الخثلان
الخثلان
سنن الوضوء
26 شوال 1437 عدد الزيارات 1236

سنن الوضوء

وأما سنن الوضوء, ذكر المؤلف تسع سنن:

الأول (التسمية) التسمية جعلها المصنف من سنن الوضوء، مع أن المذهب عند الحنابلة أنها واجبة، مع الذكر، لكن المصنف اختار الرواية الثانية، وأيضا هي اختيار الخرقي وابن قدامه وغيرهما، والتسمية عند الوضوء اختلف العلماء في حكمها على قولين:

 القول الأول: أنها واجبة مع الذكر, هذا هو المذهب عند الحنابلة.

 القول الثاني: وهى مستحبة, وهو قول الجمهور.

 أصحاب القول الأول قالوا بإنها واجبة مع الذكر, استدلوا بحديث أبى هريرة-رضى الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) وهذا الحديث أخرجه أبو داوود وأحمد. وسيأتي الكلام عن إسناده وعن درجته.

 القول الثاني: أن التسمية عند الوضوء مستحبة، وهو قول الجمهور، استدلوا بأن الواصفين لوضوء النبي-صلى الله عليه وسلم-لم يذكروا أنه كان يسمي عند وضوئه، لقد وصف وضوء النبي-صلى الله عليه وسلم-عدد من الصحابة كعثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما ولم يذكر أحد أنه كان يسمي، ولو كان يسمي لنقل، فقد نقل الصحابة ما هو أقل من ذلك نقلوا حتى اضطراب لحيته في صلاته.

  والقول الراجح هو قول الجمهور أن التسميه عند الوضوء مستحبة، لقوة دليله، لقوة استدلاله، فكون جميع الواصفين لوضوء النبي-عليه الصلاة والسلام-لم ينقلوا أنه سمى ولو لمرة واحدة دليل على عدم الوجوب.

وأما حديث (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فإن الإمام أحمد نفسه ضعفه, وقال: لا يثبت في هذا الباب شيء، وعلى تقدير ثبوته فيحمل على أنه لا وضوء كامل؛ جمعا بينه وبين الأحاديث التي فيها صفة الوضوء للنبي صلى الله عليه وسلم التي لم يذكر فيها التسمية، وعلى هذا فالقول الراجح اذا أن التسمية عند الوضوء هي مستحبة وليست واجبة كما هو قول الجمهور.

 

الثاني: من سنن الوضوء (غسل الكفين قبله ثلاثا)، وهذا قد جاء في حديث عثمان-رضى الله عنه- في صفة وضوء النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه توضأ فدعا بماء فغسل يديه ثلاثا،  غسل الكفين مستحب وليس واجبا، إنما يتأكد ذلك إذا قام من النوم، لقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: (إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، لأنه لا يدرى أين باتت يده).متفق عليه.

 

الثالث : من سنن الوضوء (البداءة بالمضمضة والاستنشاق)، يعنى بعد غسل كفه يبدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، ومفهوم كلام المؤلف لو أنه غسل وجهه ثم تمضمض أن وضوءه صحيح، لكن يبدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه هذا هو الأفضل.

الرابع: (والمبالغة فيهما لغير الصائم) يعنى: المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم، فيبالغ في المضمضة بأن يدير الماء في جميع فمه، والاستنشاق بأن يجذب الماء بنفَسه إلى أقصى أنفه بالشكل الذي لا يلحقه الضرر؛ لأن بعض الناس يستنشق الماء فيبالغ فيه بقدر يضره خاصة الذين عندهم مشاكل في الجيوب الانفية فنقول: بالقدر الذى لا يضره، ويستثنى من ذلك حال الصيام فإن الصيام لا يبالغ فيه بالمضمضة والاستنشاق، سنته ترك المبالغة، بل تكره المبالغة تكره المبالغة بالمضمضة والاستنشاق في حال الصيام سواء أكان الصيام فريضة أو نافلة، لحديث لقيط بن صبره بأن-النبي صلى الله عليه وسلم-قال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما). حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن في الاستنشاق إلا أن تكون صائما الحديث صحيح قد مر معنا أخرجه أصحاب السنن.

 

الخامس: (وتخليل أصابعه)، أي تعاهُد الفُرج التي بين أصابع اليدين والرجلين، ويتأكد  ذلك في حق الرجلين وذلك لأنها ألصق من أصابع اليدين والفُرج التي بينها أضيق، فإذا السنة عندما تتوضأ أنك تخلل ما بين أصابع يديك حتى تتأكد من وصول الماء إلى ما بين الأصابع ،  كذلك أنك تأخذ الماء وتخلل ما بين أصابع الرجلين، نعم إذا تركها لا يضر ودليل ذلك حديث لقيط بن صبره: (وخلل بين الاصابع).

السادس:  قال (وشعر كثيف بوجهه) يعنى وتخليل شعر كثيف بوجهه، والشعر الكثيف مراد المصنف شعر اللحية، ويحتمل أيضا أن المصنف يريد شعر الحاجب, لكن شعر الحاجب إذا غسل وجهه يصله الماء، لكن اللحية يقول المصنف: يسن تخليلها إن كانت كثيفة وأما إن كانت خفيفة فيجب غسلها وسبق أن أشرنا إليه وجاء في حديث عثمان -رضى الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (كان يخلل لحيته) أخرجه الترمذي وهو حديث صحيح وكانت لحيته-عليه الصلاة والسلام-كثة إذا تخليل اللحية مستحب إذا كانت كثيفة ويجب غسلها إذا كانت خفيفة.

السابع:  من سنن الوضوء (وتقديم ميامنه) .يعنى عند غسل الاعضاء بأن يقدم اليد اليمنى على اليد اليسرى والرجل اليمنى على الرجل اليسرى لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وفي وضوئه وفي شأنه كله. طيب نحن اعتبرنا هذا من سنن الوضوء لو أنه  عكس قدم غسل اليد اليسرى قبل اليد اليمنى هل يصح وضوءه؟ يصح بالإجماع, لأن تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى مستحب وليس واجبا، وهكذا تقديم الرجل اليمنى على الرجل اليسرى.

 

الثامن (وتثنيته وتثليثه) .أي تثنيت الوضوء وتثليث الوضوء ومراد المؤلف تثنيته أي غسل أعضاء الوضوء مرتين مرتين، وتثليثه أي غسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا، وأما القدر الواجب غسلها مرة واحدة، النبي-صلى الله عليه وسلم- ثبت عنه أنه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، بل ثبت عنه كما في البخاري وغيره أنه غسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين، وهذا يدل على أن الأمر فيه سعة، لكن الأفضل والأكمل هو غسل الأعضاء ثلاث مرات الأفضل غسلها ثلاث مرات، وعلى هذا تكون الغسلة الثانية والثالثة من سنن الوضوء وأما الغسلة الاولى فمن واجباته.

 وأما الزيادة على الثلاث فإنها مكروهة وقد جاء في حديث عبدالله بن عمرو رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم-  (أتاه أعرابي فأراه الوضوء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم)، وهذا الحديث حديث صحيح أخرجه النسائي وغيره، فالزيادة على ثلاث مكروهة، و ثم إن الزيادة على ثلاث هي سبب الوسواس، لهذا قال الامام أحمد لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى، ولكن عامة أهل العلم على أن الزيادة على الثلاث مكروهة, وإن قد نقل عن بن المبارك أنه قال: إني لا آمن إذا زاد في الوضوء على ثلاث أن يأثم. لكن عامة أهل العلم على أنها مكروهة.

 

التاسع : (ورفع بصره إذا فرغ نحو السماء) أي أن هذا من سنن الوضوء وذلك لحديث عمر-رضى الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) بهذه الزيادة: (ثم رفعه بصره إلى السماء) (رفع نظره إلى السماء), والحديث بهذه الزيادة أخرجه أبو داوود وأحمد من طريق أبى عقيل عن ابن عمه عن عقبة بن عامر، وابن عم أبي عقيل مجهول, وهذه الزيادة تفرد بها فتكون منكره, وعلى هذا فهذا الحديث لا يثبت بهذه الزيادة, وإنما هو محفوظ بغير هذه الزيادة ، محفوظ كما هو رواية مسلم (من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء)، فاذا الزيادة (ثم رفع نظره إلى السماء) لا تثبت، وعلى هذا لا يشرع رفع النظر إلى السماء، لأن القول باستحبابه ومشروعيته يحتاج الى دليل ظاهر يدل على ذلك، وهذه الزيادة قلنا أنها لا تثبت من جهة الصناعة الحديثية  وعلى هذا يكون الصواب على خلاف ما ذكره المصنف رحمه الله .

قال: (قائلا ما ورد) :هذا العاشر من سنن الوضوء، قائلا ما ورد، وقد روى في أذكار الوضوء حديث كثيره لكن كما قال بن القيم لا يثبت منها إلا حديث عمر السابق: (ما منكم أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء)، هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، فالذكر إذا الوارد المحفوظ بعد الوضوء: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله)، وأيضا مما روى في ذلك زيادة (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذه الزيادة عند الترمذي، ولكنا ضعيفة لا تثبت، وعلى هذا فلا يشرع الاتيان بها، وطالب العلم ينبغي أن يحرص على ما ثبت، وما ثبت فيه غنى عما لم يثبت، إذا لا يشرع زيادة (اللهم اجعلنى من التوابين واجعلني من المتطهرين). 

جاء في حديث أبي سعيد رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد ان لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) يعنى مثل كفارة المجلس: (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) وهذا الحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى, قال النسائي: قال أبو عبد الرحمن هذا خطأ, والصواب موقوفا, هكذا قال النسائي، والحازمي ضعف الرواية المرفوعة وقال: إن الطبراني في الأوسط قال: لم يرفعه عن شعبه إلا يحيى بن كثير، وكذلك أيضا الدارقطني في العلل رجح الرواية الموقوفة، اذا هؤلاء الثلاثة كلهم رجحوا الرواية الموقوفة. من هم؟ النسائي والحازمي والدارقطني, وبالغ النووي في ذلك وضعف هذا الحديث مرفوعا وموقوفا, ولكن هذا محل نظر, والعجيب ان الحديث سنده جميع رجاله ثقات رجال الشيخين, وظاهر اسناده الصحة ظاهر اسناده الصحة, لكن هؤلاء الائمة لهم نظر فنظروا إلى هذا الحديث وان كان اسناد رجاله ثقات, إلا أن يحيى بن كثير تفرد به وان كان ثقة، إلا أنه تفرد به عن شعبة، فتفرده عن بقية أصحاب شعبة، هذا الذى جعل هؤلاء العلماء يرجحون الوقف، وهذا هو الأشبه هذا هو الأقرب، أن هذا الحديث موقوف على أبي سعيد، وهذا يدل على أهمية عناية طالب العلم بالعلل، العلل يحتاج إلى نظر دقيق، هذا الحديث لو أخذنا بظاهره ظاهر إسناده الصحة، جميع رجاله ثقات، لكن العلماء لهم نظر؛ إذا أتى راو ثقة وخالف بقية أصحاب المروى عنه الثقات، فلا تقبل منه الرواية وان كان هو ثقة، لماذا بقية أصحابه ما رووه؟ لماذا تفرد بهذا من بين بقية الأصحاب، لماذا تفرد به هذا الصاحب، فلهم نظر في هذا، ولهذا ينبغي العناية بكلام الائمة خلافا لكثير من المتأخرين، ينظر بعضهم لظاهر الإسناد ويصحح أحاديث كثيرة لا تصح، طريقة المتحدثين المتقدمين هي الطريقة المقبولة الصحيحة، أما بعض المتأخرين ينظر إلى ظاهر الإسناد فقط، ولو نُظر لظاهر الاسناد ظاهر الإسناد الصحة، لكن هؤلاء الائمة قالوا: إنه لا يصح مرفوعا، وإنما هو موقوف على أبى سعيد. والشيخ الألباني رحمه الله جرى على طريقة المتأخرين فصححه مرفوعا، ينظر فقط لظاهر الاسناد، وعندنا النووي ضعفه موقوفا ومرفوعا عكسه الألباني صححه مرفوعا، والأقرب هو ما قاله الدارقطني  والنسائي والحازمي أنه موقوف على أبي سعيد، وما دام موقوفا على أبي سعيد فلا يشرع الإتيان به، وإن كان بعض أهل العلم يثبتون له حكم الرفع، لكن هذا محل نظر، الإتيان بذكر يقوله الانسان ويردده يحتاج لدليل ظاهر، ويحتمل أن هذا اجتهاد من أبي سعيد رضى الله عنه، وعلى هذا يكون المحفوظ من الأذكار التي تقال بعد الوضوء ما هو؟: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله فقط، من غير زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض