الخثلان
الخثلان
ما يحرم بالحدث
26 ربيع الآخر 1438 عدد الزيارات 1479

ما يحرم بالحدث

في آخر باب الغسل ذكر المصنف رحمه الله جملة تحرم على المحدث، ذكر أولا ما يحرم على المحدث حدثا أصغر، ثم ما يحرم على المحدث حدثا أكبر، ابتدأ بما يحرم على المحدث حدثا أصغر.

 قال (ويحرم بالحدث) ومراد المصنف: الحدث الأصغر، بدليل أنه ذكر الجنابة بعده، قال (وبالجنابة الثلاثة والقراءة...إلخ) هذا يدل على أن مراده بالحدث الحدث الأصغر.

 قال: (ويحرم بالحدث) أي الأصغر  (مس المصحف) المصحف هو القرآن المكتوب من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، سواء كتب على ورق، أو مما هو في الوقت الحاضر مما يسمى بالمصحف الإلكتروني الذي يكون في الجوالات ويعتبر مصحفا، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب على الألواح وعلى كرب النخل، والأخشاب ونحوها، ثم تطورت الصنعة فأصبح يكتب على ورق، والآن في الوقت الحاضر، أصبح الآن المصحف إلكترونيا على ذبذبات، قال (يحرم مس المصحف)، طبعا مراده المصحف الورقي، أما المصحف الإلكتروني سنتكلم عليه بعد قليل، سواء كان مجزأ أو كاملا، ومسه يعني ملامسته.

 وتحريم مس المصحف للمحدث ذهب إليه جماهير أهل العلم، وهو قول المذاهب الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ويدل لهذا قول الله عز وجل: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79]، وإن كان المراد بـ(المطهرون) الملائكة، لكن يستدل بهذه الآية بطريق الإشارة، لأنه إذا كان لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة، فأنتم أيها البشر ينبغي أن لا يمسه إلا المتطهرون منكم، وهذا ذكره ابن تيمية، وهذا استدلال لطيف، إذا كان لا يمسه القرآن إلا المطهرون من الملائكة فأنتم أيها البشر ينبغي أن لا يمسه إلا المتطهرون منكم، ويدل لذلك أيضا كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن، وجاء فيه: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر)، وهذا الكتاب أخرجه مالك في الموطأ، وابن حبان وغيره، وهو من جهة الإسناد ضعيف، لكن الأمة تلقته بالقبول، وعملت بكثير مما جاء فيه من الأحكام، خاصة فيما يتعلق بالديات، ومقادير الديات ونحوها، وتلقته الأمة بالقبول، وهذه وجهة جماهير أهل العلم، وهذا كما ذكرنا ظاهر في المصحف الورقي.

 أما المصحف الإلكتروني الموجود الآن على شاشات الهاتف الجوال، فلا شك أنه يسمى مصحفا، لكن هل يجب على من أراد مسه مس شاشة الهاتف المنقول أن يكون على طهارة، يعني هل يأخذ حكم المصحف الورقي أم لا، هذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين.

 فمنهم من قال: إنه يأخذ حكم المصحف الورقي، لأنه يسمى مصحفا، والمصحف الورقي تطورت الصنعة، لم يكن هكذا في عهد النبوة، وإنما كان في عهد النبوة على ألواح وأوراق ونحو ذلك، وفي الوقت الحاضر تطورت الصنعة فلا زال يُسمى مصحفا.

 وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يجوز مسه، مس المصحف على شاشة الهاتف المنقول، وذلك لأن الموجود في الهاتف المنقول إنما هو مجرد ذبذبات وإشارات، وليست كتابة ثابتة، إنما هو مجرد ذبذبات وإشارات تتشكل في مجموعها لتُكوِّن المصحف الإلكتروني، فهو ليس كالمصحف الورقي، ثم لو افترضنا أنه كالمصحف الورقي فإن الهاتف المنقول له شاشتان: شاشة داخلية وشاشة خارجية، فالشاشة الخارجية هذه تكون حائلا بين الذي يمس المصحف والمصحف، ويجوز مس المصحف من وراء حائل، فيقولون: لو افترضنا أن المصحف الإلكتروني كالمصحف الورقي فالذي يمسه في الحقيقة إنما يمسه من وراء حائل، والحائل الشاشة الخارجية.

 وهذا هو القول الراجح كما ترون قوة دليله، فإذاً هم يقولون: لا نُسلِّم أنه كالمصحف الورقي، مجرد ذبذبات وإشارات كهربائية، وإن سلمنا بذلك فهو يُمس من وراء حائل، وهذا الحائل هو الشاشة الخارجية، أنت إذا فتحت الآن أي هاتف جوال تجد أن له شاشة خارجية وشاشة داخلية، والمصحف الإلكتروني مكتوب في الشاشة الداخلية، الشاشة الخارجية هي فقط للحماية ونحو ذلك، ويمسه أيضا من وراء حائل.

 فإذًا القول الراجح أنه يجوز مس المصحف الإلكتروني على شاشة الهاتف المنقول على غير طهارة، هذا هو القول الراجح – والله أعلم – في هذه  المسألة.

أي نعم المصحف المكتوب بطريقة برايل للمكفوفين، هل هو يُسمى مصحفا؟ نعم...هذه نازلة تحتاج إلى مزيد تأمل، بالنسبة لمصحف برايل نتأمل فيه أكثر، وتحتاج إلى مزيد تأمل ونظر وتصور له أكثر.

أما بالنسبة لكتب التفسير إذا كان المصحف أكثر من التفسير فلا يجوز مسه، يأخذ حكم المصحف، أما إذا كان التفسير أكثر، فلا تجب الطهارة عند مسه، مثال ذلك مثلا: تفسير ابن كثير، التفسير أكثر من المصحف، أو تفسير ابن سعدي تجد المصحف مكتوبا داخل التفسير، فالتفسير أكثر، فيجوز مسه من غير طهارة، لكن في بعض كلمات القرآن مثل كلمات القرآن لحسنين مخلوف المصحف أكثر، تفسير الجلالين أيهما أكثر التفسير أو المصحف؟ العجيب أنهم يقولون: إن أحد أهل العلم حسبها فوجد التفسير مساويا للمصحف، من أول القرآن حتى وصل إلى سورة المدثر فوجد أن التفسير أكثر، لكن العجيب أنهم يقولون: من أول الفاتحة إلى أن وصل إلى سورة المدثر يريد أن يعرف أيهما أكثر، إلى أن وصل إلى سورة المدثر فغلب جانب التفسير. الشوكاني التفسير أكثر.

الأمر الثاني من الأمور التي تحرم بالحدث الأصغر، قال: (والصلاة)،  تحرم الصلاة على المحدث، لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ....... } [المائدة: 6] إلى آخر الآية. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). متفق عليه.

ولو صلى على غير الوضوء متعمدا فإن صلاته غير صحيحة بالإجماع، لكن هل يأثم بذلك؟ نعم إنه يأثم بهذا، بل إن بعض الفقهاء وهم فقهاء الحنفية يرون أن هذا العمل كفر، لأنهم يقولون: إنه استهزاء بالله عز وجل، كيف تصلي وأنت على غير طهارة متعمدا، فهذه المسألة مسألة خطيرة، وينبغي إشاعة قول الحنفية خاصة عند طلاب المدارس، فإنه بلغنا أن بعض طلاب المدارس أنهم يصلون بغير وضوء، يعني يُجبرون من قبل المدرسة على صلاة الظهر فيأتي بعضهم فيصلي بغير وضوء، هذا أمر خطير، فينبغي أن يُبين لهؤلاء الطلاب أن الصلاة من غير وضوء محرمة، وأنه يأثم بها، وأن بعض الفقهاء قالوا : تصل إلى الكفر، لأنها استهزاء بالله عز وجل، وإن كان القول الراجح أنها لا تصل إلى الكفر، كما هو قول الجمهور، لكن ينبغي إبراز قول الحنفية في هذه المسألة، حتى يحذر هؤلاء الذين يتعمدون الصلاة بغير وضوء.

 أما لو صلى بغير وضوء ناسيا أو جاهلا، إنسان أتى مثلا صلى معنا صلاة العشاء، لما فرغ من صلاة العشاء قال: أنا صليت معكم، كنت أظن أني متوضئ، لكن تبين لي أني لم أتوضأ، فهل يعذر بالنسيان هنا، نعم لا يعذر، وإنما يجب عليه أن يعيد الوضوء والصلاة، طيب لو صلى وعلى لباسه نجاسة يعذر وصلاته صحيحة، فلماذا فرقنا بين من صلى وعلى لباسه نجاسة وقلنا إن صلاته صحيحة، وبين من صلى بغير الوضوء ناسيا وقلنا إن صلاته غير صحيحة، لماذا فرقنا بين هاتين المسألتين؟ مرت معنا في دروس سابقة، نعم، أحسنت أن الطهارة من باب المأمور، وما كان من باب ترك المأمور لا يعذر فيه بالجهل ولا النسيان، وأما وجود النجاسة فهي من باب ترك المحظور، وما كان من باب ترك المحظور يعذر فيه بالجهل والنسيان، خذ هذه القاعدة المفيدة لطالب العلم، ما كان من باب ترك المأمور لا يعذر فيه بالجهل ولا بالنسيان، مثاله: من صلى بغير الوضوء ناسيا، وما كان من باب ترك المحظور يُعذر فيه بالجهل والنسيان، مثاله: من صلى وعلى لباسه نجاسة، القاعدة مفيدة لطالب العلم.

 طيب هل هذه القاعدة خاصة بالصلاة أم في جميع العبادات؟  في جميع العبادات، لو أخذنا مثالا للصيام، لو أكل أو شرب ناسيا صيامه صحيح، لأن هذا من باب ترك المحظور، لكنه لو أنه لم يبيت النية من الليل، جاهلا بدخول شهر رمضان، إنسان صلى العشاء ثم نام، وما استيقظ إلا لصلاة الفجر، لما أتى المسجد أخبره الناس قالوا: أُعلن دخول رمضان، ولم يبيت النية من الليل، فهنا نأمره بالإمساك وبقضاء هذا اليوم، ولا نعذره بالجهل، لأن هذا من باب ترك المأمور، في الحج لو غطى رأسه ناسيا هل عليه شيء؟ لا شي عليه، لكن  لو أنه ترك مثلا المبيت بمنى أو رمي الجمار ناسيا، هل يعذر؟ لا يعذر إنما يُؤمر بأن يجبر ذلك الواجب بدم، فإذاً هذه القاعدة مطردة، ما كان من باب ترك المأمور لا يعذر فيه بالجهل والنسيان، وما كان من باب ترك المحظور يُعذر فيه بالجهل والنسيان.

الأمر الثالث قال: (والطواف) أي ويحرم على المحدث الطواف، سواء أكان طواف فريضة أو نافلة، والدليل لهذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه) وأيضا حديث عائشة رضي الله عنه: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)، وهذا هو قول الجمهور أنه تجب الطهارة للطواف، وقال بعض أهل العلم: إن الطهارة لا تُشترط للطواف وإنما تُستحب، قالوا: والدليل لذلك:  أن النبي صلى الله عليه وسلم حج معه أناس كثير قُدِر عددهم بمئة ألف، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف، ومن المعلوم أن هذا العدد الكثير لابُد أن يحصل من بعضهم انتقاض للطهارة في الطواف، وهم على شرائح شتى، ومنهم العالم ومنهم العامي ومنهم الأعرابي، فكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالطهارة للطواف ولم يبين للأمة بيانا واضحا هذا يدل على عدم وجوبها، ولو كانت الطهارة واجبة بينها النبي صلى الله عليه وسلم للأمة، واشتهر ذلك، كما بين وجوب اشتراط الطهارة لصحة الصلاة في عدة أحاديث، وهذا كما ترون استدلال قوي، وأجابوا عن حديث عائشة (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) قالوا: هذا خاص بالحيض، فالحائض لا يجوز لها أن تطوف بالبيت في حال الحيض، لكن أين الدليل على أن ذلك عام في الطهارة من الحدث عموما، وأما حديث ابن عباس: (الطواف بالبيت صلاة إلا أن تتكلمون فيه) فقالوا: إن هذا الحديث لا يصح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه الترمذي وغيره، لكن لا يصح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو موقوف على ابن عباس، ولهذا قال ابن تيمية: (أهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفا). وإذاً هو موقوف على ابن عباس.

 ثم إن معناه فيه إشكال، فإن ظاهره أن جميع أحكام الصلاة تثبت للطواف إلا الكلام فقط، هذا لا يقول به أحد، فإن الطواف يجوز فيه الكلام والأكل والشرب ونحو ذلك، وليس كالصلاة، فكيف يكون الطواف كالصلاة وهو لا يتفق معها إلا في شيء واحد، فقياسه قياس الطواف على الصلاة قياس مع الفارق، وهذا القول كما ترون قول قوي، ولكن الأحوط هو قول الجمهور، لأنه قول أكثر أهل العلم، وعلى ذلك لا يُشدد في هذه المسألة، يعني من أتى واستفتى وقال: إني طفتُ من غير طهارة، أو انتقضت طهارتي أثناء الطواف ، نقول: لا شيء عليك، لكن لو سألنا ابتداء، نأمره بالطهارة، لأن هذا فيه احتياط، ولأن هذا قول أكثر علماء الأمة.

لكن من جهة التحقيق: الأقرب والله أعلم والأرجح هو عدم وجوب الطهارة للطواف، وإنما يجب على المرأة الحائض ألا تطوف في حال الحيض، حتى تطهر، وهو خاص بالحيض، وليس عاما لجميع الحدث، هذا هو الأظهر والله أعلم، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية، وجمع من المحققين من أهل العلم، لكن كما ذكرتُ ينبغي الاحتياط في هذا، وألا يطوف المسلم إلا متطهرا، ...(جواب سؤال غير واضح): نعم...إذا كان الفاصل طويلا فيعيد من جديد، أما إذا كان الفاصل ليس طويلا فيكمل، والغالب أن الفاصل يكون طويلا مع الزحام الآن فيعيد من جديد، كما لو انتقضت الصلاة مثلا بناقض من نواقض الوضوء فيعيد الصلاة من جديد.

قال: (وبالجنابة) أي يحرم على من عليه الجنابة (الثلاثة) يقصد مس المصحف، والصلاة والطواف، إذا كان محدثا حدثا أصغر ممنوعا منها، فالمحدث حدثا أكبر من باب أولى.

 ويُضاف لهذه الأمور الثلاثة أمور: (القراءة) هذا الأمر الرابع مما يحرم على المحدث حدثا أكبر، يعني قراءة الجنب للقرآن، ما الفرق بين قراءة القرآن ومس المصحف؟ القراءة يقرأ عن ظهر قلب، أما مس المصحف يعني ملامسة المصحف،  بينهما فرق، وهنا يقول: إن قراءة القرآن تحرم على المحدث حدثا أكبر، طيب المحدث حدثا أصغر، هل يجوز له أن يقرأ القرآن؟ يجوز باتفاق العلماء، فلو كنت على غير وضوء وقرأت من حفظك لا بأس، أو قرأت من وراء حائل لا بأس، إنما الذي عليه جنابة يقول (يحرم عليه قراءة القرآن للجنب) ما الدليل لهذا؟ الدليل لهذا حديث علي رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن القرآن شيء إلا الجنابة، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وأحمد، وسيأتي الكلام عن درجته، هذا هو عمدة أصحاب هذا القول.

القول الثاني في المسألة أن قراءة الجنب للقرآن جائزة، وإلى هذا ذهب ابن المنذر والبخاري وابن جرير الطبري، واحتجوا بحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه، رواه مسلم، قوله (على كل أحيانه) يشمل الجنب، وأجابوا عن حديث علي رضي الله عنه، قالوا: إن حديث علي لا يصح مرفوعا، وإنما هو موقوف على علي رضي الله عنه، ولو صح فهو حكاية فعل، والنبي صلى الله عليه وسلم يطلب الأكمل والأحسن، فإنه لما سّلم عليه رجل وهو يبول لم يرد عليه، حتى توضأ، وقال: إني كرهتُ أن أذكر الله على غير طهارة.

والقول الثالث في المسألة: أن قراءة القرآن للجنب مكروهة، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يكره أن يذكر الله إلا على طهر، فكراهة قراءة القرآن من الجنب من باب أولى.

 وهذا القول الثالث هو أعدل الأقوال، هو الأقرب والله أعلم، أن قراءة القرآن للجنب مكروهة، لكن لا تصل إلى درجة التحريم، التحريم يحتاج إلى دليل، حديث علي كما ذكرنا لا يصح مرفوعا، ولو صح ليس بصريح الدلالة على التحريم، وإنما حكاية فعل، وأنه كان ما يمنعه من القرآن إلا الجنابة، مجرد حكاية فعل، فهو عليه الصلاة والسلام يحب أن لا يذكر الله تعالى إلا على طهارة، وأشرف الذكر القرآن، فالقول بالتحريم يحتاج إلى دليل ظاهر، حديث صحيح صريح، ثم إن هذه المسألة مما تحتاج الأمة إلى بيانها، فلو كان يحرم على الجنب قراءة القرآن لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للأمة بيانا واضحا واشتهر هذا، كما بين مثلا أن الحائض لا يجوز لها أن تصوم ولا أن تصلي، واشتهر هذا للأمة، ونحو هذا من الأحكام، وعلى هذا القول الراجح هو أن الجنب يُكره له أن يقرأ القرآن، لكن لا يصل ذلك لدرجة التحريم، هذا هو أعدل الأقوال في هذه المسألة.

الأمر الخامس مما يحرم على الجنب قال: (واللبث في المسجد بلا وضوء)، اللبث في المسجد يعني الإقامة في المسجد بغير وضوء، فيحرم على الجنب أن يلبث في المسجد بغير وضوء، والدليل لهذا قول الله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ}  [النساء: 43] أي لا تقربوا مواضع الصلاة جنبا إلا عابري سبيل، وعابر السبيل المارّ في المسجد مرورا، فهذا يرخص له، أما غير المار، فلا يجوز له أن يلبث في المسجد وهو جنب بنص الآية، وهذا قول عامة أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في الجنب إذا توضأ، هل يجوز له أن يلبث في المسجد أم لا؟ على قولين:

القول الأول: أنه يجوز للجنب أن يلبث في المسجد إذا توضأ، وهذا هو القول الذي قرره المؤلف، لأنه قال: (واللبث في المسجد بلا وضوء) مفهومه أنه لو توضأ جاز له اللبث في المسجد.

والقول الثاني: أنه لا يجوز للجنب اللبث في المسجد ولو توضأ، وإلى هذا ذهب الجمهور.

أما أصحاب القول الأول، وهم الحنابلة الذي قالوا: أنه يجوز للجنب إذا توضأ اللبث في المسجد، فاستدلوا بقول عطاء بن يسار: رأيت رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد، وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة، وهذا الأثر في سنده مقال، ولو صحّ هل يقوى على معارضة الآية، الآية ليس فيها استثناء، لو صح فهو اجتهاد من هؤلاء الصحابة.

 إذً القول الراجح هو القول الثاني وهو قول الجمهور، لأنهم تمسكوا بظاهر الآية، {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، هذا هو الراجح، أنه لا يجوز للجنب اللبث في المسجد مطلقا، حتى وإن توضأ، أما قول من قال: أنه إذا توضأ يجوز له اللبث في المسجد فليس عليه دليل، والأثر المروي عن عن عطاء بن يسار فيه ضعف من جهة الإسناد، ولو صح فلا يُمكن لأفعال بعض الصحابة أن يُعارض بها الآية، لا تقوى هذه الآثار على معارضة الآية، وهكذا ما ذُكر من التعليلات أن الوضوء يخفف الجنابة، هذا التعليل لا يقوى على معارضة الآية، فإن الآية صريحة في أنه لا يجوز للجنب أن يلبث في المسجد.

قال (وبالحيض والنفاس الخمسة) وهي الخمسة المذكورة، وهي مس المصحف، كذلك الصلاة، والطواف، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد بلا وضوء، يقصد هذه الأمور الخمسة، وهذه الأمور الخمسة التي ذكرناها: مس المصحف، والصلاة، وكذلك أيضا الطواف، هذه أدلتها ظاهرة، وكذلك اللبث في المسجد.

 لكن قراءة القرآن على رأي المؤلف أنه يحرم على الحائض قراءة القرآن، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، قراءة القرآن غير مس المصحف كما ذكرنا، ودليلهم حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقرأ  الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن) وهذا الحديث ضعيف من جهة الإسناد، فإنه من رواية إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، فهو ضعيف من جهة الإسناد.

والقول الثاني في المسألة: أن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن، وهذا قول الحنفية والشافعية وأيضا أحمد في رواية، وقول أيضا عند المالكية أنه يجوز للنفساء قراءة القرآن، واستدلوا، قالوا: لا يوجد دليل يمنع الحائض من قراءة القرآن، وأما الحديث السابق فحديث ضعيف، فتكون الحائض كغيرها من الناس، وقالوا: إن هذه المسألة مما تحتاج الأمة إلى بيانها، فإن نصف الأمة نساء يحتجن إلى بيان هذه المسألة، يحتجن إلى قراءة القرآن، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منع  الحائض من قراءة القرآن، ولو كانت الحائض ممنوعة من قراءة القرآن لنقل ذلك واشتهر.

 وهذا هو القول الراجح أن الحائض يجوز لها أن تقرأ، وذلك لأنه لم يثبت في منع الحائض من قراءة القرآن حديث صحيح صريح، والمروي في ذلك ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن بعض أهل العلم استدل بقول جابر رضي الله عنه في قصة عائشة لما حاضت، قال: أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفعل ما يفعل الحاج غير ألا تطوف بالبيت ولا تصلي، وهذا رواه البخاري بهذا اللفظ، وجاء في رواية عند أحمد: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ولا تصلي)، فنهاها فقط عن أمرين: عن الطواف بالبيت وعن الصلاة ولا ريب أن قراءة القرآن من أفضل أعمال الحاج، فلو كانت ممنوعة منها لبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح قياس الحائض على الجنب، لأن الجنب أمره بيده يستطيع أن يتطهر متى شاء بخلاف الحائض فإن مدة الحيض تستمر سبعة أيام إلى عشرة أيام وربما أكثر، ثم أيضا من جهة النظر: انقطاع المرأة عن قراءة القرآن هذه المدة الطويلة لا يتفق مع الأصول والقواعد الشرعية، تنقطع عن قراءة القرآن سبعة أيام إلى عشرة أيام من كل شهر، فهذا لا يتفق مع الأصول والقواعد الشرعية،  مطلوب من المسلم والمسلمة الإكثار من ذكر الله عز وجل، والإكثار من قراءة القرآن، هذا لا يتفق مع الأصول والقواعد الشرعية.

 وعلى هذا فالقول المرجح عند كثير من المحققين من أهل العلم أن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن مطلقا، وبعض أهل العلم يخصص ذلك بمن احتاجت إلى ذلك كالمعلمة والطالبة، لكن هذا التخصيص لا دليل عليه، إما أن نقول: تقرأ، أو لا تقرأ، أما تخصيصها بالحاجة فلا دليل على ذلك، والراجح أنها تقرأ، لأنه لا يوجد دليل يدل على منعها من قراءة القرآن، لكن إذا أرادت أن تقرأه من المصحف فإنها لا تمسه مباشرة، لكن يجوز لها أن تمسه من وراء حائل، تلبس قفازين مثلا، وتقرأ من المصحف لا بأس، أو من وراء حائل أي حائل، وما قلنا في الحائض يقال في النفساء، وعلى هذا فالراجح أيضا أن النفساء تقرأ القرآن، ولا دليل يدل على منعها من قراءة القرآن.

قال: (والصيام) هذا الأمر السادس الذي تمنع منه الحائض والنفساء: الصيام، وهذا بالإجماع، لأنها لا يجوز لها أن تصوم، ولا يصح منها إذا صامت، كما قال عائشة رضي الله عنها: (كان يصيبنا ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقصاء الصيام، ولا نؤمر بقضاء الصلاة). وهذه المسألة محل إجماع.

الأمر السابع: الوطء في الفرج، قال (والوطء في الفرج) أي يحرم على الزوج وطء امرأته الحائض، وهذا بالإجماع، لقول الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، وهكذا أيضا النفساء.  قال المصنف (إلى الغسل) أي يحرم وطء الحائض حتى تغتسل، وعلى هذا فيحرم وطؤها بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال للآية السابقة، فإن الله تعالى قال: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْن} أي اغتسلن {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ } [البقرة: 222].

قال (والطلاق إلى الانقطاع)، هذا الأمر الثامن أنه يحرم طلاق الحائض والنفساء إلى الانقطاع، يعني إلى انقطاع الدم، لاحظ أن المصنف فرق بين الوطء وبين الطلاق، الوطء قال: إلى الغسل، والطلاق قال: إلى الانقطاع، فلو انقطع دم الحائض ولم تغتسل جاز طلاقها. طلاق الحائض محرم، وهذا أيضا باتفاق العلماء، وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض وأمره بمراجعتها، فإذا حكم الطلاق في الحيض محرم باتفاق الفقهاء، ولكن هل يقع الطلاق في الحيض أم لا؟ هذه مسألة تأتينا إن شاء الله في كتاب الطلاق، لكن باختصار هي محل خلاف بين أهل العلم على قولين:

القول الأول:يقع الطلاق في حال الحيض، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، وعليه المذاهب الأربعة: مذهب الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة.

والقول الثاني: أنه لا يقع وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها ابن تيمية وابن القيم، رحمة الله على الجميع، وسبب الخلاف: هو الخلاف في طلاق ابن  عمر لامرأته هل احتسبتها النبي صلى الله عليه وسلم طلقة أم لا؟ والعجيب أنه جاء في صحيح البخاري أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (حُسبت علي تطليقة) ابن عمر نفسه يقول: (حُسبت علي تطليقة)، هذا في صحيح البخاري.

 وهذا يبين لنا أن القول الراجح هو قول الجمهور، وهو أنه يقع الطلاق في حال الحيض، بل إن ابن المنذر والنووي قالا: لم يخالف في هذه المسألة أنه لا يقع الطلاق في حال الحيض إلا أهل البدع في زمنهم، كالرافضة وغيرهم، هذا ذكره النووي في شرحه على مسلم، وابن المنذر، وذكره ابن عبد البر، فقد حُكي الإجماع على هذا، لكن لما تبنى ابن تيمية وتبعه ابن القيم القول بعدم وقوع طلاق الحائض، لا شك أن ابن تيمية رحمه الله عالم كبير، ومؤثر أيضا، لما تبنى هذا القول أعطاه قوة.

 وكان الذي عليه العمل عندنا في المملكة هو أن طلاق الحائض يقع إلا أن تبنى سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز رحمه الله رأي ابن تيمية فقال: بعدم وقوع طلاق الحائض، فصارت الفتوى من وقت الشيخ عبد العزيز بن باز إلى الآن على هذا، على عدم وقوع طلاق الحائض، لكن تبقى المسألة اختلافية، القول بالإجماع ليس بصحيح.

 ولكن الذي يظهر أن قول الجمهور هو القول الراجح، لأن ابن عمر نفسه يقول: (حُسبت علي تطليقة)، ولما أُورد هذا على أصحاب القول الثاني، قالوا: ماذا تقولون في هذا؟ هذا في صحيح البخاري، قالوا: لعل الذي حسبها عليه غير النبي صلى الله عليه وسلم، هذا بعيد كما ترون، هذا جواب ضعيف، النبي صلى الله عليه وسلم هو المرشد لابن عمر وهو الموجه، وهو الذي غضب، من الذي سيحسبها غير النبي صلى الله عليه وسلم، وهل يتجرأ أحد أن يحسب على ابن عمر تطليقة والنبي عليه الصلاة والسلام لم يحسبها عليه، هذا بعيد جدا، فالقول الراجح قول الجمهور، وسيأتي مزيد بيان وتفصيل لهذه المسألة في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى...نعم (مروه فليراجعه) محل خلاف، ما معنى المراجعة؟ هل المراجعة المقصود بها المراجعة بالمعنى اللغوي، أو المراجعة بالمعنى الشرعي، لكن قول ابن عمر يفصل في هذه المسألة، (حسبت علي تطليقة).

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض