الخثلان
الخثلان
تابع باب الإمامة

ننتقل بعد ذلك إلى درس الفقه، وكنا قد وصلنا في كتاب الصلاة، إلى بعض أحكام الإمامة، لم نُكمل أحكام الإمامة، وصلنا إلى موقف المأموم من الإمام.

قال: "فَصْلٌ: يُسَنُّ وُقُوفُ الجماعةِ والمرأةِ خَلفَهُ".

"يسن وقوف الجماعة"؛ أي يُسن وقوف الجماعة خلف الإمام، والجماعة أقل الجماعة اثنان.

فإذن الجماعة تصلي خلف الإمام.

قال: " والمرأةِ "؛ كذلك أيضًا المرأة، وإذا كانوا رجالًا، فإنهم يكونون خلف الإمام؛ اثنان فأكثر، أما إذا كان واحدًا فسيأتي الكلام عنه، وأما المرأة فإنها تكون خلف الرجال، هكذا لو كان مع المرأة غيرها، فيكن خلف الرجال.

وجاء في حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى أنس واليتيم معه، والعجوز من ورائهم.

فإذن المرأة حتى لو كانت واحدة تصلي خلف الرجال، فإذا كانت الجماعة اثنان فأكثر فإنهم يكونون خلفه.

قال: "والواحدِ عن يمينهِ"؛ أي يقف المأموم إذا كان واحدًا عن يمين الإمام، وهذه هي السنة، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فكنت عن يساره، فأخذ برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه.

قال: "وعن جانبيهِ جائزٌ"؛ يعني لو كان واحد عن يمينه، وواحد عن يساره فيجوز، وهذا قد فعله ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه قد صلى بعلقمة والأسود، وجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن السنة إذا كانا اثنين أن يكونوا خلفه، لكن إن كان أحدهما عن اليمين، والآخر عن شماله، فلا بأس، ويمكن أن يُلجأ إلى هذا عند ضيق المكان، عند ضيق المكان لا بأس أن يصلي بعض المأمومين عن يمين الإمام، وعندما لا يتسع المكان أيضًا يصلون عن يساره.

طيب، الآن عرفنا أنها عن يمينه تصح، وعن يمينه ويساره أيضًا تصح.

قال: "وأَمَامَهُ"؛ يعني مبطل، أي أن صلاة المأمومين أمام الإمام باطلة لا تصح، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للفقهاء:

القول الأول: هو القول الذي مشى عليه المصنف رحمه الله، وهو أن صلاة المأمومين قدام الإمام لا تصح، وإليه ذهب الجمهور؛ الحنفية والشافعية والحنابلة، استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به»، ولأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، أنه كان يقف أمام الناس والناس يصلون خلفه، قد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

القول الثاني: أنه تصح صلاة المأمومين قدام الإمام، وهذا هو مذهب المالكية، قالوا: لأن صلاة المأموم قدام الإمام لا تمنع من الاقتداء به، وليس هناك ما يمنع من صحتها.

والقول الثالث: تصح صلاة المأموم قدام الإمام حال العذر، كما في حال الزحام مثلًا، ولا تصح قدام الإمام بدون عذر.

إذن القول الثالث تفصيل: تصح صلاة المأموم قدام الإمام حال العذر، ولا تصح بغير حال العذر، وهذا القول قول عند الحنابلة، و اختاره الإمام ابن تيمية رحمه الله.

وهذا القول الأخير هو القول الراجح، وذلك؛ لأن صلاة المأمومين خلف الإمام غاية ما يمكن أن تكون أنها واجبة، وإذا كانت الأركان والشروط تسقط بالعجز عنها، فهذا الواجب يسقط بالعجز عنه من باب أولى.

وقاعدة الشريعة: أنه لا واجب مع العجز.

وعلى هذا فصلاة بعض المأمومين في المسجد الحرام قدام الإمام لا بأس بها؛ لأنهم معذورون بسبب الزحام، كذلك أيضًا في المشاعر، في منى، ومزدلفة، وفي عرفة، يصلي بعض الناس قدام الإمام فصلاتهم صحيحة؛ لأنهم معذورون بالزحام.

كذلك أيضًا في المسجد النبوي عند امتلائه، لو صلى الناس في الجهة الجنوبية فلا بأس؛ لأنهم معذورون.

لكن هذا عند العجز عن الصلاة خلف الإمام.

وأيضًا بعض الجوامع تمتلئ ولا يجد الإنسان إلا أن يصلي قدام الإمام، فصلاته صحيحة؛ لأنه معذور، وبعض الناس يشدد في هذه المسألة، نقول: هذا التشديد إنما يكون في حالة عدم العذر، أما في حال العذر كالزحام فلا يُشدد فيها، صلاته صحيحة.

هذا هو القول المرجح عند كثيرٍ من المحققين من أهل العلم.

مداخلة: غير واضحة.

الشيخ: كذلك الجهل والنسيان، فإنه ليس هناك دليل واضح يدل على البطلان، فقط ذكرنا أدلة الجمهور، مجرد هدي النبي عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

فلا يُشدد في المسألة كثيرًا، وإنما يقال: من السنة أنك تكون خلف الإمام، لكن إذا كان هناك عذر فلا حرج، لكن مقتضى قول المالكية: لو أن المأمومون كلهم صلوا أمام الإمام صلاتهم صحيحة، هذا يُضعف هذا القول.

ولذلك القول الثالث وسط، فيقولون: تجوز صلاة المأموم قدام الإمام حال العذر ولا تصح في غير حال العذر.

فهذه فائدة نفيسة؛ لأن بعض الناس يستشكل هذه المسألة خاصة في مواطن الزحام، وكيف أن المأمومين يصلون قدام الإمام، في الحرمين، في المشاعر، بل حتى في بعض الجوامع يوم الجمعة.

فنقول: لا حرج، مع الزحام لا حرج.

قال: وأمامه"؛ نحن ذكرنا أنه أمامه إذا كان بعذر فلا حرج، المؤلف يرى أنها تبطل.

قال: "وعن يَسْرَتِهِ"؛ أي وقوف المأموم عن يسار الإمام مبطلٌ للصلاة، هذا هو رأي المصنف رحمه الله تعالى، واستدلوا بحديث ابن عباس السابق، قالوا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أدار ابن عباس، لما وقف عن يساره أخذ برأسه، فأداره وجعله عن يمينه.

والقول الثاني: صحة صلاة المأموم عن يسار الإمام، وإلى هذا ذهب الجمهور؛ كالحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة، واستدلوا بحديث ابن عباس نفسه، قالوا: لو كانت الصلاة عن يسار الإمام لا تصح لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس باستئنافها من جديد، لكنه لم يأمره باستئنافها، وإنما أدار رأسه فقط، وجعله عن يمينه.

وهذا هو القول الراجح، أن صلاة المأموم عن يسار الإمام أنها صحيحة، لكنها خلاف الأولى.

ولهذا المرداوي في الإنصاف، بعدما قرر المذهب عند الحنابلة، وهو عدم صحة الصلاة؛ صلاة المأموم إذا وقف عن يسار الإمام، قال: فإن كان عن يمينه أحدٌ صحت صلاته، فعندهم أنه إذا كان عن يمينه أحد صحت صلاته إذا وقف عن يساره، لكن إذا كان عن يمينه ما في أحد، لا تصح.

وهذا التفصيل لا دليل عليه، فإما أن تصححوا الصلاة عن يسار الإمام مطلقًا، وإما لا تصح مطلقًا، أما القول: إنه إذا لم يكن عن يمينه أحد لم تصح، وإذا كان عن يمينه أحد صحت، هذا مما يُضعف هذا القول.

ولذلك لما ذكر المرداوي قول الجمهور، وهو القول بالصحة مع الكراهة، قالوا: وهذا القول هو الصواب.

فإذن القول الراجح: أن صلاة المأموم عن يسار الإمام أنها تصح فإن كان لغير عذرٍ كُره ذلك، وإن كان لعذر لم يُكره.

قال: "أو فذًّا"؛ فذًا يعني فردًا واحدًا، وهو يشير بهذا إلى صلاة المنفرد خلف الصف، وصلاة المنفرد خلف الصف، اختلف العلماء فيها على قولين:

القول الأول: أنها لا تصح، هذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو من المفردات، وهذا المصطلح من المفردات سبق أن مر معنا، ماذا يراد به.

مداخلة: غير واضحة.

الشيخ: أحسنت، انفرد به الحنابلة عن بقية المذاهب.

القول الثاني: أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيح، وإليه ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة.

أما أصحاب القول الأول وهم الحنابلة الذين قالوا بأن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح، فاستدلوا لذلك بحديثِ وابصة بن معبد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد، وهو ثابت بمجموع طرقه وشواهده.

وأيضًا حديث: «لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف» ، وله طرق وشواهد متعددة، وقد أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان، ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص عن الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال: حديث حسن.

والبوصيري في الزوائد قال: إسناده صحيح.

إذًا هذان الحديثان يدلان على أن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح، هذا هو الذي استدل به الحنابلة لهذا القول.

أما الجمهور فاستدلوا بحديث أبي بكرة رضي الله عنه، لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع دون الصف ثم مشى حتى جلس في الصف، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «زادكَ اللهُ حرصًا ولا تعد».

وجه الدلالة أن أبا بكرة ابتدأ صلاته منفردًا خلف الصف وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا.

والقول الراجح هو القول الأول وهو مذهب الحنابلة، فإن الأحاديث ظاهرة في عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»، وأيضًا كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الذي صلى منفردًا بإعادة الصلاة هذه ظاهرة في الدلالة في عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف.

وأما حديث أبي بكرة الذي استدل به الجمهور فإن الاستدلال به محل نظر؛ لأن أبا بكرة إنما كبّر دون الصف ثم أقام في الصف، فهو لم يستمر منفردًا دون الصف، وإنما مشى حتى كان في الصف، ولمْ يصلِّ ركعةً فأكثر وهو منفرد خلف الصف، إنما صلى جزءًا يسيرًا من أول صلاته، ثم بعد ذلك انتقل وصلى في الصف، فالاستدلال بحديث أبي بكرة غير صحيح.

إنما يصح الاستدلال به لو أنا بكرة صلى ركعةً كاملة منفردًا خلف الصف.

ولذلك لو أن أحدًا أتى وصلى أول صلاته منفردًا ثم أتى مَن صلى معه قبل أن يركع الإمام، قبل أن يرفع الإمام من الركوع، فصلاته صحيحة.

فإذًا الاستدلال بحديث أبي بكرة غير ظاهر، وعلى ذلك فالقول الراجح هو القول الأول وهو أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف.

هذا إذا كان هناك فرجة في الصف، أما إذا أتى المأموم ولم يجد فرجةً في الصف، ولم يجد أيضًا.. لم يتيسر له أن يصلي عن يمين الإمام، فقد اختلف العلماء القائلون بأنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف، اختلفوا في هذه المسألة.

فقال بعضهم: ينتظر حتى يأتي مَن يصف معه، وهذا القول قولٌ ضعيف؛ لأنه قد يأتي مَن يصف معه، وقد لا يأتي، والشريعة لا ترد مثل هذا، الإنسان ينتظر مجهولًا لا يدري هل يأتي أو لا يأتي.

والقول بأنه ينتظر ولو فاتته الجماعة أيضًا قول ضعيف، هذا ليس حلًّا، فهو الآن عنده جماعة يريد أن يلتحق بها؛ ولذلك ذهب بعض العلماء إلى أنه في هذه الحال يصلي خلف الصف وحده، وصلاته صحيحة، وقد اقترح هذا القول أبو العباس بن تيمية، ومن المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله تعالى.

قالوا: لأن كونه لا يصلي خلف الصف وحده غاية ما في الوجوب، وإذا كانت الأركان والشروط تسقط بالعجز عنها، فهذا الواجب يسقط بالعجز عنه من باب أولى.

فهذا واجب قد عجز عنه هذا الشخص.

بعض فقهاء الحنابلة وهو شائع عند بعض العامة يقول: إنه يجذب واحدًا من الصف الذي أمامه، ولكن هذا القول قول ضعيف؛ إذ أن جذبه لواحدٍ من الصف فيه تعدٍّ عليه، ونقل له من مكان فاضل إلى مكان مفضول، ثم إن فيه تشويشًا عليه، ثم إنه قد يتسبب في فرجة في الصف، ثم إن الشريعة لم ترد بمثل هذا.

ولهذا لما ذُكر هذا للإمام أحمد استقبح هذا، وأيضًا نُقل مثل هذا عن إسحق بن راهوية.

وعلى هذا، فنقول: إذا لم يجد فرجةً في الصف الذي أمامه، فإنه يصلي خلف الصف وحده؛ لأنه قد عجز عن هذا الواجب، والقاعدة الشرعية: لا واجبَ مع العجز.

نعود لعبارة المؤلف رحمه الله، قال: " ومن لم يقف معه إلا كافرٌ ".

ذكر المؤلف مسائل تكون فيها المصافة وجودها وعدمها سواء، فذكرَ..

أولًا: الكافر، قال: " مَن لم يقف معه إلا كافرٌ "، فوجوده وعدمه سواء؛ لأن الكافر صلاته غير صحيحة.

قال: " أو مُحْدِثٌ يَعْلَمُهُ ".

يعني مَن لم يقف معه إلا محدث فصلاة المحدث باطلة، فوجوده وعدمه سواء.

لكن فُهم من قوله: يعلمه، أنه إذا لم يعلمه صحة مصافته، فلا يكون فذًّا.

قوله: "أو أُنثَى".

يعني مَن لم يقف معه إلا أنثى، فوجودها وعدمها سواء، فهو بهذا يُعتبر فذًّا.

وقال: "أو صَبِيٌّ".

يعني مَن لم يقف معه إلا صبي فعلى رأي المؤلف أن وجوده وعدمه سواء؛ لأنه عندهم أنه لا تصح مصافة الصبي.

وسبق أن ذكرنا الخلاف في هذه المسألة وذكرنا أن القول الراجح أنه تصح مصافة الصبي، وتصح إمامته، والمقصود بالصبي الصبي المميز الذي بلغ سبع سنوات فأكثر.

ويدل لذلك حديث أنس السابق، لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم، قال أنس: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم واليتيم معي، والعجوز من ورائنا.

اليتيم صبي، ومع ذلك صفّ مع أنس وصحّت مصافته وأقره النبي صلى الله عليه وسلم.

ولقصة عمرو بن سلمة لما صلى بقومه وهو ابن سبع أو ثمان سنين، وإذا كانت تصح إمامة الصبي فمصافته تصح من باب أولى.

فإذًا لا نوافق المؤلف على قوله: أو صبي. بل نقول: إن الصواب أنه تصح مصافة الصبي إذا كان مميزًا.

قال: "ويقومُ إمَامُ العُرَاةِ، والمرأةُ بالنِّساءِ وَسْطًا".

يقوم إمام العراة وَسْطَهُم، وضبطُ الوَسْط والوَسَط، يقولون: كل موضع يصلح فيه بين، بدل مكانه وَسَط، فهو وسْط بإسكان السين. وكل موضع لا يصلح فيه بين فهو وسَط بالتحريك. هكذا يقول أهل اللغة.

فعلى هذا هنا في هذه العبارة يصلح كلمة بين مكان الوسْط فتكون وسْط بإسكان السين.

يقوم إمام العراة وسْطهم، فلا يتقدم عليهم؛ لأن ذلك أستر له، والمرأة إذا أمّت النساء فإنها تقف وسْطهن.

قال الموفق بن قدامة رحمه الله في المغني: لا نعلم فيه خلافًا. يعني في أن المرأة تقوم وسط النساء؛ لأن المرأة يُستحب لها التستر، وكونها في وسْط الصف أستر لها.

سبحان الله! انظر إلى عناية الشريعة بستر المرأة حتى في هذا الموضع، امرأة تصلي بنساء ومع ذلك تصلي وسطهن، فعناية كبيرة بهذا الجانب.

وإذا كان المرأة تقف وسط النساء فإمام العراة يقف وسطهم من باب أولى؛ لأن هذا أستر لهم.

قال: "ويُقَدَّمُ الرَّجلُ".

المراد بالتقديم هنا يعني التقديم خلف الإمام، يعني مَن الذي يلي الإمام، مَن الذي يكون خلف الإمام ويلي الإمام؟

فيقول: "يلي الإمام الرجل، ثُمَّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ الخنثى، ثُمَّ المرأةُ".

فيلي الإمام ويكون خلفه الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناثى ثم النساء. ويدل لذل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم». أخرجه مسلم في صحيحه.

ثم بعد ذلك يأتي الصبيان، ثم الخناثى.

تكلمنا في الدرس السابق عن الخنثى، وقلنا: إنه في الوقت الحاضر يكاد يكون منقرضًا وغير موجود، مع التقدم الطبي الذي يعيشه العالم اليوم؛ لأنه يمكن معرفة هذا الذي اشتبه أمره، يمكن معرفته عن طريق الأشعة، فإن كان له خصية فهو ذكر، وإن كان له مبيض فهو أنثى، وإذا كان يعرفون بالأشعة الخلايا الصغيرة الدقيقة الأشياء التي لا تُرى بالعين المجردة، فكيف بمعرفة كون الخصية والمبيض لديه.

ولذلك ذكرنا أن التعريف الصحيح في الوقت الحاضر للخنثى يختلف عن تعريف الفقهاء السابقين، فالتعريف الصحيح للخنثى المشكل في الوقت الحاضر ما هو؟ مَن اجتمع لديه الخصية والمبيض، وهذا لا يكاد يكون موجودًا، بل هو أندر من النادر.

لكن الفقهاء السابقون كانوا يعتبرون أنه موجود، كانوا يجدون مَن تتضخم الأعضاء التناسلية عنده من النساء يعتبرون خنثى، وهو امرأة لكن تضخم عضوها.

أو مَن تضمر الأعضاء لديه وهو ذكر، يشتبهون فيه أنه خنثى، وهو ذكر الحقيقة.

طيب، نحن ذكرنا هذا الترتيب الذي ذكره المصنف لكن ماذا لو تقدم الصبي في الصف الأول وجلس خلف الإمام مما يلي الإمام مباشرة؟ فهل يُؤخر الصبي أولا يُؤخر؟

ظاهر كلام المؤلف أنه يؤخر وهو المذهب عند الحنابلة، وقالوا: لأنه لا تصح مصافته ولا تصح إمامته، واستدلوا بأثرٍ رُوي عن أبي بن كعب أنه أتى ووجد قيس بن عبادة في الصف الأول، فنحّاه وجلس مكانه.

والقول الثاني: أنه لا يؤخر وأن هذا الصبي المميز ما دام أنه قد سبق إلى هذا المكان فهو أحق به، قد جاء عند أبي داود وغيره.. نعم قد جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه».

هذا في صحيح مسلم، وعند أبي داود: «مَن سبق إلى مكانٍ فهو أحق به».

ثم إن تأخير الصبي من الصف الأول إلى مكانٍ آخر، فيه تنفير له من المسجد وفيه كسر لخاطره، وأيضًا قد يكره هذا الذي قد أخّره. هذه وجهة أصحاب القول الثاني.

وهناك قول ثالث وهو التفصيل، فإذا كان هذا الصبي المميز خلف الإمام مباشرة فإنه يؤخر؛ لأن الإمام قد يعرض له عارض فيحتاج إلى مَن يخلفه، وكونه يستخلف هذا الصبي، لا يصح عند بعض الفقهاء، فإن بعض الفقهاء لا يصححون إمامة الصبي.

ثم إن الإمام قد يحتاج إلى مَن يفتح عليه في القراءة، وهذا الصبي في الغالب أنه لم يحفظ القرآن كاملًا، فيؤخر عن المكان الذي يلي الإمام مباشرةً، أما إذا كان هذا الصبي في مكان لا يلي الإمام مباشرة فلا يؤخر؛ للأدلة التي ذكرها أصحاب القول الثاني، وهو قد سبق إلى هذا المكان هو أحق به، ولعل هذا القول هو القول الراجح والله أعلم، لعل هذا القول الثالث القول بالتفصيل هو القول الراجح، فإذا كان يلي الإمام مباشرة فإنه يُنصح برفق، يُقال له: لو انتقلت إلى عن يمين الإمام أو عن يسار الإمام؛ لأن هناك مَن هو أكبر منك وأولى بأن يصلي خلف الإمام، أما أن نقول: خلف الإمام لو اجتمع مثلًا خمسة أو ستة صبيان كلهم خلف الإمام، والكبار وربما يكون بعضهم أكثر حفظًا وقراءة وعلمًا يكون عن يمينهم وعن يسارهم فهذا غير مناسب؛ لأن الإمام قد يحتاج، يحتاج إلى مَن يخلفه، يحتاج إلى مَن يفتح عليه، وهؤلاء صبيان.

فالقول الوسط هو الأظهر أنه إذا كان خلف الإمام مباشرة فإنه لا يلي الإمام ويُطلب منه أن ينتقل إلى مكان آخر، أما إذا لم يكن خلف الإمام مباشرة، فهو أحق، هو أحق بمكانه.

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى»، فهذا حثٌّ لأولي الأحلام والنهى أن يبكروا، فإذا لم يبكروا كان هذا الصبي هو الأحق إلا في الحال التي تكون خلف الإمام مباشرة، وعليه يُحمل تصرف أبي بن كعب مع قيس بن عبادة.

قال المؤلف: "كتقديمهم إلى الإمامِ في الجَنَازَةِ، وإلى القِبلةِ في القبرِ".

يعني أن هذا الترتيب الذي ذكره هو أنه الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء، هذا يكون كذلك عند الجنازة، فإذا اجتمع جنازة فيها رجال وصبيان وخناثى ونساء، يُقدم إلى الإمام الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء.

وهكذا أيضًا عند دفن أكثر من واحد في القبر، عند الضرورة، عند الضرورة يجوز أن يُدفن أكثر من واحد في قبر واحد، فيُقدم الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة.

هذه أبرز الأحكام المتعلقة بهذا الفصل الذي ذكره المصنف رحمه الله.

نعم؟

مداخلة: كلام غير واضح.

الشيخ: لا أعلم أنه ورد في هذا شيء أن المؤذن يكون خلف الإمام مباشرة، لكن العادة أن الإمام هو أول مَن يأتي للمسجد، لكونه هو الذي يؤذن، وعلى ذلك فيكون أحق بهذا المكان إلا إذا سبقه أحد، إذا سبقه أحد إليه وأتى قبله فهو أحق، فمَن سبق فهو الأحق، وليس هناك دليل يدل على تخصيص الإمام بهذا المكان.

طيب، ننتقل بعد ذلك إلى صلاة أهل الأعذار.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بن عبدالعزيز