الخثلان
الخثلان
مشروعة سجود التلاوة وفضله وحكمه
2 ربيع الأول 1438 عدد الزيارات 376

قال المصنف رحمه الله «والسنة أربع عشرة سجدة»، وهذا ما يسميه العلماء بسجود التلاوة، وسجود التلاوة هو السجود الذي سببه تلاوة أو استماع آية من آيات السجود في القرآن، هذا هو تعريف سجود التلاوة.

والسجود الذي سببه تلاوة أو استماع آية في القرآن، وقد أجمع العلماء على مشروعيته، وورد في فضله ما جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول يا ويلي أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار».

قال: النووي: المراد بقوله «إذا قرأ ابن آدم السجدة»، أي آية السجدة، وليس المقصود بسورة السجدة، إنما أي آية سجود، ومع اتفاق العلماء على مشروعية سجود التلاوة، إلا أنهم اختلفوا في حكمه، هل هو واجب أو مستحب؟

على قولين فذهب الحنفية إلى وجوبه، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، واستدلوا بآيات السجود في القرآن، وقالوا إن آيات السجود إما أن يكون فيها الأمر بالسجود، أو الإخبار بذم من أُمر بالسجود فلم يسجد، أو إخبار من الله تعالى عن سجود مخلوقاته.

وهذا يدل على وجوب سجود التلاوة، لأن الأمر بالسجود الأصل فيه السجود والذم ذم من لم يسجد يقتضي تحريم ترك ذلك، والإخبار عن سجود مخلوقاته يقتضي التشبه بهم.

القول الثاني في المسألة: أن سجود التلاوة مستحب استحباب مؤكدًا وليس واجبًا، وإليه ذهب الجمهور من المالكية الشافعية والحنابلة، واستدلوا بما جاء في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم، فلم يسجد فيها»، وهذا كما سمعتم في صحيح البخاري.

ولو كان السجود واجبًا لم يقرها زيد بن ثابت، أحسنت، ولو كان السجود واجبًا لم يقر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت على ترك السجود، والحديث مروي عن زيد ابن ثابت وليس ابن عمر.

واستدل الجمهور كذلك بما جاء في صحيح البخاري، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة الثانية، قرأ بها حتى إذا جاء السجدة، قال: أيها الناس: إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر».

قال البخاري: «وزاد نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن عمر قال: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء»، قال الموفق ابن قدامة معلقًا على هذا، قال في المُغني قال: «وهذا كان يوم الجمعة بمحضر من الصحابة وغيرهم ولم ينكر، فيكون إجماعًا»، هذه يسمى عند الأصوليين ماذا؟ إجماع سكوتي.

وهذا يعني من الصور التي يكون فيها قول الصحابي حجة، أنها إذا اشتهر قول الصحابي ولم يعرف له مخالف، فيكون قول الصحابي هنا حجة، أما إذا لم يشتهر قول الصحابي، فإن كان له مخالف فليس بحجة عند الجميع.

لكن إن قال الصحابي قولًا ولم يشتهر ولم يعرف له مخالف، هل هو حجة؟ محل خلاف بين الأصوليين، وجمهور الأصوليين على أنه ليس بحجة، وهو القول الراجح، لكنه يستأنس به.

إذًا ذكرنا القولين، والقول الراجح والله أعلم هو قول الجمهور، وهو أن جود التلاوة مستحب وليس واجبًا، لقوة أدلته، خاصة أن عمر فعله على المنبر أمام الصحابة، فيكون كالإجماع من الصحابة على عدم وجوب سجود التلاوة.

والقول الأول كما ذكرت هو مذهب الحنفية، والعجيب أن الإمام ابن تيمية رحمه الله اختاره مع قوة أدلة الجمهور، لكن الصواب هو قول الجمهور، يعني ممكن حديث زيد بن ثابت قد يجاب عنه، لكن قصة عمر هذه قوية، يعني الاستدلال بها قوي، كالإجماع من الصحابة على عدم وجوب سجود التلاوة.

هل يستفاد من قصة عمر أن الخطيب إذا مر بآية سجدة يشرع له أن ينزل من على المنبر ويسجد؟ نعم، فعله عمر وأقره الصحابة كالإجماع، لكن إذا أراد الخطيب أن يفعل هذا أمام الناس اليوم فلابد أن يقدم بمقدمة، كما ذكرنا في السابق، أن الإنسان إذا أراد أن يذكر أمرًا مستغربًا لا بد أن يقدم له مقدمة، يبين الحكم الشرعي ويذكر مثلًا قصة عمر، ثم بعد ذلك ينزل ويسجد ثم يكمل خطبته.

إذًا هذا هو حكم سجود التلاوة.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض