الخثلان
الخثلان
تابع أحكام الاستنجاء والاستجمار
23 شوال 1437 عدد الزيارات 2356

تابع أحكام الاستنجاء والاستجمار

قال المؤلف «وظل نافع» يعني: أنه لا يجوز البول أو قضاء الحاجة تحت ظلٍ نافع، ويدل ذلك حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال (اتقوا اللعانين قالوا: وما اللعنان يا رسول الله قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظِلهم) وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، يعني هو سبب للعنة الناس له، وقوله: أو ظِلهم دليل على أنه أراد به الظل النافع، أما إذا كان الظل غير نافع فلا بأس بقضاء الحاجة تحته، ويدل لذلك حديث عبدالله بن جعفر –رضي الله عنه- قال (كان أحب ما استتر به رسول –صلى الله عليه وسلم- لحاجته هدف أو حائش نخلٍ) أخرجه مسلم وقوله هدف يعني: ما ارتفع من الأرض، أو حائش نخل يعني: بستان نخل، وهذا استدل به العلماء على أن الظل إن لم يكن نافعًا فلا بأس بقضاء الحاجة تحته.

نعود لعبارة المؤلف قال: «ومَشْمَسٍ» أي: مكان الجلوس في الشمس، وهذا إنما يكون عند البرد في وقت الشتاء؛ وكذلك لأن قضاء الحاجة في المشمس فيه أذية للناس الذين يريدون الجلوس في هذا المكان.

 «وطريقٍ» وذلك لأن قضاء الحاجة في الطريق فيه أذية للمارة، وقيض ذلك بعض أهل العلم بالطريق المسلوك، أما الطريق غير المسلوك فلا بأس بقضاء الحاجة فيه.

«وشقٍ» المراد بالشق: الفتحة من الأرض، أو ما يسمى بالجُحر الذي يكون فيه بعض الدواب والهوام، هذا مكروهٌ، يكره البول فيه، وقد روي في ذلك حديث في سنده مقالٌ، وهو حديث عبدالله بن سرجس قال: (نهى رسول –صلى الله عليه وسلم- على أن يبال في الجحر) قالوا لقتادة ما يُكرَه البول في الجحر؟ قال: "يقال إنها مساكن الجن"، لكن هذا الحديث ضعيف، أخرجه أبو داود النسائي، لكن علل لذلك الفقهاء قالوا: أنه لا يُؤمن أن يخرج من هذا الجحر أو الشق دابة أو هامة فتؤذيه، ولهذا اتفقت المذاهب الأربعة الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على كراهة البول في الشق والجحر، قال النووي –رحمه الله- هذا متفق عليه، وهي كراهة تنزيه. ويذكر بعض الفقهاء ذكر هذا صاحب المغني قصة اشتهرت عن سعد بن عبادة سيد الخزرج –رضي الله عنه- أنه بال في جحر فقتلته الجن، وأنه سُمع بعد ذلك أن الجن تقول بيتين من الشعر:

 قتلنا سيد الخزرج     سعد بن عباده

   ورميناه بسهم      فلم نخطئ فؤاده

 لكن هذه القصة لا تصح، هي مشهورة لكنها لا تصح، لكن ذكر هذه صاحب المغني وغيره، لكنها من جهة الصناعة الحديثية لا تثبت.

قال: «ومُغتَسَلٍ» أي: مكان الاغتسال وهو مكان الاستحمام الذي يستحم فيه الناس ويغتسل فيه الناس، وقد جاء في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- (أن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهى على أن يبول أحدكم في مغتسله) أخرجه أبو داود بسند جيد، ولأن البول في المغتسل مما يقذر هذا المكان ويفسده.

قال: «ومهب ريحٍ» أي: يكره أثناء قضاء الحاجة خاصة عند البول أن يستقبل الريح، وذلك لأنه إذا استقبل الريح يخشى أن يرتد عليه رشاش البول فينجسه، فلذلك قالوا: يكره أن يستقبل مهب الريح فإذا كانت  الرياح متحركة فلا يستقبل مهب الريح إنما يكون إلى الجهات الأخرى؛ لأنه لو استقبل مهب الريح ربما ارتد عليه رشاش البول،والنبي –صلى الله عليه وسلم- لما ذكر رجلين يعذبان في قبريهما قال أحدهما كان لا يستنزه من بوله، يعني: تساهل في أمر النجاسة، ومطلوب من المسلم أن يحترز من النجاسة احترازًا لا يؤدى إلى الوسواس فلا يكون متساهلًا ولا يكون أيضًا متشددا بحيث يتحول ذلك إلى وسواس.

قال: «ومطرٍ» أي: يكره أن يبول أثناء نزول المطر الغزير يقولون: لأنه لو فعل ذلك لربما أصابه شيء من رشاش البول.

قال: «ولا يستقبل شمسًا ولا قمرًا» يعني: ما سبق يرجع لمسألتين: أن الإنسان أثناء قضاء الحاجة لا يفعل فعلًا يتسبب في تلويث نفسه بالنجاسة أو في أذية غيره، وكل الآداب السابقة ترجع إلى هذين المعنيين.

قال: «ولا يستقبل شمسًا ولا قمرًا» وهذا القول قول عجيب قول ضعيف جدًا؛ لكنه مذكور في عامة كتب الحنابلة، ويعللون لذلك يقولون لما فيهما من نور الله -تعالى-، فهل المراد بنور الله نور الله الذي هو صفته أم  نور الله المخلوق؟ هم قطعًا لا  يريدون نور الله  الذي هو صفة الله -عز وجل- وإنما يقصدون نور الله المخلوق، طيب إذا كانوا يقصدون نور الله المخلوق، فهذا يشمل أي شيءٍ فيه نور، يعني: هذا الآن في هذا المسجد فيه نور حتى الكواكب والنجوم فيها نور فلما يخص ذلك بالشمس والقمر، فهذا القول قول ضعيف جدًا، ولهذا قال ابن القيم –رحمه الله- "لم ينقل في ذلك كلمة واحدة عن النبي –صلى الله عليه وسلم- لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل وليس لهذه المسألة أصل في الشرع"، ثم إنه قد جاء في حديث أبي أيوب السابق (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط  ولكن شرقوا أو غربوا)  ومعلوم أنهم لو شرقوا أو غربوا فإما أن تكون الشمس طالعة أو غاربة فاستقبلوا الشمس أو استدبروها، فهذا القول قول ضعيف جدًا.        

قال: «ومُوجِبُه» يعني: الشيء الذي يوجب الاستنجاء، ذكر أمورًا توجب الاستنجاء:

أولًا: «خارج من سبيل سوى ريح»، كل ما خرج من السبيلين، المقصود بالسبيلين القبل أو الدبر، فكل ما خرج منهما يوجب الاستنجاء كالبول والغائط والودي والمذي والدم طبعًا، وكل ما خرج منهما، واستثنى المؤلف منهما مسألة واحدة، نحن قلنا الودي غير المذي، فما الودي؟

هو سائل أبيض يخرج بعد البول من بعض الناس، وليس من الكل، خاصة من عنده مشاكل في المسالك البولية يخرج منه هذا الودي، ويشتبه على بعض الناس فيسميه مذي، فهذا ليس مذي، المذي لا بدا له أن يخرج بشهوة؛ أما الودي فيخرج عقب البول بدون شهوة هذا ودي، بالواو والدال والياء، واستثنى المؤلف من ذلك الريح، قال إن خروج الريح لا يوجب الاستنجاء، يقولون بأن الريح في نفسها طاهرة وإن كانت ناقضةً للوضوء، لكنها طاهرة في نفسها ولا توجب الاستنجاء.

  ولهذا قال الإمام أحمد "ليس في الريح استنجاء لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وإنما عليه الوضوء"، ذكر هذا القول الموفق عن الإمام أحمد "ليس في الريح استنجاء لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وإنما عليه الوضوء".

قال: «ويسن» يعني الاستجمار «بحجارة ثم ماء» يشير إلى مسألة اختلف فيها العلماء،  وهي أيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار؟

نحن قلنا الاستنجاء بالماء والاستجمار بالحجارة وغيرها؛ فأيهما أفضل؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال:-

فقال بعضهم: إن الاستجمار أفضل من الماء؛ لأن الاستجمار لا يباشر المستجمر النجاسة بيده.

والقول الثاني: أن الاستنجاء أفضل؛ لأن الاستنجاء بالماء أبلغ في الإنقاء من الاستجمار.

القول الثالث: الاستجمار ثم الاستنجاء؛ لأنه إن فعل ذلك لم يباشر النجاسة بيده، وحصل كمال الإنقاء.

وهذا هو القول الراجح: الاستجمار ثم الاستنجاء يجمع بينهما كما قال المؤلف يستجمر بالحجارة ثم الماء.

وعلى هذا نقول إن الافضل عند قضاء الحاجة أن تستجمر أولًا بالمناديل ونحوها ثم تستنجي بالماء؛ لأنك لو فعلت ذلك لم تباشر النجاسة بيدك وحصل كمال الإنقاء.

لكن لو سأل سائل إذا لم يحصل الجمع بينهما فأيهما افضل الاستنجاء أم الاستجمار؟

بلا شك أن الاستنجاء أفضل؛ لأنه أبلغ في الإنقاء.

سبق أن أشرنا إلى أن النجاسة اليسيرة التي تبقى بعد الإنقاء في الاستجمار أنها معفو عنها،    

وهنا أيضًا نشير إلى استدلال بعض الناس بقصة أهل قباء حديث ابن عباس في أهل قباء أنه نزل فيهم قول الله -عز وجل-  {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] فسألهم النبي –صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقالوا نتبع الحجارة بالماء، لكن هذا الحديث من جهة الإسناد ضعيف لا يصح، والمحفوظ أن الآية نزلت في أهل قباء في استعمالهم الماء فقط، وليس نتبع الحجارة بالماء، وإنما في استعمالهم الماء.

ولكن هل يجوز الاقتصار على الاستجمار مع وجود الماء؟

يعني: إنسان دخل دورة المياه والماء عنده موجود، واقتصر على استعمال المناديل، يجوز هذا أو لا يجوز؟

يجوز هذا باتفاق العلماء، كثير من الصحابة كانوا لا يعرفون الاستنجاء أصلًا، أكثرهم كانوا لا يستعملون إلا الاستجمار؛

وهذه المسألة قد يحتاجها بعض الناس الآن خاصة في الطائرات؛ لأن دورة مياه الطائرة ضيقة فيكتفي بالاستجمار مثلًا لكي يتوضأ، وأحيانًا عند البرد الشديد. إذًا لا بأس بالاكتفاء بالاستجمار مع وجود الماء.

قال «وباليسرى» ذكر الآداب التي ينبغي مراعاتها أيضًا قال: الأكمل أن تكون بحجارة ثم ماء، 

وأيضًا أن يكون الاستنجاء أو الاستجمار باليد اليسرى لقول النبي –صلى الله عليه وسلم- (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه ولا يمسح بالخلاء بيمينه) متفق عليه، لكن مسك الذكر أثناء البول هذا فيه النهي الوارد في الحديث، لكن لو مسك ذَكره بيمينه في غير حالة البول يجوز؟ يعني: مسك الذكر أثناء البول نقول ورد فيه النهي الوارد في حديث قتادة؛ لكن لو مسك ذَكره في غير حالة البول يجوز؟ يجوز مطلقًا يدل لذلك قول النبي –صلى الله عليه وسلم- في حديث طلحة بن علي.

وأما النهي عن مسك الذكر فقد خصه النبي في حالة البول لحديث (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه)  يعني: النهي عن مسك الذكر باليمين إنما هو في حالة البول فقط.

قال: «والقطع على وتر» أي: أنه يسن في الاستجمار خاصة القطع على وتر، يعني ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا لقول النبي –صلى الله غليه وسلم- (من استجمر فليوتر) متفق عليه.

قال «والتحول» أي يتحول عن محل قضاء الحاجة إلى موضع آخر للاستجمار أو الاستنجاء فيه.

وذلك لو أنه استنجى واستجمر في مكان قضاء الحاجة ربما يحصل التلوث بالنجاسة، أما إذا لم يخش التلوث بالنجاسة كما هو الحال في دورات المياه في الوقت الحاضر فلا يقال بالتحول، إنما التحول فيما إذا قضى حاجته في الفضاء أو في البر أو نحو ذلك فيتحول، خشية أن يتلوث بالنجاسة فيما لو استنجى أو استجمر في مكان قضاء حاجته

قال: «ويجزى بالماء» أي: يقتصر في الاستنجاء على الماء وحده، وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك أحيانًا فتارة يستنجي بالماء وتارة يستجمر بالحجارة.

قال: «أو ثلاث مسحات» يعني: في الاستجمار يجزئ الاقتصار على ثلاث مسحات، وقوله (بثلاث مسحات) يدل على أن أقل شيء في الاستجمار ثلاث مسحات، أي: أنه لا يجزئ أن يكون أقل من ثلاث مسحات ولو  حصل الإنقاء، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، إنه لا بد من ثلاث مسحات فأكثر، ولا يصح الاقتصار على أقل من ثلاث مسحات ولو حصل الإنقاء، واستدلوا بحديث سلمان –رضي الله عنه- قال (نهانا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار) رواه مسلم

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يجب العدد ويجزئ الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار بشرط أن يحصل الإنقاء، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية، وذلك لحديث ابن مسعود –رضي الله عنه- (أن النبي –صلى الله عيه وسلم- أتى الغائط وأمره أن يأتيه بثلاثة أحجار، فوجد حجرين ولم يجد ثالثًا، فأتي بروثة، فأخذ النبي –صلى الله غليه وسلم- الحجرين وألقى الروثة وقال هذا رجس) وهذا الحديث في الصحيحين فهنا اقتصر النبي –صلى الله عليه وسلم- في الاستجمار على حجرين، وأما حديث سلمان فقالوا: إنه خرج مخرج الغالب، فإن الغالب أنه لا يحصل الإنقاء إلا بثلاثة أحجار؛  وهذا القول الثاني هو القول الراجح أنه يجزئ أقل من ثلاثة أحجار بشرط الإنقاء، خاصة في الوقت الحاضر مع وجود المناديل يحصل الإنقاء بأقل من ثلاث مناديل، خاصة عند البول منديل واحد يكفي، وحتى عند الغائط أيضًا، فالمقصود هو الإنقاء، فمتى حصل الإنقاء أجزأ سواء أكان بثلاث أو أقل من ثلاث، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة والله أعلم؛ لكن أصحاب القول الاول الحنابلة اشترطوا أن لا تقل عن ثلاث مسحات، قالوا لو استجمر بحجر له ثلاث شعب أجزأ، الحجر الذي له ثلاث شعب يجزئ عن ثلاثة أحجار.

 اشترط المؤلف شرطًا لهذا قال «أو ثلاث مسحات ينقي بها، إن لم يعدو موضع الحاجة»، يعني:  هذا شرط الاقتصار على الاستجمار، إن لم يعدُ يعني: يتجاوز الخارج من السبيل موضع الحاجة المعتاد، وذلك كأن ينتشر على صفحة الأليتين، وذلك يكون لمن عنده إسهال ونحوه، فربما تجاوز الخارج موضع الحاجة المعتاد، فيقولون هنا: إذا تجاوز الخارج موضع الحاجة فلا بدا من الاستنجاء بالماء ولا يكفي الاستجمار؛ لأن الاستجمار رخصة، فهو عندهم مبيح وليس مُنقيًا كالماء.

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يُشترط هذا الشرط، وأنه حتى لو تعدى موضع الحاجة فيجزئ الاستجمار، وهذا هو القول الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد وهو القول الراجح، واشتراط هذا الشرط لا دليل عليه، ما دامت أن الشريعة جاءت بالاستجمار فيجوز مطلقًا سواء تعدى موضع الحاجة أو لم يتعدَّ موضع الحاجة.

فمثلًا لو كان شخص عنده إسهال وتعدى موضع الحاجة فيمكن تنظيفه بالمناديل ونحوها، فهذا الشرط إذاً لا دليل عليه، والقول الراجح عدم اشتراطه.

ثم ذكر ما الذي يستجمر به، ذكر شروطًا لما يستجمر به، قال: «بكل جامدٍ» وهذا هو الشرط الأول، أن يكون المستجمَر به جامدًا، كالحجر والمناديل ونحوها، وعلى ذلك إذا كان لينًا كالطين ونحوه فلا يستجمر به، أما لو كان الطين يابسًا فحكمه حكم الحجر.

قال: «طاهرٍ» هذا هو الشرط الثاني فالنجس لا يستجمر به كالروث ونحوه.

الشرط الثالث: «منقٍ»، فلا بدا من حصول الإنقاء من المستجمَر به، وهذا يقودنا إلى معرفة الضابط في حصول الإنقاء.

ما هو الضابط في حصول الإنقاء؟ لأن هذا يعني يكثر السؤال عنه، يقول: كيف أعرف أنه حصل الإنقاء بهذا المستجمَر به؛ فالضابط في حصول الإنقاء يقولون، يعني بعضهم ذكر ضابطًا إذا أخذ الحجر لم يجد فيه أثرًا، بحيث لا يتبقى فيه أي أثرٍ من نجاسة، أما إذا بقي فيه أي أثرٍ فإنه لم يحصل فيه كمال الإنقاء، فلا بدا إذًا من أن لا يحصل فيه أثر.

قال: «ولا روثٍ ولا عظمٍ»  وهذا هو الشرط الرابع، يعني: لا يصح الاستجمار بالروث والعظم، وهذا قد ورد النهي عنه في حديث ابن مسعود السابق لما أتى ابن مسعود بروثة فرماها النبي –صلى الله عليه وسلم- وقال هذا رجس،  والعظم أيضًا جاء في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أبغني أحجارًا ولا تأتني بعظم ولا روث) أخرجه البخاري، وجاء تعليل ذلك أن العظم هو طعام الجن، والروث علف الدواب.

إذًا هذه هي  الشروط: بكل جامد هذا هو الأول، طاهر الثاني، الثالث: منق، الرابع: لا روث ولا عظم.  

الخامس: «ولا محترم» وهو ما له حرمة كالكتب التي فيها اسم الله –عز وجل-؛ وذلك لأنه لا يجوز الاستجمار بها لما فيها من الاستخفاف  بذكر الله سبحانه، وكذلك أوراق المصحف والأوراق التي فيها كتب أهل  العلم، ونحو ذلك فهذه لا يجوز الاستجمار بها.

«ومتصلٍ بحيوان» لا يجوز الاستجمار به كذيل بقرة أو ناقة أو يد شاة أو نحو ذلك، هذه لا يجوز الاستجمار بها؛ وذلك لأن الحيوان له حرمة، ولهذا نُهيى عن الاستجمار بعلفها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الاستجمار بالعظم والروث؛ لأن العظم طعام الجن، والروث علف الدواب، وإذا نهي عن الاستجمار بطعام الجن فطعام الإنس من باب أولى، وإذا نهي عن الاستجمار بعلف دواب الجن فعلف دواب الإنس من باب أولى، وهذا يدل على احترام الحيوان وأنه لا يجوز الاستجمار بالمتصل به.

قبل ذلك نحن ذكرنا أن علامة الإنقاء أن يخرج المنديل أو الحجر ليس فيه أثر، وصاحب دليل الطالب مر معنا فيما سبق أنه ذكر علامة للإنقاء وهي: "أن يُبقى أثر لا يزيله إلا الماء"، وهذا أدق أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، فهذا علامة الإنقاء في الاستجمار، وهو أدق من قولنا السابق أنه يخرج الشيء بحيث لا يبقى فيه أثر، يعني: يُدخل المنديل لموضع السبيل ثم يخرجه بحيث لا يكون فيه أثر، فصاحب دليل الطالب ذكر ضابطًا أدق قال: "أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء"، يعني: لو أتى بالمنديل لم يجد أثرا لكن لو استعمل الماء وجد الأثر، فضابط صاحب دليل الطالب أدق في العبارة أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء.

آخر مسألة معنا:

قال «ويجزئ الوضوء قبله» أي: يجزئ الوضوء قبل الاستنجاء، معنى ذلك أنه إذا قضى حاجته يجوز له أن يتوضأ ثم يستنجي، هذا معنى كلام المؤلف يتوضأ ثم يستنجي، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهنا ذكر المؤلف  أن المذهب على خلافه، المذهب عند الحنابلة أنه لا يجزئ ذلك، ومن أجاز ذلك استدل ببعض روايات حديث علي  -رضي الله عنه- (قال كنت رجلًا مذاءً فأمرت المقداد أن يسأل النبي –صلى الله عليه وسلم-  فقال توضأ واغسل ذكرك) قالوا: فأمره بالوضوء ثم غسل الذكر، ولكن جاء في بعض الروايات عند مسلم (اغسل ذكرك وتوضأ) فقدم النبي –صلى الله عليه وسلم- غسل الذكر على الوضوء، فلا يستقيم الاستدلال بهذه الرواية.فالأقرب والله أعلم، هو أنه لا يجزئ الاستنجاء بعد الوضوء، إنما يكون الاستنجاء والاستجمار قبل الوضوء؛ لأنه إن استنجى بعد الوضوء سيمس ذكره، وعلى قول بعض أهل العلم أن مجرد مس الذكر ينقض الوضوء، فنقول: إن القول الراجح والله أعلم أنه لا يجزئ أن يكون الاستنجاء والاستجمار بعد الوضوء، إنما يكون الاستنجاء والاستجمار قبل الوضوء.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض