الخثلان
الخثلان
فصل في الأعذار في ترك الجمعة والجماعة
30 ربيع الأول 1438 عدد الزيارات 1118

قال المصنف رحمه الله:

 فصل، يعني في الأعذار في ترك الجمعة والجماعة، قال: «يعذر في ترك الجمعة والجمعة المريض»، إذًا أول الأعذار في ترك الجمعة والجماعة المرض، قال ابن المنذر رحمه الله: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض، وهذا مجمع عليه.

ولكن ما ضابط المرض الذي يعذر الإنسان بسببه ترك الجمعة والجماعة؟ الضابط هو المرض الذي يلحق الإنسان معه ضرر أو مشقة، لو صلى الجمعة والجماعة، إذًا هو المرض الذي يلحقه المريض معه ضرر أو مشقة، وألحق العلماء بالمرض الخوف من حدوث المرض أو زيادة المرض، أو تأخر بُرئه، هذه كلها أعذار في ترك الجمعة والجماعة.

أما المرض اليسير الذي لا يلحق الإنسان معه الحرج فيما لو شهد الجمعة والجماعة، فليس بعذر، كما لو أصاب الإنسان مثلًا زكام أو نحوه، هذا ليس عذرًا له في ترك الجمعة أو الجماعة، وقد ذكر ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، يعني يعضد له الاثنين، حتى يقام في الصف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا ليس واجبًا عليه، وإنما هو من شدة حرصه على الجمعة والجماعة أنه يأتي ويشهد الجمعة والجماعة مع مرضه، لشدة حرصه.

وهذا نجد بعض الصالحين يفعل هذا تجد أنه مريض ومع ذلك يصر على أن يأتي المسجد مع أنه معذور، لكن قوة إيمانه تدفع لهذا.

 المشقة ضابطها هو الضابط الذي ذكرنها في القيام في الصلاة، وهي المشقة التي يفوت بسببها الخشوع في الصلاة، أو ما ذكرنا من تأخر المرض أو زيادته تأخر بُرئه أو زيادته أو نحو ذلك، والجمعة آكد من الجماعة، ولهذا قال: بعض الفقهاء تلزم الجمعة دون الجماعة، من لا يتضرر بإتيانها راكبًا أو محمولًا.

لأن الجمعة صلاة واحد في الأسبوع، ولا بدل لها إذا فاتت، بخلاف الجماعة، فإذًا يعني يتأكد في حق المريض أن يحضر الجمعة أكثر من الجماعة، إذا كان بإمكانه أن يأتي للجمعة ولو راكبًا أو محمولًا أتى للجمعة، فالجماعة أمرها أسهل من الجمعة.

قال: «والخائف ضياع ماله أو فوت أو موت قريبه»، ذكر العذر الثاني من الأعذار في ترك الجمعة والجماعة وهو الخوف، والخوف ينقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: الخوف على نفسه، كأن يخاف لصًا، أو سبعًا في الطريق، أو نحو ذلك، يخاف أن يعتدي عليه في الطريق لص من اللصوص، كأن يكون في مكان الأمن فيه ضعيف، أو في مكان فيه سباع، يخشى أن يهجم عليه سبع ونحو ذلك، فهذا عذر له لترك الجمعة والجماعة.

القسم الثاني: الخوف على ماله، وهو الذي أشار إليه المصنف، أن يخشى على ماله من اللصوص، أو يخشى على دوابه من أن تأكلها السباع لو ذهب للجمعة أو الجماعة.

قال: «أو فوته»، يعني يخشى أنه إن ذهب للجمعة أو الجماعة، فاته ماله، كمن له دابة وقد دل عليها بمكان، فإن لم يمض إليها سريعًا فاتته.

والنوع الثالث من الخوف: الخوف على أهله وولده، كأن يكون معه في البيت طفل صغير، ولو ذهب يصلي الجماعة يخشى على هذا الطفل، أو ذهب يصلي الجمعة يحشى عليه، طفل مثلًا عمره سنة أو سنتين وحان وقت الصلاة، لو ذهب يصلي في المسجد يخشى على هذا الطفل الصغير، فهذا عذر له بترك الجمعة والجماعة.

ومن ذلك ما ذكره المصنف: أو موت قريب، يعني يخشى أنه لو صلى الجماعة أو الجمعة يموت قريبه في غيبته، يعني يخشى أنه لو صلى الجماعة أو الجمعة يموت قريبه في غيبته لكونه لم يسعفه، أو لكونه لم يشهد وفاته ويلقنه الشهادة ونحو ذلك.

فإذًا هذه أعذار في ترك الجمعة والجماعة.

قال: «أو ضررًا يلحقه كمطر ووحل ونحوه»، أيضًا هذا من الأعذار في ترك الجمعة والجماعة: المطر والوحل الذي يلحقه معه مشقه، فيكون عذرًا له لترك الجمعة والجماعة.

وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا بقوله باب الرخصة في المطر، والعلة أن يصلي في رحله، ثم ساق بسنده عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر أن يقول ألا صلوا في الرحال».

وأيضًا جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه خطب الناس في يوم ردغ أي طين ووحل، وفي راوية في يوم مطير، فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة قال: قل الصلاة في الرحال، مع أنه يوم جمعة فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم أنكروا عليه، قال إن هذا فعله ما هو خير مني، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها عزمة كرهت أن أحرجكم.

فهنا يعني عند نزول المطر الذي يلحق الناس مع الإتيان معه للمسجد مشقه يشرع أن يقول المؤذن صلوا في بيوتكم، والأصل أن يقول صلوا في الرحال، لكن الناس الآن ما يعرفوا معنى الرحال، يخاطب الناس بما يعرفون، فيقول صلوا في بيوتكم.

فإما أن يؤذن الآذان كاملًا ثم بعده يقول صلوا في بيوتكم، أو إذا بلغ حي على الصلاح حي الفلاح يقول صلوا في الرحال، أو صلوا في بيوتكم، وفي حديث، حديث ابن عمر قال كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلية برد ومطر يقول إلا صلوا في الرحال، يعني بعد الآذان.

وفي حديث ابن عباس قال: لما بلغ حي على الصلاة قالوا صلوا في الرحال، ورد هذا وهذا، والأحسن أن يأتي بالآذان كاملًا ثم يقول صلوا في بيوتكم، لكن لا بد أن يعني يخبرهم بالسنة في هذا، يقدم بهذا، يعني قبل هذا يوضح لهم كذا، يقول مثلًا لجماعة المسجد أنه يعني اليوم بدأ نزول المطر، وربما إذا استمر سوف نؤذن ونقول صلوا في بيوتكم.

لأن الشيء الذي لم يعتد عليه الناس كما مر معنا في الدرس السابق لا بد له من مقدمة، فهذه سنة، والأمر الآخر: الجمع، الجمع بين الصلاتين إذا حضروا المسجد ويشق عليهم حضور الصلاة الثانية، حضروا المغرب ويشق عليهم حضور العشاء، فيجوز الجمع بين المغرب والعشاء، لكن عند وجود المشقة والحرج الظاهر.

والناس يتفاوتون في تحديد المشقة، وأحسن ما يمكن أن نضبط به المشقة في هذا الباب: إذا أثر هذا المطر على دنيا الناس، هذا دليل على وجود الحرج والمشقة، بحيث لزم كثير من الناس بيوتهم، وتأثرت حركة الناس في الشوارع، وأغلقت بعض المحلات التجارية ونحو ذلك، هذا دليل، هذه قرينة على وجود الحرج، أما إذا كانت دنيا الناس لم تتأثر بزول المطر إطلاقًا، وإذا أتى الناس المسجد قالوا علينا مشقة، إذا تركنا الجماعة.

فلماذا المشقة فقط في الصلاة؟ لماذا المشقة لم تؤثر على دنيا الناس؟ والأصل أن تصلى الصلاة في وقتها، هذا هو الأصل، ولا يجمع بين الصلاتين إلا لسبب ظاهر، لعذر ظاهر، لأن شرط الوقت هو آكد شروط الصلاة، كما مر معنا.

وعلى هذا ليس لإمام المسجد أن يجمع إلا عند وجود الحرج الظاهر بترك الجمع الذي يلحق الناس معه مشقة، وكما ذكرت من علامته أنه يؤثر على دنيا الناس، فمثلًا يعني المطر في الشتاء مع شدة البرد، هذا قد يكون مع حرج ظاهر، أو مع وجود العواصف.

لكن أحيانًا المطر في الصيف لا يتوجد أدنى درجات الحرارة والمشقة، بل بالعكس يتلطف الجو ويخرج الناس للمنتزهات والاستراحات والشوارع، كيف يقال فيه حرج؟ وإذا كان الحرج موجود لماذا ما يؤثر على دنيا الناس؟ لماذا ما أتى إلا وقت الصلاة؟

فعلى هذا يا إخوان يعني ينبغي عدم التساهل في هذا، وأذكر مرة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أتاه رجل لقد نزل مطر في ذلك اليوم بعد صلاة المغرب نزل مطر، لكن كان متوسطًا، قال إن جماعة المسجد قد جمعوا العشاء مع المغرب، فأمرهم الشيخ أن يعيدوا العشاء، وإذا أشكل على الإنسان هل يجمع أو لا يجمع؟ فالأصل عدم الجمع، الأصل أن تصلى الصلاة في وقتها.

أما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، فهذا أخرجه مسلم في صحيحه، لكن العلماء في كلام كثير، نقل الترمذي الإجماع على ترك العمل به، قال: إن الأمة لم تترك العمل بشيء مما في كتابي إلا في حديثين، هذا الحديث وحديث قتل شارب الخمر في الرابعة.

وأيضًا قيل أن ابن عباس كان صغيرًا، أن هناك عذر خفي على ابن عباس، قيل كان هناك وباء بالمدينة، وقيل كان هناك مطر، وقيل إن الجمع كان صوريًا، أخر الظهر إلى آخر وقته وقدم العصر، وأخر المغرب إلى آخر وقته وقدم العشاء وقيل غير ذلك.

وبكل حال يبقى من المتشابهة أن نرده للنصوص والأحكام التي تدل على وجوب أداء الصلاة في وقتها، وعلى هذا فلا يجمع لأجل المطر إلا عند وجود الحرج الظاهر، أما مع عدم وجود الحرج فلا يجوز الجمع.

كبار السن يلحقهم الحرج حتى مع عدم المطر، مادام في الحرج يعني مشقة طارئة غير المعتادة، وكبير السن يصلي في البيت هو معذور، لكن لا يجمع بجماعة المسجد لأجل هذا الرجل، أو لأجل اثنين أو ثلاثة، إذا كان يلحقهم حرج يصلون في بيوتهم، فهو معذورون وغيرهم غير معذور.

لو رجعنا لحديث ابن عباس قال: فلما بلغ حي الفلاح حي على الفلاح ألا صلوا في الرحال، هذا يدل على أنها ما تقال، لأن حي على الصلاة أقبل على الصلاة، يقول صلوا في بيوتكم بدل حي على الصلاة، فمعنى ذلك أنه ما يقولها.

الوحل معناه الطين، تعرف الناس في السابق ما كان عندهم، ما كانت الطرق مسفلتة، كانت كلها من طين، إذا نزل المطر أصبحت طينًا، فإذا كان المطر عزيرًا أصبحت إلى وحل، وهذا أيضًا يا إخوان يعني فرق مؤثر، لا بد من معرفة أحوال الناس من قبل.

أحوال الناس من قبل خمسين عامًا هنا في المملكة كانت المساجد من طين، ولم يكن هناك كهرباء، وكانت الطرق غير مسفلتة، ومسقوفة بجذوع النخل وبالخوص، إذا نزل المطر لحق الناس حرج أصلًا، لمجرد نزول المطر، يلحق الناس حرج، أما الآن فأحيانًا لا توجد أدنى درجات الحرج لا توجد.

والإمام مؤتمن عليه أن يتقي الله عز وجل لا يحرج الناس بأن يجمع بين الصلاتين وغير الصلاتين، وبعض الأئمة يعني عنده ضعيف، ويكون بعض جماعة المسجد ما من هو قوي الشخصية، فلا يستطيع أن يجابهه، يقول اجمع، لأن هذا العامي يفهم المسألة فهمًا خاطئًا، عليه أن يبين له الحكم الشرعي ولا يعني يستجيب له، ولا يجامله بهذا، هذه عباده هذه صلاة يترتب عليها الصحة أو عدم الصحة.

إذا لحق الناس حرج شديد فنعم، إذا لحق الناس حرج شديد بحيث يكون البرد مصحوبًا بمطر، أو مصحوبًا بعواصف، أما مجرد البرد فليس عذرًا، لأن الأحوال الجوية الآن هي نفسها الأحوال الجوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة تقع على خط عرض أربعة وعشرين.

أيضًا الرياض الآن تقع على خط عرض أربعة وعشرين، فالبرد متقارب الذي يأتينا الآن، وإن كان يأتي الناس في زمن النبوة، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه جمع لأجل برد، بل يعني كان أكثر الصحابة ما له إلا ثوب واحد.

كما قال جابر: «وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» إلا ثوب واحد من غير ملابس داخلية ومن غير أي شيء، ومع ذلك لم ينقل الجمع من أجل البرد، فالبرد وحده ليس عذرًا، لكن لو كان البرد معه مطر، معه عواصف فيمكن أن يكون هذا عذرًا، وهكذا الغبار ليس عذرًا، إلا إذا كان مصحوبًا بشيء آخر، غبار مثلًا مع أمطار ممكن يكون عذر، لعلنا بقية الأسئلة نؤجلها حتى ما نطيل الدرس.

ننقتل بعد ذلك إلى باب الإمامة، قبل هذا هناك أعذار أخرى في ترك الجمعة والجماعة، يعني لم يذكرها المصنف، فمن ذلك الحراسة، حراسة الأشخاص أو الأموال تعتبر عذرًا، فحارس الأمن الموكل إليها حراسة مثلًا منشئات أو أسواق أو نحو ذلك، معذور في ترك الجمعة والجماعة.

وعلى ذلك من يسمون بضباط الخفر، يكون موكل إليه حراسة، مثل مثلًا ثمان ساعات ووافق هذا وقت صلاة الجمعة، أو وافق صلاة الجماعة، فهو معذور في ترك الجمعة والجماعة، وأيضًا من الأعذار إذا وقع حريق أو حوادث، فمن يريد إسعافهم معذور في ترك الجمعة والجماعة، يعني إسعاف المصابين في الحوادث وفي الحرائق، هذا يعتبر عذرًا في ترك الجمعة والجماعة.

وعلى هذا فرجال الدفاع المدني مثلًا يعذرون في ترك الجمعة والجماعة عند قيامهم بأعمالهم، ومن الأعذار أيضًا في ترك الجمعة والجماعة: خوف فوات الرفقة، ومن ذلك في وقتنا الحاضر أن يكون موعد إقلاع الطائرة في وقت صلاة الجمعة أو وقت إقامة صلاة الجمعة، فيكون هذا عذرًا له في ترك الجمعة والجماعة، لكن الجمعة يصليها ظهرًا، والجماعة يصليها ولو منفردًا. هذه هي أبرز الأعذار.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض