الخثلان
الخثلان
سجود التلاوة

ننتقل بعد ذلك إلى سجود التلاوة.

قال المصنف رحمه الله «وسنة أربع عشرة سجدة»، وهذا ما يسميه العلماء بسجود التلاوة، وسجود التلاوة هو السجود الذي سببه تلاوة أو استماع آية من آيات السجود في القرآن، هذا هو تعريف سجود التلاوة.

والسجود الذي سببه تلاوة أو استماع آية في القرآن، وقد أجمع العلماء على مشروعيته، وورد في فضله ما جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول يا ويلي أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار».

قال: النووي: المراد بقوله «إذا قرأ ابن آدم السجدة»، أي آية السجدة، وليس المقصود بسورة السجدة، إنما أي آية سجود، ومع اتفاق العلماء على مشروعية سجود التلاوة، إلا أنهم اختلفوا في حكمه، هل هو واجب أو مستحب؟

على قولين فذهب الحنفية إلى وجوبه، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، واستدلوا بآيات السجود في القرآن، وقالوا إن آيات السجود إما أن يكون فيها الأمر بالسجود، أو الإخبار بذم من أُمر بالسجود فلم يسجد، أو إخبار من الله تعالى عن سجود مخلوقاته.

وهذا يدل على وجوب سجود التلاوة، لأن الأمر بالسجود الأصل فيه السجود والذم ذم من لم يسجد يقتضي تحريم ترك ذلك، والإخبار عن سجود مخلوقاته يقتضي التشبه بهم.

القول الثاني في المسألة: أن سجود التلاوة مستحب استحباب مؤكدًا وليس واجبًا، وإليه ذهب الجمهور من المالكية الشافعية والحنابلة، واستدلوا بما جاء في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم، فلم يسجد فيها»، وهذا كما سمعتم في صحيح البخاري.

ولو كان السجود واجبًا لم يقرها زيد بن ثابت، أحسنت، ولو كان السجود واجبًا لم يقر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت على ترك السجود، والحديث مروي عن زيد ابن ثابت وليس ابن عمر.

واستدل الجمهور كذلك بما جاء في صحيح البخاري، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة الثانية، قرأ بها حتى إذا جاء السجدة، قال: أيها الناس: إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر».

قال البخاري: «وزاد نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن عمر قال: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء»، قال الموفق ابن قدامة معلقًا على هذا، قال في المُغني قال: «وهذا كان يوم الجمعة بمحضر من الصحابة وغيرهم ولم ينكر، فيكون إجماعًا»، هذه يسمى عند الأصوليين ماذا؟ إجماع سكوتي.

وهذا يعني من الصور التي يكون فيها قول الصحابي حجة، أنها إذا اشتهر قول الصحابي ولم يعرف له مخالف، فيكون قول الصحابي هنا حجة، أما إذا لم يشتهر قول الصحابي، فإن كان له مخالف فليس بحجة عند الجميع.

لكن إن قال الصحابي قولًا ولم يشتهر ولم يعرف له مخالف، هل هو حجة؟ محل خلاف بين الأصوليين، وجمهور الأصوليين على أنه ليس بحجة، وهو القول الراجح، لكنه يستأنس به.

إذًا ذكرنا القولين، والقول الراجح والله أعلم هو قول الجمهور، وهو أن جود التلاوة مستحب وليس واجبًا، لقوة أدلته، خاصة أن عمر فعله على المنبر أمام الصحابة، فيكون كالإجماع من الصحابة على عدم وجوب سجود التلاوة.

والقول الأول كما ذكرت هو مذهب الحنفية، والعجيب أن الإمام ابن تيمية رحمه الله اختاره مع قوة أدلة الجمهور، لكن الصواب هو قول الجمهور، يعني ممكن حديث زيد بن ثابت قد يجاب عنه، لكن قصة عمر هذه قوية، يعني الاستدلال بها قوي، كالإجماع من الصحابة على عدم وجوب سجود التلاوة.

هل يستفاد من قصة عمر أن الخطيب إذا مر بآية سجدة يشرع له أن ينزل من على المنبر ويسجد؟ نعم، فعله عمر وأقره الصحابة كالإجماع، لكن إذا أراد الخطيب أن يفعل هذا أمام الناس اليوم فلابد أن يقدم بمقدمة، كما ذكرنا في السابق، أن الإنسان إذا أراد أن يذكر أمرًا مستغربًا لا بد أن يقدم له مقدمة، يبين الحكم الشرعي ويذكر مثلًا قصة عمر، ثم بعد ذلك ينزل ويسجد ثم يكمل خطبته.

إذًا هذا هو حكم سجود التلاوة.

نرجع لعبارة المؤلف رحمه الله قال: «أربع عشرة سجدة»، ومواضع السجود هي خمسة عشر سجدة، لكن الخامسة عشرة هي محل خلاف، وهي السجدة (ص)، ونريد الآن أن نعد المواضع الأربعة عشرة سجدة، --

هي في سورة الأعراف هذا اثنان: الرعد ثالثة، النحل أربعة، الإسراء خمسة، مريم، ستة وسبعة الحج فيها سجدتان، ثمانية الفرقان، تسعة النمل، عشرة السجدة، أحد عشر فصلت، اثنا عشر النجم، ثلاثة عشر الانشقاق، أربعة عشر العلق.

هذه إذًا مواضع السجود في القرآن، وهي عندها علامة في المصحف، أنها سجدة، أما الموضع الخامس عشر، وهو سجدة (ص)، سجدة (ص) في قصة داود u {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص:24]، اختلف العلماء فيها على قولين، القول الأول: أنه لا يشرع السجود فيها، وهذا هو الذي قرره المؤلف، وهو المذهب عند الحنابلة.

قالوا لأنها توبة نبي، وقد وردت بلفظ ماذا؟ الركوع، {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص:24]، ولم ترد بلفظ السجود.

القول الثاني: يشرع السجود عند قراءة هذه الآية، واستدل أصحاب هذا القول بما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها»، وهذا في صحيح البخاري، ويكفينا أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، وهذا يكفي لإثبات مشروعية السجود عند هذه الآية، ولهذا قال مجاهد: سألت ابن عباس عن  سجدة (ص) قال «أو ما تقرأ {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام:84]، إلى قوله {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام:90]، فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به».

والقول الراجح هو القول الثاني، هو أنه يشرع السجود عند آية (ص) أو عند سجد (ص) لأنه جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد عندها، وأما ما ذكره أصحاب القول الأول من الآية أنها توبة نبي، فيقول يكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد عندها ولو كانت توبة نبي.

وأما ما ذكروه من أن الآية وردت بلفظ الركوع، فكيف نجيب عن هذا؟ قالوا أين السجود،؟ {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص:24] ولم يقول خر ساجدًا، فكيف يشرع السجود عندها؟

إذًا المراد أن يقول إن المراد بالركوع في الآية السجود، بدليل قوله خر، والخرور لا يكون إلا في السجود وليس للركوع، إذًا المراد بقول، {وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص:24]، المراد بالركوع في الآية السجود.

ولهذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره قاله تعالى{وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص:24] أي ساجدًا، قال ابن كثير ويحتمل أنه ركع أولًا ثم سجد بعد ذلك، والحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري قال: السجدة التي في (ص) وردت بلفظ الركوع، ولولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة.

لكن يعني المفسرين يقولون أن المراد بالركوع السجود بدليل قوله «خر» وبكل حال يكفينا أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، والسجدات مبناها على التوقيف، لأن هناك بعض الآيات التي فيها الأمر بالسجود ومع ذلك لا يشرع السجود عندها بالإجماع، مثل ماذا؟ من يذكر لنا مثالًا؟ لا، {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62] فيها سجدة، لكن في ما هو أصرح منها، آخر سورة الحجر {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:98-99] لاحظ الآية {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر:98] فيها الأمر بالسجود.

ولهذا ينبغي يعني خاصة في صلاة التراويح إمام المسجد إذا قرأها ألا يقف عندها حتى لا يشوش على النساء، لأن بعض الأئمة يقرأ هذه الآية ثم يسجد باعتبار أنها آخر السورة،  {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:98-99] فيسجد.

يعني فتأتي أسئلة كثيرة، ان النساء يسجدن عندما يستمعن لهذه الآية، يستمعون إلى قوله: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر:98]، فينبغي أن الإمام يقرأ يعني أول سورة النحل حتى يزول الإشكال.

إذًا السجود مبناها على التوقيف، وإلا لو كان مبناه على الرأي المجرد لكانت هذه موضع سجود، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر:98]، ومع ذلك لا يشرع السجود عندها بالإجماع فمبناه على التوقيف.

 فما دام أن مبناه على التوقيف نسأل الآن سجدة (ص) هل سجد النبي صلى الله عليه وسلم عندها أو ما سجد؟ سجد كما في صحيح البخاري، وهذا كافي لإثبات المشروعية، وعلى ذلك فالقول الراجح هو أنه يشرع السجود عند سجدة (ص)، وعلى هذا فتكون مواضع السجود خمسة عشرة سجدة، وليس أربع عشرة سجدة كما قال المؤلف.

نعود لعبارة المؤلف قال: «لقارئ ومستمع».

هنا قوله لقارئ ومستمع، القارئ هو التالي للقرآن، والمستمع هو المنصت، وهذا بخلاف السامع، ما الفرق بين السامع والمستمع؟ المستمع يقصد الاستماع وينصت، أما السامع يسمع الشيء دون أن ينصت إليه.

فسجود التلاوة إنما يشرع في حق مستمع لا السامع، لو أن إنسان مر مثلًا بمكان في أغاني، في مطار، في مطعم في أي مكان، ولم يتمكن من إنكاره، ما يدري من المسؤول عن مثلًا هذه الأغاني وأو نحو ذلك، فنقول ما دمت سامعًا ولست مستمعًا فلا إثم عليك.

لأن الإثم على المستمع وليس على السامع، فرق بين السامع والمستمع، المستمع إلى الأغاني هو الذي يأثم، وليس السامع، فلذلك يفرق في الأحكام بين المستمع والسامع، لأن أحيانًا يكون الإنسان في الطائرة يكون في المطار يكون ما يستطيع يعني ما يعرف أصلًا من المسؤول عن هذه الأغاني، فنقول هذا سامع وليس مستمعًا فلا إثم عليه، وإنما الإثم على المستمع لا السامع.

هنا في سجود التلاوة يشرع سجود التلاوة للتالي للقارئ، هذا بالاتفاق، أيضًا يشرع للمستمع الذي يقصد الاستماع، ومما يدل لهذا حديث ابن عمر رضي الله عنه، قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة في السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضع لجبهته». وهذا في الصحيحين.

فقوله: «ونسجد معه» دليل على أن المستمع يشرع له أن يسجد، ومما استدل به بعض العلماء به من القرآن أن المستمع له حكم القارئ، قول الله تعالى عن موسى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس:88]، قال الله: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس:89] .

الداعي من؟ الداعي موسى{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ} [يونس:88] لماذا قال الله{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس:89]؟ ولم يقل قد أجيبت دعوتك؟ قالوا لأن هارون كان يؤمن، كان يقول آمين، موسى يدعو وهارون يقول آمين، موسى يدعو وهارون يؤمن، فالمؤمن شريك الداعي.

ولهذا قال الله {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس:89]، ولهذا يعني إذا رأيت من يدعو بدعاء حسن ينبغي أن تؤمن على دعائه فتكون شريكًا معه، كأنك أنت الذي دعوت.

فهنا أخذ العلماء في هذه الآية، أن المستمع شريك للمؤمن، والمستمع يأخذ حكم المتكلم والداعي.

إذًا قلنا إنه يشرع سجود التلاوة للقارئ والمستمع.

قال المؤلف: "كالصلاة بلا تشهد"، وقوله «كالصلاة» يشير إلى مسألة مختلف فيها بين الفقهاء، وهي: هل سجود التلاوة يعتبر صلاة أو ليس بصلاة؟ وتظهر ثمرة الخلاف في أننا لو قلنا: إنه صلاة فيشترط له ما يُشترط للصلاة، من الطهارة من استقبال القبلة من غير ذلك من الشروط، أما إذا قلنا إنه ليس بصلاة فلا يشترط له هذه الشروط، الإنسان يسجد ولو على غير طهارة، المؤلف يرى أنه صلاة وهذا هو المذهب عند الحنابلة، ولهذا قال «كصلاة».

وقالوا أنه سجود والسجود جزء من الصلاة فيكون صلاةً.

والقول الثاني في المسألة: أن سجود التلاوة ليس بصلاة، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم، مسجد معه المسلمون والمشركون، وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه وبوب عليه لقوله «باب سجود المسلمين مع المشركين، والمشرك نجس ليس له وضوء».

ثم قال البخاري: «وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء» وهذا هو القول الراجح أن سجود التلاوة ليس بصلاة، واختاره جمع من المحققين من أهل العلم كأبي العباس ابن تيمية وابن القيم ومن مشايخنا الشيخ ابن باز، والشيخ محمد العثيمين رحمهم الله تعالى جميعًا، أن سجود التلاوة ليس بصلاة، هذا هو القول الراجح، ولقوة دليلة.

ثم أيضًا لأن الصلاة عبادة ذات أقوال وأفعال، غير مختتمة بالتسليم، وهذا لا ينطبق على سجود التلاوة، هذا التعريف لا ينطبق على سجود التلاوة، فهو ليس له تكبير وليس له تسليم، وإنما هو مجرد سجود، وعلى هذا فلا يشترط في سجود التلاوة الطهارة ولا يشترط استقبال القبلة بناء على القول الراجح.

فلو كنت تقرأ مثلًا في السيارة، ثم مررت بآية سجدة وأنت على غير طهارة، تقرأ مثلًا من ظهر قلب من حفظك، فيشرع لك إذًا أن تسجد ولو إلى غير القبلة، بينما على القول الأول ليس لك أن تسجد، لأنهم يعتبرونه صلاة، لا بد أن تستقبل القبلة.

فإذًا القول الراجح أن سجود التلاوة ليس بصلاة، ولا يشترط له ما يشترط للصلاة، كذلك كل الشروط ما تشترط له.

نعم سجود المستمع تابع لسجود التالي، إذا سجد التالي يسجد المستمع إذا لم يسجد لم يسجد معه، والمؤلف قال «كالصلاة» لكنه استدرك قال «بلا تشهد» لأنهم لما قالوا «كالصلاة» قيل إذًا لا بد أن يتشهد قال لا، هو كالصلاة لكن بدون تشهد وهذا مما يضعف هذا القول.

إذا قلت كأن سجود التلاوة صلاة فليكن معه تشهد، فعلى هذا القول الراجح أن سجود التلاوة أنه ليس صلاة، إذًا يعني هذا ما يتعلق بما ذكره المؤلف من سجود التلاوة.

بقيت مسألة وهي الاستماع للتلاوة عبر وسائل الإعلام، هل يشرع سجود التلاوة معها أو لا يشرع؟ نقول أولًا إذا كانت التلاوة عبر المسجل، فإنه لا يشرع سجود التلاوة ،إذا مر القارئ بآية سجدة، لأن القارئ لم يسجد في هذه الحالة، وإنما هذا الصوت الصادر من المسجل هو حكاية صوت.

وقد يكون القارئ ميتًا أصلًا، فهو حكاية صوت، فلا يشرع السجود إذًا لا يشرع سجود التلاوة عندما تستمع للتلاوة من المسجل، وكذا الآذان أيضًا، وهذه مرت معنا الآذان لا يشرع إجابة المؤذن إذا كان الآذان من المسجل، إذا كانت التلاوة ليست من المسجل، إنما منقولة على الهواء مباشرةً، وسجد القارئ مثل مثلًا أن يكون في الحرم مثلًا، أو نحو ذلك، وإذا سجد القارئ فلا بأس أن يسجد المستمع.

أما إذا لم يسجد القارئ فلا يشرع أن يسجد المستمع، فإذًا التلاوة التي تكون عبر وسائل الإعلام الأصل أنه لا يشرع السجود فيها، إلا أن تكون منقولة على الهوى مباشرة ويسجد القارئ فيشرع للمستمع أن يسجد معه، ما يقال في الآذان يقال هنا في سجود التلاوة، وسبق أن تكلما عن الآذان، قلنا إن الآذان إذا كان عبر المسجل لا تشرع متابعته، أما إذا كان منقولًا على الهواء مباشرة فننظر إن كنت لم تؤدي الصلاة فيشرع أن تتابعه، وإن كنت قد أديت الصلاة لا تشرع متابعته.

هنا أيضًا نقول في سجود التلاوة إن كانت التلاوة مسجلة لا يشرع سجود التلاوة، إن كان القارئ يقرأ على الهواء مباشرة مثلًا كما في الحرمين وسجد القارئ يشرع السجود معه وإلا لم يشرع.

يذكر الفقهاء بعد سجود التلاوة سجود الشكر، هنا لم يذكره المؤلف لا بأس أن نشير له ولو بشيء من الاختصار، وسجود الشكر قد وردت به السنة وجاء في حديث أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا أتاه أمر يسر به خر ساجدًا». أخرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه.

وجاء في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين خلفوا أن كعب بن مالك لما بُشر بتوبة الله عليه خر ساجدًا، ووضع عن أبي بكر الصديق أنه سجد لما بُشر بمقتل مسيلمة الكذاب، وعلي بن أبي طالب سجد لما حين وجد ذا الثدية في الخوارج، سجود الشكر إذًا مشروع.

لكن سجود التلاوة محل مشروعيته عند تجدد النعم أو اندفاع النقم، وقولنا عند تجدد النعم احترازًا من النعم المستمرة، فلا يشرع السجود لأجلها، لأنه لو قيل بذلك لكان الإنسان دائمًا في سجود، كما قال الله تعالى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل:18].

ما يدل على مشروعية السجود لهذه النعم المستمرة، تجد بعض العامة يقول أنا أسجد كل يوم، هذه أسئلة يعني وردت أنا أسجد كل يوم سئل لماذا؟ قال: على نِعم الله تعالى العظيم عليّ، هذا بدعة، نقول هذا غير مشروع، إنما يشرع عند النعم المتجددة، أو عند اندفاع نقمة، نقمة يعني عارضة، وليست مستمرة.

من يذكر لنا أمثلة لتجدد النعمة أو اندفاع النقمة؟ بُشر الإنسان بمولود هذا مثال لتجدد النعمة، فهنا يسجد سجود الشكر، مثال آخر: نجا من حادث، يعني صعب، كان يعني كان الحادث صعبًا جدًا ونجا من هذا الحادث، يسجد لأجل اندفاع هذه النقمة.

لا شك أن من أعظيم النعم المتجددة فيشرع السجود عنده.

قبول المنحة الدراسية، يعتبر من النعم المتجددة.

شفاء مريض هل هذا يعتبر نعمة متجددة؟ قد يكون يعني في بعض الحلات، رُقي فشفي، أو نحو ذلك، المقصود أن تكون يعني اندفاع نقمة أو تجدد نعمة، لا تكون نعمة مستمرة ولا تكون أيضًا اندفاع النقمة بشكلٍ مستمر، انتصار المسلمين مثلًا، أو اندفاع الشر عن المسلمين، أو نحو ذلك.

إذًا هذا هو محل مشروعية سجود الشكر، وأحكامه هي أحكام سجود التلاوة، وصفته هي صفة سجود التلاوة، وذلك بأن يسجد ويقول سبحان ربي الأعلى في سجود التلاوة وفي سجود الشكر، أن يقول سبحان ربي الأعلى ويكررها، ثم يقول سبحانك اللهم ربنا وبحمد اللهم اغفر لي.

وفي سجود الشكر لا بأس أن يضيف عبارات تدل على حمده لله عز وجل وشكره لله I على تجدد هذه النعمة، أو اندفاع تلك النقمة، وأما سجود التلاوة روي في ذلك حديث في سنده ضعف عند أبي داود «اللهم لك سجدت وبك آمنت وعليك توكلت...» إلى آخرها لكنه فيه ضعف إن أتى به الإنسان لا حرج عليه وإن اقتصر على سبحان ربي الأعلى كفى ذلك.

ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تكبر عند سجود التلاوة ولا عند سجود الشكر، لا عند السجود ولا بعد الرفع من السجود، إلا أن يكون داخل الصلاة في سجود التلاوة، فيشرع أن يكبر عند السجود ويكبر عند الرفع من السجود.

لأنه جاء في حديث أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم «كان يكبر عند خفض ورفع»، فداخل الصلاة يكبر عند السجود ويكبر عند الرفع من السجود، أما خارج الصلاة فلم يثبت تكبير عند السجود ولا عند الرفع من السجود، سواء في سجود التلاوة أو في سجود الشكر.

يكفي أن يسجد وهو جالس، وأما ما قاله بعص العلماء أنه يقوم لكي يخر السجود، يعني هذا ليس عليه دليل، وظاهر ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسجد وهو جالس، إذ إنه لو قام صلى الله عليه وسلم ثم سجد لنقل لأن هذا مما تتوافر الدواعي لنقله ولم ينقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه سجد في عدة مواضع.

دعاء السجود، نحن ذكرنا يقول سبحان ربي الأعلى هذا أهم شيء، ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، ثم في سجود التلاوة، ورُوي في ذلك حديث في سنده ضعيف: «اللهم لك سجدت وبك آمنت وعليك توكلت، سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره، وشق له سمعه وبصره بحوله وقوته، اللهم اكتب لي بها أجرًا وضع عني بها وزرا وارفعني بها ذكرا وتقبلها مني كما تقبلتها من نبيك داود» هذا روي في حديث عند أبي داود لكنه ضعيف، فمن أتى به لا ينكر عليه ومن اقتصر على قول سبحان ربي الأعلى كفى.

لكن في سجود الشكر يستحب كثير من العلماء أن يضيف عبارات تدل على الحمد والشكر لله عز وجل.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض