الخثلان
الخثلان
أقل مسافر للقصر

قال: "سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا".

هذا بيانٌ لمقدار أقل مسافة للقصر، فحددها المصنف بستة عشر فرسخًا، وقد اختلف العلماء فيها اختلافًا كثيرًا، حتى إن الحافظ ابن حجر رحمه الله قال في فتحِ الباري: هذه المسألة من المواضع التي انتشر الخلاف فيها جدًّا، وقد حكى فيها ابن المنذر وغيره نحو من عشرين قولًا، لكن حاصل الأقوال يرجع في الحقيقة إلى قولين:

القول الأول: عدم تحديد مسافة السفر مسافة معينة، وأن المرجع في ذلك للعرف، فما عدّه الناس سفرًا فهو سفر، وعللوا ذلك بأن الأدلة لم يرد فيها ما يدل على تحديد أقل مسافة للسفر، فالمرجع في ذلك للعرف.

القول الثاني: التحديد بمسافة معينة، ثم اختلف أصحاب هذا القول على أقوال كثيرة.

وذهبَ إلى التحديد الذي ذكره المصنف وهو التحديد بستة عشر فرسخًا ذهب إليه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة.

ويُعبِّر بعضهم عن ذلك بمسيرة يوم وليلة، وبعضهم يعبر عن ذلك بمسيرة يومين قاصدين؛ يعني معتدلين، فلا يسير فيهما ليلًا ونهارًا، إنما يسير نهارًا فقط، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم». متفق عليه.

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن المرأة لا يحل لها أن تسافر أقل ما يُسمى سفرًا، لكنه عدل عن ذلك إلا التحديد بيومٍ وليلة.

والقول الراجح هو القول الثاني وهو القول الذي مشى عليه المصنف رحمه الله، وهو أن مسافة السفر ستة عشر فرسخًا؛ أي يوم وليلة، أو يومين قاصدين، وسيأتي إن شاء الله تحويله بالمقاييس المعاصرة بعد قليل.

فهذا هو القول الراجح؛ لأن هذا الحديث هو كالنص في المسألة، حديث: «لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر..» هو كالنص في هذه المسألة.

وقد اختار هذا القول البخاري في صحيحه، قال: بابٌ في كم يقصر الصلاة، وسمّى النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وليلةً سفرًا.

ومما يدل لذلك أيضًا أنه قد رُوي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يقولان: يا أهل مكة، لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُد. وأربعة برد: هي ستة عشر فرسخًا.

ولم يُعرف لهما مخالف.

فهذا هو القول الراجح أولًا: لدلالة حديث أبي هريرة: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر..». ثانيًا: لأن هذا هو المنقول عن الصحابة كما عند ابن عباس وابن عمر، حكى هذا البخاري عنهما في صحيحه.

والصحابة هم أعلم الناس بشريعة الله، وأعلم الناس بمدلول لغة العرب.

ومما يدل لذلك أيضًا أن العرف لا ينضبط خاصةً في وقتنا الحاضر، ولو خرج مجموعة منكم لسفرٍ وأرادوا التحديد بالعرف لاختلفوا، فالعرف لا ينضبط، كيف تضبط العرف؟! ما ينضبط في هذه المسألة، وعلى هذا فلابد من التحديد.

إذًا القول الراجح هو القول الذي مشى عليه المصنف وهي ستة عشر فرسخًا، وهي تعادل أربعة بُرُد، فأربعة برد تعادل ستة عشر فرسخًا.

والفرسخ: ثلاثة أميال، معنى ذلك كم تكون بالميل؟ نضرب ستة عشر في ثلاثة، كم؟ ثمانية وأربعين، تكون ثمانية وأربعين ميلًا.

والميل الواحد يعادل ألف وستمائة وثمانين مترًا.

فعلى هذا تكون مسافة القصر بالكيلومترات ثمانون كيلو وستمائة وأربعون مترًا. احفظوا هذا الرقم.

فإذا كانت المسافة بلغت ثمانين كيلو وستمائة وأربعين فأكثر، فهي مسافة سفر، إن كانت أقل من ذلك فهي أقل من مسافة السفر.

هذا هو القول الراجح، وبذلك نكون قد وافقنا المؤلف في هذا؛ لأن المؤلف حددها بستة عشر فرسخًا، وهي تعادل ثمانين كيلو، وتعادل أربعة برد، وتعادل ثمانية وأربعين ميلًا.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بن عبدالعزيز