الخثلان
الخثلان
كتاب الطهارة: تابع باب النجاسات

كتاب الطهارة: تابع باب النجاسات

 

قال: «فصلٌ: وَتُغْسَلُ كلُّ نجاسةٍ سبعًا، إحداهنَّ بترابٍ» يعني: كل نجاسة على غير الأرض، لأن النجاسة التي على الأرض بيَّن المؤلف حكمها، وأنها تكفي فيها مرة واحدة، فمراد المؤلف إذًا النجاسة على غير الأرض، تغسل سبع غسلات إحداهن بالتراب، والدليل لهذا القول: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أمِرْنَا بغسل الأنجاس سبعًا".

 

وأما قول: «إحداهنَّ بترابٍ» فقياسًا على نجاسة الكلب، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا إحداهن بالتراب)[رواه مسلم (279)]، وهذا هو المذهب عند الحنابلة: أن النجاسة لا بد فيها من سبع غسلات إحداهن بالتراب.

 

والقول الثاني في المسألة: أنه يكفي في إزالة النجاسة غسلة واحدة تُذهِب بعين النجاسة، فإن لم تذهِب النجاسة فيزاد في عدد الغسلات حتى تذهَب، فلا يبقى لها أثر من لون أو طعم أو رائحة، إذن القول الثاني أنه يكفي غسلة واحدة تذهِب عين النجاسة فإن لم تذهب فيزاد في عدد الغسلات حتى تذهب عين النجاسة فلا يبقى لها أثر من لون أو طعم أو رائحة، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أسماء: (إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم تصلي فيه)[رواه البخاري (307)]، (ثم لتنضحه بالماء) يعني: تغسله، المقصود بالنضح: الغسل، (ثم تصلي فيه)، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدد معين، وهذا هو القول الراجح أنه لا يشترط سبع غسلات وإنما تكفي غسلة واحدة إذا ذهب أثر النجاسة أو حتى يزول أثر النجاسة، هذا هو القول الراجح، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية وجمع من المحققين من أهل العلم.

وأما ما استدل به أصحاب القول الأول من حديث ابن عمر: "أمِرْنَا بغسل الأنجاس سبعًا" فهذا ضعيف لا يصح، بل قيل إنه لا أصل له، وأما القياس على نجاسة الكلب فقياس مع الفارق، إذ أن الأمر بغسل النجاسات سبعًا خاص بالكلب، ولذلك خُصَّ بأن تكون إحداهن بالتراب، فلا يقاس عليه غيره، ولأن النجاسة عين خبيثة لا يرتبط إزالتها بعدد، وإنما يرتبط الحكم بزوال عينها.

 

قال المؤلف: «فإن كانت على الأرض أو نحوِهَا فمرَّةً» انتقل المؤلف للنجاسة إذا كانت على الأرض، يكفيها مرة واحدة إذا زالت النجاسة، وقوله: «على الأرض أو نحوِهَا» يعني نحو الأرض كالصخر مثلا أو الجدار أو نحوه، فيكفي مرة واحدة، ويدل لذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن أعرابيا دخل مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- فبال فيه، فزجره الناس فقال -عليه الصلاة والسلام-: (دعوه) ثم لما قضى بوله دعاه وقال: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر، وإنما هي للصلاة والذكر وقراءة القرآن)()[رواه البخاري (220)]، ثم أمر بأن يصب على بوله (ذنوبًا) أي: دلوًا من ماء -وهذا هو موضع الشاهد-، ولم يأمر بعدد معين، فدل ذلك على أن النجاسة إذا كانت على الأرض يكفيها غسلة واحدة إذا لم يبق للنجاسة أثر من طعم أو لون أو رائحة، فإذا بقي لها أثر فتغسل غسلة ثانية وثالثة، أي أنه يزاد في عدد الغسلات حتى يذهب أثر النجاسة.

 

قال: «وغُسَالَةُ كلِّ مرةٍ إن لم تتغيّرْ كمغسولِها» الغسالة: هي الماء المنفصل من المحل المغسول، هذه غسالة، فإن كانت قد انفصلت بلا تغير فهي طاهرة كمغسولها، وإن انفصلت متغيرة بنجاسة فهي نجسة، فهي أيضا كمغسولها، فننظر لهذا الماء المنفصل بعد الغسل هل فيه أثر للنجاسة من لون أو طعم أو رائحة؟ إذًا يكون نجسًا، ليس فيه أثر يكون طاهرًا، هذا هو المقصود.

 

قال: «ويُرشُّ بولُ غلامٍ لم يَطْعَمْ» المقصود بالرش هنا النضح، والمراد بالنضح هنا الغمر بالماء من غير عصر، وليس المقصود أن يأخذ الماء ويرشه هكذا، هذا فهم غير صحيح، إذًا المقصود بالنضح والرش الوارد في الأحاديث هو الغمر بالماء من غير عصر، فإن كان غمرًا بالماء مع العصر فهذا يسمى غسلًا، فالفرق بين الغسل والنضح أن الغسل يكون فيه عصر، والنضح يكون بدون عصر، هذا المعنى قد ذكره الموفق ابن قدامة في مغنيه، بعض الناس يفهم المقصود بالرش أنه يأخذ ماء ويرش بعض أجزاء المكان، هذا غير صحيح، ليس هذا المقصود، ولو فعل هذا ما طهر، وإنما المقصود هو الغمر؛ يغمره بالماء من غير عصر، إذًا لا بد أن نفهم معنى النضح الوارد في الأحاديث كلها، سواء في هذا الموضع أو في غيره، إذا قيل نضح أو رش فالمقصود به الغمر بالماء من غير عصر، وأما الغمر بالماء مع العصر فهذا هو الغسل، وأما إصابة بعض أجزاء المكان دون بعض هذا ليس نضحًا وليس رشًّا بالمعنى الشرعي، فينبغي أن نتنبه لهذا، لأن بعض العامة يفهم أن الرش أن تصيب بعض الموضع وتترك بعضه، وإن كان هذا يصدق عليه لغة لكنه ليس المقصود شرعا، فيكون معنى قوله: «ويُرشُّ بولُ غلامٍ لم يَطْعَمْ» يعني: أن ينضح، وذلك بأن يغمر بالماء من غير عصر.

 

قوله: «بول» هذا خاص بالبول الذي يخرج من الذكر دون الغائط فلا بد من غسله، وقوله: «غلام» المقصود به الذكر وقيده المصنف بقوله «لم يطعم) أي لم يأكل الطعام شهوة وإنما غذاؤه باللبن، فالأصل في البول أنه يغسل، إلا أنه يستثنى من ذلك بول الغلام الذكر الذي لم يأكل الطعام فإنه يكفي فيه النضح، وقد دل لهذا السنة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن ذلك: حديث أبي السمح أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ينضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية)، وأيضا جاء من حديث علِيّ[رواه ابن ماجة (427)، والترمذي (610)]، وجاء أيضا من حديث أم محصن أنها جاءت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره فبال عليه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله[رواه مسلم (287)]، فهذه الأحاديث كلها تدل على أن بول الغلام يكتفى فيه بالنضح دون الغسل.

 

وهذا الحكم خاص بالذكر دون الأنثى، فالأنثى يجب غسل بولها ولو لم تأكل الطعام.

 

واختلف العلماء في الحكمة في التفريق بين الذكر والأنثى في هذه المسألة؛ فقيل: إن الحكمة هي أن الذكر يكثر حمله أكثر من الأنثى، فيشق الاحتراز من بوله، ولكن هذا محل نظر، لأن واقع الناس أن الطفل يكثر حمله ذكرا كان أم أنثى، والناس لا تفرق في حمل الصغير بين كونه ذكر أو أنثى في الغالب.

 

وقيل: إن الحكمة أن بول الذكر لا ينزل في مكان واحد بل يكون متفرقا فيشق غسله فاكتفي فيه بالنضح، بخلاف الأنثى فإنه يكون في مكان واحد.

 

وقيل: إن بول الذكر أخف نجاسة من الأنثى وذلك لأن الذكر أشد حرارة من الأنثى وهذه الحرارة لها أثر في تخفيف نجاسة بوله، وهذا القول هو الأقرب والله أعلم، وهذا تجده في الواقع عندما ترى طفلين ذكر وأنثى في سن واحدة يلعبان أيهما أكثر حركة؟ الذكر أم الأنثى؟ الذكر، الذكر حركته أشد لأن حرارته أشد، ولهذا تجد الأنثى أنها أهدأ، ولذلك تجد أنه في مدارس الروضة والمرحلة التمهيدية يُرغب في تدريس الإناث أكثر من الذكور، لأنهن أهدأ من الذكور، وفي إحدى المدارس  لما اعتُرض على (لماذا تخلطون الذكور مع الإناث؟) قالوا: إن كل المعلمات اخترن الإناث لأنهن أهدأ. أنا أردت أن أسوق لك هذا كبرهان لهذه المسألة، والذكور أكثر حركة فهذا نجده في الواقع أن الذكر أكثر حركة من الأنثى بسبب أن الحرارة الغريزية عنده أشد هذه الحرارة لها أثر في تخفيف نجاسة بوله، فهذه -والله أعلم- هي الحكمة في كونه ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية.

 

ما يُعفَى عنه من النجاسات المخففة:

قال: «ويُعفى في الصلاةِ عن يسيرِ دمِ طاهرٍ» الدم سبق أن تكلمنا عنه في الدرس السابق وقلنا أنه نجس ونقلنا الإجماع على نجاسته، لكن المؤلف قال أن يسير الدم يعفى عنه، والمقصود بيسير دم الطاهر مثل الإنسان والحيوان الطاهر ونحو ذلك، فهذا يعفى عنه مع أن كثير الدم نجس كما ذكرنا، وذلك لآثار وردت عن الصحابة -رضي الله عنهم- تدل على العفو عن يسير الدم، ومن هذه الآثار ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه عصر بثرة في وجهه فخرج منه دم فحكه وصلى ولم يتوضأ، وأيضا جابر -رضي الله عنه- خرج من أنفه دم فمسحه وصلى، وأبو هريرة -رضي الله عنه- خرج من أنفه دم فمسحه وصلى، وقال: "لا بأس بالقطرة والقطرتين"، وابن مسعود صلى وعلى ثوبه فرث ودم، وقال الحسن: "لم يزل المسلمون يصلون في جراحاتهم"، هذه الآثار وما جاء في معناها تدل على التسامح في الدم اليسير، إذًا الدم نجس إلا أنه يعفى عن يسيره، ما هو الدليل على العفو عن يسيره؟ هذه الآثار عن الصحابة التي ذكرناها وما جاء في معناها تدل على العفو عن يسير الدم.

 

قال: «وما تَولَّدَ منه» أي ما تولد من الدم في القيح والصديد فهذا يعفى عن اليسير منه، ونحن رجحنا -فيما سبق- أن القيح والصديد طاهر، وأن النجس فقط هو الدم، ولولا حكاية الإجماع لربما رجحنا القول بطهارته، لكن يشكل على ذلك حكاية الإجماع، فيبقى القيح والصديد على الأصل وهو الطهارة.

 

نحن قلنا: الدم اليسير يعفى عنه، لا بد من وضع ضابط لليسير من الدم الذي يعفى عنه، المؤلف وضع لنا ضابطًا، قال: «وهو ما لا يَفْحُشُ في النفسِ» هذا هو ضابط الدم اليسير الذي يعفى عنه، والمراد في أوساط الناس وليس لكل أحد، فبعض الناس عنده تشدد ووسوسة فعنده أن اليسير كثير، قطرة يعتبرها كثير، وبعض الناس على العكس من ذلك، عنده تساهل وتهاون، فيعتبر الدم الكثير يسيرًا، فلا هذا رأيه معتبر ولا ذاك رأيه معتبر، إنما المعتبر أوساط الناس، فمثلًا لو دخل إنسان عليه دم على خمسة أشخاص، أربعة منهم قالوا نرى أن الدم يسير، وواحد قال لا كثير، فنعتمد على قول هؤلاء الأربعة الأكثر، أو العكس، فإذًا المقصود في أوساط الناس، ولا يدخل في ذلك مَن عنده وسوسة أو تشدد ولا من عنده تهاون وتساهل.

 

قال: «وكَذَا المَذْيُ» المذي أيضًا يعفى عن يسيره، مراد المؤلف أنه يعفى عن يسيره، والمذي هو ماء رقيق يخرج مع اشتداد الشهوة بدون دفق، ويخرج من الرجل ومن المرأة جميعًا، وهو نجس بالإجماع، ويغسل الذكر وما أصاب المذي من اللباس لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث علي: (اغسل ذكرك وتوضأ)[رواه البخاري (269)]، ولكن نجاسة المذي مخففة فيعفى أولا عن يسيره كالدم وثانيا يكفي فيه النضح في أرجح قولي العلماء فلا يجب غسله وإنما يكفي فيه النضح، وسبق أن عرفنا المقصود بالنضح، ليس المقصود به الرش، إنما هو الغمر بالماء من غير عصر، فيكفي فيه النضح، ويدل لذلك حديث سهل بن حنيف -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصابه منه)[رواه الترمذي (115)، وقال حديث حسن صحيح]، وهذا هو اختيار أبي العباس بن تيمية وقول الإمام أحمد لما سئل عنه قال أرجو أن يكفي فيه النضح.

 

إذًا المذي نقول أن الأصل أنه نجس، إلا أن النجاسة مخففة، ويظهر أثر التخفيف في مسألتين:

 

الأولى: أنه يعفى عن يسيره، الثانية: أنه يكفي فيه النضح، ولا شك أن الأكمل الغسل، لكن النضح يكفي فيه، وهذا يقطع الطريق على بعض المبتلين بالوسواس فإن بعض الناس عنده وسواس المذي فنقول يكفي فيه أن تنضحه، اجعل في المنطقة كلها ماء يكفي ذلك، ولا يضرك إن خرج بعد هذا.

 

قال: «وَأَثَرُ الاستِجمَارِ» أي: يعفى عنه بعد حصول الإنقاء، وذلك -سيأتي إن شاء الله- أن الاستجمار يكفي ولو مع وجود الماء بالإجماع، يكفي الاستجمار بالحجارة أو المناديل ونحوها ولو مع وجود الماء، إنسان دخل دورة المياه وعنده الماء واكتفى لتنظيف محل الخارج من القبل أو الدبر بمناديل والماء عنده موجود؟ يجوز بالإجماع، لكن يشترك حصول الإنقاء.

 

لكن قد يقول قائل: إنه حتى بعد الإنقاء بالمناديل ونحوها لا بد أن يبقى أثر يسير جدًا للنجاسة، بدليل أنك لو استخدمت الماء لوجدت هذا الأثر، هذا الأثر اليسير معفو عنه، هذا معنى كلام المؤلف، قال: «وَأَثَرُ الاستِجمَارِ».

 

ولذلك أيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار؟ الاستنجاء؛ لأنه أكمل في الإنقاء، وسيأتينا -إن شاء الله- أن الأكمل هو الاستجمار ثم الاستنجاء، تعمل الأمرين جميعًا، تستخدم المناديل مثلًا ثم بعد ذلك تستخدم الماء، لأنك لا تباشر النجاسة بيدك، وأيضًا يحدث كمال الإنقاء، لكن إذا أردت أن تكتفي بأحدهما فالاستنجاء أكمل؛ لأنه أبلغ في الإنقاء، لكن نحن قلنا: إن الاستجمار يكفي بالإجماع ولو مع وجود الماء، فيشكل علينا مسألة أنه حتى مع الإنقاء يبقى أثر يسير للنجاسة، نقول هذا الأثر معفو عنه، وهذا من يسر الشريعة، لكن بشرط حصول الإنقاء، وهذا -إن شاء الله- سنتكلم عنه بالتفصيل عندما يأتينا باب الاستنجاء.

 

قال: «والخُفِّ» يعنى يعفى عن النجاسة اليسيرة التي تكون في الخف بعد دلكه بالأرض، وذلك أن السنة هي الصلاة في الخفاف والنعال، هذه هي السنة، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، وقال: (إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم)[رواه ابن حبان (2186)، وأبو داود (652)، وصححه الألباني]، لكن تُترك هذه السنة إذا ترتب على فعلها مفسدة؛ مثل المساجد المفروشة الآن، لو كل واحد دخل بنعليه لأصبحت المساجد وكرًا للأذى والنجاسة، فتُترك لأجل المصلحة، لكن ينبغي إحياء هذه السنة ما أمكن، كأن يصلي الإنسان مثلا في البر، السنة ينبغي أن يصلي بنعليه حتى يحيي هذه السنة، إذا كان يصلي في استراحة مثلا يصلي بنعليه، الحديث رواه البخاري ومسلم، إذا كان في الطريق يصلي بنعليه، فينبغي أن يحرص المسلم على تطبيق هذه السنة خاصة وأن كثيرًا من المسلمين الآن تركوا هذه السنة فيتأكد إحياؤها، إذن الصلاة في النعال سنة.

 

فإن قال قائل: إن النعال قد يكون فيها نجاسة، نقول: نعم، هذه النجاسة قبل أن يدخل الإنسان إلى المكان الذي يريد أن يصلي فيه يدلك خفه بالأرض، فإذا دلك خفه بالأرض ورأى أنه ليس فيه نجاسة يكفي هذا، قد تبقى نجاسة يسيرة عالقة بالخف هذه يعفى عنها، وهذا معنى قول المؤلف «والخُفِّ»، ولهذا جاء في حديث أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما)[رواه أبو داود (650)]، هذه من السنن التي هجرها كثير من الناس، لا نقول جميع الناس لأنه يوجد من يطبقها، لكن كثير من الناس، فينبغي إذًا -خاصة طلبة العلم- أن يُحيوا هذه السنة ويبيِّنوا للناس أن السنة هي الصلاة في النعال، وإنما تركها الناس في المساجد دفعا لمفسدة أخرى وهي علوق النجاسة بفرش المسجد.

 

إذا كان عليك نعلان أو خفان ونحوهما فانظر فيهما إذا رأيت فيهما أذى فادلكها في الأرض وصل فيها، وما قد يوجد من يسير النجاسة معفو عنه بعد دلكها بالأرض، ولهذا قال المصنف: «والخُفِّ، والذَّيلِ بَعدَ دَلكِهِ أو مُرُورِهِ بأرضٍ طاهرةٍ» فإذًا لا بد من الدلك بالأرض الطاهرة، دلك الخف بالأرض الطاهرة، أو مروره بأرض طاهرة، إما الدلك أو المرور، إما أن تمشي في أرض طاهرة ثم تنظر في نعليك فتجد أنها ليس فيها أي نجاسة، تصلي فيها، أو أنك قبل أن تصلي تدلكها بالأرض وتصلي فيها، وهذا كافٍ، هذا يدل على أن أمور الشريعة مبناها على اليسر والسهولة.

 

وبعض العامة يستنكر أن يصلي الإنسان في نعليه، وهذا الاستنكار لا وجه له، الصلاة في النعال ليست مباحة بل سنة، ينبغي أن يفعلها المسلم ما أمكن.

 

وأما قوله: «والذَّيلِ» مقصود المؤلف بالذَّيل: ذيل المرأة وهو طرف ثوبها، ونحن قلنا: إن المرأة لا بأس أن تجر ثوبها إلى ذراع، فطرف ثوب المرأة إذا وطئ أرضًا قذرة فيطهره ما بعده، يعني إذا مرَّ بأرض طاهرة فيطهره ما بعده، ولهذا لما قالت أم سلمة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، قال -عليه الصلاة والسلام-: (يطهره ما بعده)[أخرجه أبو داود (383)، والترمذي (143)، وابن ماجة (436)، وفي سنده مقال]، لكن معناه صحيح، فإذا المرأة لوكان عندها الآن عباءة وهذه العباءة تسحَب على الأرض فربما تصادف قذرًا، نقول: يطهرها ما بعدها، فالأصل فيها الطهارة، الأصل في هذه العباءة -حتى وإن كانت تمس الأرض-، الأصل فيها الطهارة.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض