الخثلان
الخثلان
أحكام الاستنجاء والاستجمار
23 شوال 1437 عدد الزيارات 1040

أحكام الاستنجاء والاستجمار

تعريف الاستنجاء والاستجمار:

قال المؤلف -رحمه الله-: «باب الاستنجاء»

الاستنجاء من النجو، والنجو يطلق على العذرة، قيل: إن النجو معناه القطع، مأخوذ من قولك نجوت الشجرة إذ قطعتها، فكأنه قطعٌ للأذى، وقيل: مأخوذ من النجوة،  وهي: ما ارتفع من الأرض؛ لأن من أراد أن يقضي حاجته استتر بها، وأكثر ما يستعمل الاستنجاء في الماء، وقد يستعمل الاستنجاء بغير الماء في الحجارة ونحوها، وعلى هذا فإن تعريف الاستنجاء اصطلاحًا: هو إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر أو غيره.

المراد بالسبيلين: مخرج البول أو الغائط، وهذا التعريف يشمل إزالة الخارج بالماء وبغير الماء؛ لأن الاستنجاء قد يطلق على إزالة الخارج بغير الماء كالحجارة، ولكنّ الغالب في كلام الفقهاء أنهم إذا أطلقوا الاستنجاء فيريدون به إزالة الخارج من السبيلين بالماء، وأما الاستجمار: فهو إزالة الخارج من السبيلين بغير الماء من الأحجار أو غيرها مما هو طاهر مباح، فإزالة الخارج من السبيلين بالماء هذا هو الاستنجاء،  وإزالة الخارج من السبيلين بغير الماء هذا هو الاستجمار، لكن يصح إطلاق أحدهما على الآخر.

المؤلف هنا قال: باب الاستنجاء، وبعضهم يُعبّر بباب أدب التخلي من الخلاء، أن الخلاء هو المكان الخالي، لأن الأصل في الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته قصد المكان الخالي، وبعضهم يُعبّر بباب الاستطابة كما مر معنا في عمدة الأحكام حيث قال الحافظ عبد الغني المقدسي: "باب دخول الخلاء والاستطابة"، والاستطابة أخذًا من قول النبي –صلى الله عليه وسلم- (ولا يستطب بيمينه) [أخرجه أبو داود: 8، ابن ماجة: 312] مأخوذ من الطيب، كأنه قد طيب نفسه بإزالة الخبث.

نعود لعبارة المؤلف قال: «ينحي داخل الخلاء ما فيه اسم الله تعالى» ينحي أي: يبعد من التنحية وهي الإبعاد، والخلاء كما سبق هو: المكان المعد لقضاء الحاجة، وسمي بذلك؛ لأن الإنسان يتخلى فيه، يكون خاليًا  منفردًا، ويطلق عليه الحش، والمرحاض، والكنيف، وفي الوقت الحاضر دورة  المياه، ويسميه بعض الناس بالحمام، ولكن تسميته بالحمام يعني ينبغي أن ننتبه لها؛ لأن هذا المصطلح قديمًا كان يراد به: المكان المعد للاغتسال، يغتسل فيه الناس بالماء الحار؛ لأجل التنظيف، وهذا موجود أكثر في البلاد الباردة مثل بلاد الشام، يكون هناك أماكن فيها ماء حار ويأتي الناس إليها ويغتسلون فيها ويسمونها الحمام، وكرهه بعض السلف؛ لأنه يكون فيه اختلاط بين النساء والرجال، ويكون فيه انكشاف للعورات، لكن لو سلمت من هذين الأمرين فلا بأس بدخول الحمام، أما إذا كان فيه اختلاط بين النساء والرجال، أو انكشاف للعورات فلا يجوز الذهاب إليه، وأصبح الناس يسمون دورة المياه أو الخلاء يسمونه الحمام، وهنا قال: «أنه ينحي ما فيه اسم الله تعالى إن أمكن»، وهذا قد ورد فيه حديث أنس أن النبي –صلى الله عليه وسلم- (إذا دخل الخلاء وضع خاتم), وهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن أبو داود: والنسائي، والترمذي وابن ماجة لكنه ضعيف من جهة الإسناد، وجاء في صحيح مسلم: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (مر بالنبي -صلى الله عليه وسلم- رجل فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه) ووجه الدلالة: أنه إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرد عليه السلام الذي يجب رده لكونه كان وقت قضاء الحاجة، فذكر الله تعالى من باب أولى، إذًا الدخول بشيء فيه ذكر الله  عز وجل هو مكروه، والقول بالكراهة هو قول جماهير الفقهاء، وهناك من العلماء من قال: إنه لا يكره، لكن هذا محل نظر؛ لأنه حتى وإن قلنا بأن حديث أنس ضعيف، فحديث ابن عمر في صحيح مسلم ودلالته ظاهرة، فإذًا يكره دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله عز وجل.

قوله «إن أمكن» يشير إلى أنه إن لم يمكن فتزول الكراهة، وذلك كأن يكون محتاجًا، يعني: إن لم يمكن إلا بحرج فتزول الكرهة كأن يكون محتاجًا لدخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله عز وجل، كأن يكون أوراقًا  نقدية، بعض الأوراق النقدية مكتوب عليها لا إله إلا الله، ونحو ذلك، فلا حرج وتزول الكراهة في هذه الحالة، ولكن استثنى العلماء المصحف فقالوا إنه يحرم أن يُدخل به الخلاء، إلا أن يخشى عليه الضياع أو السرقة أو النسيان فلا بأس.

قال «ثم يقول بسم الله» أي: عند إرادة دخول الخلاء بما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن قال (سترُ ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله) وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وفي سنده مقال، لكن له طرق تقوي بعضها بعضًا، (بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث، الرجس النجس الشيطان الرجيم)  أولًا: قوله بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث، هذا جاء في حديث أنس في الصحيحين، أن النبي كان إذا دخل الخلاء قال (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) أو (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، والمراد بالخُبث: ذكران الشياطين، والخبائث: إناث الشياطين، كأنه استعاذ بالله من ذكران الشياطين وإناثهم، ذلك لأن موضع الخلاء موضع للشياطين، ورُوي هذا الحديث بإسكان الباء (الخبْث والخبائث) فالمراد بالخبْث: بإسكان الباء الشر، والخبائث: أهل الشر، كأنه استعاذ بالله من الشر وأهله، ولكن الرواية المشهورة بضم الباء (الخبُث والخبائث)، وأما زيادة (الرجس النجس الشيطان الرجيم) فهذه جاءت في حديث أبي أمامة –رضي الله عنه-  (أيعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم) رواه ابن ماجة،لكنه حديث ضعيف، وما دام ضعيفا فلا يعمل به على ذلك، ولا تشرع هذه الزيادة وإنما المشروع أن يقول: (بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث) من غير زيادة (الرجس النجس الشيطان الرجيم).

قال: «ويقدم رجله اليسرى دخولًا واليمنى خروجًا عكس المسجد»، أفاد المؤلف بالدليل لهذه المسألة، لأنه ليس هناك دليل منصوص عليه ولكن من باب القياس، كما أن المسجد في السنة تقديم الرجل اليمنى عند  الدخول، واليسرى عند الخروج، فالخلاء بعكسه تقديم الرجل اليسرى دخولًا واليمنى خروجًا، لأن قاعدة الشريعة (تقديم اليمنى فيما كان بابه التكريم، واليسرى فيما هو عكس ذلك).

قال «ويعتمد على اليسرى في جلوسه» يعني: أثناء قضاء الحاجة يعتمد على رجله اليسرى، وهذا ليس عليه الدليل، لكنه ذكروا تعليلًا، فقالوا: إن اعتماده على رجله اليسرى أسهل لخروج الخارج، ولكن هذا محل  نظر؛ لأن هناك من ينازع في هذا، يقولون: إن اعتماده على رجله اليسرى ليس أسهل لخروج الخارج، على كل حال المرجع في ذلك إلى الأطباء، لكن تقرير حكم بالاستحباب، هذا محل نظر، والأقرب أن يقال في ذلك يختار الإنسان الأسهل له والأيسر له، ولا يقال أن يعتمد على رجله اليسرى، ولا على رجله اليمنى، إنما يختار ما هو الأيسر والأسهل له، أما يعني أن يقال يعتمد على رجله اليسرى وأن ذلك أسهل له، يعني هناك من ينازع في ذلك وأن هذا ليس أسهل له، فالأقرب والله أعلم أنه يختار الهيئة الأيسر له والأرفق به سواءً اعتمد على رجله اليسرى أو اعتمد على رجله اليمنى أو غير ذلك.

قال «ويصمت» يعني: لا يتكلم أثناء قضاء الحاجة، وذلك للحديث السابق حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-  (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر عليه رجل وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه) هذا الحديث أخرجه مسلم، وجاء في رواية عند أبي داود:  أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ما قضى حاجته توضأ ثم اعتذر من الرجل فقال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة) وهذا يدل على أن من المشروع عند قضاء الحاجة أن الإنسان لا يتكلم، إنما يصمت.

قال «ولا يلبث فوق حاجته» ظاهر كلام المؤلف أنه يحرم ذلك، ويحتمل أن يكون مراده الكراهة؛ لأنه قال ولا يلبث، والأقرب أن ذلك مكروه، وقالوا: لأن لبثه فوق حاجته يؤدي إلى زيادة كشف العورة من غير  حاجة، وهذا مكروه.

قال «ثم يمسح ذكره، وينتره ثلاثًا» أي: بعد البول يشرع له أن يمسح ذكره بيده اليسرى من أصل الذكر إلى حلقة الدبر ثلاث مرات؛ وذلك لئلا يبقى فيه شيء من قطرات البول، لأنه خاصة مع تقدم السن ترتخي  العضلات التي في الذكر، فيتبقى أحيانًا قطرات من البول، يحتاج الإنسان أن يمسح ذكره من حلقة الدبر إلى أصل الذكر، لأنه لو لم يفعل ذلك لربما تبقت قطرات من البول ثم خرجت بعد ذلك، لكن يكون ذلك برفق؛ لكي لا يتسبب في إضرار به، وأيضًا  بعض الناس يرى أنه إذا قام ثم جلس نزلت هذه القطرات من البول، فإذا كان كذلك فينبغي له أن يفعل هذا، يفعل ما فيه إزالة القطرات المتبقية بعد البول، سواءً بمسح ذكره أو بالقيام ثم الجلوس، ما لم يتحول ذلك إلى وسواس، فإن تحول إلى وسواس فلا يفعل هذا.

أما قوله «وينتره ثلاثًا» أي: يجذبه ويحرك ذكره من الداخل، وليس بيده، وهذا يذكره بعض فقهاء الحنابلة في كتبهم، وقد أنكر ذلك ابن تيمية وابن القيم، وقالا إن هذا غير مشروع، بل هو بدعة ويضر بمجاري البول، ويتسبب في مشاكل صحية، ومن قال بمشروعية ذلك يستدلون بحديث ضعيف عند ابن ماجة:(إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا) وهذا الحديث ضعيف، ولو صح فليس المراد بنتر الذكر ما ذكروه من جذب البول وتحريكه من الداخل، إنما يحمل على أن المقصود المسح الذي أشرنا إليه قبل قليل، وهذه المسألة ينبغي ألا يبالغ فيها الإنسان؛ لأنه لو بالغ يؤدي ذلك إلى الإضرار بالمسالك البولية، يقول ابن تيمية: "الذَكر كالضرع إن تركته قر وإن حلبته درَّ"، فينبغي ألا يبالغ الإنسان في هذا، وإنما يفعل هذه الأمور برفق من غير مبالغة.

قال «ويُبعد في الفضاء» هذا إذا أراد أن يقضي حاجته في الفضاء كأن يكون في البر مثلًا ويريد قضاء الحاجة السنة أن يبعد، وقد كان هذا هو هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- (كان -عليه الصلاة والسلام- إذا  أراد أن يقضي حاجةً انطلق حتى لا يراه أحد)، وأما في البنيان فالناس الآن يقضون حاجتهم داخل دورات المياه، فلا نحتاج إلى هذا الكلام، لكن هذا في الفضاء.

قال «ويستتر» أيضًا إذا كان في الفضاء يستتر عن الناس، إما أن يكون خلف جدار أو خلف شجر أو مرتفع من الأرض ونحو ذلك.

قال «ويدنو من الأرض» أي: يقرب من الأرض قبل رفع ثوبه؛ لأنه لو رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض ربما انكشفت عورته فرآه بعض الناس، هذا إذا كان يريد أن يبول وهو قاعد؛ 

وأما البول قائمًا فما حكمه؟ جائز بشرطين، الشرط الأول: أمن انكشاف العورة، الشرط الثاني: أمن التلويث بالنجاسة.

والدليل على جوازه حديث حذيفة -رضي الله عنه- (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- انتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا) متفق عليه، والسباطة: هي موضع الزبالة أو القمامة، ولكن بهذين الشرطين، لأنه الآن يوجد في المطارات أماكن للبول قائمًا، لكن أمام الناس وفيها انكشاف للعورة، فهذه لا تجوز، لا بد من تحقق الشرطين: أمن انكشاف العورة، وأمن التلويث بالنجاسة.

قال «ويرتادُ لبوله» يرتاد يعني: يطلب لبوله أي: مكانًا رخوًا ليّنًا، وذلك حتى لا يرتد البول عليه فيصيبه من رشاشه، قالوا إذا كان الإنسان سيبول على الأرض ينبغي عليه أن يختار مكانًا رخوًا.

قال «وإذا خرج أي: من الخلاء قال غفرانك» يعني: أسألك غفرانك، وهذا قد جاء في حديث عائشة –رضي الله عنها- قالت (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج من الخلاء قال غفرانك) أخرجه الترمذي،  والنسائي وهو حديث صحيح.

وهنا سؤال ما مناسبة سؤال الله المغفرة بعد الخروج من الخلاء؟

للعلماء في ذلك أقوال:-

القول الأول: أن الإنسان دخل موضع الخلاء ثقيلًا وخرج خفيفًا، فينبغي أن يتذكر بذلك ثقل الذنوب، ويسأل الله المغفرة.

القول الثاني: أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم فينبغي له أن يتذكر أذية الإثم، فيسأل الله المغفرة.

القول الثالث: أن سؤال المغفرة خوفًا من التقصير في شكر نعمة الله التي أنعها عليه فأطعمه، ثم سهل هضم هذا الطعام، ثم سهل خروجه، كأنه يخشى من التقصير في شكر هذه النعم.                          
القول الرابع: أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان لا ينقطع عن ذكر الله –عز وجل- إلا عندما يكون في الخلاء، فيستغفر الله عن هذا التقصير.

والأقرب والله أعلم أن الأقوال الثلاثة الأولى كلها صحيحة، أما الرابع فمحل نظر، إذ أن الانحباس لقضاء الحاجة ليس تقصيرًا يحتاج إلى استغفار، ولهذا فإن الحائض لا تصلي ولا تصوم أثناء الحيض، ومع ذلك لا يسن لها أن تستغفر لأنها تركت الصلاة والصيام؛ لأنها إنما تركت ذلك بأمر الله -سبحانه وتعالى-، وهكذا أثناء قضاء الحاجة إنما ترك الذكر طاعة لله –سبحانه وتعالى-، فالقول الرابع محل نظر، أما الأقوال الثلاثة الأولى فكلها صحيحة ومرادة؛ هذه مناسبة قول غفرانك بعد الخروج من الخلاء.

زاد المصنف قال «غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» هذه الزيادة (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) قد جاءت في حديث أنس عند ابن ماجة ولكن هذا الحديث ضعيف ولا  يصح عن النبي –صلى الله عليه وسلم-، وعلى ذلك فلا تشرع هذه الزيادة، إنما يكتفي المسلم إذا خرج من الخلاء أن يقول غفرانك من غير زيادة (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)؛ لأن الحديث ضعيف فلا يعمل في هذا، فما صح غُنية عما لم يصح.

وطالب العلم خاصة بالنسبة للأذكار ينبغي أن يحقق فما صح يعمل به، لأن بعض الأذكار تكون ضعيفة، حتى في أذكار الصباح والمساء فيها أحيانًا أحاديث ضعيفة، فلا يعمل بالحديث الضعيف في هذا الباب.

إذًا نخلص من هذا ...ما الثابت من الذكر عند دخول الخلاء وعند الخروج منه؟

عند دخول الخلاء: (بسم الله اللهم إني أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث)، وعند الخروج: (غفرانك) فقط، هذا هو الثابت، أما زيادة (اللهم إني أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم) فهذه الزيادة غير محفوظة.

وأيضًا في الخروج  زيادة (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) غير محفوظة أيضًا.

قال المصنف -رحمه الله- «ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء» أي: ويجوز في البنيان، وهذا هو المذهب عند الحنابلة أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء، ويجوز في البنيان، والدليل على أنه يحرم في الفضاء حديث أبي أيوب –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا) [متفق عليه].

والدليل على جوازه في البنيان حديث ابن عمر –رضي الله عنهما- قال (رقيت يومًا بيت حفصة،  -يعني أم المؤمنين أخته- فرأيت النبي –صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة)  هذا الحديث في الصحيحين، فحملوا حديث أبي أيوب على الفضاء، وحديث ابن عمر على البنيان.

القول الثاني في المسألة: أنه يكره استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا في الفضاء والبنيان، قالوا: حديث ابن عمر صارف للنهي الوارد في حديث أبي أيوب من التحريم إلى الكراهة، وهذا هو مذهب الحنفية.

القول الثالث: أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا في الفضاء والبنيان، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختاره العباس ابن تيمية، وابن القيم -رحمهم الله تعالى-، وجمع من المحققين أهل العلم.

واستدلوا لذلك بحديث أبي أيوب السابق، قالوا: هو من قول النبي –صلى الله عليه وسلم- وفيه النهي عن استقبال القبلة واستدبارها، أما حديث ابن عمر فواقعة عين يَرِدُ عليها عدة احتمالات: 

يحتمل أن ما رءاه ابن عمر كان قبل نهي النبي –صلى الله عليه وسلم- عن استقبال القبلة واستدبارها، هذا احتمال.

ويحتمل أن المكان كان ضيقًا، ففعل النبي –صلى الله عليه وسلم- ذلك للحاجة.

ويحتمل أن هذا خاص بالنبي –صلى الله عليه وسلم-، لأن عنده من التعظيم للقبلة ما ليس عند غيره.

ويحتمل أن ابن عمر رأى النبي –صلى الله عليه وسلم- يستنجي أو يستجمر فظن أنه يقضي حاجته؛ لأنه من حين أن لمحه أعرض عنه؛ لأنه لا يريد أن يرى عورة النبي  -صلى الله عليه وسلم-، فهو ليس نظرًا محققًا مدققًا إنما هو نظرة خاطفة سريعة، فيحتمل أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان مجرد أنه يستجمر أو يستنجي، فظن ابن عمر أن النبي –صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته، ويحتمل غير ذلك، (والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به  الاستدلال).

وعلى تقدير عدم التسليم بهذه الاحتمالات فيكون قد تعارض عندنا حديث أبي أيوب وحديث ابن عمر، وحديث أبي أيوب هو من قول النبي –صلى الله عليه وسلم-، وحديث ابن عمر من فعله، وأيهما أقوى دلالة القول أو دلالة الفعل؟ دلالة القول أقوى، عند الأصوليين دلالة القول أقوى وأصرح من دلالة الفعل، هذه قاعدة، فحديث أبي أيوب صحيح صريح محكم رواه الشيخان من قول النبي –صلى الله عليه وسلم-، أما حديث ابن عمر فيحتمل هذه الاحتمالات التي ذكرناها، وهو واقعة عين، دائمًا دلالة القول أقوى من دلالة الفعل، حتى عندما تريد أن تسمع رأيًا لأحد المشايخ، مثلًا رأيت شيخًا يقرر أن جلسة الاستراحة مستحبة مطلقًا، ثم رأيته وهو يصلى لكن لم يجلس جلسة الاستراحة، فأيهما ينسب إليه؟ ينسب القول؛ لأنه يحتمل أنه ما جلس جلسة الاستراحة نسيانًا، يحتمل ما جلس لحاجة أنه عنده مشاكل صحية في ركبه، أو عنده كذا، يحتمل عدة احتمالات، فالذي ينسب إليه القول فدلالة القول أقوى وأصرح من دلالة الفعل.

وهذا القول الأخير هو القول الراجح، وهو أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا في الفضاء والبنيان.                                      

 ومما يدل على رجحانه أيضًا: أن يقال لمن فرق بين الفضاء والبنيان، ما هو ضابط البنيان؟

من قال ضابط البنيان هو الجدار، فيقال يوجد في الفضاء ما هو أعظم من الجدار، يوجد جبال، وأشجار، وأحجار،  وأودية، وهضاب، ما تنضبط المسألة، فهل مجرد أن هذا جدار وهذا جبل هذا يجوز استقبال القبلة فيه وهذا لا يجوز، فالذي في الفضاء سيكون أمامه جبل أو هضبة أو شجر أو غير ذلك، فما تنضبط المسألة.

وأيضًا مما يدل على رجحانه أن يقال هل المقصود النهي عن استقبال القبلة، أو النهي عن استقبال الكعبة؟ النهي في حديث أبي أيوب عن استقبال القبلة أو عن استقبال الكعبة؟

ليس المقصود عن استقبال الكعبة؛ لأن الكعبة بيننا وبينها مسافات طويلة، وبيننا وبينها بنيان عظيم فليس المقصود النهي عن استقبال الكعبة، إذًا المقصود النهي عن استقبال جهة القبلة، وجهة القبلة لا يحول بين الإنسان وبينها بنيان، هي جهة، لو كان الآن أمامك جدار وقال لك أنا أستقبل الآن جهة القبلة أليس كذلك، إذًا لا يحول بين الإنسان وبينها شيء، وهذا المعنى ذكره ابن القيم وهو معنى لطيف.

إذًا النهي عن استقبال الجهة وليس عن استقبال الكعبة نفسها، فالجهة ما تختلف بين فضاء وبنيان حتى ولو كنت داخل دورة المياه يصدق عليك أن استقبلت جهة القبلة، والحديث (لا تستقبلوا القبلة) يعني: جهة القبلة، فالنهي عن الجهة وليس عن الكعبة، وهذا أيضًا مما يرجح هذا القول.

ولذلك أكثر المحققين من أهل العلم على هذا القول أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا في الفضاء والبنيان.

فإن قال قائل: أحيانًا يأتي الإنسان ويجد أن تجاه دورات المياه القبلة فماذا يفعل؟

يفعل كما فعل الصحابة، قال الصحابة (قدمنا الشام فوجدنا مراحيض تجاه القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله –عز وجل-) نقول: انحرف عنها قدر المستطاع، وإذا لم يتحقق هذا الانحراف المطلوب فانحرف قدر ما تستطيع واستغفر الله –عز وجل-، يعني ما في حل إلا هذا تنحرف وتستغفر الله –عز وجل-، يعني: بعض الناس يقول عليَّ مشقة في الانحراف، لكن افعل كما فعل الصحابة، وينبغي لمن بنى بيتا أن يحرص على هذه المسألة يجعل دورات المياه بغير اتجاه القبلة؛ حتى لا يُوقِع غيره ولا نفسه في الحرج.

هل يمكن الجمع بين الحديثين؟

ما يمكن الجمع هنا، يكون الجمع عند تكافؤ الأدلة، لو كان بين دلالة قول ودلالة قول ممكن، لكن هذه واقعة عين، واقعة عين ما يمكن تصرف هذا الحديث الصحيح الصريح المحكم من قول النبي –عليه الصلاة والسلام- ما يمكن الجمع في هذه الصورة، لو كان هناك قرينة صارفة من قول النبي –عليه الصلاة والسلام-  صحيح، لكن هذه مجرد رؤية من ابن عمر للنبي –عليه الصلاة والسلام- نظرة عين خاطفة، يحتمل أنه يستنجي، يحتمل أنه قبل النهي أصلًا الوارد في حديث أبي أيوب، ما يقوى على صرف النهي الوارد في حديث أبي أيوب من التحريم والكراهة، ثم المعاني التي ذكرناها، التفريق بين الفضاء والبنيان غير منضبط، ثم ما معنى البنيان، ثم إنه يوجد في الفضاء ما هو أعظم من البنيان، ثم أيضًا النهي عن استقبال الجهة واستدبارها ما يختلف بين فضاء وبنيان، النهي عن الجهة نفسها تكريما لهذه الجهة، عدم التفريق بين الفضاء والبنيان هو قول المحققين كابن القيم وابن سعدي، وهو الأقرب من جهة الأثر ومن جهة النظر، من جهة الأثر حديث أبي أيوب حديث صحيح صريح ومحكم ومشهور أيضا عند الصحابة، ومن جهة النظر أمرين مؤثرين: من جهة لا يختلف الفضاء والبنيان، ومن جهة عدم انضباط البنيان.

ذكر المؤلف بعض الآداب المتعلقة بقضاء الحاجة، قال: «ولا يبول في ماء راكدٍ»

المراد بالماء الراكد: الماء الذي لا يجري، وهذا قد ورد النهي عنه في حديث جابر -رضي الله عنه- (أن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهى أن يبال في الماء الراكد) أخرجه مسلم في صحيحه، ولأن بوله في الماء الراكد يفسد هذا الماء وينجسه، وأما إذا كان الماء جاريًا فلا يحرم البول فيه، وإن كان الأَولى اجتنابه.

قال المؤلف «ولا تحت مثمر» أي: ولا يبول تحت شجرٍ مثمر، يحرم البول وكذا الغائط تحت شجر مثمر؛ لأن بوله تحت شجرٍ مثمر قد يتسبب في تلويث ذلك الثمر، لأنه يحتمل سقوط ذلك الثمر عليه أو تلويث من  يريد أن يجني ذلك الثمر، وأما إذا لم يكن مثمرًا فلا بأس بقضاء الحاجة تحته إن لم يكن تحته ظل نافع، والظل النافع يأتي الكلام عليه الآن.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض