الخثلان
الخثلان
باب التيمم
5 ذو القعدة 1437 عدد الزيارات 814

باب التيمم

قال المصنف -رحمه الله-: «باب التيمم» التيمم معناه في اللغة: القصد ومنه قول الله –تعالى- {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} [البقرة: 267] ولا تيمموا، تيمموا أي: تقصدوا الخبيث يعني الرديء من المال، لا يقصد الإنسان في زكاته ونفقته الرديء من المال، وأيضًا قول الله –تعالى-: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] يعنى اقصدوا، اقصدوا الصعيد الطيب، فإذن التيمم معناه في اللغة: القصد، واصطلاحًا: التعبد لله تعالى بقصد الصعيد لمسح الوجه واليدين، وهو ثابت في الكتاب والسنة والإجماع، من الكتاب قول الله -عز وجل-: {وَإن كُنْتُمْ مَرْضَى أو عَلَى سَفَرٍ أو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأيدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[المائدة: 6] وهذه الآية نزلت  لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، فنزل ومعه الجيش في الصحراء، كان معه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنه- ففقدت عائشة عقدًا لها، فلما أرادو الرحيل أخبرته عائشة بأنها فقدت عقدًا لها، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالانتظار حتى تجد عائشة عقدها، فأتى الناس إلى أبي بكر، قالوا له: ألا ترى ما صنعت عائشة، قامت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبالجيش والناس ليس معهم ماء، فجاء أبو بكر فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- نائمًا واضعًا  رأسه على فخد عائشة، فجعل يعاتب عائشة -رضي الله عنه- وجعل يطعنها في خاصرتها حتى بكت، ويقول لها: كيف تقيمين برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبالناس وهم ليسوا على ماء، لأنها ابنته فيلومها ويعاتبها على ذلك حتى أجهشت بالبكاء، تقول: فلا يمنعني من أن أتحرك إلا مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني تخشى أن تتحرك فيستيقظ من نومه، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك فأنزل الله تعالى آية التيمم، وقال أسيد بن حضير: "ماهي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر"، يعني بيت مبارك حتى في هذا الموقف تسبب في نزول آية التيمم حتى في ضياع العقد، قالت: فبعثنا البعير فوجدنا العقد تحته البعير موجود كان باركًا وجدو عقد عائشة تحته، والناس تبحث عنه ما وجدته، هذه القصة قصة عظيمة، تدل على يعني اهتمام النبي -عليه الصلاة والسلام- بأصحابه رجلًا كان أو امرأة، حتى ولو كان شخصًا وحيدًا واهتمامه بشأن المرأة، ما قال هذه امرأة محقرة شأنها، أقام بجيش كامل مراعاة لمشاعر امرأة، هذه هي أخلاق الإسلام بل إنه -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يقيم حربًا من أجل رجل واحد من أجل عثمان لما أشيع أن عثمان قد قُتل، فالإنسان في الإسلام له قيمته ومكانته فانظر كيف أن -النبي عليه الصلاة والسلام- في موقف أراد أن يقيم حربًا من أجل رجل واحد وهو عثمان، فهنا أقام بجيش كامل من أجل مراعاة مشاعر امرأة، هذه هي أخلاق الإسلام، فالإسلام يحترم الإنسان، وليس هناك دين عظم حقوق الإنسان مثل هذا الدين العظيم، فنزلت أية التيمم، وأجمع العلماء على مشروعية التيمم، وهو من خصائص هذه الأمة اختصها الله تعالى به، وقد كان الناس في الأمم السابقة  إذا لم يجدو الماء بقوا ولم يصلو حتى يجدو الماء، كما قال -علية الصلاة والسلام-: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، وذكر منها وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) [البخاري: 335، مسلم:521]  فهو إذًا من خصائص هذه الأمة ومشروعيته كانت في السنة السادسة من الهجرة في هذه القصة كانت في غزوة بني المصطلق.

قال المصنف -رحمه الله-: «شرطه فقد الماء» ذكر المصنف شروطًا للتيمم، الشرط الأول: هو فقد الماء يعني: عدم الماء، ينعدم الماء أو تعذر استعماله، إذن الشرط الأول عدم الماء أو تعذر استعماله، أما عدم الماء فأشار إليه المصنف بقوله «فقد الماء» وذلك بأن يعدم الماء فلا يجده سواء في الحضر أم في السفر، فيشرع له التيمم، لقول الله تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6] وهذا ظاهر، إذا عُدم الإنسان الماء جاز له التيمم.

 «أو إعوازه إلا بثمن مجحف» لازمه في الشرط الأول أو إعوازه يعني أن الماء موجود لكنه أعوز، إعوازه يعني تعذره إلا بثمن مجحف، ومعنى (بثمن  مجحف) : يعني بزيادة فاحشة مجحفة،  فوجود الماء يباع بثمن كثير وزيادة فاحشة يجعله في حكم المعدوم، فيجوز التيمم في هذه الحالة، لو افترضنا مثلًا أن الماء انقطع ووجدناه يباع في المحلات قالو هذه قارورة بعشرين ريال، هل نقول يجب على الناس أن يشتروا الماء للوضوء به؟ لا يجب حكمه حكم المعدوم ونقول للناس أن يتمموا في هذه الحالة نعم، أما لو كان قادرًا على الشراء، اختلف العلماء هل يجب عليه أن يشتري أم لا؟ والراجح أنه لا يجب؛ لأن هذا إجحاف لماله حتى لو كان قادرًا، صحيح أنه يستحب له لكن لا يجب.

 يفهم من كلام المؤلف أنه لو وجد الماء بثمن غير مجحف لزمه الشراء وهذا أشار إليه, قال: (فلو بذل هبة أو بثمن غير مجحف لزمه قبوله)  أولًا: نبين مفهوم كلامه السابق قال إعوازه إلا بثمن مجحف، مفهومه أنه لو وجد الماء يباع بثمن غير مجحف فيجب عليه شراءه يجب عليه أن يشتريه، يعني مثلًا انقطع الماء لكنه وجد مثلًا أن هذه القارورة تباع بريال إذًا بثمن غير مجحف، نقول: يلزمه أن يشتري هذا الماء وأن يتوضأ به وليس له أن يتيمم، وبناء على ذلك فإنه لا يشرع التيمم في الطرقات العامة في الوقت الحاضر عندنا في المملكة؛ وذلك لأن الإنسان لا بدا وأن يجد محطة وقود على الطريق ويجد فيها الماء إما مجانًا أو أنه يباع بثمن المثل غالبًا، هذا في الغالب، قد يكون في بعض الطرقات ربما أنه ما يجد محطه لكن في الغالب أنه سيجد، فالأصل أنه لا يشرع التيمم على الطرقات العامة عندنا في المملكة؛ لأنه في الغالب سيجد ماءً إما مبذولًا مجانًا أو أنه يباع بزيادة غير مجحفة، ويلاحظ تساهل بعض الناس في التيمم على الطرقات مع أن المحطات قريبة منهم، بعض الناس إذا كان ما معهم ماء أوقف سيارته وصلى، وهذا لا يجوز؛ لأن المحطة قريبة حتى لو لم يجد فيها ماء مبذولًا مجانًا، يشتري مادام أن الماء بسعر المثل أو حتى فيه زيادة يسيرة غير مجحفة يجب عليه أن يشتري، يشتريه ويتوضأ وهكذا أيضًا يتساهل بعض الناس عند الذهاب إلى البر يتيممون مع أن الماء قريب هذا أيضا لا يجوز.

سؤال:

قريب  خمسة كيلو قريب، كم تأخذ بالسيارة  كيلو تأخذ يعني دقيقتين أو ثلاث يعني المكان قريب إذا كان معه سيارة المكان قريب نعم لو كان  كيلو بدون سيارة ربما لو كان مثلًا  كيلو يكون بعيدًا لكن لو كان معه السيارة المكان قريب، لكن يلاحظ تساهل بعض الناس في التيمم مع قرب الماء، وبعضهم يعتقد أن الماء إذا كان يباع يجوز له التيمم هذا غير صحيح إذا كان يباع بسعر المثل أو حتى بزياده يسيرة غير مجحفة يجب عليه أن يشتري، ولا يجوز له أن يتيمم، إذن هذا معنى قوله بثمن مجحف طيب لو بذل هبة أيضًا نقول: يلزمه قبوله، يعني: لو قال وجد من يقول خذ هذا المال هدية أو هبة يقول يلزمه قبوله وليس له أن يعدل للتيمم؛ لأن الغالب التسامح بذلك.

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يلزمه قبول الماء المبذول هبة وإنما يجوز له أن يعدل للتيمم وهذا رواية عن الإمام أحمد وهو القول الراجح، وذلك أنه لا يُلزم أن يكون الإنسان تحت منة غيره، هذا الذي قد وهب لك الماء قد يمتن عليك، إما حالًا أو في المستقبل وبعض الناس عنده عزة نفس ما يريد أنّ أحدًا يمتن عليه يرى أن المنّ عليه نوع من الأذية وجرح كرامته، فلا يجب عليه إذا أن يقبل هذا الماء المبذول هبة أن قبل فلا بأس، لكن أن قال لا أنا ما أريد شيء مبذولا هبة فالراجح أن له ذلك، لاحظ أن نحن فرقنا بين الشراء وبين بذل الهبة، نقول: الشراء يجب عليه أن يشتري والمبذول هبة لا يجب عليه على القول الراجح، لماذا فرقنا بين المسألتين؛ لأن الشراء لا يلحقه منة؛ لأنه يشتري بدراهمه لا يلحقه منة لو اشتريته من محل بقاله، مثلًا هل صاحب البقالة يمتن عليك أبدًا بل أن لك المنة عليه لأنك اشتريت منه فلا يلحق الإنسان المنة من الشراء، بينما بالهبة تلحقه المنّة أو قد تلحقه المنّة، طيب القرض لو وجد من يقرضه ثمن الماء هل يجب عليه القبول أم لا؟ القرض ليس فيه منه لأنه سيرد له المبلغ مرة أخرى أو فيه منة يسيرة محتملة، فالأقرب والله أعلم أنه إذا بذل له ثمن الماء يجب عليه قبوله، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وقد اختاره أبو العباس ابن تيميه -رحمه الله- مع أن المذهب عند الحنابلة أنه لا يلزمه قبوله، قالوا للمنة والبذل هبة هو أقرب للمنة من الإقراض لكنه يعني أجازوا هذا ومنعوا هذا أو أنهم أوجبوا هذا ولم يوجبوا هذا، فالأقرب والله أعلم، إذن أنه إذا وجد ثمن الماء أو وجد من يقرضه ثمن الماء الراجح أنه يلزمه قبوله؛ لأن المنة لا تلحقه غالبًا بذلك.

 قال «أو خوف ضرر باستعماله» لا زلنا أيضًا في الشرط الأول أو معطوف على (أو إعوازه أو خوف ضرر باستعماله لمرض) إن خشي الضرر باستعماله «إما لمرض أو عطش محترم» خوف ضرر يعني: لو استعمل الماء لتضرر لأجل المرض، لكونه مريضًا، وذلك إما بزيادة المرض أو بتأخر البرء فيجوز له العدول بالتيمم وهذا بنص الآية قول الله تعالى {وَأن كُنْتُمْ مَرْضَى أو عَلَى سَفَرٍ أو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] قدم الله عز وجل المرض، قدمه على السفر (إن كنتم مرضى) ، لكن أيضًا هنا  يعني ينبه على أنه يحصل تساهل من بعض العامة يعدلون للتيمم مع قدرتهم على استعمال الماء، عندهم تساهل في هذا إذا كان قادرًا على استعمال الماء ليس له أن يعدل للتيمم، أما إذا كان إما ليس قادرًا يعني عاجزًا أو يشق عليه مشقة شديدة باستعمال الماء أو أنه عنده مرض ويزيد المرض باستعمال الماء أو يتأخر البرء باستعمال الماء فهنا يجوز له العدول للتيمم، وأيضًا ذكر العلماء أنه من الضرر أيضًا الذي يجوز بسبب استعمال الماء إذا كان الماء باردًا ولم يجد ما يسخن به الماء فيحوز له العدول إلى التيمم خاصة في الغسل إذا كان الماء باردًا جدًا ولم يجد ما يسخن به الماء فله العدول إن إلى التيمم، وفي ذلك قصه عمرو ابن العاص -رضي الله عنه- قال: (احتلمت في ليلة باردة فأشفقت على نفسي من أن أغتسل فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الفجر، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قال -عليه الصلاة والسلام- أصليت بأصحابك وأنت جنب يا عمرو؟ قال يا رسول الله إني تذكرت قول الله –تعالى- {وَلَا تَقْتُلُوا أنفُسَكُمْ أن اللَّهَ كان بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] فتيممت ثم صليت فضحك النبي صلى الله عليه وسلم, هذا يدل على أنه إذا خشي على نفسه من الضرر من شدة البرد فيجوز له العدول للتيمم لكن لهذا الشرط أن لا يجد ما يسخن به الماء، وفي وقتنا الحاضر تسخين الما متيسر غالبا لكن لو كان في البر مثلًا ولم يجد ما يسخن به الماء واحتلم مثلًا فله أن يعدل للتيمم.

 أيضًا من خوف الضرر ما ذكره المصنف قال: «وعطش محترم» أي: إذا خاف باستعمال الماء أن يحصل العطش له أو لرفقته أو لحيوان، ففي هذه الحال له أن يعدل للتيمم لو كان الماء الذي معه قليلًا ويخشى أنه إذا استعمله أن يحصل العطش إما له أو لرفقته أو للحيوان الذي معه هنا يجوز العدول للتيمم؛ صونًا للروح عن التلف، وهنا قوله (محترم) خرج به غير محترم كالحربي مثلًا، الحربي غير محترم؛ لأنه مطلوب قتله فيخرج إذًا يعني بهذا القيد لا بدا أن يكون محترما.

قال: «ودخول الوقت» وهذا هو الشرط الثاني وهو دخول الوقت، أي: دخول وقت الفريضة، وهذا الشرط متفرع عن مسألة وقع فيها  الخلاف بين العلماء وهي هل التيمم مبيح أم رافع للحدث؟ هل هو مبيح أم رافع إذا كان مبيحًا فيقتصر فيه على الضرورة بأن يكون في وقت الصلاة فقط، وإذا كان رافعها للحدث فهو كالماء تمامًا، لا يشترط له الوقت، والمسألة محل خلاف على قولين، القول الأول: أن التيمم مبيح وهذا هو قول الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة.

 القول الثاني: أنه رافع للحدث وهذا رواية عن الإمام أحمد وهو القول الراجح، واختاره جمع المحققين من أهل العلم كأبي العباس ابن تيميه وابن القيم -رحمهم الله تعالي- ومن قاله إنه مبيح وقالوا إن التيمم  إنما شرع رخصة فهو مجرد مبيح للصلاة فقط، وأما القائلون بأنه رافع فقالوا: إنه بدل عن الماء،  قال الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] والبدل  يأخذ حكم المبدل، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصعيد الطيب طهور المسلم وأن لم يجد الماء عشر سنين ) حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره، وتفرع عن هذه المسألة الخلاف في اشتراط دخول الوقت للتيمم على القول أنه مبيح اشترط دخول الوقت، وعلى القول أنه رافع لا يشترط حكمه حكم الماء تمامًا، المؤلف يرى أنه مبيح ولذلك عد دخول الوقت من الشروط، لكن على القول الذي رجحناه وهو أنه رافع، لا يشترط دخول الوقت، أيضًا يترتب على هذا الخلاف أنه على القول بأنه مبيح فإذا تيمم لنافلة لم يصل به فريضه، وإذا تيمم لمس المصحف لم يصلي به نافله، وأما على القول بأنه رافع يجوز أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل وإذا تيمم لمس المصحف جاز به أن يصلي به ما شاء فهو كالماء تمامًا هو كالماء تمامًا، وأيضا يتفرع عن هذه المسألة على القول أنه مبيح إذا خرج الوقت بطل التيمم، ولهذا اعتبره المؤلف شرطا، قال: (دخول الوقت) فيتيمم للمغرب ولم يحدث حتى دخل وقت العشاء فعليه أن يتيمم مرة أخرى، أما على القول بأنه رافع فهو كالماء لا يبطل بخروج الوقت، فإذًا القول الراجح أن التيمم رافع للحدث وأنه كالماء تمامًا وليس مبيحًا فقط، طيب، إذًا قوله (دخول الوقت) قلنا بناء على قول مرجوح أنه مبيح، والراجح خلافه.

والشرط الثالث: قال «وطلب فاقده» أي: أن يطلب الماء فيما حوله، فلا بد من الطلب للماء يطلبه  في المكان الذي هو مقيم فيه وفي الأماكن القريبة منه، وذلك لقول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] ولا يقال للإنسان إنه لم يجد إلا إذا طلب، أما إذا لم يطلب  لا يقال إنه لم يجد،  إذن لابد أن يطلبه ويبحث عنه، إلا إذا كان متيقنا من أن الطلب لا فائدة منه، يعني في مكان بعيد، فحين إذًا لا يلزمه الطلب،  الطلب أشبه بالعبث،  كيف يطلب والطلب لا فائدة منه، أما إذا كان الطلب له فائدة،  فإنه يلزمه الطلب؛ لأن الله قال {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43].

 قال: «لا إن خاف على نفسه أو ماله» أي: لا إن خاف بطلب الماء على نفسه أو على ماله كأن يخشى على نفسه من الهلاك أو على ماله من السرقة هنا لا يلزمه الطلب في هذه الحال.

قال: «وترابٌ» هذا هو الشرط الرابع أي: أن يكون التيمم بالتراب، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، أنه لا بدا أن يكون التيمم بالتراب، واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (وجعلت تربتها لنا طهورًا).

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التراب بل يجوز التيمم، القول الأول هو مذهب الحنابلة والشافعية، القول الثاني أنه لا يشترط التراب بل يجوز التيمم بل بكل ما تصاعد على وجه الأرض، من تراب أو رمل أو صخر أو غيره، وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية، واستدلوا بقول الله -عز وجل- {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] قالوا والصعيد هو  ما تصاعد على وجه الأرض من تراب أو غيره ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) [البخاري: 335، مسلم:521]  قال (أيما رجل أدركته) يعني في أي: مكان هذا يدل على أن الواجب هو أن يتيمم بالصعيد ولا يلزم أن يكون ترابًا، وهذا القول الثاني هو القول الراجح أنه أن الواجب هو أن يتمم بالصعيد ولا يلزم أن يكون التيمم بالتراب، وأن كان الأفضل أن يكون بالتراب.

 ثم ذكر المؤلف شروطًا لهذا التراب، الشرط الأول:  أن يكون طاهرًا قال: «طاهر» فلا يكون نجسًا، لو كان نجسًا لم يصح التيمم به، والشرط الثاني: «له غبار» قالوا لأن الله تعالى قال: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأيدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] و(من) للتبعيض، ولا يتحقق التبعيض إلا بتراب له غبار، والقول الثاني في المسألة: أنه لا يشترط الغبار في التراب؛ لعموم قول الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتيمم بالرمل ونحوه كما قال ابن القيم -رحمه الله- قال: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا ترك الرمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلة ولم يُرو عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه حمل التراب أو أمر به ولا فعله أحد من أصحابه" نعم القطع بأن في المفاوز التي قطعوها الرمل أكثر من التراب، يعني: ما بين المدينة إلى تبوك أيهما أكثر الرمال أم التراب؟ الرمال أكثر، الطريق بين المدينة وتبوك الرمال فيها أكثر، فهذا يدل على أنهم كانوا يتيممون بالرمل، وهذا هو القول الراجح، ورجحه ابن تيميه وابن القيم وجمع من المحققين من أهل العلم أنه لا يشترط في التراب الذي يتيمم به أن يكون له غبار وأما استدلاهم بالآية فلا يسلم أن (من) تبعيضه في قوله (امسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وإنما هي خرجت مخرج الغالب، غالبًا أن الذي يمسح به يكون له غبار هذا هو الغالب أو أنه لبيان الأفضل أن هذا هو الأفضل، والنصوص يُجمع بعضها إلى بعض كون النبي -عليه الصلاة والسلام- يتيمم بالرمل دليل على عدم اشتراط الغبار للتراب.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - شمال غرب الرياض