الخثلان
الخثلان
أوقات النهي عن الصلاة
2 ربيع الأول 1438 عدد الزيارات 1727

الموضوع الأخير معنا في الدرس هو أوقات النهي عن الصلاة.

قال المؤلف رحمه الله: «ولا يطوع بعد الفجر إلى الارتفاع».

وهنا انتقل إلى الكلام عن أوقات النهي في الصلاة، الأصل أن الصلاة صلاة النافلة مشروعة إلا في أوقات ورد الشرع بالنهي عن التطوع فيها، وهذه الأوقات كلها في النهار، أما الليل فليس فيه وقت نهي، فلك أن تصلي في الليل ما شئت مثنى مثنى، لكن توتر بواحدة.

وسبق أن ذكرنا في السابق أن أحب عبادة إلى الله عز وجل وأحب عمل إلى الله تعالى هو الصلاة، فإن استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل، أحب عبادة إلى الله، ولهذا لما فرضت الصلاة كم فرضت من ركعة؟ خمسين ركعة في أربع وعشرين ساعة، وهذا يدل على محبة الله عز وجل لهذا النوع من التعبد.

ولما خففت خففت فقط في الفعل ولم تخفف في الأجر والثواب، ولهذا الإمام أحمد كان يصلي لله تعالى تطوعا ثلاثمائة ركعة، والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام كان أيضًا يقتدي بالإمام أحمد في هذا، يصلي ثلاثمائة ركعة.

فإن استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل هي أحب عبادة إلى الله تعالى، إلا في أوقات النهي، هذا هو موضوع حديثنا الآن، الذي ذكره المؤلف هنا على سبيل الإجمال، لا على سبيل التفصيل، ثلاثة على سبيل الإجمال، خمسة على سبيل التفصيل.

قال: "ولا يتطوع"؛ يعني لا يصلي صلاة نافلة بعد الفجر إلى الارتفاع، وقوله بعد الفجر، هل مراد المؤلف بعد صلاة الفجر أو بعد طلوع الفجر؟

ظاهر عبارة المؤلف أنها بعد طلوع الفجر، وليس بعد صلاة الفجر، هذا هو المذهب عند الحنبالة، فعندهم أن ما بعد آذان الفجر أنه يعتبر وقت نهي، واستدلوا لذلك أنه قد جاء في بعض الروايات: «لا صلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس»، كما جاء عن عبد الرزاق وغيره، ولكن هذه الرواية ضعيفة.

والمحفوظ هو رواية الصحيحين وهي: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»، وسبق أن ذكرت لكم يعني فائدة في هذا، إذا ورد الحديث في الصحيحين وورد في غيرهما فالغالب أن رواية غير الصحيحين غير محفوظة، خذ هذه فائدة.

هذا الحديث الآن ورد في البخاري ومسلم وورد عند عبد الرزاق وغيره، فلو كانت رواية بعد طلوع الفجر محفوظة لذكرها الشيخان، البخاري والمسلم، ولكن لم يذكراها، بل ذكر رواية بعد صلاة الصبح، فالرواية المحفوظة إذًا: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»، وعلى هذا يكون الوقت الأول من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.

وأما ما بعد طلوع الفجر فإنه ليس من أوقات النهي على القول الراجح، ليس من أوقات النهي، ولكن مع ذلك يعني عند جمهور أهل العلم أنه لا تشرع الصلاة فيه ما عدا ركعتين الفجر فقط، حتى لو قلنا أنه ليس من أوقات النهي، يقولون لا تشرع الصلاة فيه إلا ركعتي الفجر فقط.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي في هذا الوقت إلا ركعتي الفجر، كان يخففهما، يقول حتي إني أقول هل قرأ فيهما بأم الكتاب أم لا، فإذًا نظرنا إلى مجموع الأدلة نقول الأفضل الاقتصار على ركعتي الفجر فقط، وإن كان القول الراجح أن ما بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة ليس بوقت نهي.

إذًا الوقت الأول من أوقات النهي ما بعد صلاة  الفجر حتى تطلع الشمس، وهذا قد دل له أحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس»، ورد عن يعني عدد من الصحابة، فإذًا هذا الوقت هو من أوقات النهي.

وهنا المؤلف قال: «بعد الفجر إلى الارتفاع»، يعني إلى ارتفاع الشمس، فإذا أردنا أن نذكر أوقات النهي على سبيل التفصيل نجعلهما وقتين، الوقت الأول من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.

والوقت الثاني: من طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح، وعلى سبيل الإجمال نقول كما قال المؤلف من بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، إن شئت فصلت وإن شئت أجملت، لكن يعني حتى ترتفع، سبق أننا تكلمنا عن الارتفاع لما تكلمنا عن بداية قت صلاة الضحى، وقلنا المراد بالارتفاع هنا ارتفاعها قيد رمح، في عين الناظر، وليس في حقيقة الأمر.

وأن هذه يقدر بنحو تسع إلى عشر دقائق تقريبًا، ويعني ذكرنا أفضل طريقة لضبطها، هو أن تأخذ الشروق في التقويم وتضيف له عشر دقائق، الشروق أو الإشراق المكتوب في ورقة التقويم تضيف لها عشر دقائق وإذا أضفت عشر دقائق بهذا يكون قد خرج وقت النهي.

هذا إذًا هو الوقت الأول.

الوقت الثاني: قال: «وبعد العصر إلى الغروب»، قوله بعد العصر يعني بعد صلاة العصر، إلى غروب الشمس، وهذا أيضًا دلت له الأحاديث السابقة، كحديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس».

وحديث أيضًا عمر بن عبسة، وعدة احاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة في هذا الوقت، وإذا أردنا هذا الوقت على سبيل الإجمال فنقول كما قال المؤلف، بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، أما إذا أردنا على سبيل التفصيل فنقول من بعد صلاة العصر إلى حين أن تتضيف الشمس للغروب.

الوقت الآخر من حين أن تتضيف الشمس للغروب إلى أن تغرب، والمراد بالغروب إلى أن يختفي قرص الشمس، هذا المراد بغروب الشمس.

فإذًا هما وقتان على سبيل التفصيل ووقت  على سبيل الإجمال، والحكمة من النهي عن الصلاة في هذين الوقتين، أما عند طلوع الشمس وعند غروبها، فقد جاء في حديث عمرو بن عبسة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم أقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار».

وقال مثل ذلك عند غروب الشمس، فالحكمة إذن من النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها أنها حسن تطلع الشمس وحين تغرب، تغرب بين قرني شيطان فيسجد لها الكفار، فنهينا عن مشابهة الكفار في هذا.

ولهذا أيضًا من الفقه الدقيق من اللطائف، يعني حتى سجود التلاوة وقت شروق الشمس ووقت غروبها ينبغي أن تؤخره، لأنك لو سجدت لسجود التلاوة شابهت الكفار هذه من اللطائف، فإذا مررت بآية السجدة يعني الأولى لا تسجد وقت شروق الشمس ووقت غروبها، لأن لو فعلت هذا شابهت المشركين.

هذا الآن واضح في وقت الشروق ووقت الغروب، ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ما هي الحكمة من النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؟ من باب سد الذريعة، ولهذا النهي عن الصلاة في هذين الوقتين خفيف، وليس شديدًا، انتبه لهذا، وهذه يترتب عليها أحكام سنذكرها بعد قليل، فهو من باب سد الذريعة.

لأن المصلي إذا صلى فإنه ربما يستمر في صلاته، خاصة إذا خشع في صلاته يستمر، وربما أنه إذا استمر يعني إذا صلى وقت تمادى حتى وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، إذًا فالنهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس من باب سد الذريعة.

الوقت الثالث قال: «وعند الاستواء إلى الزوال»، وهذا هو الوقت الثالث على سبيل الإجمال والخامس على سبيل التفصيل، عند الاستواء إلى الزوال، ما معنى عند الاستواء؟ جاء في حديث عمرو بن عبسة: «حين يقوم قائم الظهيرة»، الشمس عندما تطلع، تطلع من جهة الشرق، ثم ترتفع ترتفع حتى تصل إلى أقصى ارتفاعها عند منتصف النهار.

والشمس لا تقف، لكنها تبطئ أكثر ما تبطئ في هذا الوقت، أكثر ما يبطئ سيرها في هذا الوقت، والظل يتقاصر يتقاصر إلى أن ينعدم، أو يصل إلى أقصر مقدار له حين يقوم قائم الظهيرة، لو زاد طول الظل ولو شعرة زالت الشمس.

هذا الوقت الذي يسبق الزوال هذا هو وقت النهي، وقد يعني قدرته يعني بنحو خمس إلى سبع دقائق، وإلا ربما هو أقل من هذا، يعني بعض التقاويم في وقت الآذان على وقت النهي يؤخره دقيقتان حتى يتحقق من زوال الشمس، ومنها تقويم أم القرى، فلا بد من النظارة دقيقتين من الوقت الموجود في للتقويم، وقد كتبت في هذا بحثًا وهو منشور في مجلة الحكمة، وهو موجود أيضًا على الموقع تحقيق وقت الزوال.

وهناك تقاويم أخرى تعتني بهذا وتضيف دقائق للتقويم المغربي يضيف خمس دقائق بعض تقاويم الدول العربية تضيف ثلاث دقائق وبعد دقيقتين، لكن بعضها لا تضيف شيئًا، هنا يعني ينبغي الانتباه لهذا، لأنه لازال في وقت النهي، لا زال كل هذا وقت نهي.

بزيادة طول الظل بعد انتهاء قصره، هنا يبدأ الزوال، بزيادة طول الظل بعد تناهي قصره، هذا الوقت الذي يسب الآن، يعني الزوال هو وقت نهي، والحكمة من النهي عن الصلاة في إيجاب حديث عمرو بن عبسة

بيان الحكمة في هذا قال «ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذٍ تسجر جهنم»، ومعنى «تسجر» يعني يوقد عليها إيقادًا بليغًا، الله أعلم بحقيقة ذلك، وكيفية ذلك، الله أعلم بحقيقة ذلك؛ هذه من الأمور الغيبية؛ لأنه أصلًا هذا الوقت يمر على الكرة الأرضية كلها، يعني خلال أربع وعشرين ساعة هو موجود، لكن هذه من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نؤمن بها والله أعلم بحقيقتها، وكيفيتها

قال: «إلا بما له سبب»، يعني ماله سبب فإنه يشرع في أوقات النهي، والمراد بما له سبب يعني ما له سبب لصلاته كتحية المسجد، وركعتي الطواف، وصلاة الجنازة وصلاة الكسوف ونحو ذلك.

والعجيب هنا أن المؤلف يعني صنف هذا الكتاب وهذا المتن على المذهب عند الحنابلة، لكنه في هذه المسألة خالف المشهور من المذهب، المشهور من المذهب أنه لا تصلى ذوات الأسباب في أوقات النهي، وأنه المشهور من المذهب أنه لا يجوز في أوقات النهي إلا ثلاثة أمور، وهي: قضاء الفرائض وإعادة الجماعة وركعتي الطواف.

ولهذا صاحب الزاد قال: «ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب»، فيعني هنا المؤلف خالف المشهور من المذهب عند الحنابلة، وهذه المسألة محل الخلاف بين العلماء هل يجوز فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي أم لا؟

فجمهور الفقهاء على أنه لا يجوز فعل ذوات الأسباب، وأن هذه أوقات النهي الأحاديث فيها على عمومها لا يصلى فيها شيء إلا ما ذكروا من قضاء الفرائض ونحوها.

والقول الثاني: أنه يشرع فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، ويعني هذا القول هو رواية عند الحنابلة اختارها جمع من المحققين من أهل العلم كابن العباس ابن تيمية وابن القيم، وهو القول الراجح، أن ذوات الأسباب تشرع في أوقات النهي، لأن أوقات النهي إنما نهي عن الصلاة فيها لمن أراد تحري الصلاة فيها، وأما إذا صلى فيها لسبب ولم يقصد بذلك التحري فلا يدخل في النهي.

ومما يدل لهذا أنه جاء في بعض الروايات، أو جاء في بعض الأحاديث كما في حديث عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها»، فالمنهي عنه التحري، أما الذي يصلي لسبب لا يقال عنه أنه متحري، يصلى لقيام السبب.

وعلى هذا فالقول الراجح أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، لكن مع ذلك الخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، لأن أيضًا أدلة الجمهور قوية، فإن الأدلة عامة: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر ثم أقصر عن الصلاة».

فالخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى قول وسط، أن أوقات النهي تنقسم إلى قسمين، القسم الأول: أوقات النهي التي يكون النهي عن الصلاة فيها شديد، وهي ثلاثة أوقات، وهي عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وحين يقوم قائم الظهيرة، فهذا لا يصلى فيها مطلقًا، حتى ذوات الأسباب.

وأما أوقات النهي التي النهي فيها ليس شديدًا، وهي ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس يعني إلى قُبيل طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر إلى قُبيل غروب الشمس، حين تتضيف الشمس للغروب، هذه وقت النهي فيها ليس شديدًا، أن تصلى فيها ذوات الأسباب.

وهذا القول عندي هو الأقرب والله أعلم، خاصة أن الأوقات التي النهي عن الصلاة فيها شديد وقتها لا يطول، أقصى ما فيها عشر دقائق، وقت الطلوع، ووقت الغروب، عشر دقائق، وحين يقول قائل: أنها أقل من عشر، فوقتها ليس طويلًا، فلو أن المسلم لم يصلي فيها واحتاط، خاصة وأن القول بتحريم الصلاة فيها هو قول أكثر أهل العلم، والخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، فأقول: يعني لعل الأقرب هو التفريق بين الأوقات التي النهي فيها شديد، والأوقات التي النهي فيها ليس شديدًا، وإنما هو من باب سد الذريعة، ما كان النهي فيه من باب سد الذريعة لا بأس بأن تصلى في ذوات الأسباب، وهي التي يحتاج الإنسان الصلاة فيها، مثل مثلًا صلاة الجنازة بعد صلاة العصر مثلًا.

الآن عمل المسلمين على أنهم يصلون صلاة الجنازة بعد صلاة العصر، أو بعد صلاة الفجر مثلًا، أو مثلًا أتى لحلقة تحفيظ بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر، هنا لا بأس؛ لأن هذه من ذوات الأسباب، والنهي ليس شديدًا، لكن أوقات النهي التي النهي فيها شديد، يعني الأقرب أنه لا يُصلى فيها، لأن الأحاديث عامة: «لا صلاة بعد أن تطلع الشمس»، ولأنها أيضًا تقع فيها لو صلى تقع فيها مشابهة المشركين، لأن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان، فيسجدون لها المشركون، فتقع مشابهة المشركين، لو كانت الصلاة ذات سبب.

الأقرب والله أعلم هو التفريق بين أوقات النهي التي النهي فيها شديد، وأوقات النهي التي النهي فيها ليس شديدًا، هذا هو الأقرب لهذه المسألة، خاصة كما ذكرت أن التي النهي فيها شديد وقتها لا يطول.

نعم، يعني من حيث الإنكار، لا نستطيع أن ننكر على من صلى، ذوات الأسباب، حتى لو كان وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، لا نستطيع أن ننكر عليهم، لكن من حيث الاحتياط، والفقه، نقول: لو احتاط، ولم يصل في الأوقات التي النهي فيها شديد، هذا لا شك أنه فيه خروج من الخلاف، وفيه براءة للذمة وفيه احتياط.

لكن مع ذلك هو يعني القول بالصلاة ذوات الأسباب، في هذه الأوقات عمومًا، يعني هو الأقرب، والمرجح، لكثير من الحقيقة؛ لأنه كما ذكرنا النهي عن التحري، لكن مع ذلك، الذي أراه والذي أفعله لنفسي: هو الاحتياط في الأوقات التي يكون النهي فيها شديد، فالذي أرى أن يحتاط المسلم ولا يصلي بهذه الأوقات احتياطًا ومع ذلك لو صلى، لا نستطيع الإنكار عليه، لا نقول: إنه قد ارتكب محرمًا؛ لأن القول: بأن تصلى ذوات الأسباب مطلقًا قول له قوته.

الموضوع الأخير معنا في الدرس هو أوقات النهي عن الصلاة.

قال المؤلف رحمه الله: «ولا يطوع بعد الفجر إلى الارتفاع».

وهنا انتقل إلى الكلام عن أوقات النهي في الصلاة، الأصل أن الصلاة صلاة النافلة مشروعة إلا في أوقات ورد الشرع بالنهي عن التطوع فيها، وهذه الأوقات كلها في النهار، أما الليل فليس فيه وقت نهي، فلك أن تصلي في الليل ما شئت مثنى مثنى، لكن توتر بواحدة.

وسبق أن ذكرنا في السابق أن أحب عبادة إلى الله عز وجل وأحب عمل إلى الله تعالى هو الصلاة، فإن استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل، أحب عبادة إلى الله، ولهذا لما فرضت الصلاة كم فرضت من ركعة؟ خمسين ركعة في أربع وعشرين ساعة، وهذا يدل على محبة الله عز وجل لهذا النوع من التعبد.

ولما خففت خففت فقط في الفعل ولم تخفف في الأجر والثواب، ولهذا الإمام أحمد كان يصلي لله تعالى تطوعا ثلاثمائة ركعة، والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام كان أيضًا يقتدي بالإمام أحمد في هذا، يصلي ثلاثمائة ركعة.

فإن استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل هي أحب عبادة إلى الله تعالى، إلا في أوقات النهي، هذا هو موضوع حديثنا الآن، الذي ذكره المؤلف هنا على سبيل الإجمال، لا على سبيل التفصيل، ثلاثة على سبيل الإجمال، خمسة على سبيل التفصيل.

قال: "ولا يتطوع"؛ يعني لا يصلي صلاة نافلة بعد الفجر إلى الارتفاع، وقوله بعد الفجر، هل مراد المؤلف بعد صلاة الفجر أو بعد طلوع الفجر؟

ظاهر عبارة المؤلف أنها بعد طلوع الفجر، وليس بعد صلاة الفجر، هذا هو المذهب عند الحنبالة، فعندهم أن ما بعد آذان الفجر أنه يعتبر وقت نهي، واستدلوا لذلك أنه قد جاء في بعض الروايات: «لا صلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس»، كما جاء عن عبد الرزاق وغيره، ولكن هذه الرواية ضعيفة.

والمحفوظ هو رواية الصحيحين وهي: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»، وسبق أن ذكرت لكم يعني فائدة في هذا، إذا ورد الحديث في الصحيحين وورد في غيرهما فالغالب أن رواية غير الصحيحين غير محفوظة، خذ هذه فائدة.

هذا الحديث الآن ورد في البخاري ومسلم وورد عند عبد الرزاق وغيره، فلو كانت رواية بعد طلوع الفجر محفوظة لذكرها الشيخان، البخاري والمسلم، ولكن لم يذكراها، بل ذكر رواية بعد صلاة الصبح، فالرواية المحفوظة إذًا: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»، وعلى هذا يكون الوقت الأول من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.

وأما ما بعد طلوع الفجر فإنه ليس من أوقات النهي على القول الراجح، ليس من أوقات النهي، ولكن مع ذلك يعني عند جمهور أهل العلم أنه لا تشرع الصلاة فيه ما عدا ركعتين الفجر فقط، حتى لو قلنا أنه ليس من أوقات النهي، يقولون لا تشرع الصلاة فيه إلا ركعتي الفجر فقط.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي في هذا الوقت إلا ركعتي الفجر، كان يخففهما، يقول حتي إني أقول هل قرأ فيهما بأم الكتاب أم لا، فإذًا نظرنا إلى مجموع الأدلة نقول الأفضل الاقتصار على ركعتي الفجر فقط، وإن كان القول الراجح أن ما بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة ليس بوقت نهي.

إذًا الوقت الأول من أوقات النهي ما بعد صلاة  الفجر حتى تطلع الشمس، وهذا قد دل له أحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس»، ورد عن يعني عدد من الصحابة، فإذًا هذا الوقت هو من أوقات النهي.

وهنا المؤلف قال: «بعد الفجر إلى الارتفاع»، يعني إلى ارتفاع الشمس، فإذا أردنا أن نذكر أوقات النهي على سبيل التفصيل نجعلهما وقتين، الوقت الأول من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.

والوقت الثاني: من طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح، وعلى سبيل الإجمال نقول كما قال المؤلف من بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، إن شئت فصلت وإن شئت أجملت، لكن يعني حتى ترتفع، سبق أننا تكلمنا عن الارتفاع لما تكلمنا عن بداية قت صلاة الضحى، وقلنا المراد بالارتفاع هنا ارتفاعها قيد رمح، في عين الناظر، وليس في حقيقة الأمر.

وأن هذه يقدر بنحو تسع إلى عشر دقائق تقريبًا، ويعني ذكرنا أفضل طريقة لضبطها، هو أن تأخذ الشروق في التقويم وتضيف له عشر دقائق، الشروق أو الإشراق المكتوب في ورقة التقويم تضيف لها عشر دقائق وإذا أضفت عشر دقائق بهذا يكون قد خرج وقت النهي.

هذا إذًا هو الوقت الأول.

الوقت الثاني: قال: «وبعد العصر إلى الغروب»، قوله بعد العصر يعني بعد صلاة العصر، إلى غروب الشمس، وهذا أيضًا دلت له الأحاديث السابقة، كحديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس».

وحديث أيضًا عمر بن عبسة، وعدة احاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة في هذا الوقت، وإذا أردنا هذا الوقت على سبيل الإجمال فنقول كما قال المؤلف، بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، أما إذا أردنا على سبيل التفصيل فنقول من بعد صلاة العصر إلى حين أن تتضيف الشمس للغروب.

الوقت الآخر من حين أن تتضيف الشمس للغروب إلى أن تغرب، والمراد بالغروب إلى أن يختفي قرص الشمس، هذا المراد بغروب الشمس.

فإذًا هما وقتان على سبيل التفصيل ووقت  على سبيل الإجمال، والحكمة من النهي عن الصلاة في هذين الوقتين، أما عند طلوع الشمس وعند غروبها، فقد جاء في حديث عمرو بن عبسة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم أقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار».

وقال مثل ذلك عند غروب الشمس، فالحكمة إذن من النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها أنها حسن تطلع الشمس وحين تغرب، تغرب بين قرني شيطان فيسجد لها الكفار، فنهينا عن مشابهة الكفار في هذا.

ولهذا أيضًا من الفقه الدقيق من اللطائف، يعني حتى سجود التلاوة وقت شروق الشمس ووقت غروبها ينبغي أن تؤخره، لأنك لو سجدت لسجود التلاوة شابهت الكفار هذه من اللطائف، فإذا مررت بآية السجدة يعني الأولى لا تسجد وقت شروق الشمس ووقت غروبها، لأن لو فعلت هذا شابهت المشركين.

هذا الآن واضح في وقت الشروق ووقت الغروب، ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ما هي الحكمة من النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؟ من باب سد الذريعة، ولهذا النهي عن الصلاة في هذين الوقتين خفيف، وليس شديدًا، انتبه لهذا، وهذه يترتب عليها أحكام سنذكرها بعد قليل، فهو من باب سد الذريعة.

لأن المصلي إذا صلى فإنه ربما يستمر في صلاته، خاصة إذا خشع في صلاته يستمر، وربما أنه إذا استمر يعني إذا صلى وقت تمادى حتى وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، إذًا فالنهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس من باب سد الذريعة.

الوقت الثالث قال: «وعند الاستواء إلى الزوال»، وهذا هو الوقت الثالث على سبيل الإجمال والخامس على سبيل التفصيل، عند الاستواء إلى الزوال، ما معنى عند الاستواء؟ جاء في حديث عمرو بن عبسة: «حين يقوم قائم الظهيرة»، الشمس عندما تطلع، تطلع من جهة الشرق، ثم ترتفع ترتفع حتى تصل إلى أقصى ارتفاعها عند منتصف النهار.

والشمس لا تقف، لكنها تبطئ أكثر ما تبطئ في هذا الوقت، أكثر ما يبطئ سيرها في هذا الوقت، والظل يتقاصر يتقاصر إلى أن ينعدم، أو يصل إلى أقصر مقدار له حين يقوم قائم الظهيرة، لو زاد طول الظل ولو شعرة زالت الشمس.

هذا الوقت الذي يسبق الزوال هذا هو وقت النهي، وقد يعني قدرته يعني بنحو خمس إلى سبع دقائق، وإلا ربما هو أقل من هذا، يعني بعض التقاويم في وقت الآذان على وقت النهي يؤخره دقيقتان حتى يتحقق من زوال الشمس، ومنها تقويم أم القرى، فلا بد من النظارة دقيقتين من الوقت الموجود في للتقويم، وقد كتبت في هذا بحثًا وهو منشور في مجلة الحكمة، وهو موجود أيضًا على الموقع تحقيق وقت الزوال.

وهناك تقاويم أخرى تعتني بهذا وتضيف دقائق للتقويم المغربي يضيف خمس دقائق بعض تقاويم الدول العربية تضيف ثلاث دقائق وبعد دقيقتين، لكن بعضها لا تضيف شيئًا، هنا يعني ينبغي الانتباه لهذا، لأنه لازال في وقت النهي، لا زال كل هذا وقت نهي.

بزيادة طول الظل بعد انتهاء قصره، هنا يبدأ الزوال، بزيادة طول الظل بعد تناهي قصره، هذا الوقت الذي يسب الآن، يعني الزوال هو وقت نهي، والحكمة من النهي عن الصلاة في إيجاب حديث عمرو بن عبسة

بيان الحكمة في هذا قال «ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذٍ تسجر جهنم»، ومعنى «تسجر» يعني يوقد عليها إيقادًا بليغًا، الله أعلم بحقيقة ذلك، وكيفية ذلك، الله أعلم بحقيقة ذلك؛ هذه من الأمور الغيبية؛ لأنه أصلًا هذا الوقت يمر على الكرة الأرضية كلها، يعني خلال أربع وعشرين ساعة هو موجود، لكن هذه من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نؤمن بها والله أعلم بحقيقتها، وكيفيتها

قال: «إلا بما له سبب»، يعني ماله سبب فإنه يشرع في أوقات النهي، والمراد بما له سبب يعني ما له سبب لصلاته كتحية المسجد، وركعتي الطواف، وصلاة الجنازة وصلاة الكسوف ونحو ذلك.

والعجيب هنا أن المؤلف يعني صنف هذا الكتاب وهذا المتن على المذهب عند الحنابلة، لكنه في هذه المسألة خالف المشهور من المذهب، المشهور من المذهب أنه لا تصلى ذوات الأسباب في أوقات النهي، وأنه المشهور من المذهب أنه لا يجوز في أوقات النهي إلا ثلاثة أمور، وهي: قضاء الفرائض وإعادة الجماعة وركعتي الطواف.

ولهذا صاحب الزاد قال: «ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب»، فيعني هنا المؤلف خالف المشهور من المذهب عند الحنابلة، وهذه المسألة محل الخلاف بين العلماء هل يجوز فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي أم لا؟

فجمهور الفقهاء على أنه لا يجوز فعل ذوات الأسباب، وأن هذه أوقات النهي الأحاديث فيها على عمومها لا يصلى فيها شيء إلا ما ذكروا من قضاء الفرائض ونحوها.

والقول الثاني: أنه يشرع فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، ويعني هذا القول هو رواية عند الحنابلة اختارها جمع من المحققين من أهل العلم كابن العباس ابن تيمية وابن القيم، وهو القول الراجح، أن ذوات الأسباب تشرع في أوقات النهي، لأن أوقات النهي إنما نهي عن الصلاة فيها لمن أراد تحري الصلاة فيها، وأما إذا صلى فيها لسبب ولم يقصد بذلك التحري فلا يدخل في النهي.

ومما يدل لهذا أنه جاء في بعض الروايات، أو جاء في بعض الأحاديث كما في حديث عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها»، فالمنهي عنه التحري، أما الذي يصلي لسبب لا يقال عنه أنه متحري، يصلى لقيام السبب.

وعلى هذا فالقول الراجح أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، لكن مع ذلك الخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، لأن أيضًا أدلة الجمهور قوية، فإن الأدلة عامة: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر ثم أقصر عن الصلاة».

فالخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى قول وسط، أن أوقات النهي تنقسم إلى قسمين، القسم الأول: أوقات النهي التي يكون النهي عن الصلاة فيها شديد، وهي ثلاثة أوقات، وهي عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وحين يقوم قائم الظهيرة، فهذا لا يصلى فيها مطلقًا، حتى ذوات الأسباب.

وأما أوقات النهي التي النهي فيها ليس شديدًا، وهي ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس يعني إلى قُبيل طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر إلى قُبيل غروب الشمس، حين تتضيف الشمس للغروب، هذه وقت النهي فيها ليس شديدًا، أن تصلى فيها ذوات الأسباب.

وهذا القول عندي هو الأقرب والله أعلم، خاصة أن الأوقات التي النهي عن الصلاة فيها شديد وقتها لا يطول، أقصى ما فيها عشر دقائق، وقت الطلوع، ووقت الغروب، عشر دقائق، وحين يقول قائل: أنها أقل من عشر، فوقتها ليس طويلًا، فلو أن المسلم لم يصلي فيها واحتاط، خاصة وأن القول بتحريم الصلاة فيها هو قول أكثر أهل العلم، والخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، فأقول: يعني لعل الأقرب هو التفريق بين الأوقات التي النهي فيها شديد، والأوقات التي النهي فيها ليس شديدًا، وإنما هو من باب سد الذريعة، ما كان النهي فيه من باب سد الذريعة لا بأس بأن تصلى في ذوات الأسباب، وهي التي يحتاج الإنسان الصلاة فيها، مثل مثلًا صلاة الجنازة بعد صلاة العصر مثلًا.

الآن عمل المسلمين على أنهم يصلون صلاة الجنازة بعد صلاة العصر، أو بعد صلاة الفجر مثلًا، أو مثلًا أتى لحلقة تحفيظ بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر، هنا لا بأس؛ لأن هذه من ذوات الأسباب، والنهي ليس شديدًا، لكن أوقات النهي التي النهي فيها شديد، يعني الأقرب أنه لا يُصلى فيها، لأن الأحاديث عامة: «لا صلاة بعد أن تطلع الشمس»، ولأنها أيضًا تقع فيها لو صلى تقع فيها مشابهة المشركين، لأن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان، فيسجدون لها المشركون، فتقع مشابهة المشركين، لو كانت الصلاة ذات سبب.

الأقرب والله أعلم هو التفريق بين أوقات النهي التي النهي فيها شديد، وأوقات النهي التي النهي فيها ليس شديدًا، هذا هو الأقرب لهذه المسألة، خاصة كما ذكرت أن التي النهي فيها شديد وقتها لا يطول.

نعم، يعني من حيث الإنكار، لا نستطيع أن ننكر على من صلى، ذوات الأسباب، حتى لو كان وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، لا نستطيع أن ننكر عليهم، لكن من حيث الاحتياط، والفقه، نقول: لو احتاط، ولم يصل في الأوقات التي النهي فيها شديد، هذا لا شك أنه فيه خروج من الخلاف، وفيه براءة للذمة وفيه احتياط.

لكن مع ذلك هو يعني القول بالصلاة ذوات الأسباب، في هذه الأوقات عمومًا، يعني هو الأقرب، والمرجح، لكثير من الحقيقة؛ لأنه كما ذكرنا النهي عن التحري، لكن مع ذلك، الذي أراه والذي أفعله لنفسي: هو الاحتياط في الأوقات التي يكون النهي فيها شديد، فالذي أرى أن يحتاط المسلم ولا يصلي بهذه الأوقات احتياطًا ومع ذلك لو صلى، لا نستطيع الإنكار عليه، لا نقول: إنه قد ارتكب محرمًا؛ لأن القول: بأن تصلى ذوات الأسباب مطلقًا قول له قوته.

الموضوع الأخير معنا في الدرس هو أوقات النهي عن الصلاة.

قال المؤلف رحمه الله: «ولا يطوع بعد الفجر إلى الارتفاع».

وهنا انتقل إلى الكلام عن أوقات النهي في الصلاة، الأصل أن الصلاة صلاة النافلة مشروعة إلا في أوقات ورد الشرع بالنهي عن التطوع فيها، وهذه الأوقات كلها في النهار، أما الليل فليس فيه وقت نهي، فلك أن تصلي في الليل ما شئت مثنى مثنى، لكن توتر بواحدة.

وسبق أن ذكرنا في السابق أن أحب عبادة إلى الله عز وجل وأحب عمل إلى الله تعالى هو الصلاة، فإن استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل، أحب عبادة إلى الله، ولهذا لما فرضت الصلاة كم فرضت من ركعة؟ خمسين ركعة في أربع وعشرين ساعة، وهذا يدل على محبة الله عز وجل لهذا النوع من التعبد.

ولما خففت خففت فقط في الفعل ولم تخفف في الأجر والثواب، ولهذا الإمام أحمد كان يصلي لله تعالى تطوعا ثلاثمائة ركعة، والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام كان أيضًا يقتدي بالإمام أحمد في هذا، يصلي ثلاثمائة ركعة.

فإن استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل هي أحب عبادة إلى الله تعالى، إلا في أوقات النهي، هذا هو موضوع حديثنا الآن، الذي ذكره المؤلف هنا على سبيل الإجمال، لا على سبيل التفصيل، ثلاثة على سبيل الإجمال، خمسة على سبيل التفصيل.

قال: "ولا يتطوع"؛ يعني لا يصلي صلاة نافلة بعد الفجر إلى الارتفاع، وقوله بعد الفجر، هل مراد المؤلف بعد صلاة الفجر أو بعد طلوع الفجر؟

ظاهر عبارة المؤلف أنها بعد طلوع الفجر، وليس بعد صلاة الفجر، هذا هو المذهب عند الحنبالة، فعندهم أن ما بعد آذان الفجر أنه يعتبر وقت نهي، واستدلوا لذلك أنه قد جاء في بعض الروايات: «لا صلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس»، كما جاء عن عبد الرزاق وغيره، ولكن هذه الرواية ضعيفة.

والمحفوظ هو رواية الصحيحين وهي: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»، وسبق أن ذكرت لكم يعني فائدة في هذا، إذا ورد الحديث في الصحيحين وورد في غيرهما فالغالب أن رواية غير الصحيحين غير محفوظة، خذ هذه فائدة.

هذا الحديث الآن ورد في البخاري ومسلم وورد عند عبد الرزاق وغيره، فلو كانت رواية بعد طلوع الفجر محفوظة لذكرها الشيخان، البخاري والمسلم، ولكن لم يذكراها، بل ذكر رواية بعد صلاة الصبح، فالرواية المحفوظة إذًا: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس»، وعلى هذا يكون الوقت الأول من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.

وأما ما بعد طلوع الفجر فإنه ليس من أوقات النهي على القول الراجح، ليس من أوقات النهي، ولكن مع ذلك يعني عند جمهور أهل العلم أنه لا تشرع الصلاة فيه ما عدا ركعتين الفجر فقط، حتى لو قلنا أنه ليس من أوقات النهي، يقولون لا تشرع الصلاة فيه إلا ركعتي الفجر فقط.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي في هذا الوقت إلا ركعتي الفجر، كان يخففهما، يقول حتي إني أقول هل قرأ فيهما بأم الكتاب أم لا، فإذًا نظرنا إلى مجموع الأدلة نقول الأفضل الاقتصار على ركعتي الفجر فقط، وإن كان القول الراجح أن ما بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة ليس بوقت نهي.

إذًا الوقت الأول من أوقات النهي ما بعد صلاة  الفجر حتى تطلع الشمس، وهذا قد دل له أحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس»، ورد عن يعني عدد من الصحابة، فإذًا هذا الوقت هو من أوقات النهي.

وهنا المؤلف قال: «بعد الفجر إلى الارتفاع»، يعني إلى ارتفاع الشمس، فإذا أردنا أن نذكر أوقات النهي على سبيل التفصيل نجعلهما وقتين، الوقت الأول من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.

والوقت الثاني: من طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح، وعلى سبيل الإجمال نقول كما قال المؤلف من بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، إن شئت فصلت وإن شئت أجملت، لكن يعني حتى ترتفع، سبق أننا تكلمنا عن الارتفاع لما تكلمنا عن بداية قت صلاة الضحى، وقلنا المراد بالارتفاع هنا ارتفاعها قيد رمح، في عين الناظر، وليس في حقيقة الأمر.

وأن هذه يقدر بنحو تسع إلى عشر دقائق تقريبًا، ويعني ذكرنا أفضل طريقة لضبطها، هو أن تأخذ الشروق في التقويم وتضيف له عشر دقائق، الشروق أو الإشراق المكتوب في ورقة التقويم تضيف لها عشر دقائق وإذا أضفت عشر دقائق بهذا يكون قد خرج وقت النهي.

هذا إذًا هو الوقت الأول.

الوقت الثاني: قال: «وبعد العصر إلى الغروب»، قوله بعد العصر يعني بعد صلاة العصر، إلى غروب الشمس، وهذا أيضًا دلت له الأحاديث السابقة، كحديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس».

وحديث أيضًا عمر بن عبسة، وعدة احاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة في هذا الوقت، وإذا أردنا هذا الوقت على سبيل الإجمال فنقول كما قال المؤلف، بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، أما إذا أردنا على سبيل التفصيل فنقول من بعد صلاة العصر إلى حين أن تتضيف الشمس للغروب.

الوقت الآخر من حين أن تتضيف الشمس للغروب إلى أن تغرب، والمراد بالغروب إلى أن يختفي قرص الشمس، هذا المراد بغروب الشمس.

فإذًا هما وقتان على سبيل التفصيل ووقت  على سبيل الإجمال، والحكمة من النهي عن الصلاة في هذين الوقتين، أما عند طلوع الشمس وعند غروبها، فقد جاء في حديث عمرو بن عبسة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم أقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار».

وقال مثل ذلك عند غروب الشمس، فالحكمة إذن من النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها أنها حسن تطلع الشمس وحين تغرب، تغرب بين قرني شيطان فيسجد لها الكفار، فنهينا عن مشابهة الكفار في هذا.

ولهذا أيضًا من الفقه الدقيق من اللطائف، يعني حتى سجود التلاوة وقت شروق الشمس ووقت غروبها ينبغي أن تؤخره، لأنك لو سجدت لسجود التلاوة شابهت الكفار هذه من اللطائف، فإذا مررت بآية السجدة يعني الأولى لا تسجد وقت شروق الشمس ووقت غروبها، لأن لو فعلت هذا شابهت المشركين.

هذا الآن واضح في وقت الشروق ووقت الغروب، ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ما هي الحكمة من النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؟ من باب سد الذريعة، ولهذا النهي عن الصلاة في هذين الوقتين خفيف، وليس شديدًا، انتبه لهذا، وهذه يترتب عليها أحكام سنذكرها بعد قليل، فهو من باب سد الذريعة.

لأن المصلي إذا صلى فإنه ربما يستمر في صلاته، خاصة إذا خشع في صلاته يستمر، وربما أنه إذا استمر يعني إذا صلى وقت تمادى حتى وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، إذًا فالنهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس من باب سد الذريعة.

الوقت الثالث قال: «وعند الاستواء إلى الزوال»، وهذا هو الوقت الثالث على سبيل الإجمال والخامس على سبيل التفصيل، عند الاستواء إلى الزوال، ما معنى عند الاستواء؟ جاء في حديث عمرو بن عبسة: «حين يقوم قائم الظهيرة»، الشمس عندما تطلع، تطلع من جهة الشرق، ثم ترتفع ترتفع حتى تصل إلى أقصى ارتفاعها عند منتصف النهار.

والشمس لا تقف، لكنها تبطئ أكثر ما تبطئ في هذا الوقت، أكثر ما يبطئ سيرها في هذا الوقت، والظل يتقاصر يتقاصر إلى أن ينعدم، أو يصل إلى أقصر مقدار له حين يقوم قائم الظهيرة، لو زاد طول الظل ولو شعرة زالت الشمس.

هذا الوقت الذي يسبق الزوال هذا هو وقت النهي، وقد يعني قدرته يعني بنحو خمس إلى سبع دقائق، وإلا ربما هو أقل من هذا، يعني بعض التقاويم في وقت الآذان على وقت النهي يؤخره دقيقتان حتى يتحقق من زوال الشمس، ومنها تقويم أم القرى، فلا بد من النظارة دقيقتين من الوقت الموجود في للتقويم، وقد كتبت في هذا بحثًا وهو منشور في مجلة الحكمة، وهو موجود أيضًا على الموقع تحقيق وقت الزوال.

وهناك تقاويم أخرى تعتني بهذا وتضيف دقائق للتقويم المغربي يضيف خمس دقائق بعض تقاويم الدول العربية تضيف ثلاث دقائق وبعد دقيقتين، لكن بعضها لا تضيف شيئًا، هنا يعني ينبغي الانتباه لهذا، لأنه لازال في وقت النهي، لا زال كل هذا وقت نهي.

بزيادة طول الظل بعد انتهاء قصره، هنا يبدأ الزوال، بزيادة طول الظل بعد تناهي قصره، هذا الوقت الذي يسب الآن، يعني الزوال هو وقت نهي، والحكمة من النهي عن الصلاة في إيجاب حديث عمرو بن عبسة

بيان الحكمة في هذا قال «ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذٍ تسجر جهنم»، ومعنى «تسجر» يعني يوقد عليها إيقادًا بليغًا، الله أعلم بحقيقة ذلك، وكيفية ذلك، الله أعلم بحقيقة ذلك؛ هذه من الأمور الغيبية؛ لأنه أصلًا هذا الوقت يمر على الكرة الأرضية كلها، يعني خلال أربع وعشرين ساعة هو موجود، لكن هذه من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نؤمن بها والله أعلم بحقيقتها، وكيفيتها

قال: «إلا بما له سبب»، يعني ماله سبب فإنه يشرع في أوقات النهي، والمراد بما له سبب يعني ما له سبب لصلاته كتحية المسجد، وركعتي الطواف، وصلاة الجنازة وصلاة الكسوف ونحو ذلك.

والعجيب هنا أن المؤلف يعني صنف هذا الكتاب وهذا المتن على المذهب عند الحنابلة، لكنه في هذه المسألة خالف المشهور من المذهب، المشهور من المذهب أنه لا تصلى ذوات الأسباب في أوقات النهي، وأنه المشهور من المذهب أنه لا يجوز في أوقات النهي إلا ثلاثة أمور، وهي: قضاء الفرائض وإعادة الجماعة وركعتي الطواف.

ولهذا صاحب الزاد قال: «ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب»، فيعني هنا المؤلف خالف المشهور من المذهب عند الحنابلة، وهذه المسألة محل الخلاف بين العلماء هل يجوز فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي أم لا؟

فجمهور الفقهاء على أنه لا يجوز فعل ذوات الأسباب، وأن هذه أوقات النهي الأحاديث فيها على عمومها لا يصلى فيها شيء إلا ما ذكروا من قضاء الفرائض ونحوها.

والقول الثاني: أنه يشرع فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، ويعني هذا القول هو رواية عند الحنابلة اختارها جمع من المحققين من أهل العلم كابن العباس ابن تيمية وابن القيم، وهو القول الراجح، أن ذوات الأسباب تشرع في أوقات النهي، لأن أوقات النهي إنما نهي عن الصلاة فيها لمن أراد تحري الصلاة فيها، وأما إذا صلى فيها لسبب ولم يقصد بذلك التحري فلا يدخل في النهي.

ومما يدل لهذا أنه جاء في بعض الروايات، أو جاء في بعض الأحاديث كما في حديث عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها»، فالمنهي عنه التحري، أما الذي يصلي لسبب لا يقال عنه أنه متحري، يصلى لقيام السبب.

وعلى هذا فالقول الراجح أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، لكن مع ذلك الخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، لأن أيضًا أدلة الجمهور قوية، فإن الأدلة عامة: «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر ثم أقصر عن الصلاة».

فالخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى قول وسط، أن أوقات النهي تنقسم إلى قسمين، القسم الأول: أوقات النهي التي يكون النهي عن الصلاة فيها شديد، وهي ثلاثة أوقات، وهي عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وحين يقوم قائم الظهيرة، فهذا لا يصلى فيها مطلقًا، حتى ذوات الأسباب.

وأما أوقات النهي التي النهي فيها ليس شديدًا، وهي ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس يعني إلى قُبيل طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر إلى قُبيل غروب الشمس، حين تتضيف الشمس للغروب، هذه وقت النهي فيها ليس شديدًا، أن تصلى فيها ذوات الأسباب.

وهذا القول عندي هو الأقرب والله أعلم، خاصة أن الأوقات التي النهي عن الصلاة فيها شديد وقتها لا يطول، أقصى ما فيها عشر دقائق، وقت الطلوع، ووقت الغروب، عشر دقائق، وحين يقول قائل: أنها أقل من عشر، فوقتها ليس طويلًا، فلو أن المسلم لم يصلي فيها واحتاط، خاصة وأن القول بتحريم الصلاة فيها هو قول أكثر أهل العلم، والخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، فأقول: يعني لعل الأقرب هو التفريق بين الأوقات التي النهي فيها شديد، والأوقات التي النهي فيها ليس شديدًا، وإنما هو من باب سد الذريعة، ما كان النهي فيه من باب سد الذريعة لا بأس بأن تصلى في ذوات الأسباب، وهي التي يحتاج الإنسان الصلاة فيها، مثل مثلًا صلاة الجنازة بعد صلاة العصر مثلًا.

الآن عمل المسلمين على أنهم يصلون صلاة الجنازة بعد صلاة العصر، أو بعد صلاة الفجر مثلًا، أو مثلًا أتى لحلقة تحفيظ بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر، هنا لا بأس؛ لأن هذه من ذوات الأسباب، والنهي ليس شديدًا، لكن أوقات النهي التي النهي فيها شديد، يعني الأقرب أنه لا يُصلى فيها، لأن الأحاديث عامة: «لا صلاة بعد أن تطلع الشمس»، ولأنها أيضًا تقع فيها لو صلى تقع فيها مشابهة المشركين، لأن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان، فيسجدون لها المشركون، فتقع مشابهة المشركين، لو كانت الصلاة ذات سبب.

الأقرب والله أعلم هو التفريق بين أوقات النهي التي النهي فيها شديد، وأوقات النهي التي النهي فيها ليس شديدًا، هذا هو الأقرب لهذه المسألة، خاصة كما ذكرت أن التي النهي فيها شديد وقتها لا يطول.

نعم، يعني من حيث الإنكار، لا نستطيع أن ننكر على من صلى، ذوات الأسباب، حتى لو كان وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، لا نستطيع أن ننكر عليهم، لكن من حيث الاحتياط، والفقه، نقول: لو احتاط، ولم يصل في الأوقات التي النهي فيها شديد، هذا لا شك أنه فيه خروج من الخلاف، وفيه براءة للذمة وفيه احتياط.

لكن مع ذلك هو يعني القول بالصلاة ذوات الأسباب، في هذه الأوقات عمومًا، يعني هو الأقرب، والمرجح، لكثير من الحقيقة؛ لأنه كما ذكرنا النهي عن التحري، لكن مع ذلك، الذي أراه والذي أفعله لنفسي: هو الاحتياط في الأوقات التي يكون النهي فيها شديد، فالذي أرى أن يحتاط المسلم ولا يصلي بهذه الأوقات احتياطًا ومع ذلك لو صلى، لا نستطيع الإنكار عليه، لا نقول: إنه قد ارتكب محرمًا؛ لأن القول: بأن تصلى ذوات الأسباب مطلقًا قول له قوته.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض