الخثلان
الخثلان
صلاة التطوع
23 صفر 1438 عدد الزيارات 1668

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل في الفقه.

وكنا قد وصلنا إلى باب صلاة التطوع.

قال المؤلف رحمه الله: «بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ»، صلاة التطوع من باب إضافة الشيء إلى نوعه، من باب إضافة الشيء إلى نوعه، لأن الصلاة قد تكون فرضًا، وقد تكون تطوعًا، والتطوع معناه التبرع بما لا يلزم، وصلاة التطوع هي الصلاة التي تكون غير واجبة.

والتطوع بمعناه العام يطلق على فعل الطاعة مطلقًا، فيشمل الواجب والمستحب، ومن ذلك قول الله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة:158].

مع أن الطواف بالصفا والمروة واجب، بل هو ركن من أركان العمرة وركن من أركان الحج أيضًا، فإذًا هذا هو التطوع بمعناه العام، أم التطوع بمعناه الخاص فهو غير الواجب، فإذا قلنا الصلاة التطوع معناه الصلاة التي تكون غير واجبة.

وقد اختلف العلماء في أفضل ما يتطوع به، فمشهور مذهب الحنابلة أنه الجهاد في سبيل الله، وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه طلب العلم الشرعي، وهذا أيضًا مروي عن الإمام أحمد، وذهب الشافعية إلى أن أفضل ما يتطوع به الصلاة، فعندنا الآن ثلاثة أقوال، قيل الجهاد، وقيل طلب العلم، وقيل الصلاة.

والراجح والله أعلم هو ما ذكره ابن القيم وهو أن أفضل العبادات هو العمل على مرضاة الرب في كل وقت، بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته.

إذًا العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فمثلًا أفضل الأعمال عند سماع الآذان، هو إجابة المؤذن، ولو ترتب على ذلك ترك ما هو فيه من ورده، أو من تلاوة القرآن أو نحو ذلك، والأفضل عند سؤال المحتاج، مساعدته ولو أفضى ذلك إلى ترك أوراده.

والأفضل عند حضور الضيف، القيام حقه والاشتغال به ولو أفضى ذلك إلى ترك تلاوة القرآن أو ترك أوراده، والأفضل عند مرض أخوك المسلم عيادته، وعند موته الصلاة عليه وتشييع جنازته، ولو أفضى ذلك إلى ترك بعض النوافل التي كنت تعمله، والأفضل يوم عرفة للحاج الاشتغال بالدعاء، والأفضل في العشر الأواخر من رمضان لزوم المسجد والاعتكاف فيه، دون مخالطة الناس.

وهكذا، فإذًا الأفضل العمل، أفضل كل عمل العمل على مرضاة الرب في ذلك الوقت ووظيفته، هذا هو القول الراجح في أفضل ما يتطوع به، فهو إذًا يختلف باختلاف الأحوال، واختلاف الأزمان، فمثلًا لو أن رجلًا نزل عليه ضيف هل الأفضل أن يشتغل بالصلاة ويترك الضيف أو يقرأ القرآن ويترك الضيف؟ أو الأفضل أن يقوم بإكرام الضيف ولو أدى ذلك إلى تركه لصلاة النافلة؟

فإذًا يعني الأفضل هو أن يعمل على مرضاة الله تعالى بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، والحكمة من مشروعية التطوع هو تكميل ما قد يقع من النقص والخلل في الواجبات، فإن الواجبات تعتريها ما يعتريها من النقص، فشرع التطوع لتكميل النقص والخلل الواقع فيه.

فمثلًا لو كان عند الإنسان تقصير في بعض الصلوات، صلاة الفريضة، فينظر هل له من تطوع؟ فيكمل هذا النقص بما له من تطوع، أو كان عنده نقص في الصيام أو عنده نقص في الحج، أو عنده نقص في أي واجب من الواجبات، يكمل به النقص الواقع، يكمل به من التطوع.

وأيضًا التطوع من أسباب نيل محبة الله عز وجل، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليّ عبدي بأحب ما اقتربت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه»، فدل هذا على الإكثار من النوافل من أسباب نيل محبة الله عز وجل.

نعود لعبارة المؤلف: قبل هذا، قبل أن نعود لعبارة المؤلف، أحب الأعمال إلى الله تعالى الصلاة فذكرنا أفضل ما يتطوع به، لكن أحب العمل إلى الله تعالى من العبادات الصلاة، قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله قال: «الصلاة على وقتها»، لأن الصلاة يجتمع فيها من معاني العبودية مالا يجتمع في غيرها.

يجتمع فيها من التعظيم لله عز وجل والخشوع والخضوع في السجود والركوع، وتلاوة القرآن، والتسبيح والتحميد والتكبير، وغير ذلك ما لا يجتمع في غيره، فهي إذًا أحب عبادة إلى الله تعالى، ولهذا لما فُرضت، فرضت على صفة خاصة، جميع الواجبات الشرعية فرضت من الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق جبريل إلا الصلاة.

فقد عُرج بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حتى تجاوز السبع الطباق، ووصل إلى سدرة المنتهى فكلمه الله مباشرة، فرض عليه وعلى أمته هذه العبادة، ثم لما فرضها فرضها خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خُففت إلى خمس، لكن التخفيف تخفيف في الفعل فقط، وليس تخفيفًا في الأجر والثواب، وهذا يدل على محبة الله عز وجل لهذا النوع من التعبد..

فإذا استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل، ما عدا أوقات النهي، إذا استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل، إذا لم تكن في وقت نهي، هي أحب عبادة إلى الله، أحب عبادة إلى الله.

ولهذا ذكر في ترجمة الإمام أحمد، واشتهر هذا عنه أنه كان يصلي لله تعالى في اليوم والليلة تطوعًا من غير الفريضة ثلاثمائة ركعة، ولما حصلت له الفتنة والمحنة وضُرب ضعف بدنه، أصبح يصلي مائة وخمسين ركعة، فكان الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام يقتدي بالإمام أحمد في هذا فيصلي تطوعًا من غير فريضة ثلاثمائة ركعة، فالصلاة هي أحب عبادة إلى الله تعالى.

فمثلًا على سبيل المثال إذا أتيت المسجد الجامع يوم الجمعة، وأنت مأموم، ما أفضل عبادة تشتغل بها؟ الصلاة، تصلي مثنى مثنى، ركعتين ركعتين إلى وقت النهي إلى قُبيل دخول الإمام،  في حدود خمس دقائق إلى خمس دقائق، وإذا أردت أن تقرأ القرآن اجعل قراءة القرآن داخل الصلاة ولو تقرأ من المصحف، لا بأس، لكن أفضل عبادة هي الصلاة، واعلم أنك لم تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة.

نعود لعبارة المؤلف رحمه الله:

قال: «آكدها» يعني آكد صلاة التطوع «الاستسقاء»، أي صلاة الاستسقاء «والكسوف»، هنا لم يقل ثم الكسوف، وإنما قال: (و) الكسوف، أي أن صلاة الاستسقاء والكسوف هما آكد صلاة التطوع، وذلك لأنهما تشرع لهما الجماعة، وظاهر كلام المؤلف أن صلاة الاستسقاء آكد من صلاة الوتر، لأنه قال: ثم الوتر.

والقول الراجح والله أعلم أن الوتر آكد من الاستسقاء، أن الوتر آكد من الاستسقاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على الوتر، ولم يتركه سفرًا ولا حضرًا، وأمر بالوتر، وأما الاستسقاء فلم يرد الأمر به، لكنها ثبتت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الكسوف فإنها أيضًا مستحبة استحباب مؤكدًا قريبًا من الوجوب، وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله.

قال: «ثم الوتر بين صلاة العشاء والفجر»

 صلاة الوتر سنة مؤكدة جدًا، حتى إن بعض أهل العلم، قال بوجوبها وهم الحنفية، فإن الحنفية يرون أن صلاة الوتر واجبة، لكن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعي والحنابلة يرون أن صلاة الوتر مستحبة، والقول الراجح أنها مستحبة وليس واجبة. لأنه ليس هناك دليل ظاهر يدل على الوجوب، لكنها مستحبة متأكدة الاستحباب، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها لا يتركها في السفر، فقال: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حُمْر النعم، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر».

قال المؤلف: «بين صلاة العشاء والفجر»، هذا هو وقت صلاة الوتر، ما بين صلاة العشاء والفجر، وعلى هذا لو قُدمت العشاء مع المغرب جمع تقديم، ابتدأ وقت صلاة الوتر، وأما ما قبل العشاء فليس بوقت لصلاة الوتر، لو أراد أن يوتر بعد صلاة المغرب فلا يصح.

ويدل لذلك على أن وقتها ما بين صلاة العشاء والفجر الحديث السابق: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حُمر النعم فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر».

قال: «وأقله ركعة»، يعني أقل الوتر ركعة، وهذا قد جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوتر ركعة من آخر الليل». أخرجه مسلم في صحيحة، ولقوله صلى الله عليه وسلم «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة». متفق عليه. فأقله إذًا ركعه.

قال: «وأكثره إحدى عشرة ركعة»، لقول عائشة رضي الله عنه «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة»، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا حد لأكثر صلاة الوتر، لحديث ابن عمر السابق: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة». وهذا هو القول الراجح، أنه لا حد لأكثره.

قال: «أدنى الكمال ثلاث لفصل»، يعني أدنى الكمال في الوتر أن يصلي ثلاث ركعات مفصولة، بسلامين، أي أنه يصلي ركعتين ثم يسلم ثم ركعة، وهذا قاله المؤلف احترازًا من أن يؤتى بها على صفة صلاة المغرب. وقد وردت صلاة الوتر على عدة أنواع، ونذكر أبرز هذه الأنواع التي وردت بها السنة.

النوع الأول: وهو أشهرها وأفضلها، أن تصلى مثنى مثنى، ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة، وهذا هو الغالب من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

النوع الثاني: أن يوتر بثلاث ركعات بتشهد واحد، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنه «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يقعد إلى في آخرهما». أخرجه النسائي بسند جيد.

النوع الثالث: الوتر بخمس ركعات بتشهد واحد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من أحب أن يوتر بخمس فليفعل». أخرجه أبو داود والنسائي.

النوع الرابع: أن يوتر بسبع ركعات يسردها بسلام واحد، تشهد وسلام واحد لحديث أم سلمة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا بكلام». أخرجه النسائي وأحمد.

النوع الخامس: أن يوتر بسبع، لكن يتشهد بعد الركعة السادسة، بدون سلام، ثم يقوم ويأتي بالسابعة ويتشهد ويسلم، ويسلم، إذًا مرة أخرى: يوتر بسبع، لكن يتشهد بعد الركعة السادسة بدون سلام، ثم يقوم ويأتي بالسابعة ويتشهد ويسلم، تشهد كامل، يأتي بتشهد كامل بعد السادسة، لكن لا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالسابعة والتشهد ويسلم، ويدل ذلك حديث عائشة رضي الله عنه قالت: «ثم يصلي سبعًا ولا يجلس فيهن إلا عند السادسة فيجلس»، أخرجه أحمد.

 النوع السادس: أن يوتر بتسع ركعات، يسرد ثمان ركعات، ثم يأتي بالتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالتاسعة، ويتشهد ويسلم، ويدل ذلك حديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يذهب ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد يذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليمًا يسمعنا».

النوع السابع: أن يصلي ثمان ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم يسرد خمس ركعات بتشهد واحد وسلام واحد، إذًا يصلي ثمان ركعات، يسلم من كل ركعتين ثم يسرد خمس ركعات بتشهد واحد وسلام واحد، إذًا ثمان يسلم من كل ركعتين ثم خمس بتشهد واحد وسلام واحد وسلام واحد.

ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنه «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاثة عشر ركعة ويوتر من ذلك بخمس، لا يجلس إلا في آخرها». رواه مسلم، هذه الآن سبعة أنواع، يعني هي التي قد وردت فيها السنة، نعيدها مرة ثانية. إن شاء الله أطلب منكم إعادتها.

النوع الأول: أشهرها أن يصلى مثنى مثنى، ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة.

النوع الثاني: يصلي ثلاث ركعات بتشهد واحد وسلام واحد.

 النوع الثالث: خمس ركعات بتشهد واحد، وسلام واحد.

النوع الرابع: سبع ركعات بتشهد وسلام واحد.

النوع الخامس: سبع ركعات ويجلس في السادسة، يسردها ويجلس في السادسة ويأتي فيها التشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالسابعة ويتشهد ويسلم.

 النوع السادس: يسرد ثماني ركعات بتشهد واحد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم.

النوع السابع: أن يصلي ثماني ركعات مثنى مثنى ثم يصلي خمس ركعات بتشهد واحد وسلام واحد.

وسألت شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله: هل ورد إحدى عشرة ركعة في تشهد واحد وسلام واحد؟ قال لا أعلم في هذا شيئًا محفوظًا، فإذًا هذه هي الصور التي قد حفظت.

من يعيدها لنا مرة أخرى؟

الصورة الأولى وهي أشهرها، وأكثرها، وأفضلها، يصلى مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة.

 الصورة الثانية:  يسرد ثلاثًا بتشهد واحد وسلام واحد.

الثالثة: خمس بتشهد واحد، وسلام واحد.

الرابعة: سبعًا بتشهد وسلام واحد.

الخامسة: يسرد ستًا ثم يجلس للتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالسابعة ويتشهد ويسلم.

الصورة السادسة: يسرد ثماني ركعات ثم يجلس، ثم يقوم ويأتي بالتاسعة ويأتي بالتشهد ويسلم، يعني ثماني ركعات يجلس للتشهد لكن قبل أن يسلم ثم ينهض بالتاسعة، ويأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم.

الصورة السابعة: أن يسرد ثماني ركعات مثنى مثنى، بعد كل ركعتن ثم يسلم منهما، ثم يسرد خمس ركعات بتشهد واحد وسلام واحد، وينبغي الإتيان بهذه الصور على يعني على جميع وجوهها ما أمكن، يعني التنويع بينهما، لكن يجعل المسلم الأكثر هو مثنى مثنى.

الثامن، والتاسع يسرد ثمان ثم يجلس في التشهد، ولا يسلم ثم يقوم ويأتي بالتاسعة، لا، أوتر، هذه صورة، وهذه صورة، هذه مستقلة عنها، يعني هذه إذا أتى بست سردها بتشهد واحد وسلام واحد، جلس للتشهد قبل أن يسلم قام أتى بالسابعة، فيكون قد أوتر بسبع.

نعم، هي لا حد لها، «مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة» فهذه الصور احفظها واضبطها، قل أن تجدها مجموعة في كتاب، يعني هي مهمة حفظها وضبطها أيضًا.

ننتقل بعد ذلك نريد الأسئلة نؤخرها حتى لا نؤخر الأخوة.

قال: «ويقنت بعد الركوع»، فمراده بالقنوت هنا يعني الدعاء، أن يدعو بعد الركوع، يعني من الركعة الأخيرة في الوتر، قال: «بالمأثور»، وروي في ذلك حديث الحسن، قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر «اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت واتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، أنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت»، الدعاء المشهور.

لكن هذا الحديث رواه الترمذي، ولكن الإشكال هو في زيادة قنوت الوتر، هذه غير محفوظة، هذا الحديث ثابت بدونها، لأن هذا الحديث روي من طريق شعبة عن بريد بن أبي مريم، ولم يأتي بهذه الزيادة، وهو أوثق من يروي عن بريدة بن أبي مريم، وإنما أتى بها أبو إسحاق، ولا شك أن شعبة أثبت.

فعلى هذا فزيادة في قوت الوتر غير محفوظة، فيكون هذا الحديث محفوظًا بدون زيادة في قنوت الوتر، يعني لا يدل على أيضًا على أن هذا الذي يقال في دعاء الوتر، ولكن لما سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن هذا احتج بفعل عمر رضي الله عنه، بأن عمر كان يفعله، وكان يقنت عمر رضي الله عنه فمدام أن هذا قد ورد عن الصحابة فيقال بمشروعيته، لكن لم يثبت اللهم اهدني فما هديت، لم تثبت في دعاء قنوت الوتر.

وذهب بعض أهل العلم أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من شهر رمضان، قالوا: إن هذا إن عمر لما أمر وبين وتميم الداري كانا لا يقنتان إلى في النصف الأخير من شهر رمضان، وكان قد أخذ بهذا الإمام أحمد ثم رجع عنه، فقال في رواية المروذي، قال: كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان ثم إني قلت هو دعاء وخير.

وفي رواية عنه قال: «كنت أذهب إليه ثم رأيت السنة كلها»، فالأقرب والله أعلم أنه يشرع في السنة كلها، لأنه دعاء وخير كما قال الإمام أحمد وهذا الموطن موطن دعاء، وقد ورد بعض الصحابة.

فيكون إذًا دعاء القنوت مشروعًا في جميع ليالي السنة، ولكن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا دعاء القنوت ولو مرة واحدة، لم يثبت، وعلى هذا فينبغي تركه أحيانًا، وإذا كان الإمام يصلي بالناس في المسجد في رمضان يتركه بعض الليالي، لا يداوم عليه، لأن كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يحافظ عليه، لا شك أن الأفضل هو عدم المحافظة، لأن فعله سنة وتركه سنة.

ولولا أنه ورد عن الصحابة لما قلنا أصلًا بمشروعيته، لكنه ورد عن الصحابة هو الذي جعلنا نقول بمشروعيته، فالأقرب والله أعلم هو ما رجع إليه الإمام أحمد من أن دعاء القنوت يكون في ليالي السنة كلها، قال أنه لا يختص بالنصف الثاني من شهر رمضان، لكن ما مقدار دعاء القنوت؟

روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: إن دعاء القنوت يكون بقدر قراءة إذا السماء انشقت، ولكن هذا التحديد لا دليل عليه، ولهذا قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله الإمام أحمد، وقد سئل عن قول إبراهيم في القنوت، إنه على قدر إذا السماء انشقت؟، قال: هذا قليل يعجبني أن يزيد.

فالذي يظهر أنه يعني لا يحدد مقدار دعاء القنوت، لكن لا يطيل على المأمومين إطالة تشق عليهم، لأن تحديدها بحد معين يحتاج إلى دليل، فإن التحديد بابه التوقيف، إذًا قلنا دعاء القنوت لا يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه ورد عن بعض الصحابة كعمر، وقلنا إن القول الراجح أنه يشرع في جميع ليالي السنة، لكن الأفضل تركه أحيانًا.

قال: «وفي الفجر للنازلة» يعني يشرع القنوت في صلاة الفجر للنازلة، إذا نزل بالمسلمين نازلة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، من الحنفية والمالكية والحنابلة، إلى أنه إنما يشرع القنوت في صلاة الفجر للنازلة، ومشهور مذهب الشافعية أنه يشرع القنوت في صلاة الفجر على الدوام.

ولهذا تجد أن البلدان التي ينتشر فيها مذهب الشافعية يقنتون دائمًا في صلاة الفجر، والقول الراجح هو قول الجمهور وأنه لا يشرع إلى عند النوازل فقط، ويدل لذلك، قول سعد بن طارق، قال: سألت أبي الذي هو طارق الأشجعي: «سألت أبي فقلت يا أبتي قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، وخمس سنين من خلافة علي أكانوا يقنتون في صلاة الفجر؟ قال: أي بني، محدث»، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، فهو من الأمور المحدثة يعني القنوت بصفة دائمة.

وأما القنوت إذا نزلت بالمسلمين نازلة فهذا قد وردت به السنة، وقنت صلى الله عليه وسلم لما قتل القراء قنت شهرًا، فإذا الصواب هو قول الجمهور، لكن هل يوصف القول الثاني بالبدعة؟ من الصعب وصفه بالبدعة، وهو مذهب الشافعية أحد المذاهب الأربعة، أحد المدارس الفقهية على هذا القول، لكن يقال أنه قول مرجوح ولهذا روي عن الإمام أحمد أنه قال: إذا صليت خلف من يقنت في صلاة الفجر فصلي معهم وأمن على دعائه.

هي مسألة اجتهادية، المسألة مسألة اجتهاد يعن، لأن الإمام الشافعي له فهم أيضًا آخر، فهو مجتهد، هو صاحب سنة وحريص على السنة، وهو إمام من الأئمة.

إذا طالت النازلة واستمرت لم يشرع القنوت لها، فمثلًا الآن يعني نازلة الإخوان المسلمين في سوريا مثلًا، الآن استمرت، لا يشرع القنوت لها إلا إذا طرأ شيء، لأننا لو قلنا بأنه يشرع القنوت للنازلة ولو استمرت، لزم من هذا القنوت على الدوام، مآسي المسلمين كثيرة ومستمرة، لو لم تأتي إلا لكانت مأساة فلسطين.

لو قلنا إنه يقنت لها على الدوام يعني يقنت لها ما دامت النازلة قائمة للزم هذا دوام القنوت أبدًا، لكثرة مآسي المسلمين، والنوازل التي تحصل لهم، النوازل ما دام أن في ترتيب من ولي الأمر يلتزم بهذا، يلتزم بهذا يعني لا ينازع إذا منع ولي الأمر من القنوت إلا بإذنه فلا ينازع، ألا أن ننازع الأمر أهله.

لكن يعني لا ينحصر الدعاء في قنوت النوازل، إذا كان سيدعو سرًا، يدعو لهم بدعاء عام، لكن كقنوت النوازل إذا منع ولي الأمر منها إلا بإذنه فلا ينازع، ألا ننازع الأمر أهله، هنا المؤلف حصر قنوت النوازل في الفجر، ولكن هذا الحصر هو قول لبعض أهل العلم لكنه قول مرجوح.

والقول الراجح أنه يقنت في جميع الصلوات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا في جميع الصلوات، في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، كما جاء في حديث ابن عباس، فثبت قنوته صلى الله عليه وسلم في جميع الصلوات.

فالقول الراجح أنه يقنت في جميع الصلوات، لكن آكد الصلوات التي يقنت فيها الفجر، والقنوت قنوت النوازل ليس له صيغة معينة، إنما يجتهد فيها الإمام ويركز على الدعاء للنازلة فقط، فلا يتوسع لماذا؟ لأن الصلاة صلاة فريضة، ليس يعني ربما يتوسع في الدعاء فيتسبب في إبطالها.

قنوت النوازل ينبغي العناية باختيار ألفاظ الدعاء، وعدم التوسع، لأنها صلاة فريضة، فتختلف عن النافلة، النافلة بابها واسع، لكن الفريضة لا، فيبدأ مباشرةً بدون مقدمات وبدون حمد مباشرة في الدعاء دعا لقوم ودعا على قوم فقط، ولا يتوسع ولا يطيل، إذا ختمها بالصلاة على النبي لا بأس، لكن المهم ألا يتوسع.

قال: «ثم السنن الراتبة عشر»، انتقل المؤلف بعد ذلك لنوع آخر من التطوع وهو السنن الرواتب، والمصنف رحمه الله قال: إنها عشر ركعات، أولًا السنن الرواتب، معنى الرواتب يعني المستمرة، الدائمة، وهي تابعة للفرائض، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها حضرًا، ويتركها سفرًا ما عدا سنة الفجر.

وهنا حصرها المصنف في عشر، وهو قول لبعض أهل العلم، وفسر المؤلف ذلك قال: «قبل الظهر وبعدها»، يعني ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، «وبعد المغرب والعشاء وقبل الصبح»، هذا هو القول الأول.

والقول الثاني في المسألة: أن السنن الرواتب اثنتا عشرة ركعة بزيادة ركعتين قبل الظهر، أي أنها تكون أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وهذا هو القول الراجح.

وهذه السنن الرواتب هي مذكورة في حديث أم حبيبة رضي الله عنها قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة». قالت أم حبيبة «فما تركتهن النبي صلى الله عليه وسلم»، وقال الراوي عن أم حبيبة وهو عنسبة بن أبي سفيان «ما تركتهن منذ سمعت أم حبيبة» وقال عمر بن أوس الراوي عن عنبسة: «ما تركتهن منذ سمعت عنبسة».

وقال النعمان عن ابن سالم الراوي عن عمرو بن أوس:  «ما تركتهن منذ سمعت عمرو بن أوس». فيعني انظر إلى قول هؤلاء الرواة، هذا أخرجه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ، كل واحد من الرواة، رواة الإسناد الذي ساقه مسلم يقول: «ما تركتهن منذ سمعت فلانًا». فينبغي للمسلم ألا يترك هذه السنن الرواتب.

 فإن قال قائل: ما الدليل على أن هذه الاثنتي عشرة ركعة الواردة في حديث أم حبيبة هي السنن الرواتب؟ نقول الدليل هو: رواية الترمذي لهذا الحديث، فإن الترمذي قد روى هذا الحديث بسند صحيح: «من صلى في يومه ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة، أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر». قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، إسناده صحيح.

فرواية الترمذي فسرت المقصود بالثنتي عشرة ركعة وهي السنن الرواتب، هذه ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها، وأما ما بنى عليه المصنف قوله أنها عشر ركعات لأنه قد حاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر. . .» إلى آخره.

قد أجيب عن حديث ابن عمر هذا قيل ابن عمر يحكي ما حفظ، ربما أن النبي صلى الله عليه وسلم تارة يصليها أربعة وتارة ركعتين، وقال ابن القيم: إنه يحتمل أنه كان إذا صلى في بيته صلى أربعًا وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين، واستظهر ابن القيم، ولكن المرجح عند كثير من المحققين هو أن السنن الرواتب اثنتي عشرة ركعة، وليس عشر ركعات، هذا هو القول الراجح، وعليه يدل الحديث أم حبيبة السابق.

الفضل يحافظ على أربع ولا ينوع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام تارة يترك العمل لمصلحة أرجح، مثلًا أخبر أن أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ ما كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، لماذا؟ ترك هذا لمصلحة أرجح، والذي يظهر أن السنن الرواتب أربع، قبل الظهر أربع ويحافظ عليها أربع، يعني يجعلها في اليوم واللية ثنتي عشرة ركعة.

ولهذا في حديث أم حبيبة، لاحظ لفظ الحديث أم حبيبة: «من صلى ثنتي عشرة ركعة في اليوم وليلة» هذا يشعر بالمحافظة على هذا الرقم، على هذا العدد، بقي يوم الجمعة، يوم الجمعة قبل الجمعة لا حد لعدد ما يتطوع به، فلا يقال يصلي ركعتين ولا أربع ولا أكثر، لا حد لذلك، لأنه قد جاء في حديث سلمان: «من اغتسل يوم الجمعة ثم إلى قوله ثم صلى ما كتب له»، هو في صحيح البخاري «ثم صلى ما كتب له».

هذا دليل على أن صلاة الجمعة لا تقدر بعدد محدود، وإنما يصلي ما قدر له، من غير تقدير بعدد محدود، هذا قبل الجمعة، أما بعد الجمعة فقد جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد الجمعة ركعتين.

وجاء في حديث أبي هريرة: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلي بعدها أربع»، وكلا الحديثين صحيح، حديث أبي هريرة في مسلم، وكذلك أيضًا حديث ابن عمر في الصحيح، اختلف العلماء في الجمع بينهما، فقال بعضهم إذا صلى في المسجد صلاها أربعًا، وإذا صلاها في البيت صلاها ركعتين، لكن القول الراجح هو أن السنة بعد الجمعة أربع ركعات مطلقًا، لماذا؟

لأن حديث أبي هرير هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث ابن عمر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأيها أقوى؟ دلالة القول أم دلالة الفعل؟ دلالة القول أصرح، يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي إلا ركعتين لعارض لسبب لمرض، لكن قوله «قال إذا صلى أحدكم الجمعة يصلي بعدها أربعة»، فالقول الراجح أن السنة التي تكون بعد صلاة الجمعة أربع ركعات، وهذا اختيار شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.

وكما ذكرت لكم يرجع إلى مسألة أصولية، دلالة القول ودلالة الفعل، دلالة القول أقوى وأصرح من دلالة الفعل، على هذا الراجح أنه يصلي أربع ركعات بعد الجمعة سواء صلاها في المسجد أو في بيته، لأن القول بأنه إذا صلاها في المسجد صلى كذا يعني، هذا اجتهاد من بعض العلماء لا دليل عليه. بينما حديث أبي هريرة عام «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلي بعدها أربعة»، ولم يخصص هذا في بيت في المسجد،

فالقول الراجح إذًا أن السنة بعد الجمعة أربع ركعات.

نريد الآن نلخص ما سبق: السنن الرواتب على القول الراجح كم ركعة؟ ثنتي عشرة ركعة، ما هي؟ أربع قبل الظهر، ركعتان بعدها، ركعتان بعد المغرب، ركعتان بعد العشاء، ركعتان قبل الفجر.

الجمعة ما هي السنة القبلية والبعدية لها؟ القبلية لا حد لها، يصلي ما شاء مثنى مثنى، البعدية على القول الراجح أربع ركعات، القول الراجح أنها أربع ركعات بسلامين، ركعتين ثم ركعتين.

الظاهر أنه حافظ عليها، هذا هو الراجح.

هنا قال: «وقبل الصبح وهما أفضل»، يعني ركعتا الفجر أفضل السنن الرواتب، لأنها متأكدة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليها، ولا يدعها حتى في السفر، تقول عائشة رضي الله عنه: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح» متفق عليه.

وأيضًا في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها»، أيضًا متفق عليه، فلهذا ينبغي الحرص أيضًا على ألا يصليها إلا بعد غلبة الظن بدخول وقت صلاة الفجر، ما دام أن فيها هذا الفضل العظيم وأنها خير من الدنيا وما فيها، ينبغي أيضًا الحرص على إيقاعها في وقتها، فهاتان الركعتان تختصان بأمور.

الأمر الأول: آكديتهما وعظيم ثوابهما وأنهما خير من الدنيا وما فيها.

ثانيًا: مشروعيتهما في الحضر قبل السفر.

ثالثًا: أنه يسن تخفيفهما، لقول عائشة رضي الله عنه «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل الصبح حتى إني لأقول هل قرأ فيهما بأم الكتاب؟» طبعا التخفيف تخفيفًا لا يخل بالطمأنينة.

رابعًا: أن السنة أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بماذا؟ بسورة قل يا أيها الكافرون وفي الثانية، سورة قل هو الله أحد، وإذا وردت سنة أخرى وهي أن يقرأ في الركعة الأولى بآية البقرة: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة:136]وفي الثانية {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران:64]، هذه كلها قد وردت فيها السنة.

«والأفضل أن تصلى السنن الرواتب في البيت»، بل جميع التطوعات التي لا سبب لها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» متفق عليه، وقوله: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا». ويتأكد من السنن الرواتب أن تُفعل في البيت سنة ماذا؟ المغرب، يتأكد من السنن الرواتب أن تفعل في البيت سنة المغرب.

فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم قط أنه صلاها في المسجد، قال الإمام أحمد: «ليس ها هنا شيء آكد من الركعتين بعد المغرب». يعني فعلهما في البيت، قيل الإمام أحمد فإن كان منزل الرجل بعيدًا، فهل يصليها في المسجد؟ قال لا أدري، وقال السائب بن يزيد: «رأيت الناس في زمن عمر إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعًا».

 يعني أنهم يصلون السنة في البيت، فآكد السنن من الرواتب التي تفعل في البيت هي سنة المغرب، إن كان الأفضل أن تفعل جميعها في البيت، لكن آكدها على وجه الخصوص سنة المغرب.

قال: «ثم التراويح عشرون في رمضان» يعني يلي السنن الرواتب في الآكدية صلاة التراويح، وسميت التراويح لأن السلف الصالح كانوا إذا صلوا أربع ركعات استراحوا، وكانوا يقرأون بالمئين، ويعتمدون على العصي من طول القيام، كانوا إذا صلوا أربع ركعات استراحوا فسميت صلاة التراويح.

وقوله: «في رمضان»، مفهومها أنها لا تشرع صلاة الليل جماعة في غير رمضان، ولكن إذا صليت صلاة الليل جماعة في غير رمضان بصفة عارضة، وليست سنة دائمة فلا بأس، فقد ورد بهذا السنة، فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بابن مسعود، وصلى بابن عباس، وصلى بحذيفة.

وأيضًا أبو الدرداء صلى مع عبد الرحمن بن عوف، فإذا صُليت جماعة بصفة عارضة فلا بأس، فلو أن مثلًا مجموعة ذهبوا للبرية، وقالوا نريد أن ينشط بعضنا بعضا في صلاة الليل، بدل أن يصلي وحده، نصيليها جماعة فلا بأس، لكن المهم ألا يستمر عليها طيلة السنة، لكن لو فعلت بصفة عارضة فلا بأس، لأن بعض الناس قد ينشط لو صلى مع غيره، لو صلى وحده ربما يكسل.

فلو أنهم قالوا نريد أن نصلي هذه الليلة جماعة، فلا بأس، يصلي بهم أحدهم جماعة لا بأس، هذا كما ذكرنا فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء الصحابة، صلى بابن عباس، صلى بابن مسعود، صلى بحذيفة، وفعلها الصحابة بعضهم مع بعض كما في قصة أبي الدرداء وعبد الرحمن بن عوف، لكن المهم ألا يكون هذا بصفة مستمرة، إنما يكون بصفة عارضة.

والتحديد بعشرين ركعة قوله: «عشرون ركعة» هذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول الجمهور.

والقول الثاني: أن صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة، لقول عائشة رضي الله عنها «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة».

والقول الراجح: لم تحدد بعدد معين، فإذا أطال القيام والركوع والسجود قلل العدد، وإذا خفف القيام والركوع والسجود أكثر العدد، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار أبو العباس بن تيمية، وهو المنقول عن السلف الصالح، يختار الإنسان ما هو الأرفق أيضًا بالناس.

إذا قال جماعة المسجد نحن نريد إحدى عشرة ركعة مع التأني والتطويل، فيكتفي بإحدى عشرة ركعة، لكن إذا قالوا الأرفق بنا أن تكثر من ركعات، فيفعل هذا، إذًا القول الراجح أنه لا حد لأكثر صلاة التراويح، لكن في العشر الأواخر يتأكد إحياء الليل، سواء بإطالة القراءة والقيام، وسواء بإطالة القيام والركوع والسجود أو بإكثار عدد الركعات.

أما ما يفعله بعض أئمة المساجد أنه في العشر الأواخر يصلي بجماعة المسجد إحدى عشرة ركعة صلاة خفيفة، هذا خلاف السنة، وخلاف مقتضى الأمانة، السنة أن تحيي الليالي العشر الأواخر من رمضان، تحيها بالصلاة.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يحيي معظمها بالصلاة، حتى إنه في ليلة سبع وعشرين أحيا الليلة كلها بالصلاة، إلا شيئًا يسيرًا، حتى قال الصحابة: «حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح» يعني السجود، فالمهم هو في العشر الأواخر المهم هو إحياء الليل، سواء أطال القيام والركوع والسجود أو خفف القيام والركوع والسجود

أما ما يلحظ من تخفيف القيام والركوع والسجود وتقليل الركعات والاحتجاج بأن هذا هو السنة في العدد، هذا غير صحيح، هذا من قلة الفقه.

قال: «ثم صلاة الليل»، يعني يلي التراويح في الآكدية صلاة الليل، والتراويح هي في الحقيقة هي من صلاة الليل، لكن المؤلف خصها لأنها تفعل في رمضان جماعة بصفة دائمة ومستمرة، وإلا فالتراويح هي صلاة ليل في الحقيقة.

قال: «وسطه»، ومراد المؤلف «بوسطه» يعني الثلث الذي بعد النصف الأول، لقول النبي: «أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه»، فنريد أن نفهم هذا الحديث،

«كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه» يعني يقوم أي سدس؟ عندنا الليل ستة أقسام، نقسم الليل ستة أقسام، إذا قلنا «ينام نصف الليل» يعني ينام السدس الأول والسدس الثاني والسدس الثالث، «ويقوم ثلثه»، الثلث ثلث زائد سدس، يعني يقوم السدس الرابع والخامس وينام السدس السادس، هذا معنى كلام المؤلف.

قال: «ثم الشطر الأخير»، يعني النصف الأخير من الليل، لأنه وقت النزول الإلهي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأستغفر له؟ ذلك كل ليلة». أخرجه مسلم.

وفيه أيضًا ساعة الإجابة: «إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه الله إياه». أخرجه مسلم في صحيحة، لكن الساعة هي ليست ستون دقيقة لا، هي لحظات يكون باب الدعاء فيها مفتوح، أرجاها آخر الليل، قبيل آذان الفجر، هذه اللحظات هي أرجى ما تكون موافقة لساعة الإجابة من الليل.

قال: «ثم النهار»، يعني ثم الصلاة النهار في بيته، يصلي يعني صلاة النافلة في النهار في بيته، «ثم مسجده»، يعني ثم صلاة النافلة في مسجده، تلي صلاة النافلة في البيت، «قائمًا ثم قاعدًا»، فأفاد المؤلف أن القيام في صلاة النافة ليس واجبًا، وإنما هو مستحب، لكن الأفضل أن يصلي قائمًا، ويجوز أن يصلي قاعدًا.

هل يجوز أن يصلي قاعدًا في صلاة النافلة مع قدرته على القيام؟ نعم يجوز، ويدل لذلك حديث عمران رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم». أخرجه البخاري في صحيحه، «ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم».

فلو أنك كنت مثلًا متعبًا فلا تترك صلاة الليل، صلي وأنت قاعد، ويكون لك على الأقل نصف الأجر أحسن من أن لا يكون لك شيء، لكم من صلى قاعدًا لعذر، فيكتب له الأجر كاملًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا». أخرجه البخاري في صحيحه.

ثم تكلم، انتقل المؤلف بكلامه عن صلاة الضحى، والكلام عنها يقول: لعل إذًا هذا يكفي، ما نريد نطيل على الأخوة، نكتفي بهذا القدر ونقف عند صلاة الضحى والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بن عبدالعزيز