الخثلان
الخثلان
بابُ صلاةِ الخوفِ

قال المؤلف رحمه الله: "بابُ صلاةِ الخوفِ".

الأصل في مشروعيتها قول الله عز وجل: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)} [النساء: 102].

ومشروعية صلاة الخوف من رحمة الله تعالى بعباده وتيسيره عليهم، وأيضًا فيها دلالة على أهمية صلاة الجماعة؛ حيث شُرعت الجماعة في حال الخوف وفي حال المعركة، فلو كانت الجماعة غير واجبة لسقطت في هذه الحال، كيف يأمر الله تعالى بها في الحرب وفي الخوف ولا تكون واجبةً في حال الأمن والسلم؟ فهذا من أبرز أدلة وجوب صلاة الجماعة أن الله تعالى أمر بها في حال الخوف والحرب، فتكون واجبةً في حال الأمن والسلم من باب أولى.

صلاة الخوف وردت بعدة صفات عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال المؤلف: "تَجُوزُ بكلِّ صِفَةٍ صَحَّتْ عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -".

لأن السنة إذا وردت على وجوهٍ متعددة فيجوز فعلُ العبادة على أي وجهٍ من الوجوه، بل إن بعض أهل العلم كابن تيمية رحمه الله يقول: إن الأفضل هو التنويع بين هذه الصفات، التنويع بين الوجوه التي وردت عليها السنة، فمثلًا مر معنا في صفة الصلاة: ربنا ولك الحمد، ووردت: ربنا لك الحمد، ووردت: اللهم ربنا ولك الحمد، ووردت: اللهم ربنا لك الحمد، فالأفضل أنك تنوع، تارة تأتي بهذه، وتارة بهذه.. حتى تأتي بالسنة على جميع وجوهها.

فإذن صفة صلاة الخوف وردت بعدة صفات.

الصفة الأولى: وهي أشهرها، قال: "إذا كان عَدُوُّهُ في غير قبلةٍ".

هذه الصفة خاصة بما إذا كان العدو في غير جهة القبلة.

وصفتها: قال: "فَلتَحْرِسْ فِرْقَةٌ".

يعني تحرس المسلمين فرقة من الجيش.

"وَيُصَلِّي بِأُخرى بركعةٍ".

يعني يقسِّم الجيش قسمين: قسم يحرس، وقسم يصلي معه، يصلي معه ركعة واحدة فقط.

"ثُمَّ تُتِمُّ، وتَذْهَبُ فَتَحْرِسُ".

يعني إذا أتمت الطائفة التي صلت معه ركعة، أتمت ركعة، انفردت وأتمت لنفسها، وسلمت، والإمام قام للثانية وينتظر دخول الفرقة الثانية.

قال: "وتأتي تلك".

يعني الطائفة الثانية.

"فيصلي بها الثانيةَ".

يعني يصلي بهم الركعة الثانية، وهي في حقهم الركعة الأولى.

"ثُمَّ تُتِمُّ".

ثم يجلس للتشهد، الإمام إذا جلس للتشهد هذه الطائفة لا تجلس معه التشهد، وإنما تقوم وتتم وتأتي بركعة ثم تدرك الإمام في التشهد، وتسلم معهم.

ولهذا قال: "ثُمَّ تُتِمُّ فَيُسَلِّمُ بها".

هذه هي الصفة، وهي من أشهر صفات صلاة الخوف.

أعيدها مرة ثانية: يقسِّم الجيش إلى قسمين: فرقة تحرس، وفرقة تصلي معه ركعة، فإذا صلت معه ركعة وقام للركعة الثانية، هذه الفرقة تكمل لنفسها، تنوي الانفراد وتكمل لنفسها وتسلم، ثم تقوم وتحرس وتأتي الطائفة التي تحرس وتصلي مع الإمام الركعة الثانية في حق الإمام وهي الركعة الأولى في حقها، فإذا جلس الإمام للتشهد، لا تجلس هذه الطائفة تتشهد، وإنما تقوم وتأتي بركعة وتدرك الإمام في التشهد ويسلم بها.

هذه هي الصفة الأولى من صفات صلاة الخوف، وهذه الصفة قد ذكر المفسرون أنها هي التي نزلت فيها الآية: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102]، يعني أنتَ كنتَ إمامًا لهم.

{فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}: يعني يصلون، يصلون معك، وطائفة تحرس، وتقف بإزاء العدو.

{فَإِذَا سَجَدُوا}: يعني أكملوا صلاتهم، المقصود: سجدوا: يعني أكملوا صلاتهم، لكن عبّر بالسجود؛ لأن السجود هو آخر أركان الصلاة.

{فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ}: يعني أن هذه الطائفة التي صلت معك تقوم وتحرس.

{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا}: الطائفة التي كانت تحرس تأتي وتصلي معك، {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}.

فهذه الصفة منصوص عليها في الآية الكريمة.

وهنا نلاحظ عناية القرآن بأخذ الحذر، لاحظوا في المرة الأولى قال: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} الطائفة الأولى، ثم قال في الطائفة الثانية: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}، أمرَ الله تعالى بالحذر من الأعداء، ولا يقول الإنسان أنا مجاهد في سبيل الله، وأنا منصور، لابد من فعل أسباب النصر، ومن ذلك الحذر من الأعداء؛ لأن العدو يتربص بالمسلمين.

وهذا ليس فقط في حال الحرب، في كل شيء، فالحذر مطلوب من المسلم، والحذر لا ينافي القدر، هو جزءٌ من التوكل على الله عز وجل، كون الإنسان يحذر من عدوه ويحذر ممن يتربص به الشر، هذا من الأمور الحسنة، من الأمور المطلوبة.

أما إذا كان لا يحذر منه ويدّعي أنه متوكل على الله وأن هذا لا يهمه، هذا غير صحيح، لاحظ أن الله تعالى أمر بالحذر في هذه الآية، وأمر الطائفة الأولى بأخذ أسلحتهم، والطائفة بأن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم، وفي الآية الأخرى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)} [النساء: 102].

فلاحظ تكرر الأمر بأخذ الحذر، وهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يكون حذرًا من الأعداء، وحذرًا ممن يريد به الشر، وهذا الحذر لا يصل لحد الوسوسة، لكنه حذرٌ مطلوب، فلا يكون مغفلًا، ولا يكون أيضًا موسوسًا، إنما يكون حذرًا، وهذا الحذر لا ينافي التوكل بل هو جزءٌ من التوكل.

هذه الصفة إذا كان العدو في غير القبلة، فماذا إذا كان العدو في جهة القبلة؟

ذكر المؤلف صفةً أخرى، فقال:

"وإن كان قِبْلَةً".

يعني أن العدو في جهة القبلة.

"أَحْرَمَ بهم صَفَّين".

يعني كبّر الإمام تكبيرة الإحرام، وجعلهم صفين، وهذان الصفان يصلون معه، يصلون معه جميعًا، لكن يكون نظرهم إلى ماذا؟ إلى العدو، وليس إلى موضع السجود، يكبرون معه وهم ينظرون إلى العدو.

قال: "أَحْرَمَ بهم صَفَّين فسجدَ مَعَهُ المُقَدَّمُ".

يعني يركعون معه ويرفعون معه لكن عند السجود هنا يأتي الاختلاف، فيسجد معه الصف المقدم الذي يلي الإمام؛ لأن العدو إنما يباغت المسلمين متى؟ عند السجود، فيسجد معه الصف المقدم، وأما الصف الثاني الذي بعده فيقف واقفًا، يبقى واقفًا يحرس، ولا يسجد.

"فإذا رَفَعَ".

يعني رفع الإمام والصف الأول معه من السجود، سجد الصف الثاني، الذي وصفه المؤلف، قال: "سَجَدَ الحَارِسُ، وَلَحِقَهُ".

يعني لحق الإمام بعد ذلك. معنى ذلك أن الصف الثاني إذا قام الإمام للركعة الثانية يسجد الصف الثاني ثم يقوم ويلحق الإمام في الركعة الثانية.

قال: "ثُمَّ تَعْكِسُ في الثانية".

يعني يتقدم الصف الثاني مكان الصف الأول، ويتأخر الصف الأول مكان الصف الثاني. لماذا؟ تحقيقًا للعدل بين الطائفتين، ويفعل بهم كما فعل في الركعة الأولى، أي أنه يسجد معه مَن كان في الصف الأول، فإذا جلس للتشهد.. نعم، يسجد معه مَن كان في الصف الأول.

"وسَلَّمَ بهم".

فيصلي بهم الركعة الثانية جميعًا، في الركعة الثانية الصف الأول أصبح هو الصف الثاني، والصف الثاني هو الصف الأول، وعند السجود للركعة الثانية يسجد معه الصف الثاني والصف الأول يبقى يحرس، فإذا رفع الإمام من السجود سجد الصف الثاني، ثم لحق بالإمام.

هذه هي الصفة الثانية.

وأخذَ بعض العلماء من هذه الصفة الحكمَ في مسألة، وهي: ما إذا زُحم الإنسان كما في الحرم، كما في المسجد الحرام، ولم يستطع أن يسجد، فماذا يفعل؟ أحيانًا في المسجد الحرام يكون الناس متلاصقين، فإذا سجد الإمام ما استطاع أنه يسجد، فماذا يفعل؟

قال بعضهم: إنه يسجد على ظهر أخيه. وهذا قولٌ ضعيف؛ لأن هذا نوع من التعدي على ظهر أخيه المسلم، ولأنه قد يتسبب في فتنةٍ، لكن القول الراجح أنه إذا قام الإمام للركعة الثانية سجد هذا الذي قد زُحم، سجد ثم بعد ذلك لحق الإمام؛ قياسًا على هذه الصفة من صفات صلاة الخوف.

فاستدلوا بهذه الصفة على تقرير هذا الحكم.

قال: "ولو صَلَّى بكلٍّ صلاةً صَحَّ".

هذه الصفة الثالثة، يعني لو صلى بكل طائفة ركعتين، وسلم، صح، وهذه قد وردت في بعض الأحاديث، كما في حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم سلم.

قال: "كما لو أَتَمَّ وَقَصَرَتْ كلُّ فِرْقَةٍ خَلفَهُ".

يعني هذه أيضًا صفة رابعة، أنه يتم فيصلي الإمام أربعًا وكل فرقة تقصر خلفه وتصلي ركعتين.

واستدلوا ببعض الروايات التي جاءت في حديث جابر، قالوا: إنه ظاهرها أن الإمام يصلي أربعًا، ولكن هذا محل نظر، والرواية المحفوظة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين، فتكون صلاته الثانية نافلة بالنسبة للإمام وفريضة بالنسبة للمأمومين.

فقول المؤلف إنه: "كما لو أَتَمَّ وَقَصَرَتْ كلُّ فِرْقَةٍ خَلفَهُ"، هذا قولٌ مرجوح؛ لأنهم أخذوا هذا من ظاهر بعض روايات حديث جابر، ولكن الرواية المحفوظة من حديث جابر أنه سلم، صلى بكل طائفة ركعتين ثم سلم ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين.

قال: "فإن اشتدَّ الخَوفُ، صَلَّوا رِجَالاً ورُكبانًا".

أحيانًا المعارك يكون فيها أوقات لا يشتد فيها الخوف، معظم وقت المعركة، لكن أحيانًا عند تلاحم الصفوف يشتد الخوف، فقال: "رِجَالاً ورُكبانًا"، ومعنى رجالًا: أي على أرجلهم، ماشين على أرجلهم. وركبانًا: يعني راكبين على الدواب، ومثله في الوقت الحاضر على السيارة أو الدبابة أو نحوها.

"إلى القبلة وغيرها".

لقول الله عز وجل: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 238، 239].

وأيضًا حتى في غير المعركة، عند اشتداد الخوف وخشية خروج الوقت يجوز للإنسان أن يصلي راجلًا أو راكبًا، كما لو كان مثله لحقه لصوص، وخشي خروج الوقت، وهو راجل أو راكب، فيصلي على حسب حاله، ولو إلى غير القِبلة.

قال: "يُومِئونَ إِيماءً على قَدْرِ الطاقةِ".

إذا صلى راكبًا أو راجلًا فإنه يومئ بالركوع والسجود، مَن استطاع، ولهذا قال: "على قَدْرِ الطاقةِ"، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها.

ولاحظ عناية الشريعة بالوقت حتى في هذه الحال في شدة الخوف يصلي راجلًا أو راكبًا، لكن لا تؤخر الصلاة عن وقتها، ولذلك شرطُ الوقت هو آكد شروط الصلاة، حتى في حال الخوف صلِّ راجلًا أو راكبًا، لكن لا تؤخر الصلاة عن وقتها.

ولكن قال بعض أهل العلم: إنه في حال شدة الخوف وتلاحم الصفوف والمسايفة، وعندما يكون قلبُ الإنسان بين جانبيه، لا يدري هل يعيش أو يُقتل، في هذه الحال يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر في غزوة الخندق إلى بعد غروب الشمس، وقال: «ملأ اللهُ بيوتهم وقبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر».

هذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختاره الإمام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وهو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله، وهو القول الراجح.

وأما الجمهور فلا يرون هذه الحال، وإنما يقولون: يصلي، ولو راجلًا أو راكبًا، ويجيبون عن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر يوم الخندق، يقولون: إن هذا كان قبل مشروعية صلاة الخوف.

ولكن القول الراجح أن هذا لم يُنسخ، لكن هذه حالة خاصة في حال اشتداد الخوف وحال المسايفة والتحام الصفوف، ونحو ذلك.

ومما يدل لهذا أن الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا بلاد تُستر، فتحوا بلاد تُستر بفارس، كان دخولهم للمدينة مدينة تُستر وقت صلاة الفجر، ولم يتمكنوا من أداء صلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس، واشتُهر ذلك ولم يُنكر، فكان كالإجماع من الصحابة على ذلك.

لكنها حالةٌ خاصة جدًّا عندما يكون الإنسان مذهولًا، لا يستطيع أن يصلي حتى راجلًا أو راكبًا لا يستطيع، بسبب شدة الخوف كأن يكون وقت تلاحم الصفوف أو نحو ذلك، فهنا نقول: يجوز تأخير الصلاة في هذه الحال.

وهذا اختاره جمعٌ من المحققين من أهل العلم، ولا دليل يدل على النسخ، هذه حال، وصفات صلاة الخوف حال أخرى، فليس هناك دليل ظاهر على النسخ، والصحابة لم يفهموا النسخ، ولذلك أخّروا الفجر عند فتح تستر إلى الضحى، وصلوا الفجر في وقت الضحى، وهذا يدل على أن الصحابة فهموا أن هذا الحكم لم يُنسخ.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض