الخثلان
الخثلان
كتاب الطهارة: تابع باب النجاسات

قال : "والكلب" أي: الكلب نجس، وهذا بالإجماع ويدل لذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) أخرجه ]مسلم:279[, وهذا يدل علي نجاسة الكلب ونجاسة جميع أجزائه لكنه نص علي الولوغ, لأنه هو الغالب وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له, وهذا مر معنا في درس سابق في الأكل والشرب يعنى: استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب ورجحنا أنه لا يجوز, وأن الحديث: (لا تأكلوا في آنيه الذهب والفضة ولا تشربوا في صحافهما) [البخاري: 5632، ومسلم: 2067]  المقصود أن هذا خرج مخرج الغالب, وأيضا قول الله –تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } وقد ذكرنا أن الخنزير يحرم شحمه وسائر أجزائه, وقلنا أن الله تعالى ذكر اللحم؛ لأنه خرج مخرج الغالب أيضًا.

 فإذن الكلب نجس وهذا بالإجماع, وأيضا الخنزير نجس لجميع أجزائه وهذا أيضا بالإجماع لقول الله –تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ }[المائدة: 3], وقوله سبحانه: { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ }[الأنعام: 145] .

قوله: "وما تولد من نجس" يعني فهو نجس, ما تولد من نجس, يعني: ما خرج من نجس كالحيوان النجس وروثه وقيئه ولبنه وبيضه هذه كلها نجسه؛ لأنه متولد من حيوان نجس, ويحتمل أن يكون مراد المؤلف ما تولد من نجس: ما يذكره بعض الفقهاء من الديدان التي تتولد عن العذرة وعن بعض النجاسات، إن بعض الفقهاء يرى نجاستها وهذا محل نظر؛ لأنها لا تتولد من نجس, في الحقيقة لا تتولد من عين نجسة, إنما هي تخلق في هذه البيئة النجسة عندما يكون هذا المكان نجسا هنا تأتي الديدان وتعيش فيها, وليس معني ذلك أن النجاسة من هذه العذرة تحولت إلى ديدان, هذا هو الأقرب -والله أعلم- في هذا, وعلي ذلك فليست نجسة في هذا.

قال: "وما أُبين من حيٍ كميتة" وما اُبين يعني: وما قُطع وفُصل, فقولنا قبل هذا: "وما تولد من نجس" هو إنما ما تولد من طاهر فهو طاهر كلبن الحيوان مأكول اللحم وكذلك أيضا بوله وروثه وعرقه ونحو ذلك، وما اُبين من حيٍ كميتة اُبين يعني: قطع وفصل من حيٍ, يعني قُطع من حيوان حي (كإليته أو سنامه) ونحو ذلك فهو كميتة, وما اُبين من حي كميتته يعني كميتة ذلك الحيوان طهارة ونجاسة, حلًّا وحرمة, وعلي ذلك ما أُبين من السمك والجراد مثلا: فهو طاهر, وما أُبين من بقرة أو شاة أو ناقة مثلا: فهو نجس؛ لأن ميتتها نجسة, إذاً ما قُطع من الحيوان وهو حي فحكمه هو حكم هذا الحيوان إذا كان ميتًا, هذا هو المقصود, وهذا ما أُبين من حي كميتته, روي في حديث مرفوع عن أبي واقد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة) رواه ]أبو داود:2858, الترمذي:1480[, وأخذه الفقهاء وجعلوه ضابطا لهم, ما أُبين من حي فهو كميتته.

استثنى المؤلف مما أبين من حي فهو ميت مستثنيات، الأول:

قال: " سوى شعر" الشعر إذا قُطع من الحيوان فليس حكمه حكم ميته, يكون طاهرا, وعلي ذلك إذا جُزّ شعر الحيوان وهو حي فإنه طاهر وليس نجسا, وهل هذا يشمل الحيوان الطاهر والنجس أو أنه خاص بالحيوان الطاهر؟، الذي يظهر أنه يشمل الطاهر والنجس يشمل الطاهر والنجس, وأنه إذا جُزّ شعر الحيوان، أن هذا الشعر أنه طاهر وليس نجسا، ومثله كذلك الصوف, ومثله الريش, والوبر, ونحو ذلك, ومن أهل العلم من خص ذلك بالحيوان الطاهر، والأقرب هو العموم, لكن ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- النهي عن (جلود السباع), فلا يجوز الانتفاع بجلود السباع.

 

قال: "ومسك وفأرته"، المسك هو الطيب المعروف الذي يُستخرج من دم الغزال كما قال المتنبي في بيته المشهور:

فإن تفق الأنام وأنت منهم         فإن المسك بعض دم الغزال

 

فالمسك بعض دم الغزال, وطريقتهم في هذا أنهم يأتون للغزال ويربطون جزءًا من بطنه برباط ويبقي مدة ثم يفسد هذا الدم فيتحول بإذن الله –تعالى- إلى مسك من أحسن ما يكون, هذا هو المسك ويُستخرج من دم الغزال. وقوله: "وفأرته", الفأرة: هي الوعاء الذي يكون المسك بداخله, فهذا المسك وفأرته يكون طاهرًا وليس نجسًا؛ مع أنه يؤخذ من الغزال وهو حي، ويستدل على ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك) أخرجه] البخاري:2101[,كحامل المسك قالوا: فهذا دليل على جواز بيع المسك وطهارته؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مدحه ورغّب فيه؛ ولأنه -عليه الصلاة والسلام- كان أحيانا يتطيب بالمسك ويُرى وبيض المسك على مفارق شعر رأسه -عليه الصلاة والسلام-, فإذًا المسك مستثنى, مع أن ميتة الغزال  هل هي طاهرة أم نجسة؟ نجسة, لكن هذا المسك مع أنه يُستخرج من الغزال وهو حي إلا أن الفقهاء استثنوه لهذه الأدلة وما جاء في معناها, وهذا يدل على طهارته.

قال: "ولا يطهر نجس بدبغ" هذا هو المذهب عند الحنابلة أن الجلد النجس لا يطهر بالدبغ، جلد الحيوان, أما الحيوان غير مأكول اللحم هذا جلده نجس, لكن الحيوان مأكول اللحم فمثلا عندك خروف وأردت أن تستفيد من جلده فإذا كان هذا الحيوان قد ذُكي ذكاة شرعية, فجلده طاهر أم نجس؟ جلده طاهر ننتفع به؛ لأن جميع أجزائه طاهرة، فليس عندنا في الشريعة الإسلامية يعني: بعض أجزاء الحيوان محرمة وبعضها طاهرة, كلها طاهرة, كلها حلال، بل الشريعة إذا أحلت شيئًا أحلت جميعه, فعندنا بهيمة الأنعام حلال جميعها بخلاف اليهود حرم الله –تعالى- عليهم أجزاءً وأباح لهم أجزاءً  {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } [الأنعام: 146] حرّم الله عليهم أجزاء من الحيوانات وحلل أجزاء, بينما المسلمون الله أحل لهم جميع البهائم, إذًا جلد مأكول اللحم إذا ذُكي ذكاة شرعية فهو طاهر, أما إذا مات مأكول اللحم هل يجوز الانتفاع بجلدها أو لا يجوز؟ هذا محل البحث، يقول المؤلف: إنه نجس ولا يطهر نجس بدبغ, قوله: "بدبغ", الدبغ معناه نزع فضول الجلد بمواد تضاف إلى الماء كالقرظ والملح وقشور الرمان ونحو ذلك، نزع فضول الجلد والرطوبة التي تكون على الجلد بمواد تضاف إلى الماء ومن أشهرها القرظ، كذلك الملح وقشور الرمان ونحوها, هذا هو معنى الدبغ وهو معروف من قديم, فإذًا المؤلف يرى -وهو مذهب عند الحنابلة- أن جلد الميتة لا يطهر بالدبغ ويستدل لذلك بعموم قول الله –تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ }[المائدة: 3]. وأيضا لحديث عبدالله بن عكيم قال: (أتانا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته بشهر أو شهرين ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) أخرجه أبو داود , والترمذي, وابن ماجه, وأحمد.

 

والقول الثاني في المسألة: أنه يطهر بالدباغ, جلد كل حيوان مأكول اللحم, وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختار هذه الرواية أبو العباس ابن تيمية من أهل العلم وهو القول الراجح, أنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان مأكول اللحم ويدل لذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا دُبغ الإهاب فقد طهر) أخرجه ]مسلم:366[, ولما مر بشاة يجرونها قال: (هلا انتفعتم بإهابها؟ قالوا: إنها ميتة! قال: إنما حرم أكلها) [أحمد: 2370، والنسائي: 4234، وصححه الأرناؤوط] في رواية (يطهرها الماء) [أبو داود: 4126، وأحمد: 26836], والقرظ يطهرها الماء, فهذه الأحاديث أحاديث صحيحة تدل على أن الدبغ يطهر جلد الميتة, ولكن يخص ذلك بمأكول اللحم؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دباغ الأديم ذكاته) وهو حديث صحيح رواه اصحاب السنن، وهو يدل على أن الدبغ إنما يؤثر فيما تؤثر فيه الذكاة فقط, فالقول الراجح إذًا: أنه يطهر بالدبغ كل جلد حيوان مأكول اللحم فقط دون غيره من الحيوانات, وأما ما استدل به أصحاب القول الأول من عموم الآية فنقول: إن الآية عامة، وهذه الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الثاني خاصة، فخصصوا من عموم الآية، وبالمقارنة عند الأصوليين الخاص يقضي على العام ويخصصه, وأما بالنسبة لحديث عبدالله بن عكيم هو حديث ضعيف لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو صح فقد قال بعض أهل اللغة: إن المقصود بالإهاب الجلد قبل الدبغ, وعلى ذلك فلا دلالة لهذا الحديث والله –تعالى- أعلم.

 

النوع الثامن: الاستحالة لا تطهر نجسا:

قوله: "واستحالة" قوله: واستحالة معطوف على "دبغ" أي: لا يطهر النجس بالاستحالة؛ لأنه قال: ولا يطهر نجس بدبغ واستحالة, يكون معنى عبارة المؤلف معناها: ولا يطهر نجس باستحالة، ومعنى الاستحالة: انقلاب الشيء من صفة إلى صفة أخرى, انقلاب الشيء وتحوله من صفة إلى صفة أخرى، كالخمر ينقلب خلا, وكالميتة تسقط في المملحة  فتصبح ملحا, ونحو ذلك فيقول المؤلف: إن الاستحالة ليست مطهرة كالدبغ, وهذا هو القول الأول في المسالة, والقول الثاني: أن الاستحالة إذا كانت كاملة فإنها مطهرة، وهذا هو القول الراجح في المسألة, اشترطوا أن تكون الاستحالة استحالة كاملة هذا اختيار أبي العباس ابن تيمية وجمع من المحققين من أهل العلم, وعلى ذلك الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها تكون طاهرة, على القول بنجاستها، وغير الخمر مثله, ولذلك اضطر المؤلف لاستثناء الخمر, والقول الراجح: أن الاستحالة إذا كانت كاملة في جميع الأوصاف والخصائص فإنها تنقل الشيء من النجاسة إلى الطهارة بل من الحرمة إلى الحل.

وعلى ذلك تتفرع مسألة معاصرة وهي جلاتين الخنزير, جلاتين الخنزير الآن تُستخدم في أمراض جلدية, تستخدم لمرضى القلب ونحوهم, فهل يجوز استخدام جلاتين الخنزير أم لا؟

هذه المسألة عرضت على مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الأخيرة وقد حضرت هذه الدورة، وسئل المختصون هل الاستحالة شاملة أو ليست بشاملة، فاختلف المختصون في ذلك: فمنهم من قال: إن الاستحالة كاملة مئة بالمئة, وإن هذ الخنزير تحول إلى ماده أخرى, الجلاتين مختلفة عن الخنزير في الخصائص وفي كل شيء.

 

لكن بعض المختصين قالو: إن ليست الاستحالة كاملة، وإن بعض محتويات الخنزير لازالت باقية فيها, وعلي ذلك لما  رأينا المختصين اختلفوا اُجِّل النظر في هذه المسألة وأحيل الموضوع إلى لجنه تُعقد بجدة للمختصين في هذا المجال؛ لكي يحققوا الأمر من الناحية الفقهية هل الاستحالة الكاملة متحققة أم لا.

 

لو كانت الاستحالة كاملة فيكون جلاتين الخنزير مباحًا, أما إذا كانت غير كاملة تكون محرمة ولا يجوز، وعلى ذلك أجل المجمع قراره حتي تتحقق اللجنة مما إذا كانت الاستحالة كاملة أم لا.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض