الخثلان
الخثلان
باب الزهد والورع: شرح حديث: (كل بني آدم خطّاء)
29 رمضان 1437 عدد الزيارات 1313

الحديث التالي معنا: حديث أنس -رضي الله عنه-، قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ بني آدم خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) [رواه الترمذي: 2499، وابن ماجة: 4251، وحسّنه الألباني] أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وسنده قوي.

هذا الحديث كما قال المصنف: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد أيضًا من طريق زيد ابن الحباب، قال: حدثنا علي ابن مسعدة الباهلي، عن قتاده، عن أنس، وفيه علي ابن مسعدة فإنه مُتَكَلَّم فيه، قال عنه البخاري: "فيه نظر"، وأيضًا ضعّفه أبو داوود، فهو ضعيف ومدار الحديث عليه، ولهذا قال الترمذي: "لا نعرفه إلا بحديث علي ابن مسعدة"، ولهذا قال الإمام أحمد عن هذا الحديث: "هذا حديث منكر"، وتقوية المصنف له محل نظر، قوله: "وسنده قوي" محل نظر، فما دام أن مداره علي هذا الراوي فهو ضعيف، فالأقرب عدم صحة هذا الحديث، وأيضًا أشار الترمذي إلى ضعفه لما خرجه، قال: "هذا حديث غريب"، وإذا قال الترمذي: "غريب" يقصد ماذا؟ يقصد ضعيف، يقصد أنه ضعيف، فإذًا هذا الحديث لا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مع شهرته، مع شهرته لا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكما قلنا في الدروس السابقة ليس كل حديث مشهور يكون صحيحًا.

أبرز الفوائد والأحكام المتعلقة بهذا الحديث: نأخذ هذه المعاني والأحكام؛ لأن معناه صحيح، فنستفيد من معناه وإن كان ضعيفًا.

أولًا: أن من شأن بني آدم الخطأ والوقوع في الذنب، وهذا  قد جبل عليه الإنسان، وقد جاء في حديث أبي هريره -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) [رواه مسلم: 2749]، أن الله -عز وجل- يريد خلقًا يكون عندهم قابلية للذنب والخطأ، فيستغفرون لله -تعالى- ولو أراد الله -عز وجل- جعل بني آدم مثل الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، لكن لله -تعالى- الحكمة في أن جعل بني آدم خطائين، وهذا له حِكَم ومصالح عظيمة كما ذكر ابن القيم وغيره، منها: ظهور آثار أسماء الله الحسني، فإن من أسماء الله الغفور، ولو كان بني آدم لا يقع منهم ذنب ولا معصيه فكيف تكون المغفرة، ومن أسماء الله التواب، ولو كان بني آدم لا يقع منهم الذنب والمعصية فيتوب علي مَن؟ ومِن أسماء الله الحسني العفو، ولو كان بنو آدم يقع منهم الذنب والمعصية فلمَن يكون العفو؟ وهكذا تظهر آثار أسماء الله الحسني، فهذا من حكمة الله -عز وجل- أن جعل البشر بهذه الصفة.

ثانيًا: وجوب التوبة علي كل مسلم، ولقد اتفقت الأمه علي أن التوبة فرض علي المؤمنين، كما قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور :31].

ثالثًا: أن خير الخطائين التوابون، والله -تعالى- يحب المكثرين من التوبة وهم التوابون، فإن التواب علي صيغة مبالغة، ومعناه: كثير التوبة، وتصح التوبة من ذنب ولو كان مصرًا علي ذنب غيره، فلا يشترط للتوبة أن تكون من جميع الذنوب، بل تصح من ذنب ولو كان مُصرًا علي ذنب غيره، وتصح التوبة من ذنب إذا تحققت شروطها حتي لو عاود الذنب مره أخري فإن توبته الأولى صحيحه، بشرط تحقق شروطها كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ الله تَعَالى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنبًا فَاسْتَغْفَرَ فَغَفَرتُ لَهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنبًا فَاسْتَغْفَرَ فَغَفَرتُ لَهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنبًا فَاسْتَغْفَرَ فَغَفَرتُ لَهُ، وَلَازَالَ عَبدِي يُذنِبُ ذَنبًا فَيَسْتَغْفِرهُ فَأَغْفِرُ لَهُ) [ مسلم: 2758 نحوه] ولكن بشرط استكمال جميع الشروط، والله -تعالى- يحب التوابين،  فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة : 222]، فالله تعالى يحب من عبده أن يتوب وأن يكثر من التوبة، وأيضًا الله -تعالى- يفرح بتوبة عبده فرح عظيم، يصف النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الفرح بوصف عجيب، يقول -عليه الصلاة والسلام-: كما في حديث أنس: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، وَأَدرَكَهُ العَطَشُ، ثَمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلى مَكَانِي الَّذِي كُنتُ فِيهِ فَأَنَام حَتَي أَمُوت، -تصور وصل إلى هذه المرحلة، إنسان في فلاة من الأرض، جاء في بعض الروايات: مُهلِكَة، صحراء، ما معه أحد على بعيره عليها طعامه وشرابه فانفلتت منه، بقي في الصحراء وحده، وأدركه العطش الشديد، أيس من الحياة، قال: أرجع إلى تلك الشجرة أنام عندها حتى أموت، وصل إلى هذه المرحلة أنه ينتظر الموت، تصور إلى هذا الحد-، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ وَضَعَ رَأسَهُ لِيَنَام فَنَام فَاسْتَيقَظَ فَإِذَا بِرَاحِلَتِهِ عِندَهُ وَعَليْهَا طَعَامَه وَشَرَابَه، -ما ظنكم بالفرح! فرح عظيم، حياة بعد موت، فرح عظيم جدًا، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، وقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) ]رواه مسلم:2747 بنحوه[، أخطأ من شدة الفرح، انظروا إلى عظيم الفرح عند هذا الإنسان الذي قد وصل إلى هذه المرحلة من اليأس من الحياة، وكيف أنها في لحظة تغيرت أحواله فوجد راحلته عليها طعامه وشرابه، فما ظنكم به، كيف نَصِف هذا الفرح العظيم! فرح الله -عز وجل- بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الرجل، فانظروا إلى رحمة الله -عز وجل- وسعة فضلة وجوده علي عباده ولطفه بهم، كيف يفرح هذا الفرح العظيم بتوبة عباده مع أنه -عز وجل- غني عنهم كل الغني، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، لكن هذا الرب العظيم الكريم جواد رحمن رحيم تواب يحب من عباده أن يرجعوا إليه، وأن يتوبوا وأن ينيبوا إليه لمصلحتهم هم، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46]، فانظروا إلى عظيم فضله وجوده وكرمه وإحسانه ورحمته -جل وعلا-.

رابعًا: يشترط لصحة التوبة شروط لابد من اجتماعها، فإن تخلف واحد منها لم تصح.

الشرط الاول: الإقلاع عن الذنب: فإن تاب مع إصراره علي الذنب لم تصح توبته.

الشرط الثاني: العزم علي ألا يعود إليه مره أخرى، وأن يكون صادقًا في هذا العزم، أما إن تاب وهو عازم علي أن يعود للذنب لم تصح توبته.

الشرط الثالث: الندم علي ما حصل منه؛ لأن الندم دليل علي صدق التوبة، فالذي يعلن توبته ولم يندم ليس بصادق في توبته، ولهذا جاء في بعض الأحاديث (الندم توبه) [رواه ابن ماجة: 4252، أحمد: 3568، وصححه الألباني]، فهذه الشروط الثلاثة لابد منها، وإذا كانت المعصية متعلقة بحق آدمي، فيضاف لها شرط رابع: وهو التحلل من ذلك الآدمي وذلك بإرجاع ما أخذ منه، لو كان أخذ منه شيء أو التحلل والتسامح منه وإلا فلا تصح توبته، فإن اجتمعت هذه الشروط صحت التوبة، وإذا تخلف واحد منها لم تصح، وذكرنا أنها تصح من ذنب دون ذنب، فلا يشترط التوبة من جميع الذنوب، وأن الإنسان إذا تحققت هذه الشروط فعزم عزمًا صادقًا على ألا يعود للذنب وأقلع عنه وندم، صحت توبته ولو عاد للذنب مرة أخرى؛ لأنه وقت التوبة كان صادقًا في توبته، وعلى ذلك ذكرنا الحديث (أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنبًا فَاسْتَغْفَرَ فَغَفَرتُ لَهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنبًا فَاسْتَغْفَرَ فَغَفَرتُ لَهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنبًا فَاسْتَغْفَرَ فَغَفَرتُ لَهُ)، هذا معنى الحديث: أنه عندما يستغفر ويتوب يكون صادقًا في ذلك، ثم تضعف نفسه فيعود للذنب مرة أخرى، هذا لا يضر، وهذا يدل على سعة فضل الله ورحمته، قد وسع كل شيء رحمة وعلمًا.

هذه أبرز الفوائد والأحكام المتعلقة بهذا الحديث.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض