافظ على معانيه، ولهذا لما أتي الصفا قال: (ابدأ بما بدأ الله به)[النسائي: 2962،] فإذاً السنة الالتزام بما ورد وهو (وابعثه مقاما محمودا)، وليس المقام المحمود وإنما مقاما محمودا. أيضا مما ورد بالنسبة لمتابع الأذان بعد قول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله فإذا قال: أشهد أن محمدا رسولك يقول: وأنا أشهد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا ورسولا، إذاً السنة أن يقول المستمع للأذان بعد قول المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله يعني بعد الشهادتين أن يقول: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا ورسولا، قد جاء في صحيح مسلم أن من قال ذلك حين يسمع الأذان غُفر له ما تقدم من ذنبه. لكن ما موضعها ما موضع قول: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا؟ موضعها بعد الشهادتين يعني بعد قول: أشهد أن محمدا رسول الله، وليس بعد الفراغ من الأذان، وإنما بعد قول أشهد أن محمدا رسول الله؛ لأنه هكذا ورد الحديث، وهذا الذي عليه كثير محققين من أهل العلم اختيار شيخنا عبدالعزيز الباز وكذلك أيضا الشيخ محمد بن عثيمين -رحمهما الله تعالى- أن رضيت بالله ربا إنما يقال بعد الشهادتين وليس بعد الفراغ من الأذان، الحديث قال من قال: حين يسمع المؤذن هذا خاص بالمتابع، إذاً هذا هو اللفظ الوارد.  أيضا مما ورد الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي) [مسلم: 875] فالمتابع للأذان يقول: اللهم صل وسلم على نبيك محمد اللهم رب هذه الدعوة الدعوة التامة إلى آخره.

 فإذاً عرفنا الأذكار المشروعة بالنسبة لمتابع الأذان ثلاثة أو أربعة: الأول متابعة الأذان إلا في الحيعلتين يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. الثاني قول: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله علي وسلم نبيا ورسولا بعد الشهادتين. الثالث: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد متابعة المؤذن. الرابع: اللهم رب هذه الدعوة التامة إلى آخره. ممكن أيضا نضيف الخامس الدعاء لقوله: (ثم سل تعطه) وتدعو بما يحضرك من خير الدنيا والآخرة فأصبحت الأمور المشروعه بالنسبة للمتابع خمسة نعيد مرة أخرى الأول: متابعة الأذان إلا في الحيعلىتين ويقول: لاحول ولا قوة إلا بالله. الثانية: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا يقولها بعد الشهادتين. الثالث: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الفراغ من الأذان. الرابع: اللهم رب هذه الدعوة التامة إلى آخره بعد الفراغ من الأذان. الخامس: الدعاء بما يحضرك من خير الدنيا والآخرة. وهذا من مواطن الإجابة لقوله: (ثم سل تعطه) .

هنا ننبه إلى أن الزيادة (إنك لا تخلف الميعاد) أنها غير محفوظة زيادة (إنك لا تخلف الميعاد) أخرجه البيهقي لكنها رواية شاذة غير محفوظة فلا يشرع أن تزاد وإنما يكتفي بقوله: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدته، ويقتصر على هذا.

قوله:«وتسن له الطهارة»يعني الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر؛ لأنه ذكر لله -عز وجل- فأداؤه مع الطهارة أقرب للتعظيم، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سلم عليه رجل وهو يبول لم يرد عليه حتي توضأ وقال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر أو على طهارة).

 واتفق الفقهاء على صحة الأذان والإقامة للمحدث حدث أصغر ولكن عند بعضهم يكره أذان الجنب دون المحدث حدثا أصغر فلا يكره وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وتكره الإقامة من المحدث مطلقا، وهذا الأقرب -والله أعلم- أن المحدث حدثا أصغر لا يكره الأذان في حقه وإنما المحدث حدثا أكبر، يرد هنا اشكال على المحدث حدث أكبر وهو أن المؤذنين الآن يؤذنون داخل المسجد والمحدث الحدث الأكبر ممنوع من اللبث في المسجد لقول الله –تعالى-: {وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ}[النساء:43] فهو إذاً ممنوع من الأذان لا لكونه أذانا وإنما لأنه سيمكث في المسجد, ولهذا تجد أن الفقهاء السابقين قالوا: إنه يصح أذان الجنب لكنه يكره لأن الأذان عندهم كان على المنارة المنارة خارج المسجد، أما في وقتنا الحاضر فنحن نقول إنه لا يجوز أذان الجنب لأن المؤذنين يؤذنون داخل المسجد والجنب ممنوع من اللبث في داخل المسجد، لكن لو قدر أن مؤذنا يؤذن مثلا عبر لاسلكي خارج المسجد هنا نقول لابأس أ،  يؤذن حتى وهو جنب وإنما هو فقط مكروه مجرد كراهه، لكن الإشكال هو في اللبث داخل المسجد الإشكال إذاً الأقرب -والله أعلم- أنه لا يكره أذان المؤذن المحدث حدث أصغر وأما المحدث حدثا أكبر فيكره الأذان بحقه إلا إذا كان يترتب على أذانه لبث في المسجد فيحرم. التخفيف بالوضوء سبق أن ناقشناه وقلنا لم يثبت فيها شيء .

طيب بعض المؤذنين يضيق عليه الوقت ويدخل المسجد يؤذن وهو محدث حدث أصغر لا حرج لا باس بهذا لكن أفضل أن يكون المؤذن متطهرا لكن الإشكال هو في الجنب الإشكال إنما هو في الجنب.

قوله: "وقيامه مستقبلا" أي للقبلة، أي يسن أن يؤذن قائما وهذا باتفاق العلماء ونقل الاتفاق غير واحد من العلماء ولقوله -عليه الصلاة والسلام- لبلال: (قم فناد بالصلاة)]البخاري: 569 ، مسلم: 863[وأيضا مستقبل القبلة لأن القبلة أشرف الجهات ونقل الإجماع على ذلك ابن المنذر.

قوله: «على علو»يعني على موضع عال كمنارة مثلا أو سطح أو نحو ذلك، وفي وقتنا الحاضر يغني عن هذا مكبرات الصوت يغني عن هذا مكبرات الصوت، وهو مما منّ الله –تعالى- به على الناس من هذه المكبرات.

قوله:«يجعل إصبعيه في أذنيه» يدخل إصبعيه في أذنيه، المقصود بإصبعيه يعني أطراف السبابتين يجعلهما في أذنيه وذلك لحديث أبي جحيفة إن بلالًا -رضي الله عنه- وضع إصبعيه في أذنيه حين أذن) أخرجه أحمد والترمذي. ووضع الإصبعين في الأذنين له فوائد: الفائدة الأولى: أنه أقوى للصوت فإن الإنسان إذا تكلم وقد وضع إصبعيه في أذنيه يكون أرفع للصوت وأقوى للصوت. الفائدة الثانية: أن من يراه يعرف أنه يؤذن من يراه من بعيد يعرف أنه يؤذن, وقد ذكر بعض الفقهاء صفة أخرى وهي أن يجعل يديه على أذنيه ويضم أصابع هكذا, وقد روي هذا عن الإمام أحمد كما في رواية أبي طالب وقد جاء هذا في حديث أبي محذورة أنه كان يضم أصابعه قال الموفق ابن قدامه -رحمه الله-: "والأولى أن يجعل أصابعه في أذنيه لصحة الحديث وشهرته وعمل أهل العلم به وأيهما فعل فحسن".

 وكلا الصفتين ثابتة والأفضل أن يفعل هذه تارة وهذه تارة إلا أنه ينبغي أن يكون الأكثر هو أن يجعل إصبعيه في أذنيه لكن لو ضم أصابعه هكذا وجعلها على أذنيه فهذه أيضا ثابتة فكلا الصفتين ثابتة الصفة الأولى: أن يجعل إصبعيه في أذنيه هكذا، والصفة الثانية يضم أصابعه ويجعلها على أذنيه هكذا.

قوله:«ملتفتا في الحيعلتين يمينا وشمالا» وذلك لحديث أبي جحيفة قال: (رأيت بلالا يؤذن فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنايقول يمينا وشمالا: حي على الصلاة حي على الفلاح) ] البخاري: 598 ، مسلم: 1147[فهذه سنة أنه يلتفت عند الحيعلتين, والحكمة من هذا أن هذه الالتفات أبلغ في إيصال الصوت للمدعوين من عن يمينه وعن شماله, ولكن يعني كيف يكون الالتفات هل يلتفت إذا قال: حي على الصلاة؟ ظاهر الحديث أنه يلتفت يمينا إذا قال: حي على الصلاة ويسارا إذا قال حي على الفلاح وهذا ذكره الموفق ابن قدامة, وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يلتفت يمينا لحي على الصلاة في المرتين وشمالا لحي على الفلاح في المرتين يعني إذا قال: حي على الصلاة التفت، حي على الصلاة ثم حي على الفلاح حي على الفلاح مرتين واضح الفرق بينهما, يعني على القول الأول يلتفت كم مرة أربع مرات حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح, لكن على القول الثاني يلتفت مرتين حي على الصلاة يلتفت يمينا ثم حي على الفلاح يلتفت شمالا، وهذا القول الثاني هو الأقرب وهو ظاهر حديث أبي جحيفة أنه يقول: حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح هذا هو هو ظاهر حديث أبي جحيفة وهو الأقرب لظاهر السنة. لكن في وقتنا الحاضر هل يشرع الالتفات مع وجود مكبرات الصوت؟ نعم السبباتين حتى يعني قوة الصوت مطلوبة حتى في الأذان حتى لمن يراه بعيد يعرف أن يؤذن لكن هنا يعني هل يشرع الالتفات ربما إذا التفت ضعف الصوت,  نقول: الالتفات الذي يضعف الصوت الظاهر أنه لا يشرع لكن إذا كانت التفاتا يسيرا يحقق به السنة ولا يحصل به إضعاف الصوت فلا بأس, فإذاً الأولى أن يلتفت التفاتا يسيرا تتحقق به السنة ولا يحصل فيه إضعاف الصوت أما أن يلتفت التفاتا كبيرا يضعف معه الصوت فهذا خلاف المقصود من الأذان فلو أنه مثلا إذا أراد أن يؤذن قال التفت كذا حي على الصلاة واللاقط بعيد عنه , هذا يخالف المقصود من الأذان لكن لو أنه يعني هو قريب من اللاقط لكن التفت التفاتا يسيرا حي على الصلاة التفات يسير هذا لا يضعف الصوت ويحقق السنة أما الالتفات الكبير هذا لا شك يضعف الصوت فهذا القول بالتفصيل هو الأقرب والله أعلم في هذه المسألة.

قوله:«ولا يزيل قدميه»يشير بهذا إلى أنه لا يستدير إذا كان يؤذن على المنارة ويريد بهذا أن يرد على بعض الفقهاء فإن بعض الفقهاء يقول: إذا كان يؤذن على منارة فإنه يستدير حتى يبلغ الصوت جميع الجهات فالمؤلف يقول: إنه لا يزيل قدمه بل يكون ثابتا وإنما يلتفت فقط في الحيعلتين.

قوله:«وترسُّله»يعني يستحب ترسُّله فهو معطوف على قوله: «وقيامه»والترسل معناه الترتيل والتأني والتمهل كقولهم: جاء فلان على رسله يعني على مهله، ولأن الأذان لإبلاغ الغائبين فالترسل فيه أبلغ في الإعلام، ولكن يكون الأذان مترسلاً فيه ومرتلا له لكن من غير تمطيط ومن غير تلحين، وإنما يكون أذاناً سمحاً غير متكلف فيه وغيرة ممطط فإن التمطيط والتلحين كرهه أهل العلم وقد سمع ابن عمر رجلا يطرب في أذانه فقال: "لو كان عمر حياً لفك لحييك" يعني يشير بهذا إلى أن عمر وأن الصحابة كان يكرهون مثل هذا التلحين المبالغ فيه ولأن التطريب ينافي الخشوع والوقار لكن يؤذن أذانا سمحا سهل غير متكلف فيه بصوت حسن أيضا ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "أذن أذانا سمحاً وإلا فاعتزلنا".

طيب اللحن في الأذان اللحن إذا كان يحيل المعنى فإنه لا يصح الأذان كأن يمد همزة الله فيقول: آلله أكبر هنا تغير المعنى تحول من كونه خبراً لكونه استفهامًا، هذا يغير المعنى، هذا لا يصح مع الأذان، أو يمد الباء في أكبر أكبار، أكبار معناه الطبل، فتغير المعنى، أما إذا كان اللحن لا يغير المعنى فالأذان صحيح مع الكراهة ويمثل بعض الفقهاء بذلك بما إذا قلب الهمزة واوا فقال: الله وأكبر الله وأكبر الله وأكبر الله الله أكبر الله والله أكبر قلبها واوا فبعض العامة يقول: والله أكبر بدل الله أكبر الله أكبر فهنا قال: الله أكبر يقول الله وأكبر نعم إذا قال: الله وأكبر بدل الله أكبر يقول: الله وأكبر هذا بعض العامة حتى في الصلاة يقولون هكذا فهذا يقولون: لحن لا يغير المعنى ويصح معه الأذان؛ لأن قلب الهمزة واوا لغة عند بعض العرب والحمد لله أنها كذلك وإلا كثير من العامة عندما يصلون يقلبون الهمزة واوا كثير من العامة حتى بعض يعني أئمة المساجد من العامة إذا قال: الله أكبر يقول: الله وأكبر الله وأكبر يكبر بهذه الطريقة فهنا قلب الهمزة واوا هي الله أكبر لكن يقلبها وهو يقول الله وأكبر فهذا كثير من العامة يقعون في هذا وهو لحن لكنه لغة عند بعض العرب, فالفقهاء يتسامحون في هذا يقول يعني أنه لا يغير المعنى والصلاة معه صحيحة وهو لغة عند بعض العرب.

 هنا مسألة مهمة وهي عندما يقول المؤذن: الله أكبر,  هل الأفضل القرن بين التكبيرتين بنفس واحد أو أن يقف على كل جملة؟ مثال هذا يعني هل الأفضل يقول: الله أكبر الله أكبر ويقف، الله أكبر الله أكبر أو أن الأفضل يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن الأفضل أن يقرن ما بين التكبيرتين بنفس واحد وقال: إن هذا ظاهر قوله: (أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة) [البخاري: 603، ومسلم: 378] فإن الإقامة وتر، لكنه كان يصلها في جملة واحدة فتكون جملة واحدة، والقول الثاني: أن الأفضل هو أن يقف على كل جملة الله أكبر ويقف الله أكبر ويقف، وهذا هو مقتضى كلام أهل للغة. وقد نقل الموفق ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه المغني عن أبي عبد الله بن بطة أنه قال في الأذان والإقامة: "لا يصل الكلام بعضه ببعض معرباً بل جزما" ما معنى معربا؟ يعني: لا يقول الله أكبر الله أكبر، وإنما يقف الله أكبر مجزوما بالسكون، وحكاه ابن الأنباري عن أهل اللغة أنه يقف على كل جملة وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "شيئان مجزومان كانوا لا يعربونهما الأذان والإقامة " وهذا هو القول الراجح أنه يقف على كل جملة فيقول: الله أكبر ويقف، الله أكبر ويقف، هذا هو الأفضل والأمر في هذا واسع لكن نقول: هذا هو الأفضل والأقرب للسنة أنه يقف على كل جملة.

قوله:«وحدرها»يعني حدر الإقامة، ومعنى حدر الإقامة الحدر هو الإسراع، يعني أن الإقامة يسرع في أدائها ولا يرتلها كترتيل الأذان؛ وذلك لأن الإقامة هي دعوة للحاضرين فلا يحتاج معها إلى الترتيل والترسل، وإنما المناسب لها الإسراع وعلى هذا فترتيل الإقامة كترتيل الأذان مخالف للسنة وهذا يفعله بعض الناس فتجد أنه يقيم كأنه يؤذن، هذا خلاف السنة، بل ينبغي في الإقامة الحدر والإسراع؛ لأن هذا هو ظاهر هدي مؤذني النبي -صلى الله عليه وسلم-.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض