الخثلان
الخثلان
باب صلاة أهل الأعذار

قال: "بابٌ صلاةُ أهلِ الأعذارِ".

انتقل المؤلف للكلام عن أهل الأعذار، وابتدأ بالمريض.

قال: "مَنْ عَجَزَ عَنِ القيامِ".

مَن عجز عن القيام؛ أي صلى قاعدًا، فالمريض إذا عجز عن القيام فإنه يصلي قاعدًا؛ لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير، فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاتي، قال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ».

هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، لكن استُشكل هذا الحديث بأن البواسير، البواسير هي تمدد في أوردة الشرج، يعني هل البواسير تمنع الإنسان من القيام؟ ما تمنع الإنسان من القيام، فاستشكل بعض العلماء هذا الحديث، وقال الخطابي -جوابًا عن ذلك-: لعل هذا كان جوابًا عن فتيا، استفتاه عمران، وعمران كان عنده مرض آخر في بطنه، يُقال: كان عنده استسقاء في البطن، وبقي على ذلك ثلاثين سنة، وكان يُعرض عليه الكي فيأبى، وجاء في صحيح مسلم أن الملائكة كانت تسلم عليه عند السحر كل ليلة.

لكن في آخر عمره كوَى، قبل سنتين من وفاته كوى، فلما كوى لم تعد الملائكة تسلم عليه، ثم بعد ذلك اعترك الكي فعادت الملائكة تسلم عليه.

وهذا يدل على فضل الصبر.

فيظهر والله أعلم أن المرض الذي كان في عمران ليس هو البواسير وإنما هو مرض آخر؛ لأن البواسير لا تمنع الإنسان من القيام.

إذًا إذا عجز المريض فإنه يصلي قاعدًا، إذا عجز المريض عن أن يصلي قائمًا فإنه يصلي قاعدًا، فإن عجز عن أن يصلي قاعدًا فعلى جنبٍ. كما سيأتي.

طيب، قال -إذًا أولًا-: " مَنْ عَجَزَ عَنِ القيامِ ".

"أو طَالَ مَرَضُهُ".

يعني إذا كان القيام يؤدي إلى طول المرض، وإلى تأخر البرء، طول المرض بأن يزيد مرضه أو يؤدي إلى تأخر البرء، فله أن يصلي قاعدًا، فهذه الحالة الثانية.

الحالة الأولى: أن يعجز. الثانية: أن يكون القيام في الصلاة يؤدي إلى زيادة المرض أو إلى تأخر برئه.

الحالة الثالثة: أن يكون المريض يستطيع أن يصلي قائمًا لكن يلحقه بذلك مشقة شديدة، فله أن يصلي قاعدًا.

فإذًا هذه الأحوال الثلاثة التي يجوز للمريض أن يصلي فيها قاعدًا.

نعيدها مرة أخرى: الحالة الأولى: أن يعجز عن القيام، لا يستطيع.

الحالة الثانية: أنه يستطيع أن يصلي قائمًا لكن قيامه يؤدي إلى زيادة المرض أو إلى تأخر برئه، فله أن يصلي قاعدًا.

الحالة الثالثة: أنه يستطيع القيام لكن بمشقة شديدة، فله أن يصلي قاعدًا.

ولكنَّ المشقة هنا تحتاج إلى ضابط؛ لأن بعض الناس يتوسع في المشقة، فيصلي قاعدًا كون المشقة ليست شديدة، ولذلك تجد كثرة الكراسي خلف الإمام في كثير من المساجد، وكثرة مَن يصلون قعودًا، فهل هؤلاء كلهم يلحقهم مشقة شديدة؟ بعضهم تجد أنه في أمور دنياه نشيطًا، يزاول أمور دنياه نشيطًا، فإذا أتت الصلاة ادّعى المشقة، ادعى المشقة الشديدة.

طيب لماذا لم تأتِ هذه المشقة الشديدة في أمور دنياه؟! فبعضهم يحمل الأشياء الثقيلة وهو قاعد ثم يرفعها قائمًا، ثم إذا أتى المسجد صلى قاعدًا!

وبعض النساء ترقص في الأعراض قائمة، ربما مدة طويلة، فإذا أتت تصلي صلت قاعدة! وهذا من قديم ذكر الإمام الشافعي عن رجلٍ قد جاوز التسعين من عمره كان يعلم الجواري الغناء قائمًا، فإذا أتى المسجد صلى قاعدًا.. فهذا كان من قديم.

فنحتاج الآن إلى ضابط المشقة الشديدة التي يجوز معها للمصلي في صلاة الفريضة أن يصلي قاعدًا.

ضابط المشقة الشديدة: هي المشقة التي لو صلى قائمًا لتسبب ذلك في فوات الخشوع.

إذًا ضابط المشقة هي المشقة التي يفوت الخشوع بسببها.

فإذا صلى قائمًا لم يخشع في صلاته، ويقلق، ويتكدر، ويتشوش خاطره، وينتظر بفارغ الصبر متى يسجد الإمام؟ فهنا له أن يصلي قاعدًا.

أما المشقة المحتملة التي لا يفوت بسببها الخشوع في الصلاة، فهذه لا تبيح له أن يصلي قاعدًا، إذا كان يشق عليه مشقة محتملة، لكن لا يفوت بسببها الخشوع في الصلاة، هنا يجب عليه أن يصلي قائمًا.

قال: "صلى قاعدًا، ثُمَّ على جَنْبٍ".

يعني إن عجز عن أن يصلي قاعدًا، فإنه يصلي على جنبه، والأفضل أن يكون على جنبه الأيمن إن تيسر.

ولذلك في حديث عمران: «صلِّ قائمًا، فإنْ لم تستطع فقاعدًا، فإنْ لم تستطع فعلى جنبٍ».

قال: "ثُمَّ مستلقيًا".

وهذه هي المرتبة الرابعة، والعجيب أن الموفق بن قدامة في المغني عزا هذه الزيادة للنسائي، قال: وللنسائي: « صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب، فإن لم تستطع فمستلقيًا»، قال: بأن هذا رواه النسائي.

الواقع أنها ليست عند النسائي، لكن الأعجب من ذلك أنه نقل هذه عن ابن قدامة أكثر من عشرين مصنفًا، كلهم يقولون: رواها النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيًا».

أكثر من عشرين مصنفًا نقلوا هذه، وهذا يدل على أن طالب العلم ينبغي أن يرجع للأصول بنفسه، وألا يعتمد على النقل بواسطة، فكلهم اعتمدوا على ابن قدامة، فنقولها عنه، وبعضهم ينقل عن بعض أكثر من عشرين مصنفًا.

وهي لم ترد عند النسائي، وجاءت في حديث علي عند الدارقطني والبيهقي لكنها لم ترد في السنن، ولكن أيضًا المعنى صحيح فإنه إذا عجز عن جنب فإنه يصلي مستلقيًا.

قال: " ثم مستلقيًا إيْمَاءً".

أي أنه يومئ إماءً، وهذا إذا كان يصلي على جنبه أو مستلقيًا، أما إذا كان يصلي قاعدًا، فإنه يومئ بـ.. إن كان يستطيع أن يسجد وجب عليه السجود، وإن كان لا يستطيع أن يسجد أومأ بالسجود وأومأ بالركوع، ويجعل السجود أخفض من الركوع.

وإذا كان على جنبه أو مستلقيًا فإنه يومئ بالرأس إلى الصدر، وليس إلى الأرض؛ لأنه لو أومأ إلى الأرض فإنه يترتب على هذا نوع التفات، فإذا صلى إذًا على جنبه أو مستلقيًا فإنه يومئ إلى الصدر.

ويكون إماؤه إلى الصدر أثناء الركوع قليلًا، وعند السجود يكون الإماء أكثر.

قال: "ثُمَّ بِطَرْفِهِ".

يعني إن عجزَ عن الإماء رأسه فإنه يومئ بطرفه، يعني يغمض عينه، يغمض عينه قليلًا في الركوع، ثم في السجود يغمضها أكثر.

واستدلوا بحديث: «فإنْ لم يستطع أومأ بطرفه». ولكن هذا ضعيف، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والصواب: أنه إذا عجز عن الإماء برأسه، سقط عنه الإماء، وتسقط عنه في هذه الحال الأفعال دون الأقوال، فيسقط عنه الإماء والأفعال لكن تبقى الأقوال، فيأتي بالفاتحة وينوي الركوع، ويأتي بالتسبيح في الركوع والرفع منه.

إذًا مَن عجز عن الإماء برأسه فتسقط عنه الأفعال دون الأقوال.

قال: "ولو عَجَزَ عَنِ القراءةِ فَبِقَلبهِ".

فإذا عجز عن الأقوال فإنه يصلي بقلبه، فينوي القيام والقراءة ثم ينوي الركوع والرفع منه، ثم السجود وهكذا.

فإذًا هذه هي حالات صلاة المريض: يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب، فإن لم يستطع فمستلقيًا، ويومئ بالركوع والسجود، فإن عجز عن الإماء  برأسه سقطت عنه الأفعال وأتى بالأقوال، فإن عجز عن الأقوال صلى بقلبه.

وسبق أن ذكرنا قاعدةً، وهي أن الصلاة لا تسقط عن المكلف ما دام عقله معه إلا في حالة واحدة، وهي: المرأة في حال الحيض والنفاس، وما عدا ذلك لا تسقط الصلاة عن المكلف ما دام عقله معه.

فلو افترضنا أن رجلًا على فراشه على سرير المرض، عاجز عن الحركة وعاجز عن الكلام، لكنه عقله معه، يجب عليه أن يصلي بقلبه، فلا تسقط الصلاة عنه، وهذه مسألة يجهلها بعض المرضي، يظن أنه لا تجب الصلاة عليه، وهذا غير صحيح، ما دام عقله معه يجب عليه أن يصلي ولو أن يصلي بقلبه، لكن لا تسقط الصلاة عنه.

فبعض العامة عندهم اعتقاد بأنه إذا عجز عن الإيماء صلى بأصابعه، فعند القيام يقول بأصابعه هكذا، وعند الركوع هكذا، وعند السجود هكذا، وهذا لا أصل له، وهذا أشبه بالعبث، هذه ليس صلاة، أن يقول بأصابعه هكذا، ثم هكذا، هذا أشبه بالعبث، هذا لا أصل له، أن يومئ بأصابعه هذا لا أصل له، وأن يومئ بعينيه أيضًا هذا فيه حديث لكنه ضعيف.

كل هذا الإيماء بالعين أو بالأصابع، هذا كله لا يصح، وإنما يومئ برأسه، فإن عجز سقطت عنه الأفعال وأتى بالأقوال، فإن عجز عن الأقوال صلى بقلبه. اتقوا اللهَ ما استطعتم.

نعم؟

مداخلة: كلام غير واضح.

الشيخ: يومئ بجسده؟ لا، هو الإيماء يكون بالرأس لكن يكون معه الظهر أثناء الركوع قليلًا، فعند الركوع الله أكبر هكذا، وعند السجود أخفض لابد أن يكون الظهر مع الرأس، والأصل أن الإيماء للرأس.

طيب، هذا ما يتعلق بصلاة المريض.

نأخذ ما تيسر من المسافر، نأخذ ما يتعلق بالقصر، والجمع نؤجله للدرس القادم إن شاء الله، لكن نأخذ ما يتعلق بالقصر.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بن عبدالعزيز