الخثلان
الخثلان
المرحلة المدنية في حياة النبي ﷺ
26 ربيع الأول 1438 عدد الزيارات 471
التصنيف: قصص الأنبياء

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون

أحمده تعالى وأشكره حمدا وشكرا كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله تعالى بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فبلغ الرسالة

وأدى الأمانة ونصح الأمة ما من خير إلا دل أمته عليه وما من شر إلا حذرها منه فصلوات الله وسلامه عليه

وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله أيها المسلمون اتقوا الله حق التقوى " يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما "

عباد الله كان الحديث في خطبة الجمعة الماضية عن جوانب من السيرة العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم

في المرحلة المكية ونستكمل الحديث في هذه الخطبة بذكر جوانب أخرى من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

في المرحلة المدنية مرحلة ما بعد الهجرة قبل ذلك نؤكد على أهمية معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم

 وواقع حياته ومنهجه في الدعوة إلى الله تعالى إن السيرة النبوية هي التي تضع للمسلمين المعالم التي يجب عليهم

أن يسيروا عليها وتوضح لهم الطريق التي يجب عليهم أن يسلكونها لأنها هي الترجمة العملية لحياة ذلك النبي الكريم الذي أمرنا الله تعالى أن نتخذه قدوة وأسوة كما قال عز وجل : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

 لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا " وإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المفهوم العميق

هي التي تربى عليها الأفذاذ من السلف الصالح فكانوا نماذج حية للإسلام يرى الناس فيها المدلول الحقيقي

 لدين الإسلام الذي أعز الله به الأمة بعد ذل مرير وأكرمها به فكانت خير أمة أخرجت للناس

عباد الله بعدما مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة بعد بعثته عليه الصلاة والسلام يدعوا الناس إلى تحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله ولقي من كفار قريش ما لقي من أصناف الأذى القولي والفعلي أذن الله تعالى له ولأصحابه بالهجرة إلى المدينة ولما أراد أن يهاجر هموا بقتله " وإذ يمكر بك الذين كفروا لثبتوك

أو يقتلوك أو يخرجوك " فكانت هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة كانت فاتحة خير للإسلام والمسلمين

فأقام دولة الإسلام وصار للمسلمين قوة ودولة ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يسلم من الأذى من قبل اليهود الموجودين في المدينة ومن قبل المنافقين الذين استتروا بالنفاق بعدما رأوا قوة المسلمين ولاسيما بعد غزوة بدر وأرادوا بذلك أن تحقن دمائهم وأموالهم فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أذى شديدا ولكن الله فضحهم في كتابه الكريم وبين للمسلمين حالهم وأوصافهم وخبثهم ومكرهم

كما في سورة البقرة وفي سورة التوبة

وسورة كاملة اسمها سورة المنافقون وغيرها ولم يكن النفاق موجودا في مكة قبل الهجرة لأن الناس كانوا قسمين: مسلمين وكفار ولكن بعد الهجرة لم يستطع هؤلاء المنافقون أن يظهروا كفرهم وهم يرون قوة المسلمين

 فاستتروا بستار النفاق فأبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام ولهذا يقول العلماء إنه كلما قوي دولة الإسلام كلما برز

وظهر النفاق لأن الكافر لا يستطيع أن يظهر كفره فيستتر بالنفاق وكلما ضعفت دولة الإسلام كلما قل النفاق لأن الكافر يستطيع أن يبوح بكفره ولا حاجة أن يظهر الإسلام ويبطن الكفر

عباد الله وبعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأسس دولة الإسلام أذن له بالقتال وكان ممنوعا منه في مكة بل كان يرى الأصنام تعلق على أستار الكعبة ولم يأمر بكسرها وإنما كان يدعوا الناس بالكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة لأن الناس في تلك المرحلة كانوا في حالة ضعف وفي قلة من العدد والعدد

 ولكن بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في الجهاد وكان ذلك على مراحل :

المرحلة الأولى / مبدأ الأذن في الجهاد " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير "

ثم لما قوي المسلمون جاءت المرحلة الثانية أن يقاتلوا من قاتلهم فقط ولا يبدءوا بالقتال

" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به "

ثم لما قوي المسلمون جاءت المرحلة الثالثة وهي فرض الجهاد دفعا وبدأ كما قال سبحانه : " وقاتلوهم

حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم "

ولقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم حياة جهاد ومجاهدة وتضحية وفداء لنصرة دين الله عز وجل

ففي السنة الثانية من الهجرة جمع الله بين المسلمين وكفار قريش من غير ميعاد فكانت غزوة بدر الكبرى

التي انتصر فيها المسلمون انتصارا عظيما وأعز الله تعالى جنده وهزم المشركين

وفي السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة أحد

وفي السنة الرابعة من الهجرة كانت غزوة بني النضير

وفي السنة الخامسة من الهجرة كانت غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة

وفي السنة السادسة من الهجرة كانت غزوة الحديبية التي سماها الله تعالى فتحا فقال : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا "

فكان صلح الحديبية الذي وقع بين المسلمين وكفار قريش كان خيرا عظيما وفتحا مبينا للإسلام والمسلمين

وفي السنة السابعة من الهجرة كانت غزوة خيبر

وفي السنة الثامنة من الهجرة كانت غزوة فتح مكة ثم غزوة حنين

وفي السنة التاسعة من الهجرة كانت غزوة تبوك

ثم مكث النبي صلى الله عليه وسلم بقية تلك السنة في المدينة يستقبل الوفود التي كانت تأتي للمدينة لتعلن إسلامها

وفي السنة العاشرة من الهجرة حج النبي صلى الله عليه وسلم بالناس حجة الوداع وكان يقول :

 " أيها الناس خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا "

فانظروا رحمكم الله إلى حياة النبي صلى الله عليه سلم لا تكاد تمر به سنة إلا وفيها غزوة أو أكثر

فكانت حياته حياة جهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة صلوات الله وسلامه عليه

وكان في الفترة المكية يدعوا الناس إلى تحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله عز وجل

ولم يكن يأمرهم بالفرائض إلا في أواخر تلك الفترة أمرهم بالصلاة وبالزكاة

أما بقية الفرائض لم يأمرهم بها لأنه كان يأمر الناس ويدعوهم إلى أصل عظيم وهو تحقيق التوحيد

 وإخلاص الدين لله عز وجل ثم بعدما هاجر إلى المدينة أمرهم ببقية الفرائض وبقية شرائع الإسلام

أما الصلاة فكانت قد فرضت في أصلها ليلة الإسراء والمعراج قبيل الهجرة وكانت فرضت أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وأما الزكاة ففرضت في أصلها قبيل الهجرة ثم شرعت تفاصيلها

بعد الهجرة فنزل قبيل الهجرة قول الله عز وجل : " واتوا حقه يوم حصاده " ثم أتت تفاصيلها وأحكامها

بعد الهجرة أما صيام رمضان فلم يفرض إلا في السنة الثانية من الهجرة وأما حج بيت الله الحرام فلم يفرض إلا

في السنة العاشرة من الهجرة وهكذا نجد أن معظم الواجبات والفرائض إنما كانت في المرحلة المدنية بعد الهجرة

قد كان النبي صلى الله عليه وسلم مشغولا في الفترة المكية ما قبل الهجرة بدعوة الناس إلى تحقيق التوحيد

وإخلاص الدين لله عز وجل

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :

فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة

عباد الله وفي شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة مرض النبي صلى الله عليه وسلم واشتد به المرض حتى لم يستطع الخروج للصلاة بالناس فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس فكان أبو بكر الصديق يصلي بالناس وفي فجر أحد الأيام أطل على المسلمين وهم يستوون لصلاة الصبح حين كشف عن ستر حجرته

 ونظر إليهم وتبسم فكاد المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليهم النبي

صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ثم دخل غرفة عائشة وأرخى الستر وفي ضحى ذلك اليوم يوم الاثنين

الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة توفي النبي صلى الله عليه وسلم

وهو مستند إلى حجر عائشة – رضي الله عنها – وكان آخر ما قال : " اللهم الرفيق الأعلى " فنادت عائشة فاطمة ابنته فقالت : يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه

وحزن الصحابة بعد علمهم بخبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا حتى إن بعضهم لم يصدق بذلك ومنهم بعض أكابر الصحابة كعمر بن الخطاب الذي لم أخبر أنكر خبر وفاته وقال : إنه ذهب إلى ربه

كما ذهب موسى وسيرجع فيقطع رقاب أناس من المنافقين والمصيبة العظيمة الشديدة يكون في أول مراحلها عدم التصديق أي أن الإنسان لا يصدق بها وهذا حصل لكثير من الصحابة فلم يصدقوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات وأما الصديق أبو بكر الصديق – رضي الله عنه –  فقد ثبته الله بثبات الأنبياء وكان قد خرج في ضيعة له ثم لما أخبر أتى على فرس فنزل ودخل غرفة عائشة وكشف عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقبل ما بين عينيه

وقال : بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا أما موته الدنيا فقد ذقتها ولكن والله لن تموت بعدها أبدا

ثم خرج إلى الناس وهم ما بين مصدق ومنكر فقام بزمام المبادرة رضي الله عنه فصعد على المنبر وقال :

 أيها الناس بعدما حمد الله وأثنى عليه قال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله

فإن الله حي لا يموت ثم تلا قول الله تعالى : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين "

وقول الله تعالى : " إنك ميت وإنهم ميتون " فاطمئن الناس لقول أبي بكر – رضي الله عنه –

حتى قال ابن عباس كأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية إلا بعدما تلاها أبو بكر الصديق فتلقاها الناس منه كلهم وجعلوا يقرئونها ويتلونها وهذا يدل على أن الإنسان يبقى بشرا مهما كان عليه من العلم

فهذا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ذهل عن معنى هذه الآية حتى ذكره أبو بكر الصديق

وذكر بقية الصحابة بهذه الآية فعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات

توفي النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة كما قال سبحانه :

" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا "

يقول أبو ذر – رضي الله عنه – " ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائر يطير بجناحيه إلا وذكر لنا منه علما " فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار وصلوات الله وسلامه عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار

وجزاه الله تعالى عنا وعن أمته خير الجزاء

فنشهد أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وأرضى اللهم عن صحابة نبيك أجمعين

اللهم أرضى عن أبي بكر الصديق وعن عمر بن الخطاب وعن عثمان بن عفان وعن علي بن أبي طالب

وعن سائر صحابة نبيك أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان يا رب العالمين وعنا معهم بعفوك وكرمك

يا أرحم الرحمين

اللهم انصر الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أذل الكفر والكافرين اللهم أذل الشرك والمشركين اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء اللهم فأشغله في نفسه اللهم اجعل كيده في نحره

 اللهم اجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز

اللهم إنا لنا أخوة مستضعفين قد مستهم البأساء والضراء اللهم إنا لنا أخوة في حلب بالشام قد مستهم البأساء والضراء اللهم فارحمهم برحمتك يا أرحم الراحمين اللهم اكشف عنهم الضر يا حي يا قيوم

اللهم أبدل خوفهم أمنا  وأبدل جوعهم غنا اللهم وانصرهم بنصرك يا قوي يا عزيز

يا نصير المستضعفين ويا مجير المستجيرين

 اللهم وعليك بالنصيرين وأعوانهم اللهم مزقهم كل ممزق واجعل بأسهم بينهم وأتهم من حيث لم يحتسبوا

يا قوي يا عزيز يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام

اللهم إنك لا تحب الظالمين فإنهم قد ظلموا وبغوا اللهم فنسألك أن تنزل عليهم بأسك وعقابك يا قوي يا عزيز

يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام و اللهم اجعل العاقبة للإسلام والمسلمين

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك والعمل بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم

واجعلهم رحمة لرعاياهم اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى

وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر وتذكره إذا نسي يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله

ما علمنا منه وما لم نعلم

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين