الخثلان
الخثلان
اختلاف العلماء في تقسيم الماء إلى قليل وكثير
6 رجب 1437 عدد الزيارات 686

اختلف العلماء في مسألة تقسيم الماء إلى قليل وكثير على قولين:

القول الأول: أن الماء ينقسم إلى قليل وكثير، وأن الكثير: ما بلغ قُلَّتين فأكثر، والقليل: ما دون القُلَّتين، وهذا إليه ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة.

والقول الثاني: أن الماء قسم واحد ولا ينقسم إلى قليل وكثير، بل هو قسم واحد، والأصل أنه طهور إلا إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة قليلًا كان أم كثيرًا، إذًا القول الثاني أن الماء قسم واحد ولا ينقسم لقليل ولا لكثير، والأصل أنه طهور إلا إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، ورواية عن الحنابلة، واختاره أبو العباس ابن تيمية وابن القيم، وجماعة من المحققين من أهل العلم.

نأتي للأدلة:

أدلة الجمهور على تقسيم الماء إلى قليل وكثير: استدلوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يَحمِلِ الخَبَثَ» وهذا الحديث (أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وغيرهم)، وظاهر إسناده الصحة، وضعّفه بعض أهل العلم، ورجّح الإمام ابن تيمية وقفه على ابن عمر، ووجه الدلالة قالوا: إن مفهوم هذا الحديث أن الماء إذا لم يبلغ قُلتين فإنه يحمل الخبث؛ لأن قوله: «إذا بلغ الماء قُلّتين لم يحمل الخبث» فإن مفهومه إذا لم يبلغ القُلّتين فإنه يحمل الخبث، أي: النجاسة، وهذا يدل على تقسيم الماء إلى قليل أو كثير.

وأما أصحاب القول الثاني: وهم القائلون: "بأن الماء قسم واحد ولا ينقسم إلى قليل وكثير"، فاستدلوا بحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن التوضأ من بئر بُضاعة -وهي بئر يُطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الماء طهور لا ينجِّسُه شيء» (رواه أبو داود: [66]، والترمذي: [66]، وصححه الألباني)، وهذا الحديث حديث صحيح، رواه أبو داود وأحمد وغيرهم، وهو حديث صحيح، صححه الإمام أحمد وغيره، وهذا يدل على أن الأصل في الماء أنه طهور ولا ينجس شيء إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة، فهو نجس للإجماع على ذلك.

واستدلوا من جهة النظر، قالوا: إن علة النجاسة هي الخبث، فمتى وُجد الخبث في الشيء فهو نجس، ومتى لم يوجد فليس بنجس، فالخبث يوجد إذا تغير طعم الماء أو لونه أو ريحه بنجاسة، وإلا فالأصل أنه طهور.

والقول الراجح: هو القول الثاني، وهو: أن الماء قسم واحد، وهو لا ينقسم إلى قليل وكثير، وهو أنه طهور إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة.

وأما استدلال الجمهور بحديث القُلّتين، فنقول:

أولًا: من أهل العلم من ضعّفه، وعلى تقدير ثبوته فحديث بئر بضاعة أصح وأصرح، فهو أصح من جهة الصناعة الحديثية، وأصرح لكون الاستدلال به بالمنطوق، بينما حديث ابن عمر حديث القلتين الاستدلال بالمفهوم، وإذا تعارض المنطوق والمفهوم فالمنطوق مُقدّم على المفهوم كما هو مقرر عند الأصوليين.

ثم أيضًا الحديث ليس على إطلاقه حتى عند الجمهور؛ لأنه عندهم أن الماء إذا كان دون القُلّتين ولم يقع فيه خبث فإنه لا يحمل الخبث، هو ليس على إطلاقه حتى عندهم.

ثم أيضًا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك ابتداءً وإنما جوابًا على سؤال، فسُئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع ثم أيضًا أن هذا القول يترتب عليه: أنه إذا وقع في الماء القليل نجاسة يسيرة جدًا ولو كرأس الذباب فإنه يكون نجسًا، عندهم أنه إذا كان الماء أقل من القلتين لو وقع فيه نجاسة كرأس الذباب يكون نجسًا، وهذا مخالف للحس، إذ أنه لو وقع فيه نجاسة يسيرة جدًا لا يحمل الخبث، حمل الخبث أمر حسي يعرفه الناس ليس بالمعقول ولا يتفق مع الأصول والقواعد الشرعية، أن يُقال: إن الماء إذا أصابه رشاشة كرأس الذباب أصبح كل هذا الماء نجسًا ولا يجوز التطهر به، لا يتفق مع الأصول والقواعد الشرعية، وعلى هذا فالقول الراجح هو القول الثاني، وهو أن الماء طهور لا ينجسه شيء، أن الماء طهور قليلًا كان أم كثيرًا إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة فهو نجس.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الأمير مشعل بحي الخزامى - غرب الرياض